علاوي: أدماني فأس النظام وتسللوا إلى المشرحة للتأكد من جثتي

رئيس الوزراء العراقي الأسبق روى لـ"الشرق الأوسط" رحلته مع «البعث» وصدّام وعراق ما بعد الاحتلال (2)

TT

علاوي: أدماني فأس النظام وتسللوا إلى المشرحة للتأكد من جثتي


رئيس الوزراء العراقي السابق إياد علاوي (غيتي)
رئيس الوزراء العراقي السابق إياد علاوي (غيتي)

في السبعينات غادر شابان العراق للابتعاد عن «السيد النائب» صدام حسين وآلته الأمنية القاتلة. اسم الأول نوري المالكي، وهو عضو في حزب «الدعوة» الذي اتخذ صدّام قراراً باقتلاعه من جذوره. واسم الثاني إياد علاوي، وهو عضو في حزب «البعث»، هاله ما شهده الحزب بفعل تقدم صدّام للسيطرة بالقوة على كل مفاصله تحت عباءة الرئيس أحمد حسن البكر. وسيتواجه الرجلان لاحقاً في عراق ما بعد الغزو الأميركي.

في 2010 دخلت مكتب رئيس الوزراء العراقي، وكان اسمه نوري المالكي. كان الحوار مفيداً. انتابني بعد خروجي منه شعور بأن عراق ما بعد صدام أنجب رجلاً قوياً لن يغادر موقعه الجديد ببساطة، كي لا نقول إنه لن يغادر إلا على رؤوس الحراب. واستوقفني أن الرجل الذي كان قد وقّع قرار إعدام صدام، وقف أمام جثة الأخير حين نقلها المنفذون إلى قرب منزله. قال المالكي في الحوار: «لم تكن أمنيتي إعدام صدام، فهذا خلاص له. الإعدام بحقه قليل لما ارتكبه من جرائم.

محاكمة صدام وأركان نظامه (غيتي)

كان يجب أن يبقى سجيناً مُذَلاً ومهاناً كنموذج للديكتاتوريين؛ لكنها رغبة الناس وعائلات الشهداء... رأيته مضطراً بعد إعدامه، وبعد إلحاح من بعض الإخوة. وقفت أمام جثته نصف دقيقة، وقلت له: ماذا ينفع إعدامك؟ هل يعيد لنا الشهداء والبلد الذي دمرته؟».في تلك السنة عاش العراق أزمة طويلة مفتوحة حول تشكيل الحكومة الجديدة. المالكي يطالب بولاية ثانية، وعلاوي -وهو رئيس سابق للحكومة- يعتبر نفسه صاحب حق في ضوء نتائج الانتخابات النيابية. بعد 8 أشهر، كسب المالكي المبارزة، والأسباب كثيرة. دعم إيران الواضح للمالكي، وحرص الإدارة الأميركية على استرضاء إيران. يضاف إلى ذلك أن علاوي لم يأخذ بنصيحة أسداها إليه قائد «فيلق القدس» الجنرال قاسم سليماني. لم يأخذ أيضاً بنصيحتين له بزيارة إيران سمعهما من فلاديمير بوتين وبشار الأسد، في حين سمع الثالثة من الشيخ صباح الأحمد. تمسّك علاوي بموقفه الرافض «استجداء رئاسة الوزراء من الخارج»، وسيكشف -في حوار «الشرق الأوسط» معه- ما جرى في تلك اللقاءات، مُصدراً حكماً قاسياً على نائب الرئيس الأميركي آنذاك جو بايدن، ومناوراته لإبقاء المالكي في موقعه.

الخط العروبي العلماني

تمسّك علاوي بخطه «العراقي العروبي العلماني»، رافضاً التسليم بحق إيران في تشكيل المشهد السياسي، معتبراً أنها شاركت أميركا في تخريب العراق. وهكذا انقضت السنوات، ولم يزر علاوي إيران ولو لمرة واحدة، على الرغم من توليه منصب رئيس الوزراء ونائب رئيس الجمهورية ورئاسة كتلة نيابية كبيرة. وكان لافتاً عدم تردده في إبداء انتقادات صريحة للتدخلات الخارجية في الشأن العراقي، وبينها تدخلات أميركا وإيران.

علاوي... فأس النظام العراقي لحق به إلى لندن لكنه عاد إلى بلاده بعد الغزو ولعب أدواراً سياسية بارزة (غيتي)

ما كان لكل هذه الأسئلة أن تُطرح لو سارت الأمور فجر الرابع من فبراير (شباط) 1978 في لندن على النحو الذي أراده سيّد بغداد. في تلك الليلة نفّذت المخابرات العراقية أمراً من «السيد النائب» يقضي بـ«تهشيم رأس» إياد علاوي الذي استقال من الحزب، وبدأ يبحث عن التغيير في العراق من خارجه.

محاولة الاغتيال

سألت علاوي عن محاولة الاغتيال تلك، والتي لا تزال آثارها ماثلة في جسده. وسأتركه يروي.

سبقت المحاولة تهديدات كثيرة. تركتُ حزب «البعث» كلياً عام 1975. سلّمت التنظيمات التي كنت مسؤولاً عنها في 1974، وفي 1975 شكّلنا «الوفاق الوطني» بشكل سري، من دون أن نعطيه اسماً؛ إذ رأينا أن الأمور بدأت تنحرف عن جادة الصواب، سواء على الصعيد العربي أو العراقي والوطني. استمرت التهديدات والإغراءات من 1975 إلى 1978 عندما لعبوا لعبة قذرة جداً.

أرسلوا إليّ في لندن شخصاً سمّى نفسه «جهاد الدليمي». اتصل بي وقال إنه يريد أن نلتقي بشكل عاجل. كانت وردتنا، عبر جماعتنا وأصدقائنا وإخواننا، معلومات بأن هناك 13 شخصاً سيتعرضون للاغتيال: أنا، وطالب شبيب، وحازم جواد (الرجل الذي قاد استيلاء «البعث» على السلطة في 1963)، وتحسين معلا، وحميد الصايغ، وغيرهم. اغتيالات وتصفيات تتعلق بالحزب. قال «جهاد الدليمي»: أنا آتٍ إليك. لم أكن أعرفه، وأخذت حذري من الذهاب إلى المكان الذي كان يسكن فيه، وكان في فندق؛ لكنه بقي يلحّ إلحاحاً كبيراً، فظننت أن لديه قضية مهمة.

كان هذا قبل الاعتداء بشهر. أعطاني اسم الفندق الذي كان ينزل فيه في محلة إيرلز كورت (غرب لندن). اتصلت به من هاتف عمومي قبالة الفندق، فقال إنه موجود في الداخل. قلت له: خلال نصف ساعة أكون عندك؛ لكنني لن أستطيع أن أتأخر في اللقاء.

موضوع غريب

راقبت الفندق فلم أجد أي حركة مريبة. التقيته وفاتحني بموضوع غريب. شخص لا تعرفه يفاتحك بعملية انقلاب. وقال لي: أنا مبعوث من قبل أشخاص يهمونك ويعرفونك ويحترمونك، وسمّى لي منهم سعيد ثابت (رحمه الله) وكان بعثياً كبيراً. سألته: ماذا يريدون؟ قال إنهم يبحثون عن البعثيين الذين لهم شأن في الحزب، ويريدون التعاون معهم. قلت له: هل هذا كلام تتحدث به مع إنسان غريب مثلي بالنسبة إليك؟ اذهبوا وعدّلوا الأمور من داخل الحزب. قلت ذلك من أجل أن أتحاشى الموضوع. أنهيت الحديث بقولي له: أنا ليس لدي شيء أقدمه، ولست مستعداً للتآمر. أنا أعمل الآن في المجال الطبي ومتفرغ له.

صدام في اجتماع مع كبار قادة أركان نظامه (غيتي)

اتصلت بطالب شبيب، وكان حازم جواد عنده، وقال لي حازم: حصل معي الأمر ذاته، وضروري أن تخبر السفير العراقي أو مسؤول حزب «البعث» بالأمر. قلت له إنه إنسان بريء فكيف أُخبر عنه؟ لو كان بريئاً ولو بنسبة 1 في المليون فكيف أُخبر عنه؟ القصة أن شخصاً لا أعرفه جاء يفاتحني بانقلاب.

اتصلت بأحد أصدقائنا الذي كنت أدخلته إلى جهاز الأمن والمخابرات عندما كنت مسؤولاً في الحزب، اسمه نزار، هو الآن لاجئ سياسي في كندا، وقلت له: يا نزار، هل يمكن أن تتأكد ما إذا كان جهاز المخابرات أرسل إليّ أحداً؟ هل يمكن أن تتأكد لي من الأمر؟ علماً بأننا كنا نعمل بسرّية كبيرة.

«جهاد الدليمي»

بعد 10 أيام اتصل بي، وقال لي إن جهاز المخابرات أرسل لك شخصاً سمّى نفسه «جهاد الدليمي»، نسيت اسمه الحقيقي. تفاجأت بهذا الكلام رغم أنني كنت أتوقع ممارسات انتقامية. كلّمت أحد الإخوان وطلبت منه أن ألتقي مسؤول تنظيم الحزب في مقهى أحد الفنادق، واخترت فندق «غلوستر». التقينا، وقلت له: جاءني شخص مكلّف بأن يفاتحني بانقلاب، وأريد أن أعطيكم اسمه وصفاته. هو أسمر، ويقول إن اسمه «جهاد». فابتسم المسؤول وقال لي: تأخرت يا دكتور في إخبار الحزب. قلت له: أنا تركت الحزب، ولست موظفاً في الدولة، وأنا أعمل طبيباً. بعد شهر بالتمام جرت محاولة الاغتيال.

كان ذلك ليل 3- 4 فبراير 1978، في منطقة اسمها إبسوم في ساري (جنوب غربي لندن)؛ حيث كنت أقيم مع زوجتي الأولى التي توفيت رحمها الله. أصيبت بجرح بالغ خلال المحاولة. كنت في عملي في المستشفى ليلاً، ثم لبّيت دعوة عند أصدقاء أكراد، وكنا نتحدث في السياسة. عدت نحو منتصف الليل إلى البيت، وكنت متعباً. كنت معتاداً أن أبقي الستائر مرفوعة قليلاً، ويدخل من خلالها ضوء بسيط من الشارع. عند نحو الثالثة فجراً سمعت صوتاً، ففتحت عيني ورأيت شبحاً قرب سريري. توهّمت أنني أحلم. لكنني رأيت شيئاً يلمع متجهاً نحوي، فقلت: هذا ليس حلماً. ضربني الشبح فوراً في رجلي، وشعرت كأن ناراً دخلت فيها. الركبة اليسار لم أعد قادراً على تحريكها، وتلقيت ضربات وعضات في يدي، وتهشيماً بالأظافر في صدري، وشعرت بماء حار على رأسي. ماذا يجري؟ استمرت هذه المسألة نحو دقيقتين أو ثلاث دقائق، ثم أشعلت زوجتي الضوء، وأصيبت فوراً بهستيريا، وهجمت على هذا الشخص تلقائياً، وهو طويل ومدرب. (أورد علاوي اسم المهاجم كاملاً؛ لكن سنكتفي بنشر الأحرف الأولى، وهي: م.ع.ج). خلع المهاجم اثنتين من أسنان زوجتي بيده. استمررنا نتعارك وأنا ممسك بـ«الطبر» (الفأس) وأمنعه من استخدامها.

ماء حار

لكن الماء الحار الذي كنت أشعر به تبيّن أنه دم نتيجة ضربة في رأسي، والعظام خرجت من رجلي اليمنى، وأنا على هذه الركبة (اليسرى). ساهم هذا في إنقاذ حياتي بالنتيجة.

كنت خائفاً على زوجتي، بعدما تمكّن من أخذ «الطبر» ضربها على يدها، وبقيت معلّقة بالجلد فقط، فقلت لها أن تقفز وتتعلق برقبته بيدها السليمة، علماً بأنه طويل، بينما أنا جالس على الركبة، وكان «الطبر» متجهاً إلى رأسي. لكنني تمكنت؛ لأنه كان طويلاً وأنا في الأسفل، أن آخذ «الطبر» منه، بينما زوجتي تمكنت من التمسك برقبته وشدته إلى الوراء، حينها أمسكت «الطبر» من مقبضه وأخذته منه، وضربته به في رجله. استمر الأمر نحو 10 إلى 12 دقيقة، حينها اتجه إلى باب الغرفة ليغادر، فزحفت وقلت لزوجتي أن تبقى خلفي، ووصلت إلى «تواليت»؛ حيث أخذت عبوة عطر ورميتها عليه، فالتفت إليّ ليرى إن كنت ميتاً أو حياً، وكانت الدماء تغطي أرض الغرفة والجدران. وما إن التفت إليّ، وعرفت أن المسألة سياسية، شتمته وقلت له: «يا ابن الكذا... أنتم فعلتم ذلك لأنكم جبناء، ولكن إن أعطاني الله الحياة فسأقلع عيونك وعيون صدّام، وإذا مت فهناك من سيأخذ ثأري». عندها أدار رأسه وخرج لاعتقاده أنني لن أبقى حياً. لاحظت أنه كان برفقة شخص آخر على وسطه مسدس.

رحلة العذاب والعلاج

بعدما غادر، زحفت إلى الهاتف، واتصلت بالمستشفى، وقلت لهم إننا -أنا وزوجتي- أُصبنا إصابات بالغة، ولا نعرف إن كنا سنعيش أم سنموت، ويجب أن تخبروا الشرطة بهذا الاعتداء علينا. أرسلوا إلينا سيارة إسعاف، وكان بيتنا قريباً من المستشفى التي تعمل فيها زوجتي. في أقل من 5 دقائق وصلت الشرطة والإسعاف، ونقلونا فوراً إلى المستشفى، ووضعونا في غرفتين منفصلتين. قالوا لي إن جرّاحاً زائراً سيأتي ليجري لك الجراحة المطلوبة، وسنعطيك إسعافات أولية ريثما يصل. فقلت لهم: لا تفعلوا شيئاً حتى يأتي ابن عمي. أعطيتهم رقمه ليتصلوا به، وكان بيته قريباً. فقالوا: هل الوقت الآن وقت ابن عمك؟ قلت: نعم، اتصلوا به ليأتي. جعفر علاوي أصبح لاحقاً وزير الصحة في العراق. اتصلوا به وجاء مع زوجته وأخته، فقلت له: يا جعفر، اتصل بصلاح شبيب وتحسين معلا وحميد الصايغ، وقل لهم إن إياد ضُرب، وأنتم أسماؤكم مسجلة على جدول القتل، ولا نعرف إن كان إياد سيعيش أم سيموت؛ لكن خذوا حذركم بشدة. فقال لي: هل الآن وقتها؟ اذهب إلى غرفة العمليات. قلت له: اذهب واتصل بهم ثم عد إليّ.

وجوه كئيبة

نقلوني إلى غرفة للعناية المركزة بعد غرفة العمليات، وقطعوا عني أي اتصالات، حتى أهلي منعوهم من زيارتي. أبقوني ثلاثة أيام تحت المراقبة، إذ كانوا يخشون حصول نزيف في الدماغ. الحمد لله، لم يحصل نزيف. بعد ذلك، نقلوني إلى غرفة عادية، ورأيت كل الوجوه كئيبة. الأهل والأصدقاء قلقون وخائفون، ظننت أن زوجتي توفيت، فقلت لهم: خير إن شاء الله؟ هذا طريقنا، وصدام قرر أن يتعامل معنا بهذا الشكل، ماذا نفعل؟

في هذه الأثناء، قال لي شرطي كان موجوداً إن قضيتك سياسية، وسيأتي رئيس قسم مكافحة الإرهاب في «سكوتلانديارد»، جيم نيفل، ومساعده ورنوك، ليتوليا التحقيق فيها. وسألته عما يحصل، فقال لي: ألم يخبروك؟ قلت له: لم يخبرني أحد شيئاً. فقال لي: لقد تسللوا إلى مشرحة المستشفى، وتفقدوا الجثث هناك للتأكد من مقتلك. وعند الفجر بينما كان عمّال يحضرون جثة إلى المشرحة سمعوا وقع أقدام باتجاههم فهربوا.

ذهبوا إلى مشرحة المستشفى ليتأكدوا إن كنت قد قُتلت. خضعت لعلاجات وعمليات لمدة شهر في المستشفى، في ظل حماية مسلحة من شرطة مكافحة الإرهاب. بعد شهر، جاءتني الشرطة مع عدد من المدنيين، وسألوني إن كنت أتآمر على الحكم في العراق. الشرطة أجرت تحقيقات فظيعة. وجدوا ساعة المعتدي وآثاراً من دمه؛ لأنني كنت ضربته على رجله، وهو من صنف موجود بكثرة في العراق وغير موجود في إنجلترا. وجدوا ساعته المصنوعة في اليابان بشكل خاص للقصر الجمهوري العراقي. كانوا دقيقين. أخذوا بصمات أصابعه.

قال رجال الشرطة: نحن لا نستطيع أن نبقي لك حماية بشكل دائم، فيجب أن تغادر إلى مستشفى آخر، ولا يعرف هويتك الحقيقة سوى مدير المستشفى والطبيب المعالج، وتقول للآخرين إنك لبناني وجُرحت في الحرب الأهلية في لبنان. وكان لدي صديق أمون عليه، فطلبت منه أن يجد لي مستشفى آخر خارج لندن. نقلوني إلى مستشفى في منطقة غلوسترشاير؛ حيث خضعت لثلاث عمليات. الطبيب المعالج ومدير المستشفى فقط كانا يعرفان هويتي، والبقية قلت لهم إنني من لبنان وأُصبت في الحرب.

خضعت لجراحات متكررة، واستغرقت مدة العلاج سنة ونصف سنة. خلال الفترة الأولى أجروا لي عدة عمليات، ثم خضعت لعلاج طبيعي. زوجتي أصيبت في الفترة الأولى بانهيار عصبي. ثم أصيبت بالسرطان وتوفيت، رحمها الله.

برزان يشرف من باريس ويسخر

نجح المنفذون في المغادرة إلى فرنسا، وعادوا منها إلى العراق. طبعاً كانوا يسافرون بجوازات مزورة، وأحياناً بجوازات دبلوماسية. اللافت أن برزان التكريتي (أخ غير شقيق لصدام) جاء إلى باريس ليشرف على العملية من هناك.

أبلغ صحافي بريطاني مهتم بشؤون العراق «سكوتلانديارد» أن برزان كان في باريس لهذا الغرض. ليلة العملية اتصل برزان بشقيقي عماد في بغداد نحو الثانية بعد منتصف الليل، قائلاً له: «ما أخبار الدكتور؟». فأجابه أخي بأني بخير، فأخذ برزان يقهقه بشكل هستيري، وقال: «سلامنا له»، ثم أقفل السمّاعة. أثار الاتصال قلق أخي، فحاول أن يكلّمني في اليوم التالي؛ لكنه لم يتمكن، وأبلغه ابن عمّي لاحقاً أن إياد وقع وكسر رجله، وسيكلمك بعد يومين.

فترة مزعجة ومتعبة

أمضيت سنة في المستشفى، لم أستطع أن أسكن في بيت أو أن أعمل في مستشفى، وجُلت على منازل أقربائي. البيوت الفارغة استخدمتها (للإقامة فيها). حقيقة، كانت فترة مزعجة ومتعبة.

سألت علاوي: لماذا لم يطلق المهاجمان النار عليه؟ فتابع روايته.

اعتقدا أنني سأموت بفعل النزف. الغرفة كانت كلها دماء. كان في التلفزيون البريطاني برنامج يظهر الجرائم البشعة، ومحاولة اغتيالي أظهروها على التلفزيون، وصور الفأس والدماء على الجدران. عندما وقعت الجريمة في فبراير كان الجو بارداً جداً، وأوقفت الشرطة كل أجهزة التدفئة في المنزل، ولكن عندما أصبح الجو دافئاً انفجرت الأنابيب، وغمرت المياه كل شيء في البيت، ولم تبقِ أي ورقة... كل هذه الأمور ظهرت في التلفزيون. كانت محاولة قتل جادة، وكلّفتهم أموالاً كثيرة، وفق ما عرفت لاحقاً.

المنفذ يسقط في الفخ

بعد سقوط النظام وعودتنا إلى بغداد، بلغني أن «م.ع.ج» موجود في تركيا. جاءني ضابط مخابرات عراقي وقال لي: هل تعرفه إن عُرضت صورته عليك؟ قلت: نعم. أراني صورته فعرفته، فقلت له: أين هو الآن؟ قال إنه في تركيا مكلّف من المخابرات العراقية بمتابعة المعارضة العراقية التي تخرج وتدخل من طريق الشمال، عبر كردستان، لكي يغتالهم، واسمك في المقدمة.

اتصلنا بتركيا، فقالوا: أنتم تعدمون وتقتلون، لن نسلمكم إياه. لاحقاً، جاء الأميركيون وقالوا لي إن أريناك صورة الشخص الذي ضربك، فهل تعرفه؟ قلت: نعم. فأروني صورته، وقالوا لي إنه في تركيا، ونقدر أن نفاتح الحكومة التركية ليسلمونا إياه. وصارت القضية بالشكل التالي: فاتحوا الحكومة التركية، وقالوا لها أن تطلب منه الرجوع لكي يأخذ تأشيرة أخرى، فقط عليه أن يدخل العراق ويغادره عبر جسر إبراهيم الخليل في معبر زاخو في كردستان. فقط تعبر وتعود إلى تركيا ونعطيك تأشيرة لمدة 5 سنوات. جماعة مسعود بارزاني، الأسايش- المخابرات، موجودون في المعبر. جاءتهم إشارة من الأميركيين، فاعتقلوه رأساً وأرسلوه إلى المعتقل في بغداد.

الأميركيون طلبوا مني أن أراه، فرفضت لئلا أفعل له أي شيء تحت تأثير الغضب. وكذلك قلت إنني أتنازل عن حقي الشخصي؛ لكن يبقى الحق العام الذي لا يمكنني أن أتنازل عنه.

غداً حلقة ثالثة


مقالات ذات صلة

مقاربة من 5 خطوات لـ«تفكيك الميليشيات» العراقية

خاص السوداني يتوسّط رئيس «الحشد الشعبي» فالح الفياض ورئيس أركانه أبو فدك (إعلام حكومي)

مقاربة من 5 خطوات لـ«تفكيك الميليشيات» العراقية

رغم مطالب أميركية متواصلة للسلطات العراقية بكبح الفصائل، وتفكيكها، يلاحظ مراقبون الغياب شبه الكلي لهذا الملف عن اجتماعات قادة «الإطار التنسيقي».

فاضل النشمي (بغداد)
شؤون إقليمية مشهد عام لقلعة أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق (فيسبوك)

كردستان العراق يعلن حصيلة ضحايا المُسيَّرات والصواريخ

قالت سلطات إقليم كردستان العراق، السبت، إن 20 شخصاً قُتلوا وأُصيب 123، جراء مئات الهجمات بالطائرات المُسيَّرة والصواريخ.

«الشرق الأوسط» (أربيل)
خاص مدرّعة عراقية قرب السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)

خاص ضغوط واشنطن على بغداد «تمهّد لاعتقال قادة فصائل»

أُفيد في بغداد بأن واشنطن تهيئ الأرضية لمطالب «أكثر تشدداً» قد تضع القيادة العراقية المقبلة أمام اختبار مبكر يتعلق بملف الميليشيات المسلحة.

حمزة مصطفى (بغداد)
الخليج الجهات المختصة الكويتية باشرت فوراً اتخاذ الإجراءات اللازمة للتعامل مع الحادث (كونا)

السعودية تدين استهداف الكويت بـ«مسيّرات» من العراق

أدانت السعودية واستنكرت بأشد العبارات استهداف موقعين من المراكز الحدودية البرية الشمالية لدولة الكويت بطائرات مسيَّرة قادمة من العراق.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي نوري المالكي (أرشيفية - د.ب.أ)

مراوحة مستمرة في العراق بشأن اختيار رئيس الوزراء الجديد

فشل التحالف الشيعي الرئيسي في العراق، في الاتفاق على مرشح جديد لمنصب رئيس الوزراء، بعدما قوّضت الضغوط الأميركية فرص نوري المالكي الذي كان الأوفر حظا.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
TT

السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)

في وقت تترقب فيه دمشق مثول رئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا عاطف نجيب أمام محكمة الجنايات الرابعة في القصر العدلي بالحميدية وسط العاصمة السورية، قالت مصادر في هيئة العدالة الانتقالية لـ«الشرق الأوسط» إن المحاكمة ستجري علناً، مؤكدة أن مسار العدالة يسير بخطوات سليمة وسيحقق نتائج خلال الفترة المقبلة.

ويأتي ذلك في وقت تسود فيه أجواء من الحذر والقلق في قرية نبع الطيب بسهل الغاب في ريف حماة الغربي، وسط انتشار أمني كثيف عقب القبض على والد أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة التضامن في دمشق، وعدة أشخاص آخرين بتهمة التورط في إخفائه. وقال مصدر أمني سوري إنه تم اعتقال والد أمجد يوسف وأشخاص آخرين مشتبه بتورطهم في إخفائه، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء الرسمية «سانا»، فيما قالت مصادر محلية في حماة إن حالة من الغضب والاحتقان تعم القرى المجاورة في ريف المحافظة، بعد انتشار أنباء تفيد بوجود المطلوب في جرائم قتل جماعي في قريته منذ عام ونصف العام، والتستر عليه هناك.

وأعلنت وزارة الداخلية السورية، الجمعة، إلقاء القبض على أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بتنفيذ مجزرة حي التضامن في دمشق عام 2013، في عملية أمنية وصفتها بـ«المُحكمة». وحسب تقرير مصور بثته «الداخلية»، تم القبض على المتهم في سريره، وسط ذهول أفراد عائلته، فيما عمّت موجة فرح ممزوج بالفجيعة أحياء جنوب دمشق التي شهدت مجازر مروعة في سياق الحملة الأمنية التي شنّها النظام السابق ضد المناطق التي خرجت عن سيطرته عام 2011.

وعبّرت السيدة خلود عبد الله التي فقدت ثمانية أفراد من عائلتها في مجزرة التضامن، عن فرحها بتوقيف أمجد يوسف. خسرت خلود والدها وأمها وثلاث أخوات وابن أختها (طفل في عمر أربع سنوات) في التضامن عام 2013، كما فقدت اثنين من أشقائها في المعتقل، أحدهما في سجن صيدنايا، والآخر بفرع فلسطين، حسبما قالت لـ«الشرق الأوسط». وتحدثت عن شعورها لحظة سماع نبأ القبض على أمجد يوسف، فقالت: «شعور لا يُوصف. فرحت وبكيت وتذكرت أهلي». وتمنت خلود أن تلتقي المتهم وجهاً لوجه، وقد طلبت ذلك من وزير الداخلية، لكنها لم تتلق رداً بعد. وأكدت أن «لا شيء يبرّد قلوب أهالي الضحايا، لأن المصاب جلل، لكن الله يصبّرنا»، مضيفة أن عقاب الله للمجرمين «يشفي غلنا».

صورة وزعتها وزارة الداخلية السورية للمتهم أمجد يوسف بعد إلقاء القبض عليه الجمعة (إ.ب.أ)

وبينما يطالب أهالي الضحايا والمفقودين بعلنية التحقيقات والمحاكمة للوصول إلى الحقيقة كاملة، وكشف مصير المفقودين، أكد مسؤول ملف التحقق والتوثيق في الهيئة الوطنية للمفقودين، عمار العيسى، لـ«الشرق الأوسط» أن دور الهيئة في التحقيقات هو «دور فني داعم للتحقيقات القضائية، يتمثل في ربط المعطيات الواردة من التحقيق مع ما لدينا من بيانات وبلاغات، والتحقق منها ميدانياً وعلمياً». والهيئة لا تقوم بالاستجواب، وليست لديها ولاية تحقيقية وإنما «توفّر البنية التي تحوّل المعلومات إلى أدلة قابلة للاستخدام القضائي: توثيق، وتحقق، وحماية مواقع، وإدارة أدلة وسلاسل حيازة، وتحليل جنائي، وصولاً إلى إعداد تقارير يمكن أن تدعم مسار الادعاء». وقال العيسى إن «ما يمكن تقديمه للتحقيق هو قوائم مُتحقَّق منها ومرتبطة بسياقات محددة (مثل المكان، والزمان، ونمط الاختفاء)، وليس مجرد أرقام أو أسماء عامة، وذلك لضمان القيمة القانونية لهذه القوائم وربطها بالأدلة».

ولفت العيسى إلى أن الأرقام الموجودة لدى الهيئة هي على «مستوى البلاغات الوطنية»، وأن الأهم في سياق التحقيقات الجارية، ليس الرقم الإجمالي، بل الربط الدقيق بين الحالات والموقع والواقعة المحددة. ولذلك تتحفظ الهيئة عن «طرح أرقام غير مُدقّقة أو غير مرتبطة بسياق قضائي واضح، لأن ذلك قد يضر بالتحقيق أكثر مما يفيده».

ونظّمت «خيام الحقيقة»، وهي مجموعات أهلية من ذوي الضحايا والمفقودين في مناطق سليمة ومخيم اليرموك وجرمانا والغوطة الشرقية -القطاع الجنوبي وداريا- قرب دمشق، وقفة للأهالي بمناسبة القبض على أمجد يوسف مساء السبت. وقال الناشط واصل حميدة، من عائلات «خيام الحقيقة» في مخيم اليرموك، لـ«الشرق الأوسط»، إن الوقفة هي للتأكيد على مطالب أهالي الضحايا الذين يعتبرون القبض على أحد مرتكبي مجازر حي التضامن «تطوراً إيجابياً» طال انتظاره، ويعيد إشعال بصيص أمل في قلوب الأهالي المثقلة بالألم. وأكد أن توقيفه «تطور إيجابي في السعي المستمر لتحقيق العدالة في سوريا». وأشار واصل حميدة الذي فقد شقيقه في حي الزاهرة خلال سبتمبر (أيلول) من عام 2013، إلى أن عائلات «خيام الحقيقة» اعتبروا، في بيان مشترك، القبض على أمجد يوسف خطوة مهمة، لكنها «غير مكتملة»، مطالبين بمحاكمات علنية وبشفافية كاملة في إجراءات التحقيق، ومحاسبة جميع المسؤولين دون استثناء من المنفذين وكتبة التقارير إلى أعلى المستويات القيادية، ورفض محاولات إطلاق سراح مرتكبي جرائم الحرب أو المتورطين في الجرائم ضد الإنسانية تحت أي ذريعة، بما في ذلك ذريعة «السلم الأهلي» أو المصالحات.

مواطنون يحتفلون بتوقيف المتهم أمجد يوسف في حي التضامن يوم الجمعة (رويترز)

وشدد البيان على أن تحقيق الاستقرار الحقيقي لا يكون إلا عبر المساءلة والعدالة وعدم الإفلات من العقاب. كما طالبت عائلات «خيام الحقيقة» باستمرار الضغط والعمل الدبلوماسي الدولي، لتسليم كبار المسؤولين عن الجرائم، وصولاً لرأس النظام المخلوع بشار الأسد.

وبرز اسم أمجد يوسف بوصفه أحد أخطر مرتكبي المجازر وأعمال القتل الجماعي في سوريا بعد نشر صحيفة «الغارديان» تحقيقاً في 27 أبريل (نيسان) عام 2022، استناداً إلى تحقيق أكاديمي للباحثين أنصار شحّود وأوغور أوميت أونغور، حول مجزرة «حي التضامن» في 16 أبريل 2013، أسفرت عن مقتل نحو 41 شخصاً ودفنهم في مقبرة جماعية.

وعلّقت الباحثة في مركز الهولوكوست والإبادة الجماعية بجامعة ‌أمستردام، أنصار شحود، على إلقاء القبض على أمجد يوسف بالقول إنها «تشعر الآن بالأمان»، مضيفة في تصريح لوكالة «رويترز» أن «الطريق إلى العدالة في سوريا غير واضح ولا يشمل جميع الجناة». وقالت: «حاسة (أشعر) بنوع ما من الأمان رغم بعد المسافة»، مشيرة إلى أنها كانت تشعر بأن يوسف يسعى وراءها لقتلها.

وتبدأ الأحد في دمشق أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب قريب الرئيس المخلوع بشار الأسد، وهو كان قد تولى سابقاً رئاسة فرع الأمن السياسي في محافظة درعا (جنوب)، حيث اندلعت شرارة الاحتجاجات الشعبية عام 2011، ويُعد المسؤول عن حملة قمع واعتقالات واسعة هناك.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


قطع طرق في بيروت على خلفية مداهمة أمنية

عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)
عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)
TT

قطع طرق في بيروت على خلفية مداهمة أمنية

عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)
عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)

شهدت بيروت توتراً أمنياً، بعد ظهر السبت، على خلفية إشكال في منطقة ساقية الجنزير مرتبط بتسعيرة المولدات الكهربائية، تخلله إطلاق نار ووقوع إصابات؛ ما أدى إلى تحركات احتجاجية، وقطع عدد من الطرق في العاصمة، وسط تباين في الروايات بين الجهات الرسمية وقوى أمن الدولة التي قامت بمداهمة أحد أصحاب المولدات.

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بقطع الطريق في ساحة فردان مقابل دار الطائفة الدرزية بمستوعبات النفايات، احتجاجاً على إشكال ساقية الجنزير على خلفية تسعيرة مولدات، أعقبه إطلاق نار ووقوع إصابات. وقد تم قطع طريق كورنيش المزرعة - إغلاق نزلة الملا - قطع طريق الملا كركول الدروز رفضاً للذي حصل في ساقية الجنزير.

سلام يحمل المسؤولية لأحد عناصر الأجهزة

وفي السياق نفسه، أشار رئيس الحكومة نواف سلام إلى تحميل أحد الأجهزة الأمنية مسؤولية ما جرى، وكتب عبر منصة «إكس» قائلاً: «ما شاهدته ساحة ساقية الجنزير بعد ظهر اليوم من أعمال عنف من قبل عناصر أحد الأجهزة الأمنية ضد المدنيين، وإطلاق النار، وإرعاب المواطنين تصرفات غير مقبولة أياً كانت الأسباب أو الذرائع»، مضيفاً: «أعطيت الأوامر الصارمة للقيام بالتحقيقات الفورية لجلاء ملابسات ما جرى، واتخاذ التدابير اللازمة المسلكية والقضائية بحق المرتكبين. أدعو إخوتي المواطنين في بيروت إلى التحلي بأعلى درجات ضبط النفس؛ حفاظاً على أمن عاصمتنا الغالية، وسلامة أهلنا فيها».

كما كتب النائب وضاح الصادق عبر منصة «إكس» موضحاً ما حصل : «اقتحم جهازُ أمنِ الدولةِ منطقةَ ساقيةِ الجنزير في بيروت، وكأنّ أبو علي عيتاني (صاحب مولدات في المنطقة) رئيسُ مجموعةٍ إرهابية، فأشبعوه ضرباً، وأطلقوا النار إرهاباً لأهل المنطقة الذين تجمّعوا لحمايته. الحُجّة أنّه رفع تعرفة المولّد، فتخطّوا القانون، وتجاوزوا مسؤولية المحافظ ووزارة الاقتصاد، وقرّروا تطبيق قرار أحد الضباط ومن ورائه بالقوّة»، مضيفاً: «هذا أمرٌ لن يمرّ، ولم نشاهده في أيّ منطقةٍ أخرى، حيث يتجاوز أصحاب المولّدات كلّ الأعراف والقوانين يومياً. نحن نعرف كيف حمى أبو علي منطقته، ونعرف لماذا يتمّ التعامل معه بهذه الطريقة. سأكتفي بهذا، مع الثقة بأنّ اللواء لاوندس (مدير عام أمن الدولة اللواء إدغار لاوندس)، الذي لم أنجح في التواصل معه، سيأخذ الخطوات الآيلة إلى ضبط بعض الضباط في جهازه، ولكن هذا الأمر لن يمرّ مرور الكرام. سنكرّرها للمرة الأخيرة: بيروت ليست مكسَرَ عصاً لأحد».

رواية أمن الدولة

في المقابل، صدر عن المديرية العامة لأمن الدولة بيان قالت فيه إنه «متابعةً لجهودها المستمرة في قمع المخالفات التي تمسّ الأمن الاقتصادي، وبعد تخلّف أحد أصحاب المولدات الكهربائية المخالفة ضمن نطاق مدينة بيروت عن الحضور إلى مبنى مديرية الاستعلام والعمليات الخاصة لاستكمال الإجراءات القضائية بحقه، وبناءً على إشارة النيابة العامة المالية القاضية بإحضاره، قامت دورية من هذه المديرية العامة بتنفيذ الإشارة القضائية، فاعترضها عدد من المواطنين، ومُنعت من تنفيذ مهمتها؛ ما اضطر بعض العناصر إلى إطلاق النار في الهواء لتفريقهم، ولم يُصَبْ أحد بأذى. يتم إجراء التحقيق بإشراف النيابة العامة العسكرية».


لبنان: المفاوضات الجدية مع إسرائيل رهن بتثبيت وقف النار

شعار مؤيد لقرارات الرئيس اللبناني جوزيف عون مكتوب على صورة عملاقة له في أحد شوارع بيروت (أ.ف.ب)
شعار مؤيد لقرارات الرئيس اللبناني جوزيف عون مكتوب على صورة عملاقة له في أحد شوارع بيروت (أ.ف.ب)
TT

لبنان: المفاوضات الجدية مع إسرائيل رهن بتثبيت وقف النار

شعار مؤيد لقرارات الرئيس اللبناني جوزيف عون مكتوب على صورة عملاقة له في أحد شوارع بيروت (أ.ف.ب)
شعار مؤيد لقرارات الرئيس اللبناني جوزيف عون مكتوب على صورة عملاقة له في أحد شوارع بيروت (أ.ف.ب)

في ظل الحراك القائم على خط المفاوضات الإسرائيلية - اللبنانية، يسود ترقّب حذر في لبنان، مع تضارب المعلومات حول إمكان عقد لقاء مرتقب بين رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ورئيس الجمهورية جوزيف عون في واشنطن وهو المطلب الذي لطالما تحدث عنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

والسبت، أفادت وسائل الإعلام الإسرائيلية بأن نتنياهو سيزور واشنطن منتصف شهر مايو (أيار) المقبل للمشاركة في لقاء مع عون، مشيرة إلى أن هذا اللقاء يبقى مشروطاً باستمرار الهدنة. في المقابل، أكدت مصادر وزارية لبنانية لـ«الشرق الأوسط» أن الرئاسة لم تتبلغ أي معلومات في هذا الإطار.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب حاضراً في الاجتماع اللبناني - الإسرائيلي الذي عقد مساء الخميس (أ.ف.ب)

وأكدت المصادر «أنه لا يمكن الانتقال إلى التفكير بشكل جدي بالمفاوضات قبل حصول التزام كامل بوقف إطلاق النار ووقف التدمير، مشيرة إلى أن الهدنة لا تزال هشَّة».

ولفتت إلى أنه من المفترض عقد جولة ثالثة من المفاوضات، مذكرة بما قاله السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى آنذاك بالحاجة لاجتماع جديد «لا بد وأن يحمل زخماً إضافياً للاجتماع الأخير».

وأوضحت المصادر «أن لبنان طالب في الجولة الثانية بوقف العمليات الكبيرة ووقف التدمير، غير أن هذا الالتزام لم يتحقق حتى الآن، باستثناء ما وصفته بالتزام بعدم استهداف سيارات الإسعاف».

وأشارت إلى أن «حزب الله» لا يزال يعتبر أن عملياته تأتي رداً على الخروقات الإسرائيلية، وأن الوصول إلى وقف إطلاق النار يبقى مرتبطاً بحصول التزام إسرائيلي، مضيفة: «فليتم سحب هذه الورقة من (حزب الله) ولننطلق بالمفاوضات».

وعن التواصل مع «حزب الله» الذي يستمر في مهاجمة المفاوضات تقول المصادر الوزارية: «هذا الأمر يتم عبر رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يُفترض أنه يعبّر عن موقف الثنائي»، مشيرة إلى «أن مدى تأثيره يرتبط بمدى تجاوب الحزب معه، ومذكرة في الوقت عينه بأن الحزب سبق أن وعد بري بعدم التدخل في الحرب الأميركية - الإيرانية لكنه لم يلتزم بذلك وأطلق حرب الإسناد».

وزير الإعلام: تثبيت وقف النار مدخل لتحقيق المطالب

وفي إطار المفاوضات، أكَّد وزير الإعلام بول مرقص أن لبنان يطالب بتمديد وتثبيت وقف إطلاق النار كخطوة أساسية لتحقيق بقية الأهداف، وفي مقدمتها انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، وتحرير الأسرى، وتسوية النقاط العالقة على الحدود، بالتوازي مع وقف الخروقات البرية والبحرية والجوية.

العلم اللبناني مرفرفاً في وسط بيروت حيث لا تزال خيم النازحين في موقف للسيارات (رويترز)

وأشار مرقص في حديث لقناة «بي بي سي» إلى أن الحكومة اتخذت قرارات تتعلق بنشر الجيش اللبناني وحصرية السلاح، إلا أن استمرار الهجمات الإسرائيلية شكَّل عائِقَاً أمام تنفيذ هذه المقررات. وأضاف أن لبنان مستعد لإعادة إطلاق هذه الخطوات، بما في ذلك نشر الجيش حتى الحدود، مؤكداً أن الهدف هو تحقيق الاستقرار، وهو ما يتطلب انسحاب القوات الإسرائيلية وتمكين الجيش من الانتشار.

المجلس الشرعي: تمسّك بالدستور ودعم خيار الدولة

في موازاة ذلك، أكَّد المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى برئاسة المفتي عبد اللطيف دريان التمسك باتفاق الطائف والدستور كمرجعية وطنية لا يجوز المساس بها، باعتبارهما الضامن لانتظام الحياة الوطنية والاستقرار.

وشدَّد المجلس على احترام صلاحيات رئيس الجمهورية في إدارة المفاوضات وعقد الاتفاقات الدولية بالتنسيق مع الحكومة، ودعم خيار اللجوء إلى المسار الدبلوماسي لإنهاء الحرب.

الدخان يتصاعد من مدينة الخيام بعد تعرضها لقصف إسرائيلي (أ.ف.ب)

كما دعا إلى «الامتناع عن التعرض لرئاسة الحكومة أو التطاول على شخص رئيس الحكومة والرئاسات الأخرى واللجوء إلى الخطاب التصعيدي التخويني الفتنوي الذي يسيء إلى هيبة الحكم ومعنويات الدولة وكرامات الناس، لأن التعرض لرأس الدولة وعمودها الفقري ورموز الدولة بات يرقى إلى المساس بالأمن الوطني»، مضيفاً: «وإذا استمر هذا التعرض، فهل ندرك حجم وهول المخاطر من المهالك التي نزج هذا الوطن فيها، فإلى متى؟ وإلى أين؟ مع التأكيد على دعم قرارات مجلس الوزراء الأخيرة والعمل على تنفيذها والتقيد بأحكامها».

كما دان المجلس الأعمال العدائية الإسرائيلية وسياسة التدمير التي تستهدف القرى والأحياء، معتبراً أنها تهدف إلى منع عودة الأهالي وفرض واقع ميداني جديد. وأكَّد ضرورة تعزيز دور الجيش اللبناني وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي، داعياً المجتمع الدولي إلى فرض انسحاب القوات الإسرائيلية والالتزام بالقرارات الدولية.