علاوي: أدماني فأس النظام وتسللوا إلى المشرحة للتأكد من جثتي

رئيس الوزراء العراقي الأسبق روى لـ"الشرق الأوسط" رحلته مع «البعث» وصدّام وعراق ما بعد الاحتلال (2)

TT

علاوي: أدماني فأس النظام وتسللوا إلى المشرحة للتأكد من جثتي


رئيس الوزراء العراقي السابق إياد علاوي (غيتي)
رئيس الوزراء العراقي السابق إياد علاوي (غيتي)

في السبعينات غادر شابان العراق للابتعاد عن «السيد النائب» صدام حسين وآلته الأمنية القاتلة. اسم الأول نوري المالكي، وهو عضو في حزب «الدعوة» الذي اتخذ صدّام قراراً باقتلاعه من جذوره. واسم الثاني إياد علاوي، وهو عضو في حزب «البعث»، هاله ما شهده الحزب بفعل تقدم صدّام للسيطرة بالقوة على كل مفاصله تحت عباءة الرئيس أحمد حسن البكر. وسيتواجه الرجلان لاحقاً في عراق ما بعد الغزو الأميركي.

في 2010 دخلت مكتب رئيس الوزراء العراقي، وكان اسمه نوري المالكي. كان الحوار مفيداً. انتابني بعد خروجي منه شعور بأن عراق ما بعد صدام أنجب رجلاً قوياً لن يغادر موقعه الجديد ببساطة، كي لا نقول إنه لن يغادر إلا على رؤوس الحراب. واستوقفني أن الرجل الذي كان قد وقّع قرار إعدام صدام، وقف أمام جثة الأخير حين نقلها المنفذون إلى قرب منزله. قال المالكي في الحوار: «لم تكن أمنيتي إعدام صدام، فهذا خلاص له. الإعدام بحقه قليل لما ارتكبه من جرائم.

محاكمة صدام وأركان نظامه (غيتي)

كان يجب أن يبقى سجيناً مُذَلاً ومهاناً كنموذج للديكتاتوريين؛ لكنها رغبة الناس وعائلات الشهداء... رأيته مضطراً بعد إعدامه، وبعد إلحاح من بعض الإخوة. وقفت أمام جثته نصف دقيقة، وقلت له: ماذا ينفع إعدامك؟ هل يعيد لنا الشهداء والبلد الذي دمرته؟».في تلك السنة عاش العراق أزمة طويلة مفتوحة حول تشكيل الحكومة الجديدة. المالكي يطالب بولاية ثانية، وعلاوي -وهو رئيس سابق للحكومة- يعتبر نفسه صاحب حق في ضوء نتائج الانتخابات النيابية. بعد 8 أشهر، كسب المالكي المبارزة، والأسباب كثيرة. دعم إيران الواضح للمالكي، وحرص الإدارة الأميركية على استرضاء إيران. يضاف إلى ذلك أن علاوي لم يأخذ بنصيحة أسداها إليه قائد «فيلق القدس» الجنرال قاسم سليماني. لم يأخذ أيضاً بنصيحتين له بزيارة إيران سمعهما من فلاديمير بوتين وبشار الأسد، في حين سمع الثالثة من الشيخ صباح الأحمد. تمسّك علاوي بموقفه الرافض «استجداء رئاسة الوزراء من الخارج»، وسيكشف -في حوار «الشرق الأوسط» معه- ما جرى في تلك اللقاءات، مُصدراً حكماً قاسياً على نائب الرئيس الأميركي آنذاك جو بايدن، ومناوراته لإبقاء المالكي في موقعه.

الخط العروبي العلماني

تمسّك علاوي بخطه «العراقي العروبي العلماني»، رافضاً التسليم بحق إيران في تشكيل المشهد السياسي، معتبراً أنها شاركت أميركا في تخريب العراق. وهكذا انقضت السنوات، ولم يزر علاوي إيران ولو لمرة واحدة، على الرغم من توليه منصب رئيس الوزراء ونائب رئيس الجمهورية ورئاسة كتلة نيابية كبيرة. وكان لافتاً عدم تردده في إبداء انتقادات صريحة للتدخلات الخارجية في الشأن العراقي، وبينها تدخلات أميركا وإيران.

علاوي... فأس النظام العراقي لحق به إلى لندن لكنه عاد إلى بلاده بعد الغزو ولعب أدواراً سياسية بارزة (غيتي)

ما كان لكل هذه الأسئلة أن تُطرح لو سارت الأمور فجر الرابع من فبراير (شباط) 1978 في لندن على النحو الذي أراده سيّد بغداد. في تلك الليلة نفّذت المخابرات العراقية أمراً من «السيد النائب» يقضي بـ«تهشيم رأس» إياد علاوي الذي استقال من الحزب، وبدأ يبحث عن التغيير في العراق من خارجه.

محاولة الاغتيال

سألت علاوي عن محاولة الاغتيال تلك، والتي لا تزال آثارها ماثلة في جسده. وسأتركه يروي.

سبقت المحاولة تهديدات كثيرة. تركتُ حزب «البعث» كلياً عام 1975. سلّمت التنظيمات التي كنت مسؤولاً عنها في 1974، وفي 1975 شكّلنا «الوفاق الوطني» بشكل سري، من دون أن نعطيه اسماً؛ إذ رأينا أن الأمور بدأت تنحرف عن جادة الصواب، سواء على الصعيد العربي أو العراقي والوطني. استمرت التهديدات والإغراءات من 1975 إلى 1978 عندما لعبوا لعبة قذرة جداً.

أرسلوا إليّ في لندن شخصاً سمّى نفسه «جهاد الدليمي». اتصل بي وقال إنه يريد أن نلتقي بشكل عاجل. كانت وردتنا، عبر جماعتنا وأصدقائنا وإخواننا، معلومات بأن هناك 13 شخصاً سيتعرضون للاغتيال: أنا، وطالب شبيب، وحازم جواد (الرجل الذي قاد استيلاء «البعث» على السلطة في 1963)، وتحسين معلا، وحميد الصايغ، وغيرهم. اغتيالات وتصفيات تتعلق بالحزب. قال «جهاد الدليمي»: أنا آتٍ إليك. لم أكن أعرفه، وأخذت حذري من الذهاب إلى المكان الذي كان يسكن فيه، وكان في فندق؛ لكنه بقي يلحّ إلحاحاً كبيراً، فظننت أن لديه قضية مهمة.

كان هذا قبل الاعتداء بشهر. أعطاني اسم الفندق الذي كان ينزل فيه في محلة إيرلز كورت (غرب لندن). اتصلت به من هاتف عمومي قبالة الفندق، فقال إنه موجود في الداخل. قلت له: خلال نصف ساعة أكون عندك؛ لكنني لن أستطيع أن أتأخر في اللقاء.

موضوع غريب

راقبت الفندق فلم أجد أي حركة مريبة. التقيته وفاتحني بموضوع غريب. شخص لا تعرفه يفاتحك بعملية انقلاب. وقال لي: أنا مبعوث من قبل أشخاص يهمونك ويعرفونك ويحترمونك، وسمّى لي منهم سعيد ثابت (رحمه الله) وكان بعثياً كبيراً. سألته: ماذا يريدون؟ قال إنهم يبحثون عن البعثيين الذين لهم شأن في الحزب، ويريدون التعاون معهم. قلت له: هل هذا كلام تتحدث به مع إنسان غريب مثلي بالنسبة إليك؟ اذهبوا وعدّلوا الأمور من داخل الحزب. قلت ذلك من أجل أن أتحاشى الموضوع. أنهيت الحديث بقولي له: أنا ليس لدي شيء أقدمه، ولست مستعداً للتآمر. أنا أعمل الآن في المجال الطبي ومتفرغ له.

صدام في اجتماع مع كبار قادة أركان نظامه (غيتي)

اتصلت بطالب شبيب، وكان حازم جواد عنده، وقال لي حازم: حصل معي الأمر ذاته، وضروري أن تخبر السفير العراقي أو مسؤول حزب «البعث» بالأمر. قلت له إنه إنسان بريء فكيف أُخبر عنه؟ لو كان بريئاً ولو بنسبة 1 في المليون فكيف أُخبر عنه؟ القصة أن شخصاً لا أعرفه جاء يفاتحني بانقلاب.

اتصلت بأحد أصدقائنا الذي كنت أدخلته إلى جهاز الأمن والمخابرات عندما كنت مسؤولاً في الحزب، اسمه نزار، هو الآن لاجئ سياسي في كندا، وقلت له: يا نزار، هل يمكن أن تتأكد ما إذا كان جهاز المخابرات أرسل إليّ أحداً؟ هل يمكن أن تتأكد لي من الأمر؟ علماً بأننا كنا نعمل بسرّية كبيرة.

«جهاد الدليمي»

بعد 10 أيام اتصل بي، وقال لي إن جهاز المخابرات أرسل لك شخصاً سمّى نفسه «جهاد الدليمي»، نسيت اسمه الحقيقي. تفاجأت بهذا الكلام رغم أنني كنت أتوقع ممارسات انتقامية. كلّمت أحد الإخوان وطلبت منه أن ألتقي مسؤول تنظيم الحزب في مقهى أحد الفنادق، واخترت فندق «غلوستر». التقينا، وقلت له: جاءني شخص مكلّف بأن يفاتحني بانقلاب، وأريد أن أعطيكم اسمه وصفاته. هو أسمر، ويقول إن اسمه «جهاد». فابتسم المسؤول وقال لي: تأخرت يا دكتور في إخبار الحزب. قلت له: أنا تركت الحزب، ولست موظفاً في الدولة، وأنا أعمل طبيباً. بعد شهر بالتمام جرت محاولة الاغتيال.

كان ذلك ليل 3- 4 فبراير 1978، في منطقة اسمها إبسوم في ساري (جنوب غربي لندن)؛ حيث كنت أقيم مع زوجتي الأولى التي توفيت رحمها الله. أصيبت بجرح بالغ خلال المحاولة. كنت في عملي في المستشفى ليلاً، ثم لبّيت دعوة عند أصدقاء أكراد، وكنا نتحدث في السياسة. عدت نحو منتصف الليل إلى البيت، وكنت متعباً. كنت معتاداً أن أبقي الستائر مرفوعة قليلاً، ويدخل من خلالها ضوء بسيط من الشارع. عند نحو الثالثة فجراً سمعت صوتاً، ففتحت عيني ورأيت شبحاً قرب سريري. توهّمت أنني أحلم. لكنني رأيت شيئاً يلمع متجهاً نحوي، فقلت: هذا ليس حلماً. ضربني الشبح فوراً في رجلي، وشعرت كأن ناراً دخلت فيها. الركبة اليسار لم أعد قادراً على تحريكها، وتلقيت ضربات وعضات في يدي، وتهشيماً بالأظافر في صدري، وشعرت بماء حار على رأسي. ماذا يجري؟ استمرت هذه المسألة نحو دقيقتين أو ثلاث دقائق، ثم أشعلت زوجتي الضوء، وأصيبت فوراً بهستيريا، وهجمت على هذا الشخص تلقائياً، وهو طويل ومدرب. (أورد علاوي اسم المهاجم كاملاً؛ لكن سنكتفي بنشر الأحرف الأولى، وهي: م.ع.ج). خلع المهاجم اثنتين من أسنان زوجتي بيده. استمررنا نتعارك وأنا ممسك بـ«الطبر» (الفأس) وأمنعه من استخدامها.

ماء حار

لكن الماء الحار الذي كنت أشعر به تبيّن أنه دم نتيجة ضربة في رأسي، والعظام خرجت من رجلي اليمنى، وأنا على هذه الركبة (اليسرى). ساهم هذا في إنقاذ حياتي بالنتيجة.

كنت خائفاً على زوجتي، بعدما تمكّن من أخذ «الطبر» ضربها على يدها، وبقيت معلّقة بالجلد فقط، فقلت لها أن تقفز وتتعلق برقبته بيدها السليمة، علماً بأنه طويل، بينما أنا جالس على الركبة، وكان «الطبر» متجهاً إلى رأسي. لكنني تمكنت؛ لأنه كان طويلاً وأنا في الأسفل، أن آخذ «الطبر» منه، بينما زوجتي تمكنت من التمسك برقبته وشدته إلى الوراء، حينها أمسكت «الطبر» من مقبضه وأخذته منه، وضربته به في رجله. استمر الأمر نحو 10 إلى 12 دقيقة، حينها اتجه إلى باب الغرفة ليغادر، فزحفت وقلت لزوجتي أن تبقى خلفي، ووصلت إلى «تواليت»؛ حيث أخذت عبوة عطر ورميتها عليه، فالتفت إليّ ليرى إن كنت ميتاً أو حياً، وكانت الدماء تغطي أرض الغرفة والجدران. وما إن التفت إليّ، وعرفت أن المسألة سياسية، شتمته وقلت له: «يا ابن الكذا... أنتم فعلتم ذلك لأنكم جبناء، ولكن إن أعطاني الله الحياة فسأقلع عيونك وعيون صدّام، وإذا مت فهناك من سيأخذ ثأري». عندها أدار رأسه وخرج لاعتقاده أنني لن أبقى حياً. لاحظت أنه كان برفقة شخص آخر على وسطه مسدس.

رحلة العذاب والعلاج

بعدما غادر، زحفت إلى الهاتف، واتصلت بالمستشفى، وقلت لهم إننا -أنا وزوجتي- أُصبنا إصابات بالغة، ولا نعرف إن كنا سنعيش أم سنموت، ويجب أن تخبروا الشرطة بهذا الاعتداء علينا. أرسلوا إلينا سيارة إسعاف، وكان بيتنا قريباً من المستشفى التي تعمل فيها زوجتي. في أقل من 5 دقائق وصلت الشرطة والإسعاف، ونقلونا فوراً إلى المستشفى، ووضعونا في غرفتين منفصلتين. قالوا لي إن جرّاحاً زائراً سيأتي ليجري لك الجراحة المطلوبة، وسنعطيك إسعافات أولية ريثما يصل. فقلت لهم: لا تفعلوا شيئاً حتى يأتي ابن عمي. أعطيتهم رقمه ليتصلوا به، وكان بيته قريباً. فقالوا: هل الوقت الآن وقت ابن عمك؟ قلت: نعم، اتصلوا به ليأتي. جعفر علاوي أصبح لاحقاً وزير الصحة في العراق. اتصلوا به وجاء مع زوجته وأخته، فقلت له: يا جعفر، اتصل بصلاح شبيب وتحسين معلا وحميد الصايغ، وقل لهم إن إياد ضُرب، وأنتم أسماؤكم مسجلة على جدول القتل، ولا نعرف إن كان إياد سيعيش أم سيموت؛ لكن خذوا حذركم بشدة. فقال لي: هل الآن وقتها؟ اذهب إلى غرفة العمليات. قلت له: اذهب واتصل بهم ثم عد إليّ.

وجوه كئيبة

نقلوني إلى غرفة للعناية المركزة بعد غرفة العمليات، وقطعوا عني أي اتصالات، حتى أهلي منعوهم من زيارتي. أبقوني ثلاثة أيام تحت المراقبة، إذ كانوا يخشون حصول نزيف في الدماغ. الحمد لله، لم يحصل نزيف. بعد ذلك، نقلوني إلى غرفة عادية، ورأيت كل الوجوه كئيبة. الأهل والأصدقاء قلقون وخائفون، ظننت أن زوجتي توفيت، فقلت لهم: خير إن شاء الله؟ هذا طريقنا، وصدام قرر أن يتعامل معنا بهذا الشكل، ماذا نفعل؟

في هذه الأثناء، قال لي شرطي كان موجوداً إن قضيتك سياسية، وسيأتي رئيس قسم مكافحة الإرهاب في «سكوتلانديارد»، جيم نيفل، ومساعده ورنوك، ليتوليا التحقيق فيها. وسألته عما يحصل، فقال لي: ألم يخبروك؟ قلت له: لم يخبرني أحد شيئاً. فقال لي: لقد تسللوا إلى مشرحة المستشفى، وتفقدوا الجثث هناك للتأكد من مقتلك. وعند الفجر بينما كان عمّال يحضرون جثة إلى المشرحة سمعوا وقع أقدام باتجاههم فهربوا.

ذهبوا إلى مشرحة المستشفى ليتأكدوا إن كنت قد قُتلت. خضعت لعلاجات وعمليات لمدة شهر في المستشفى، في ظل حماية مسلحة من شرطة مكافحة الإرهاب. بعد شهر، جاءتني الشرطة مع عدد من المدنيين، وسألوني إن كنت أتآمر على الحكم في العراق. الشرطة أجرت تحقيقات فظيعة. وجدوا ساعة المعتدي وآثاراً من دمه؛ لأنني كنت ضربته على رجله، وهو من صنف موجود بكثرة في العراق وغير موجود في إنجلترا. وجدوا ساعته المصنوعة في اليابان بشكل خاص للقصر الجمهوري العراقي. كانوا دقيقين. أخذوا بصمات أصابعه.

قال رجال الشرطة: نحن لا نستطيع أن نبقي لك حماية بشكل دائم، فيجب أن تغادر إلى مستشفى آخر، ولا يعرف هويتك الحقيقة سوى مدير المستشفى والطبيب المعالج، وتقول للآخرين إنك لبناني وجُرحت في الحرب الأهلية في لبنان. وكان لدي صديق أمون عليه، فطلبت منه أن يجد لي مستشفى آخر خارج لندن. نقلوني إلى مستشفى في منطقة غلوسترشاير؛ حيث خضعت لثلاث عمليات. الطبيب المعالج ومدير المستشفى فقط كانا يعرفان هويتي، والبقية قلت لهم إنني من لبنان وأُصبت في الحرب.

خضعت لجراحات متكررة، واستغرقت مدة العلاج سنة ونصف سنة. خلال الفترة الأولى أجروا لي عدة عمليات، ثم خضعت لعلاج طبيعي. زوجتي أصيبت في الفترة الأولى بانهيار عصبي. ثم أصيبت بالسرطان وتوفيت، رحمها الله.

برزان يشرف من باريس ويسخر

نجح المنفذون في المغادرة إلى فرنسا، وعادوا منها إلى العراق. طبعاً كانوا يسافرون بجوازات مزورة، وأحياناً بجوازات دبلوماسية. اللافت أن برزان التكريتي (أخ غير شقيق لصدام) جاء إلى باريس ليشرف على العملية من هناك.

أبلغ صحافي بريطاني مهتم بشؤون العراق «سكوتلانديارد» أن برزان كان في باريس لهذا الغرض. ليلة العملية اتصل برزان بشقيقي عماد في بغداد نحو الثانية بعد منتصف الليل، قائلاً له: «ما أخبار الدكتور؟». فأجابه أخي بأني بخير، فأخذ برزان يقهقه بشكل هستيري، وقال: «سلامنا له»، ثم أقفل السمّاعة. أثار الاتصال قلق أخي، فحاول أن يكلّمني في اليوم التالي؛ لكنه لم يتمكن، وأبلغه ابن عمّي لاحقاً أن إياد وقع وكسر رجله، وسيكلمك بعد يومين.

فترة مزعجة ومتعبة

أمضيت سنة في المستشفى، لم أستطع أن أسكن في بيت أو أن أعمل في مستشفى، وجُلت على منازل أقربائي. البيوت الفارغة استخدمتها (للإقامة فيها). حقيقة، كانت فترة مزعجة ومتعبة.

سألت علاوي: لماذا لم يطلق المهاجمان النار عليه؟ فتابع روايته.

اعتقدا أنني سأموت بفعل النزف. الغرفة كانت كلها دماء. كان في التلفزيون البريطاني برنامج يظهر الجرائم البشعة، ومحاولة اغتيالي أظهروها على التلفزيون، وصور الفأس والدماء على الجدران. عندما وقعت الجريمة في فبراير كان الجو بارداً جداً، وأوقفت الشرطة كل أجهزة التدفئة في المنزل، ولكن عندما أصبح الجو دافئاً انفجرت الأنابيب، وغمرت المياه كل شيء في البيت، ولم تبقِ أي ورقة... كل هذه الأمور ظهرت في التلفزيون. كانت محاولة قتل جادة، وكلّفتهم أموالاً كثيرة، وفق ما عرفت لاحقاً.

المنفذ يسقط في الفخ

بعد سقوط النظام وعودتنا إلى بغداد، بلغني أن «م.ع.ج» موجود في تركيا. جاءني ضابط مخابرات عراقي وقال لي: هل تعرفه إن عُرضت صورته عليك؟ قلت: نعم. أراني صورته فعرفته، فقلت له: أين هو الآن؟ قال إنه في تركيا مكلّف من المخابرات العراقية بمتابعة المعارضة العراقية التي تخرج وتدخل من طريق الشمال، عبر كردستان، لكي يغتالهم، واسمك في المقدمة.

اتصلنا بتركيا، فقالوا: أنتم تعدمون وتقتلون، لن نسلمكم إياه. لاحقاً، جاء الأميركيون وقالوا لي إن أريناك صورة الشخص الذي ضربك، فهل تعرفه؟ قلت: نعم. فأروني صورته، وقالوا لي إنه في تركيا، ونقدر أن نفاتح الحكومة التركية ليسلمونا إياه. وصارت القضية بالشكل التالي: فاتحوا الحكومة التركية، وقالوا لها أن تطلب منه الرجوع لكي يأخذ تأشيرة أخرى، فقط عليه أن يدخل العراق ويغادره عبر جسر إبراهيم الخليل في معبر زاخو في كردستان. فقط تعبر وتعود إلى تركيا ونعطيك تأشيرة لمدة 5 سنوات. جماعة مسعود بارزاني، الأسايش- المخابرات، موجودون في المعبر. جاءتهم إشارة من الأميركيين، فاعتقلوه رأساً وأرسلوه إلى المعتقل في بغداد.

الأميركيون طلبوا مني أن أراه، فرفضت لئلا أفعل له أي شيء تحت تأثير الغضب. وكذلك قلت إنني أتنازل عن حقي الشخصي؛ لكن يبقى الحق العام الذي لا يمكنني أن أتنازل عنه.

غداً حلقة ثالثة


مقالات ذات صلة

الزيدي يُحقق في تجاوزات على العلم الأميركي خلال احتفالات «يوم السيادة»

المشرق العربي من صور الإساءة للعلم الأميركي في «ساحة التحرير» وسط بغداد (مواقع التواصل)

الزيدي يُحقق في تجاوزات على العلم الأميركي خلال احتفالات «يوم السيادة»

أمر رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة علي الزيدي، الأحد، بتشكيل لجنة تحقيقية لكشف ملابسات التجاوز على علم الولايات المتحدة الأميركية.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي من اجتماع لـ«الإطار التنسيقي» بحضور رئيس الوزراء علي الزيدي (وكالة الأنباء العراقية)

الزيدي يُحذّر «الإطار التنسيقي» من تبعات عدم حصر السلاح بيد الدولة

المتغير في طبيعة رؤية «قوى الإطار التنسيقي» لجهة وضع مدد زمنية بعيدة نسبياً لتسليم السلاح، حصل بعد اللقاء المنفرد الذي جمع الزيدي مع الرئيس دونالد ترمب.

حمزة مصطفى (بغداد)
الاقتصاد سفن راسية بالقرب من مضيق هرمز في 2 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

العراق: نقل مليوني برميل من النفط عبر مضيق هرمز

نقلت شركة «ناقلات النفط العراقية» (المملوكة للدولة) مليوني برميل من الخام العراقي على متن ناقلة نفط عملاقة (VLCC) عبر مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
خاص عناصر من الأمن العراقي يقفون للحراسة بالقرب من نصب «قوس النصر» في أثناء التحضيرات لاحتفالات «يوم السيادة»... يوم 2 أكتوبر 2026 (رويترز)

خاص «اليوم الوطني» يستعيد جدل الاستقلال في العراق

احتفى مسؤولون كبار في العراق بـ«اليوم الوطني» 3 أكتوبر (تشرين الأول) الذي يصادف استقلال البلاد من الانتداب البريطاني ودخولها عصبة الأمم عام 1932.

حمزة مصطفى (بغداد)
شؤون إقليمية موظف يعمل بمكتب شركة «ماهان» للطيران الإيرانية في أربيل بالعراق في 22 سبتمبر 2026 (رويترز)

العراق: السماح بتسيير 40 رحلة إيرانية يومياً من وإلى مطار النجف

قال مكتب رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ​إنه سيُسمح لشركات الطيران الإيرانية بتسيير 40 رحلة يومياً من مطار النجف الدولي وإليه باستثناء شركة «ماهان إير».


انتشار أمني يضبط التوتر في السقيلبية والسلطات تتعهد بفرض القانون

قيادة الأمن الداخلي بريف حماة انتشرت في مدينة السقيلبية وأوقفت عدداً من المتورطين بالمشاجرة ليلة السبت - الأحد (الأمن العام في حماة)
قيادة الأمن الداخلي بريف حماة انتشرت في مدينة السقيلبية وأوقفت عدداً من المتورطين بالمشاجرة ليلة السبت - الأحد (الأمن العام في حماة)
TT

انتشار أمني يضبط التوتر في السقيلبية والسلطات تتعهد بفرض القانون

قيادة الأمن الداخلي بريف حماة انتشرت في مدينة السقيلبية وأوقفت عدداً من المتورطين بالمشاجرة ليلة السبت - الأحد (الأمن العام في حماة)
قيادة الأمن الداخلي بريف حماة انتشرت في مدينة السقيلبية وأوقفت عدداً من المتورطين بالمشاجرة ليلة السبت - الأحد (الأمن العام في حماة)

تمكنت قوى الأمن الداخلي في محافظة حماة وسط سوريا من احتواء توتر أمني شهدته مدينة السقيلبية ليلة السبت ـ الأحد، بسبب مشاجرة نشبت بين شبان من المدينة وآخرين من مدينة قلعة المضيق المجاورة وكلاهما في سهل الغاب. وقالت مديرية إعلام حماة إنه تم «توقيف جميع المتورطين في المشاجرة، تمهيداً لإحالتهم إلى الجهات القضائية المختصة».

وكانت السقيلبية قد شهدت، مساء السبت، مشاجرة بين شبان من قلعة المضيق وصاحب محل إثر مشادة كلامية تدخل بعدها شبان من السقيلبية لمساندة صاحب المحل، وقاموا بمهاجمة مقهى في المدينة تعود ملكيته إلى أحد أبناء قلعة المضيق.

وفي ردة فعل مقابلة، توجهت «فزعة» من شبان يركبون دراجات نارية ومزودين بسلاح فردي، إلى سوق السقيلبية، وقاموا بتكسير المحلات وإطلاق نار للترهيب أدى إلى إصابة امرأة بجروح سطحية، لتتدخل بعدها قوى الأمن الداخلي لوقف التوتر وفرض الهدوء. حسب مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط».

وانتشرت، صباح الأحد، قوى الأمن في مدينة السقيلبية ذات الغالبية المسيحية، مع إرسال تعزيزات أمنية إلى قلعة المضيق المجاورة وتنفيذ عملية أمنية لتوقيف المشتبه في مشاركتهم في الهجوم.

مصادر في قلعة المضيق قالت لـ«الشرق الأوسط» إن مساعي أهلية تبذل بالتعاون مع السلطات الأمنية لاحتواء التوتر والبحث عن حلول لوضع حد لتكرار هذه الحوادث، مشيرة إلى استدعاء قوى الأمن عدداً من المشتبه بهم للتحقيق معهم، وقالت المصادر، التي تحفظت عن ذكر اسمها، إن العلاقة بين أهالي المدينتين تاريخياً «ممتازة جداً»، إلا أن الاحتكاكات يسببها شبان يجهلون عادات وتقاليد أهل السقيلبية.

ودعت المصادر إلى إيجاد حل لـ«شارع المشوار»، وهو شارع رئيسي في السقيلبية يستقطب الشباب من الطرفين، لافتة إلى أنه «في الوضع السوري من السهل تحول أي مشاجرة عادية إلى حدث أمني»، لأن حملات التحريض المتواصلة تجعل الظروف دائماً مهيئة لتفجير احتقان كبير خلّفته سياسات النظام السابق خلال سنوات الثورة الشعبية، حين كان يستخدم مناطق الأقليات لتمركز قواته ومنطلقاً لمنصات إطلاق النار تجاه المناطق الثائرة.

ويعد شارع «المشوار» في السقيلبية مكاناً لتجمع المقاهي وأماكن الترفيه تقصده العائلات مساءً، وشهد خلال الفترات الماضية حالات تحرش بالشابات من قبل وافدين من مناطق أخرى أدت إلى إشعال التوترات، أبرزها في 28 مارس (آذار) 2026.

وأفادت مديرية إعلام حماة بانتشار قوى الأمن الداخلي في المدينتين لضبط الأوضاع ومنع أي تجاوزات، داعية الأهالي إلى الاعتماد على المعلومات الصادرة عن المصادر الرسمية، وعدم «الانجرار خلف الشائعات أو المنشورات المغرضة التي تستهدف زعزعة السلم الأهلي».

والتقى عدد من أهالي السقيلبية الأحد مع مدير منطقة الغاب بريف حماة، محمد العتال، للبحث في إجراءات للتهدئة وإيجاد حلول، وقال منذر حنا خلوف لـ«الشرق الأوسط» إنهم طلبوا من مدير المنطقة التشدد في تطبيق القانون لمنع تكرار الحوادث، مع الإقرار بأن الشبان من «أبناء السقيلبية» بالغوا في رد فعلهم ولجوئهم إلى العنف بعد المشادة التي حصلت ليل السبت، وكان عليهم اللجوء إلى قوى الأمن قبل استخدام العنف.

وتابع أن ذلك لا يبرر هجوم المسلحين من قلعة المضيق وترويع المدنيين، حسب رأيه، مضيفاً أنهم تلقوا وعداً من مدير المنطقة بوضع حد للتجاوزات ومحاسبة المذنبين أياً كانوا. لافتاً إلى أنه تم فوراً توقيف 3 شبان من السقيلبية وشابين من قلعة المضيق مع متابعة ملاحقة كل المشتبه بهم».

وأرجع خلوف تكرار حوادث الانفلات الأمني إلى عدة أسباب، منها فوضى انتشار السلاح والتحريض المنتشر ضمن مجموعات «الواتس آب» المغلقة، وبينها مجموعات تدار من الخارج، إضافة إلى تفشي الجهل والبطالة في أوساط شباب «ثائر» سرعان ما يتحول حماسه إلى قنابل موقوتة تهدد الاستقرار المجتمعي، مؤكداً أن الحل هو فرض القانون دون تراخي، لأن الوسائل التقليدية «تبويس الشوارب» التي تستخدمها السلطة والوجهاء لم تعد تنفع لمنع تكرار التجاوزات.

من جهته، أدان الأب فادي سنكري، في منشور عبر «فيسبوك»، ما تعرض له أبناء رعيته في السقيلبية، وقال إن المسيحيين في سوريا «لا يريدون الفوضى أو الانتقام، لكننا لا نقبل أن يعيش أبناؤنا تحت الخوف أو أن تتكرر مأساة الخراب التي عرفناها من قبل».

وشدد رجل الدين المسيحي على أن «السلاح المنفلت لا يمكن أن يكون بديلاً عن دولة القانون»، مؤكداً أن المطالب هي الأمن والعدالة، لا الثأر.

كما دعا أبناء الرعية إلى «عدم الانجرار إلى العنف، منعاً لإراقة دماء لا تعمر بيتاً ولا تحمي مستقبلاً».


إسرائيل تستكمل مشروع «سوفا 53» جنوب القنيطرة.... بالاستيلاء على آلاف الدونمات الزراعية

جنود إسرائيليون خلال عملية استطلاع في هضبة الجولان السورية المحتلة (أرشيفية - رويترز)
جنود إسرائيليون خلال عملية استطلاع في هضبة الجولان السورية المحتلة (أرشيفية - رويترز)
TT

إسرائيل تستكمل مشروع «سوفا 53» جنوب القنيطرة.... بالاستيلاء على آلاف الدونمات الزراعية

جنود إسرائيليون خلال عملية استطلاع في هضبة الجولان السورية المحتلة (أرشيفية - رويترز)
جنود إسرائيليون خلال عملية استطلاع في هضبة الجولان السورية المحتلة (أرشيفية - رويترز)

بدأت القوات الإسرائيلية، الاثنين، العمل بمشروع خط «سوفا 53» في أراضي القطاع الجنوبي من ريف محافظة القنيطرة الواقعة في المنطقة العازلة السورية المحاذية للجولان المحتل، بعد أن أنجزته في القطاعين الشمالي والأوسط، واستولت على آلاف الدونمات الزراعية.

يأتي ذلك في سياق تصعيد الاحتلال من اعتداءاته وتوغلاته وانتهاكاته للأراضي السورية في محافظتي القنيطرة ودرعا المشرفة على خط وقف إطلاق النار، والتي رفعت من وتيرتها، وباتت شبه يومية منذ إسقاط النظام السابق، أواخر عام 2024.

وذكر مصدر حكومي في القطاع الجنوبي من محافظة القنيطرة أن آليات تتبع لقوات الاحتلال بدأت صباح اليوم عمليات الحفر في المنطقة الواقعة غرب قرية العشة التابعة لمنطقة الرفيد، وكذلك في ما يعرف بـ«نقطة الـ80» التابعة لقوات الأمم المتحدة «الأندوف» المكلفة بمراقبة خط وقف إطلاق النار مع إسرائيل، وذلك في إطار استكمال تنفيذ مشروع خط «سوفا 53».

وأوضح المصدر لـ«الشرق الأوسط»، أن تنفيذ خط «سوفا 53» في القطاع الجنوبي من القنيطرة، ويضم عدداً كبيراً من القرى، بينها (المعلقة، المشيدة، الزعرورة، والرمثنانية، والرزانية، وأبو مذراة، وعين القاضي، والعشة)، سينجم عنه استيلاء الاحتلال على أكثر من 1000 دونم من أراضي الأهالي الزراعية، ومن ثم قطع مصدر رزقهم.

أدانت وزارة الخارجية السورية، في بيان، الأحد، الانتهاكات المتواصلة التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق الأراضي السورية، وآخرها استكمال العمل في ما يسمى «خط سوفا 53»، معتبرة ذلك خرقاً لاتفاقية فصل القوات لعام 1974 وانتهاكاً لقرارات الشرعية الدولية.

وأكدت أن استمرار النهج العدواني للاحتلال الإسرائيلي، وما يرافقه من اعتداءات وتوغلات ميدانية، يمثل تهديداً مباشراً للأمن والاستقرار الإقليميين، ويقوّض أحكام القانون الدولي. وطالبت الوزارة المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات رادعة تضع حداً لهذه الممارسات، وتمنع تكرارها. وجددت سوريا تأكيد تمسكها بحقها المشروع في ممارسة سيادتها الكاملة على أراضيها كافة، وفقاً لمبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، داعية المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية في صون سيادة الدول واحترام حرمة حدودها.

سقوط قذائف إسرائيلية على حظيرة مواشٍ في بلدة عابدين في سبتمبر الماضي (القنيطرة الآن)

مشروع خط «سوفا 53»

يأتي البدء بتنفيذ مشروع خط «سوفا 53» في أراضي القطاع الجنوبي من ريف القنيطرة، بعد أن استكمل الاحتلال الإسرائيلي المشروع في القطاعين الشمالي والأوسط من المحافظة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022.

وبحسب مصادر محلية، نجم عن تنفيذ المشروع في بلدة بئر عجم وقرى رويحينة وزبيدة وبريقه في القطاع الأوسط، استيلاء الاحتلال على 4 آلاف دونم من ملكيات الأهالي، بينما تم الاستيلاء على 8- 10 آلاف دونم من أراضي بلدة جباثا الخشب وحدها في القطاع الشمالي.

في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، بيّن مدير مديرية الإعلام في القنيطرة، محمد السعيد، أن مشروع خط «سوفا 53» يهدف من ورائه الاحتلال الإسرائيلي إلى فرض أمر واقع، وتغيير المعالم الجغرافية والأمنية في المنطقة العازلة السورية المحاذية لخط فك الاشتباك.

ورأى السعيد أن التصعيد الإسرائيلي في جنوب سوريا وارتفاع وتيرته أمر «ليس استثنائياً»، موضحاً أن الاحتلال ومنذ تحرير سوريا من النظام السابق قبل نحو عامين، صعّد من توغلاته وانتهاكاته للأراضي السورية. ورأى أن التصعيد الحالي الذي تقوم به قوات الاحتلال قد يكون مرتبطاً بالانتخابات الإسرائيلية القادمة، أو فرض وقائع جديدة على الأرض، او تغيير قواعد الاشتباك من أجل تغيير قواعد المفاوضات وقواعد اتفاق عام 1974.

للعلم، بدأ الاحتلال الإسرائيلي بتنفيذ مشروع خط «سوفا 53» في منتصف عام 2022 داخل المنطقة العازلة في الجانب السوري، وهو محاذٍ لخط فك الاشتباك الذي تم إنشاؤه بموجب اتفاقية عام 1974. ويمتد الخط على طول 70 كيلومتراً من أطراف بلدة حضر باتجاه قرى جباثا الخشب، الحميدية في ريف القنيطرة الشمالي، القحطانية، رويحينة، بئر عجم، بريقة في الريف الأوسط، والعشة جنوب المحافظة، وصولاً إلى منطقة حوض اليرموك بريف درعا الغربي.

طفل يتابع جنوداً إسرائيليين ينفذون دورية في بلدة جباثا الخشب السورية بالمنطقة العازلة التي تشرف عليها الأمم المتحدة بمرتفعات الجولان المحتلة في 20 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

يقوم المشروع على شق طريق بعرض 8 أمتار، محصَّن بسواتر ترابية يبلغ ارتفاعها 5 أمتار، ومزوَّد بنقاط مراقبة وخنادق على طول مساره، وذلك بحجة منع أي تهديد محتمل من إيران وأذرعها في المنطقة، وفق ما أوردته مصادر إعلامية إسرائيلية.

صحافي من سكان القنيطرة، أوضح أن عمل الاحتلال الإسرائيلي على استكمال تنفيذ ما يسميه خط «سوفا 53» في منطقة الرفيد يأتي في سياق انتهاكاته المستمرة للأراضي السورية منذ إسقاط النظام السابق، والتي يهدف من ورائها إلى تصعيد الضغط على الحكومة السورية من أجل توقيع اتفاق أمني مع دمشق وفق الرؤية الإسرائيلية، والتغاضي مستقبلاً عن قضية الجولان المحتل.

وأوضح الصحافي، الذي تحفَّظ على ذكر اسمه لأسباب أمنية لـ«الشرق الأوسط»، أن ما تقوم به إسرائيل يهدف أيضاً إلى التضييق على الأهالي، إذ إن هذا المشروع سيحرم رعاة الماشية من رعي قطعانهم والمزارعين من أراضيهم، في سياسة ترمي من ورائها إلى إفراغ المنطقة من السكان.


إجراءات لوجستية للجيش الإسرائيلي لتثبيت احتلال جنوب لبنان

جنود إسرائيليون في مهمة عملياتية في قرية لبنانية بالجنوب (الجيش الإسرائيلي)
جنود إسرائيليون في مهمة عملياتية في قرية لبنانية بالجنوب (الجيش الإسرائيلي)
TT

إجراءات لوجستية للجيش الإسرائيلي لتثبيت احتلال جنوب لبنان

جنود إسرائيليون في مهمة عملياتية في قرية لبنانية بالجنوب (الجيش الإسرائيلي)
جنود إسرائيليون في مهمة عملياتية في قرية لبنانية بالجنوب (الجيش الإسرائيلي)

يمهد الجيش الإسرائيلي لبقاء طويل الأمد عبر إجراءات لوجستية داخل الأراضي اللبنانية تتضمن مواقع محصنة وشبكة طرقات، إضافة إلى توسعة المناطق المحروقة في جنوب لبنان الواقعة شمال «الخط الأصفر».

وتوسعت مروحة القصف في عمق لبنان، إلى وادي زبقين في القطاع الغربي، ومحيط بلدة ميفدون في القطاع الشرقي، في مؤشر على زيادة مساحة المناطق الخالية من السكان، وفقاً لما تقوله مصادر محلية في الجنوب، ويتم ذلك «عبر التمشيط بالرصاص والقصف بالمدفعية والغارات الجوية والتحليق بالمسيرات».

وتعود هذه التوسعة إلى تحديات عملياتية تحدثت عنها وسائل الإعلام الإسرائيلية، وتتصدرها المسيّرات المفخخة الموجّهة بالألياف البصرية. وذكر موقع «واينت» في تقرير أن الجيش الإسرائيلي لم يتوصّل بعد إلى حلّ شامل للتعامل مع تلك المسيرات، فيما يختبر أنظمة مختلفة ويركّز على الحماية والكشف المبكر والإنذار.

تجهيزات لوجستية

ولا تعكس الإجراءات التي يتخذها الجيش الإسرائيلي أي مؤشرات على أن قواته ستنسحب من جنوب لبنان في المدى المنظور. وتحدث «واينت» عن أن الجيش الإسرائيلي «يقوم بتجهيز مواقع محصّنة وتحسين طرق الوصول إليها، رغم انتهاء مهمة لواء المظليين الاحتياط الـ55 وتسليم مواقعه إلى قوات بديلة.

آليات عسكرية إسرائيلية تعبر شارعاً في قرية لبنانية بالجنوب (الجيش الإسرائيلي)

وبحسب التقرير، أنهى اللواء نحو 100 يوماً من التعبئة، بينها 80 يوماً من العمليات في لبنان، تركزت في المنطقة الممتدة بين الحدود وما يسميه الجيش الإسرائيلي «الخط الأصفر»، وصولاً إلى عمق يبلغ نحو 12 كيلومتراً.

وذكر «واينت» أن قوات من لواء «بيسلاماخ» وكتيبة «غيفن» التابعة لدورة الضباط تحلّ محل اللواء الـ55، وتنفّذ تدريبات وتحسّن مواقع تتيح لها المراقبة والسيطرة بالنيران على مناطق في العمق.

ونقل الموقع عن مسؤولين أمنيين إسرائيليين أن الجنود سيقيمون خلال الشتاء في مجمّعات محمية داخل القرى، بعدما جُهّزت المباني خلال الصيف بمولّدات كهربائية ومكيّفات ومرافق صحية، إلى جانب إعداد طرق التنقّل مسبقاً.

وأشار التقرير إلى مخاوف إسرائيلية من أن يؤدّي الاقتصار على تأمين خط الانتشار إلى تراجع الجاهزية وزيادة احتمالات استهداف القوات الموجودة في جنوب لبنان.

الخط الثاني من القرى

إلى جانب التجهيزات في مواقع عسكرية ثابتة استحدثها الجيش الإسرائيلي منذ مايو (أيار) المقبل، وصل عددها إلى 17 موقعاً جديداً، حسبما قالت مصادر أمنية في الجنوب لـ«الشرق الأوسط»، يوسّع الجيش الإسرائيلي دائرة النار إلى الخط الثاني من القرى المحاذية بـ«الخط الأصفر»، بغرض تحويلها إلى مناطق خالية من السكان، وتحويلها إلى مناطق خطرة.

جنود إسرائيليون يتجولون في قرية لبنانية بالجنوب (الجيش الإسرائيلي)

وقالت مصادر محلية إن الجيش الإسرائيلي «كثّف في الأيام الماضية عمليات التمشيط والقصف المدفعي» إلى جانب التحليق المتواصل للمسيرات. وأوضحت أن القصف «يطول أطراف قرى الخط الثاني من الحدود مثل وادي زبقين في القطاع الغربي، وبلدة ميفدون الواقعة جنوب شرقي مدينة النبطية»، وهي بلدة لا يزال سكانها يقيمون فيها، وعاد إليها بعض النازحين منها في الأشهر الثلاثة الماضية.

غارات وقصف مدفعي

إلى ذلك، أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية اللبنانية، بأن الطيران الحربي الإسرائيلي شن غارة على بلدة كفرتبنيت، بعدما تعرضت المنطقة الواقعة بين بلدتي أرنون وكفرتبنيت لقصف مدفعي. كما تعرض محيط المدرسة الرسمية في حارة البيدر ببلدة ميفدون ودوحة كفررمان لقصف مدفعي إسرائيلي، وصفته الوكالة بأنه «عنيف ومركز»، وطال كذلك أطراف بلدتي حاريص وحداثا في القطاع الأوسط. واستهدفت دبابة ميركافا بلدة حولا بعدد من القذائف، كما تعرضت أطراف بلدة شقرا في قضاء بنت جبيل لقصف إسرائيلي.

واستهدف القصف المدفعي حرش كونين، وهزّت سلسلة غارات كفرتبنيت ووادي الحجير، سمعت أصداؤها في مدينة صيدا وجوارها.

الدخان يتصاعد جراء تفجير إسرائيلي في بلدة المنصوري جنوب لبنان (رويترز)

في القطاع الغربي، تعرّضت بلدة المنصوري لقصف مدفعي متقطع من الجيش الإسرائيلي في البياضة وطير حرفا جنوب صور. وامتد القصف إلى وادي حسن عند أطراف مجدل زون. ونفّذ الجيش الإسرائيلي تفجيراً عنيفاً في المنصوري، وصلت أصداؤه إلى جبل لبنان، سبقه تفجير عند أطراف بلدة برعشيت في قضاء بنت جبيل. كما أفيد بانفجار جسم مشبوه من مخلّفات العدوان الإسرائيلي عند ٲطراف بلدة صريفا.

إصابات بين الجنود الإسرائيليين

في غضون ذلك، أعلن الجيش الإسرائيلي، الأحد، أن ضابطاً وجندياً نظامياً أصيبا في بلدة مجدل زون في جنوب لبنان، الجمعة، «بعد إلقاء قنبلة بصورة غير سليمة»، ووصفت جراح الجندي بأنها خطيرة وجراح الضابط متوسطة.

ونُقل الجندي والضابط إلى مستشفى «رامبام» في حيفا، وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه يحقق في ظروف الحدث.

كذلك أصيب الجمعة 8 جنود إسرائيليين في «حادث منفصل» في جنوب لبنان. وحسب الجيش الإسرائيلي، فإنه نجم عن اصطدام مركبتين، ونُقل الجنود إلى مستشفى، وفتح الجيش الإسرائيلي تحقيقاً في هذا «الحادث».