علاوي: أميركا خرّبت العراق وإيران شريكتها وبايدن تمسّك بالمالكي

رئيس الوزراء العراقي الأسبق روى لـ«الشرق الأوسط» رحلته مع «البعث» وصدام وعراق ما بعد الاحتلال (3)

TT

علاوي: أميركا خرّبت العراق وإيران شريكتها وبايدن تمسّك بالمالكي


علاوي والمالكي في أحد لقاءاتهما ببغداد عام 2010 (غيتي)
علاوي والمالكي في أحد لقاءاتهما ببغداد عام 2010 (غيتي)

عندما احتلت أميركا العراق أصيب العرب بالذهول والقلق واختاروا الابتعاد عن الساحة العراقية كي لا يُتهموا بدعم الاحتلال. وظّفت إيران هذا الغياب العربي وأطلقت عملية واسعة لمنع قيام نظام عراقي موالٍ للغرب. سهّلت الغزو لكنها سارعت إلى زعزعة الاستقرار الذي كان الأميركيون يراهنون عليه لبناء ما سمّوه العراق الديمقراطي الجديد. أفادت إيران أيضاً من قرارات خطرة اتخذتها واشنطن، بينها حل الجيش العراقي واجتثاث البعث، وتوهّم القدرة على إعادة بناء العراق من الصفر بعد تفكيك دولته.

سألت الرئيس جلال طالباني، الذي كان عائداً من رحلة إلى طهران، عمّا تريده إيران فعلاً من أميركا، فقال إنه استنتج أنها مستعدة للتفاوض مع أميركا من أفغانستان إلى لبنان. قال أيضاً ما يوضح ويشرح: «إيران لا تقول إنها تريد حصة، بل تقول إنها تريد علاقات طبيعية مع أميركا وإنهاء العداوة والحصار، وحجز الأموال الإيرانية في أميركا. وهي تؤكد أنها ساعدت أميركا في أفغانستان، لكنها نالت جزاء سنمار. مرة قال لي وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي في هذا البيت (مقر طالباني): «قل لصديقك السفير الأميركي زلماي خليل زاد - وكان يومها سفيراً في بغداد - ماذا يريد الأميركيون منا؟ نحن أيّدنا تحرير العراق من صدام، وأيّدنا مجلس الحكم وانتخاب رئيس الجمهورية، وأيّدنا هذا الوضع الجديد الذي أقامه الأميركيون في العراق. لا يوجد شيء عمله الأميركيون لم نؤيده، فقل لصديقك: ماذا يريدون منّا أكثر؟». نقلت هذا الكلام لخليل زاد فقال لي: «نريد الاستقرار والأمن في العراق».

المالكي مترئساً اجتماعاً أميركياً ــ إيرانياً في بغداد مايو 2007 (غيتي)

وأضاف طالباني: «حاولنا الجمع بين خليل زاد ومتقي لكننا لم ننجح. كنا توصلنا إلى موافقة مبدئية من الطرفين ثم ذهبت كوندوليزا رايس إلى الكونغرس، وألمحت إلى اللقاء الذي كان يُفترض أن يلتئم في شكل سريّ فتراجع الإيرانيون. ما أقصده أن إيران ترغب في حل هذه المشاكل وإقامة علاقات جيدة مع أميركا».

كان طالباني أكثر واقعية من علاوي. أدرك باكراً أن العلاقة مع واشنطن لا تكفي، ولا بد من المرور عبر طهران.

في 2007 بعثت إيران برسالة بالغة الدلالات. في العراق الذي تحتله قوات «الشيطان الأكبر»، هبطت في مطار بغداد طائرة الرئيس محمود أحمدي نجاد، وكان وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري رئيس البعثة المرافقة له. لم يعترض الأميركيون على زيارة نجاد، بل رحّبوا بها. نفّذت نقاط التفتيش الأميركية التوجيهات بتسهيل مرور موكب الزائر إلا واحدة اعترضته، وسرعان ما تبيّن أن الجنود الأميركيين لا يريدون أكثر من التقاط صورة، لكن الجانب العراقي طلب من نجاد عدم الخروج من سيارته.

جندي أميركي يقاتل في الفلوجة نوفمبر 2004 (غيتي)

كانت زيارة نجاد رسالة مفادها أن الجيش الأميركي سيغادر ذات يوم لكن إيران، وبحكم الجغرافيا، باقية قرب العراق وفيه، وهذا ما حصل، خصوصاً أن سليماني راح يزعزع الأرض العراقية تحت أقدام الجيش الأميركي.

سمع زيباري ذات يوم نصيحة تستحق التسجيل. استقبل الرئيس حسني مبارك الوزير العراقي، وتطرق الحديث إلى الأميركيين. فوجئ زيباري بالرئيس المصري يقول عنهم: «ليس لديهم دين ولا رب، ولا أمان معهم، ويبيعون أصدقاءهم بسهولة.. زيّ الميه». وأعطى مثلاً الرئيس الباكستاني برويز مشرف. وشرب مبارك لاحقاً من كأس أميركية أشد مرارة من تلك التي شرب منها مشرف.

لم يكن إياد علاوي رجل الأميركيين. لم يسلّم بحقهم في رسم أزياء العراق الجديد على هواهم. اجتماعاته بعدد من المسؤولين الأميركيين لم تكن ناجحة. وفي الوقت نفسه لم يعثر على لغة للتفاهم مع طهران. لا يقبل بشروطها ولا تقبل بنهجه.

في السابع من مارس (آذار) 2010 شهد العراق انتخابات عامة. فازت لائحة «العراقية» بزعامة علاوي بـ91 مقعداً، في حين فازت لائحة «دولة القانون» بزعامة نوري المالكي بـ89 مقعداً. وبحسب التفسير المعمول به للدستور، يُفترض أن توكل إلى علاوي مهمة تشكيل الحكومة. انتزع المالكي من المحكمة الاتحادية العليا تفسيراً آخر للمادة التي تتحدث عن الكتلة الأكبر، واندلعت أزمة سياسية حادة استمرت نحو تسعة أشهر، وانتهت لصالح المالكي. سألت علاوي عن الجهات التي حالت دون قيامه بتشكيل الحكومة وتركته يروي.

حققنا الفوز في الانتخابات رغم كل ما تعرضنا له. تعرضوا لـ500 شخص بإجراءات تحت ذريعة «اجتثاث البعث». وكان بين هؤلاء عدد من المرشحين معنا. اغتالوا تسعة أشخاص. أغلقوا مناطق بأكملها لمنع أنصارنا من الانتخاب، ورغم ذلك تقدمنا عليهم بثلاثة مقاعد. الحقيقة أنني فوجئت بما حدث. لم أتوقع أن يصل الموقف الأميركي والموقف الإيراني إلى هذا الحد. منعني من تشكيل الحكومة أميركا وإيران. عملتا معاً. في تلك الفترة كان نائب الرئيس الأميركي جو بايدن يتردد نحو ثلاث مرات شهرياً على بغداد. كان همّه أن أتنازل لمصلحة المالكي. طرح عليّ أن أتولى رئاسة الجمهورية، فقلت له إن الشعب انتخبنا لنشكّل الحكومة فكيف أصبح رئيساً للجمهورية بلا شغل أو عمل (طابع المنصب شبه بروتوكولي). جدد بايدن محاولته، وقال لي: «إذا وافقت أن تصبح رئيساً للجمهورية سأكون أنا مدير حملتك». فقلت له: «إنني لست بحاجة إلى حملة، فأنا حملتي الشعب العراقي، وانتُخبت لأكون رئيساً للحكومة». تصوّر أن بايدن قال لممثّلي السنّة أمامي: «أنتم لن تنالوا أي وزارة»، فردّوا عليه: «نحن لا نريد وزارة، بل يكفينا أن يصبح علاوي رئيساً للوزراء لأنه غير طائفي». كرر بايدن مطالبته لي بالتنازل للمالكي فقلت له: «والله إن لم تسمحوا لي بأن أصبح رئيساً للوزراء فإن الإرهاب سيعشش أكثر وستنغرس الطائفية في القلوب وكذلك الكراهية للنظام والديمقراطية بأكملها».

علاوي والمالكي في أحد لقاءاتهما ببغداد عام 2010 (غيتي)

في تلك الفترة كانت تجري في مسقط مفاوضات أميركية - إيرانية. كان الوفد الأميركي برئاسة بن رودس نائب مستشار الأمن القومي في عهد أوباما. نقل الجانب الإيراني إلى الجانب الأميركي تهديداً، مفاده أن إيران ستوقف المفاوضات وستُحدث مشاكل في العراق إذا تولى إياد علاوي رئاسة الوزراء. ألّف بن رودس لاحقاً كتاباً بعنوان «العالم كما هو». روى فيه قصة التهديد الإيراني، واتهم بايدن بخطف العملية الانتخابية من علاوي، وإهدائها إلى المالكي تحت الضغط الإيراني.

الحقيقة أنني التقيت بايدن نحو 20 مرة. عرفته مذ كان مسؤولاً عن لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ. شخصيته مهزوزة، وهو كذّاب ومنافق.

> هل أفهم من كلامك أن أميركا خرّبت العراق؟

- نعم، أميركا خرّبت العراق.

> هل كان لها شركاء؟

- نعم، إيران. من حلّ الجيش العراقي، إلى «الحشد الشعبي»، والميليشيات المسلّحة والإرهاب، ووأد الديمقراطية وانتشار الطائفية السياسية.

> لم تزر إيران علانية، هل زرتها سراً؟

- لم أزر إيران طوال عمري.

> هل سهّلت إيران الغزو الأميركي للعراق؟

- سهّلت كثيراً. وافقت على قيام مجلس الحكم ولم تعترض.

> لماذا وقفت إيران ضدك إلى هذا الحد؟

- لأنني لا أنتمي إلى الفكر السياسي الإسلامي. ثم إن قضيتي مع صدام حسين، التي دفعتني إلى الابتعاد نهائياً عن البعث هي التنازلات الكبيرة التي قدّمها في اتفاق عام 1975 مع إيران حول شط العرب. التقيت تلك السنة وخلال المفاوضات وزير الخارجية آنذاك شاذل طاقة. قال لي إن صدام كان يرسل لهم خلال المفاوضات رسائل مفادها: تراجعوا تراجعوا تراجعوا، أي قدّموا التنازلات. وهذا أضر بالعراق كثيراً. والإيرانيون يعرفون موقفي هذا. ثم إنني حين توليت رئاسة الوزراء كانت إيران تطالب بتعويضات قدرها 120 مليار دولار. قلت لهم: عن أي تعويضات تتحدثون؟ نحن نطالبكم بـ200 مليار دولار لأنكم من 1982 وحتى 1988 رفضتم وقف إطلاق النار في الحرب العراقية - الإيرانية.

أنا اللواء قاسم سليماني

بعد سقوط نظام صدام حسين ظهر على المسرح العراقي لاعب بارز، هو الجنرال قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» الإيراني. لم يقتصر دوره على استنزاف الجيش الأميركي والهيبة الأميركية، بل تعدّى ذلك إلى فرض مشاركته في اختيار الرؤساء وتشكيل الحكومات وتحديد المسارات، وهو دور لعب سليماني ما يشبهه في لبنان وسوريا واليمن أيضاً. سألت علاوي عن علاقته بسليماني فاستعاد محطاتها.

تعرّفت على الجنرال سليماني في بيت عادل عبد المهدي (رئيس الوزراء لاحقاً). دعاني عادل إلى العشاء، ولم يقل لي من سيكون حاضراً. كان لديّ زوّار، فقال: «أحضرهم معك فبيتنا بيتك». ذهبنا. وبعد نصف ساعة وصل إلى المكان رجلان، الأول شعره أبيض والثاني شعره أسود. اقترب الأول منّي وقال لي: «أنا اللواء قاسم سليماني». خلال اللقاء قال لي سليماني: «نحن عملنا ضدك كل الوقت». فأجبته: «وأنا كنت ضدكم كل الوقت». قلت له: «لماذا عملتم ضدنا؟ أنا أشركتكم في لقاء شرم الشيخ متحدياً الإرادة الدولية. فتحت لكم كل المجالات. أوقفنا نشاط (مجاهدي خلق) وسحبنا الأسلحة الثقيلة منهم. أرسلت إليكم أقوى وفد اقتصادي، وعلى أساس تحسين موقف الجوار العراقي. لماذا هذا الموقف؟». أجاب: «نحن أخطأنا، وأنا الآن في حضرة قائد كبير». قلت له: «أنا لست قائداً كبيراً ولا بطيخاً. لا تتدخلوا في شؤون العراق الداخلية فترجع الأمور إلى مسارها الطبيعي».

بعد سنة وتحديداً بعد الانتخابات في 2018، اتصل بي أبو مهدي المهندس (الذي قتل مع سليماني في مطار بغداد) وقال لي: «هناك صديق يريد أن يكلمك». لم يدع لي مجالاً لأسأل عن هوية الصديق، وأعطى الهاتف للرجل وتبيّن أنه سليماني. قال لي: «نريد أن نأتي إليك». أجبته أنني مدعو إلى فطور، وكنا في رمضان. سألني متى أرجع فقلت في الساعة الواحدة. قال: «نكون عندك في الواحدة والنصف».

جاءوا في الموعد المحدد. سليماني وأبو مهدي المهندس ومسؤول من «حزب الله» في لبنان اسمه محمد كوثراني. وكان حاضراً على ما أذكر أربعة من أصدقائي بينهم النائب كاظم الشمري وأكرم زنكنة. قال سليماني: «لماذا لا تدعو (قادة) الشيعة إلى فطور؟» قلت له: «أنا لست صائماً فكيف أدعوهم إلى فطور». أجاب: «لا مشكلة في ذلك. وجّه لهم الدعوة ونحن نساعدك كي تتزعم الحركة الشيعية».

استغربت كلامه. حكيت له القصة التالية. عندما أردت خوض الانتخابات جاءني عبد العزيز الحكيم، رحمه الله، وقال لي إن السيّد (يقصد آية الله السيستاني) أرسلني إليك. سألني: «لماذا لا تدخل معنا في القائمة الشيعية؟». فقلت: «كيف؟» أجاب: «ثلث لك، وثلث لنا، وثلث للشيعة الآخرين». قلت له: «دربي غير دربكم، ما هذا؟ شيعي وسني ومسيحي؟» ثم قال لي الحكيم: «هذا ما يقول السيّد، ونحن سنضمن أن تكون رئيساً للوزراء إذا تعاونَّا». أجبته: «من قال لك إنني أقبل أن أكون رئيس حكومة طائفي في العراق؟ أنا لا أقبل».

رويت القصة لسليماني فسألني: «هل أنت ضد الشيعة؟»، قلت: «لا، أنا شيعي لكنني لست ملتزماً بالفكر السياسي الإسلاموي للشيعة. أنا بعيد عن هذه الأفكار. نشأتُ في حزب وطني وقومي وعروبي وليست لدي هذه الأمور». قلت ذلك في حضور الذين شاركوا في اللقاء.

بوتين: لماذا لا تذهب إلى إيران؟

طلبت من علاوي أن يتذكر أبرز النصائح التي وُجّهت إليه لزيارة إيران، وسأتركه يروي.

في الشهر السابع من عام 2010 زرت موسكو، ولم تكن لي أي صفة رسمية.

دعاني الرئيس فلاديمير بوتين إلى عشاء في الكرملين لم يحضره سوى المترجم. سألني بوتين لماذا لا أذهب إلى إيران، فأجبته: هل تذهب أنت مثلاً إلى فنلندا لتصبح رئيس جمهورية روسيا؟ فقال: لا. قلت: لماذا تريديني أن أذهب إلى إيران كي أصبح تابعاً لهم؟ أنا لا أريد رئاسة الوزراء أو رئاسة الجمهورية. أنا خادم للشعب العراقي والأمة العربية وأتشرف بذلك، ولست مستعداً لتوسّل إيران أو غيرها من أجل منصب. سألني هل لديك مانع في أن أرسل إليهم مستشاراً من عندي، فأجبت: لا، ولكن بشرط أن ألتقيهم هنا أو في مصر أو في بغداد لكنني لن أذهب إلى إيران.

قال لي بوتين من حقك أن تصبح رئيساً للوزراء، ملمحاً إلى أن القضية تصطدم بصعوبات. استفسرت منه، فقال إن هيلاري كلينتون (وزيرة الخارجية الأميركية) قالت له إن من حق علاوي أن يصبح رئيساً للوزراء، لكنه لن يصبح.

سألها عن السبب، فأجابت بأنه لن يحصل على الأصوات الكافية في البرلمان. قال لها: فليحاول، وإن فشل يكلّف رئيس الجمهورية شخصاً آخر. كانت إيران حازمة في رفض أن أتولى المنصب.

مقاتلون من الحشد الشعبي يستعدون لمقاتلة داعش غرب الموصل عام 2017 (غيتي)

الحقيقة أن بوتين شخص لطيف ومهم وملم. ورأيي الخاص أن روسيا في أخلاقياتها أقرب إلى العرب من أميركا. أكثر جدية وصراحة ومباشرة من الأميركيين.

في الحقيقة، استوقفني كلام لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف. قال لي: نحن كنا مقصرين ولم نفهم أن للصراع في المنطقة طابعاً سنياً - شيعياً في جانب منه. ونحن يجب أن نقف مع الشيعة لأنهم يمثّلون عمقاً مهماً، وهم أكثر، من العراق إلى سوريا إلى اليمن. هذه الدول كلها أو أكثريتها شيعية. قلت له إن الصراع ليس سنياً - شيعياً، بل هو بين فريق يؤمن بالأمة العربية وفريق لا يؤمن بها. وأكدت له أن العروبة شيء موجود وليست مجرد شعار.

في الواقع، كنت قد زرت بوتين مع وفد في 2004 بصفتي رئيساً للوزراء. كانت بداية الاجتماع سيئة. استهل كلامه على نحو أزعجني، مستخدماً كلاماً قاسياً نوعاً ما حول الاحتلال والشرعية. رددت عليه بكلام أقسى من كلامه. قلت له: جئنا إلى هنا تلبية لدعوتكم، ولنا هدفان من هذه الزيارة. الأول أننا نريد أن نقيم ضدكم قضية قضائية حول ديونكم للعراق، لأنكم بعتم أسلحة بأسعار خيالية إلى العراق أثناء حربه مع إيران. الثاني أننا نريد تشكيل لجنة مشتركة لإنهاء عقود شركاتكم أو إعادة مناقشتها، ولعلمكم سيادة الرئيس أننا ناضلنا ضد صدام حسين وتعرضنا للكثير من الاضطهاد، فإن كنتم تعتقدون أننا دخلنا مع الأميركيين وعلى دباباتهم فأنتم واهمون. ساد الصمت القاعة ومرر لي أحد الوزراء العراقيين ورقة قال فيها إننا قد نُطرد من موسكو. لكن بعد تلك المشاحنة تحوّل الاجتماع إلى لقاء إيجابي ونشأت علاقة بيني وبين بوتين.

في 29 سبتمبر (أيلول) 2010، لبّيت، على رأس وفد من «العراقية»، دعوة لزيارة سوريا. بادرنا الرئيس الدكتور بشار الأسد بالقول إنه سيسافر إلى طهران لكي يتكلم في موضوع تشكيل الحكومة العراقية. استغربت هذا الطرح العجيب بأن يجري تشكيل الحكومة العراقية من دمشق وطهران، من جهة، والإدارة الأميركية، من جهة أخرى. حضر اللقاء من الجانب السوري وزير الخارجية فاروق الشرع والدكتورة بثينة شعبان واللواء محمد ناصيف (أبو وائل) مستشار رئيس الجمهورية.

قال الأسد إن الشرع سيزور إيران غداً وسيتصل بنا عند عودته.

إيرانيون يرفعون صوراً لسليماني أثناء جنازته يناير 2020 (غيتي)

واسترسل قائلاً إنه بات واضحاً أن إيران ضد علاوي ولن تسمح له بتشكيل الحكومة، وأن الإدارة الأميركية متوافقة مع إيران في هذا الأمر، فما هو موقف «العراقية» وما هي البدائل؟ شرحت للرئيس السوري أن الأمر لا يتعلق بشخص رئيس الوزراء، بل بالنهج الذي سيتبعه، وإننا نريد إخراج العراق من المحاصصة والطائفية السياسية وبناء عراق يتسع لكل شعبه وإعادته إلى حاضنته العربية. سألني الأسد: من تقترحون أن يشغل هذا الموقع إن لم يكن لكم؟ فاقترحت أن يكون عادل عبد المهدي، واستناداً إلى برنامج إصلاح وعلى قاعدة الشراكة الحقيقية. تأثر الجو حين قال الأسد: وإذا أصرّت إيران على المالكي ولم ترض بعادل عبد المهدي؟ أجبته: هل تسافر إلى إيران للتفاوض أم للاستماع إلى إملاءات إيران على العراق؟

بعد اللقاء دعانا محمد ناصيف إلى غداء في مطعم مطل على دمشق. قال: لماذا لا تسافر إلى إيران؟ يمكن أن نعمل لك ترتيباً معهم. فقلت له: أخي أبو وائل إذا استمر إصراركم على هذا الكلام، فلن أحضر الغداء ولن أزور سوريا أبداً في المستقبل، فاتركوا هذه المسألة.

في الشهر السابق لزيارتي سوريا، ذهبت إلى الكويت لحضور مؤتمر. أبلغت أن الأمير الشيخ صباح الأحمد يدعوني للاجتماع به. ذهبت وتكلمنا عن الانتخابات وأوضاع المنطقة والعراق. ثم فاجأني قائلاً: لماذا لا تذهب إلى إيران؟ فأجبته: أخي أبا ناصر كيّف أستجدي من إيران رئاسة الوزراء؟ أنا مستعد للقائهم في أي مكان، في الكويت أو مصر أو بغداد. قال إنه سيوفد مبعوثاً لإبلاغهم. وبالفعل أرسل مستشاره السفير السابق لدى الأمم المتحدة محمد أبو الحسن حاملاً رسالة منه إلى الرئيس أحمدي نجاد. بعد يومين، عاد المبعوث وزارني في مقر إقامتي وقال إن السلطات الإيرانية ترحّب باللقاء وتفضّل أن يكون في إيران، وإذا كان ذلك صعباً فإن المسؤولين سيجدون الوقت المناسب لزيارة الكويت.

الحقيقة أنني كنت أبديت لدى تولي رئاسة الوزراء في 2004 رغبة في زيارة إيران في إطار جولة في دول الجوار. طلبت أن نناقش في الزيارة المشكلات العالقة لبناء علاقات طبيعية بين جارين. أصروا على أن تكون الزيارة بروتوكولية لأنهم يعرفون موقفي من اتفاقية الجزائر والتعويضات والتدخلات.

بوش لا يستحق الرئاسة

سألت علاوي عن انطباعه عن لقائه مع الرئيس جورج بوش الابن، فأجاب: لا يستحق أن يكون رئيساً لأميركا. لم أره ثابتاً على وضوح أو أفكار. لم تكن لديهم سياسة بعد إسقاط النظام. حلّ الجيش واجتثاث البعث وكل هذه الممارسات العشوائية. لقد شرحت ذلك لرئيس الوزراء البريطاني توني بلير، وطلبت منه أن يتحدث معه أكثر في موضوع العراق.

* غداً حلقة رابعة


مقالات ذات صلة

مقتدى الصدر يقبل «توبة» المنشقين عن تياره ويلوّح بالقوة لخصومه

المشرق العربي زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر (إعلام التيار)

مقتدى الصدر يقبل «توبة» المنشقين عن تياره ويلوّح بالقوة لخصومه

منح زعيم «التيار الوطني الشيعي» مقتدى الصدر ما يشبه «العفو» لمجموعة من أتباعه الذين فضّلوا الانشقاق عن تياره والتحقوا بفصائل مسلحة.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي قادة «الإطار التنسيقي» وقعوا على بيان لإعلانهم الكتلة الأكثر عدداً في البرلمان العراقي الجديد (واع)

العراق: رسائل واشنطن تقلق «الإطار التنسيقي»

في غضون أسبوع واحد كثفت الولايات المتحدة الأميركية رسائلها الضاغطة إلى الحكومة العراقية وإلى الأطراف السياسية البارزة والمؤثرة فيها.

حمزة مصطفى (بغداد)
الاقتصاد السوداني يتفقد جناح وزارة الكهرباء في معرض ومؤتمر طاقة العراق (إكس)

العراق: نسبة إيقاف حرق الغاز ستصل 100 % بنهاية 2028

أكد رئيس مجلس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، السبت، مضي الحكومة في تنمية قطاعات الطاقة النظيفة والمتجددة.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي أعضاء في البرلمان العراقي الجديد في طريقهم إلى مكان انعقاد جلستهم الأولى في بغداد 29 ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)

العراق... سباق سياسي ضاغط لحسم رئاستي الجمهورية والوزراء

بدأ العد التنازلي للمدد الدستورية اللازمة لانتخاب رئيس الجمهورية بأغلبية الثلثين داخل البرلمان، واختيار رئيس الوزراء من قبل الكتلة البرلمانية الأكثر عدداً.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي أحد عناصر الفصائل العراقية المسلحة (متداولة - إكس)

مساعٍ إيرانية لاحتواء الخلافات بين الفصائل العراقية المسلحة

دخلت إيران على خط الوساطة في الخلاف داخل الفصائل العراقية المسلحة بشأن نزع السلاح.

حمزة مصطفى (بغداد)

قتلى في قصف إسرائيلي استهدف شرق مدينة غزة

فلسطينيون يُصلُّون على جثامين ذويهم ضحايا الغارات الإسرائيلية على خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
فلسطينيون يُصلُّون على جثامين ذويهم ضحايا الغارات الإسرائيلية على خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

قتلى في قصف إسرائيلي استهدف شرق مدينة غزة

فلسطينيون يُصلُّون على جثامين ذويهم ضحايا الغارات الإسرائيلية على خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
فلسطينيون يُصلُّون على جثامين ذويهم ضحايا الغارات الإسرائيلية على خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

قُتل عدد من الفلسطينيين، اليوم (الأحد)، في قصف إسرائيلي استهدف حي الزيتون بشرق مدينة غزة.

ووفق «المركز الفلسطيني للإعلام»، «نفَّذ جيش الاحتلال عمليات نسف واسعة لمبانٍ سكنية في منطقة أبو زيتون بمخيم جباليا في شمال غزة، ضمن حملاته المتواصلة لتدمير البنى السكنية».

وأشار المركز إلى أن «التفجير أدى إلى دمار كبير في المباني المستهدفة، مُخلِّفاً أضراراً مادية جسيمة، ومثيراً حالة من الذعر في صفوف السكان والنازحين، في ظل استمرار الانفجارات والأعمال العسكرية في المنطقة»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

كما فجّر الجيش الإسرائيلي عربات مفخخة في محيط دوار الشيخ زايد شمال القطاع؛ ما تسبب بدوي انفجارات عنيفة ومتواصلة سُمعت في مختلف أنحاء غزة.

وأفاد «المركز الفلسطيني للإعلام» بتضرر مئات الخيام؛ بسبب الأمطار الغزيرة والرياح العاتية، التي اقتلعت خيام النازحين في مدينة خان يونس، إلى جانب أضرار مماثلة في مناطق متفرقة من القطاع.

وفي الضفة الغربية، قُتل فلسطيني، الأحد، متأثراً بإصابته برصاص القوات الإسرائيلية، مساء أمس (السبت)، في مدينة الخليل بجنوب الضفة.

وأفادت وزارة الصحة الفلسطينية، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية (وفا)، بأنَّ الهيئة العامة للشؤون المدنية أبلغتها بـ«استشهاد مواطن (58 عاماً) برصاص الاحتلال في مدينة الخليل ليلة أمس، واحتجاز جثمانه».

وأشارت الوكالة إلى أن «قوات الاحتلال أطلقت النار، مساء أمس، صوب مركبة في منطقة خلة حاضور، شرق الخليل؛ ما أدى لإصابة مواطن حيث قامت باعتقاله، دون أن تسمح لمركبات الإسعاف والمواطنين بالوصول إليه».


بنغلاديش تسعى للانضمام إلى «قوة الاستقرار» في غزة

فلسطينيون يمشون بين المباني المدمرة بفعل الغارات الإسرائيلية في مدينة غزة نوفمبر الماضي (رويترز)
فلسطينيون يمشون بين المباني المدمرة بفعل الغارات الإسرائيلية في مدينة غزة نوفمبر الماضي (رويترز)
TT

بنغلاديش تسعى للانضمام إلى «قوة الاستقرار» في غزة

فلسطينيون يمشون بين المباني المدمرة بفعل الغارات الإسرائيلية في مدينة غزة نوفمبر الماضي (رويترز)
فلسطينيون يمشون بين المباني المدمرة بفعل الغارات الإسرائيلية في مدينة غزة نوفمبر الماضي (رويترز)

قالت بنغلاديش، أمس (السبت)، إنها أبلغت الولايات المتحدة برغبتها في الانضمام إلى قوة تحقيق الاستقرار الدولية المقرر نشرها في قطاع غزة. وأضافت أن مستشارها للأمن القومي، خليل الرحمن، التقى اثنين من الدبلوماسيين الأميركيين هما أليسون هوكر، وبول كابور في واشنطن. وجاء في بيان صادر عن حكومة بنغلاديش، نقلته وكالة «رويترز» للأنباء، أن مستشارها للأمن القومي «عبّر عن اهتمام بنغلاديش من حيث المبدأ بأن تكون ضمن قوة تحقيق الاستقرار الدولية التي سيتم نشرها في غزة».

ولم يذكر البيان مدى أو طبيعة مشاركتها المقترحة. ولم يصدر أي تعليق بعد من وزارة الخارجية الأميركية. وأصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قراراً في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) يفوِّض ما يُسمى «مجلس السلام»، والدول التي تعمل معه بإنشاء قوة دولية مؤقتة لتحقيق الاستقرار في غزة، حيث بدأ وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول).

ولم تتقدم عملية وقف إطلاق النار إلى ما بعد مرحلتها الأولى، ولم يتم إحراز تقدم يذكر في الخطوات التالية. وتفيد الأنباء بمقتل أكثر من 400 فلسطيني و3 جنود إسرائيليين منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. ولا تزال هناك خلافات حادة بين إسرائيل وحركة «حماس» بشأن الخطوات الأكثر صعوبة ضمن المرحلة التالية من وقف إطلاق النار، وتتبادلان الاتهامات بارتكاب انتهاكات. وأدى الهجوم العسكري الإسرائيلي على غزة منذ أواخر عام 2023 إلى مقتل عشرات الآلاف، وتسبب في أزمة جوع وتشريد جميع سكان غزة. ويقول عدد من خبراء حقوق الإنسان والباحثين وتحقيق للأمم المتحدة إن الهجوم الإسرائيلي يرقى إلى مستوى «الإبادة الجماعية».


محمد مهدي شمس الدين: إيران ليست مرجعاً سياسياً ولا دينياً للشيعة في العالم

عقد الإمام موسى الصدر مؤتمراً صحفياً، ألقى خلاله كلمته متوسطاً الشيخ محمد مهدي شمس الدين، النائب حسين الحسيني، نقيب الصحافة رياض طه (مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات)
عقد الإمام موسى الصدر مؤتمراً صحفياً، ألقى خلاله كلمته متوسطاً الشيخ محمد مهدي شمس الدين، النائب حسين الحسيني، نقيب الصحافة رياض طه (مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات)
TT

محمد مهدي شمس الدين: إيران ليست مرجعاً سياسياً ولا دينياً للشيعة في العالم

عقد الإمام موسى الصدر مؤتمراً صحفياً، ألقى خلاله كلمته متوسطاً الشيخ محمد مهدي شمس الدين، النائب حسين الحسيني، نقيب الصحافة رياض طه (مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات)
عقد الإمام موسى الصدر مؤتمراً صحفياً، ألقى خلاله كلمته متوسطاً الشيخ محمد مهدي شمس الدين، النائب حسين الحسيني، نقيب الصحافة رياض طه (مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات)

تنشر «الشرق الأوسط» حلقة ثانية من نص مطول هو عبارة عن حوار بين رئيس المجلس الإسلامي الشيعي في لبنان، الشيخ الراحل محمد مهدي شمس الدين، وأعضاء قريبين من بيئة «حزب الله»، عام 1997. وللنص أهمية بالغة كونه يتناول وضع الشيعة في بلدانهم وضرورة اندماجهم فيها، عوض أن يكونوا جزءاً من مشروع تابع لإيران. ومن المقرر أن ينشر إبراهيم محمد مهدي شمس الدين، نجل الشيخ الراحل، نص الحوار في كتاب يحمل عنوان: «الشيعة اللبنانيون والشيعة العرب - العلاقة مع الغير والعلاقة مع الذات». وتنشر «الشرق الأوسط» النص بمناسبة ذكرى مرور 25 سنة على وفاة رجل الدين الشيعي اللبناني التي تصادف يوم السبت، 10 يناير (كانون الثاني).

انجحروا في جحوركم، حاربوا كل العالم

يتابع الشيخ محمد مهدي شمس الدين، في رده على سؤال من أحد الحاضرين (عن فساد الأنظمة وفساد الجماعات الإسلامية):

«أنا أرثي لهؤلاء الأشخاص والجماعات الذين يفكرون هكذا (ويفسدون الناس والإيمان). أنا عندما أعيش حالة أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأن الإسلام استوعب المنافقين... المنافقون هم عندي مسلمون، حسب فقهي هم مسلمون في الاعتقاد. غاية الأمر أن المشروع السياسي للإسلام لم يعتنقوه... وإلا فإنَّ هؤلاء قد أسلموا ولذلك عوملوا معاملة المسلمين، يعني عايشوا المسلمين وتزاوجوا معهم ودُفنوا في مقابرهم. ولكن لاحظوا أن النهيَ في القرآن عن الصلاة عليهم هو فقط للرسول (صلى الله عليه وسلم): لا تصلِّ أنت. إذا مات أحد منهم يغسّلونه ويصلون عليه ويدفنونه. فإذا كان المنافق حالة مقبولة داخل المجتمع (أيام الرسول، صلى الله عليه وسلم)، وأنا الآن يأتيني (شخص) أموره (مذبذبة) بعض الشيء، لماذا لا أقبله؟! على أي أساس... بأي ميزان؟! اشتراط النقاوة الداخلية الكاملة خطأ موجود في تفكير بعض الشيعة. في علاقات الأفراد هذا التفكير غير مطلوب، أما في العمل المجتمعي العام فهو غير صحيح. في العمل المجتمعي العام يوجد مشروع يُدار، وكلُّ من يخدمه يدخل فيه. إذا (أصررت على أن) أعمل حالة تبرٍّ وتولٍّ مع الدول، فلن يبقى عندي أحد، وأكون كمنْ يقول للشيعة: انجحروا في جحوركم، حاربوا كل العالم، وَلْيحاربكم العالم كله، وستحدث مذابح! هذا الأمر أنا لا أراه مناسباً.

إذَنْ كما تواجه حالات الأنظمة تُواجه حالات الحركات. ومبدأ المهادنة أنتم سمعتموه مني، أنا أدعو إلى مهادنة عامة داخل الأمة؛ أدعو إلى مهادنة مع الأنظمة، وأدعو إلى مهادنة بين الأنظمة، وأدعو إلى مهادنة بين قوى المجتمع، داخل الإسلاميين وداخل القوميين وداخل اليسار وبين الجميع، لأنني أرى أن هذا هو الطريق الصحيح لأمرين: وقف الهدر وبناء الذات. مسألة المهادنة داخل الأمة أنا بحثتها فقهياً، وأرى أن كل ما يتنافى معها مخالف للفقه، يعني مخالف للتكليف الشرعي. عندما يوجد واحد يحرّض، أنا أقول: هو جاهل؛ إذا كان جاهلاً يكون معذوراً. لكن بالقضايا العامة الجهل لا يُعذر؛ أنا أكون معذوراً حينما أغامر بوضعي الخاص، أما أنْ أشيط بدماء أمة بكاملها وأقول: والله أنا جاهل (لم أكن أعلم)...! هذا غير مقبول! الجاهل يقعد في بيته! لا يشتغل بالشأن العام!

الشيخ محمد مهدي شمس الدين (غيتي)

واقع الحال هو هذا: يوجد مشروع للمجتمع، مشروع للأمة. أنا أدير مشروع أمة؛ أنا أحمل هَمَّ الشيعة العام خصوصاً في أضعف مواقعهم. أنا دائماً أتحدث عن الشيعة خارج إيران. شيعة إيران يحمون أنفسهم بدولتهم وحدودهم وثروتهم. وأنا دائماً أقول إنَّ الشيعة يمثلون خُمس المسلمين، خُمس المسلمين مقابل أربعة أخماس المسلمين... ليس شغلي أنْ أعمل جبهة داخل الإسلام، فضلاً عن جبهةٍ شيعية داخل كل مجتمع. أنا وظيفتي أن أحفظ هؤلاء، أن أخلق حالة صداقة بينهم وبين مجتمعاتهم بعيداً عن أي مذهبية سياسية. ليست عندي مذهبية سياسية؛ مذهبيتي السياسية معروفة، تقرأونها بنظام الحكم (كتاب نظام الحكم والإدارة في الإسلام) وغير نظام الحكم. فقهي السياسي مدوّن وأكثره مطبوع، وإن شاء الله يُطبع الباقي.

في إدارتي للعملية الشيعية على مستوى الأمة هذا هو فكري. أنا أقول إن كلمة نصح، كلمة صفاء (مع الحكومة المصرية) من شأنها أن تساعد على حماية شيعة مصر وتحفظ كرامتهم. أمَّا أنَّ إيران تبني حزباً لها في مصر وتريد أنْ تبنيَ عليه شُغلاً، فهذا ليس شغلي! إيران، تدبر أمرها... تُريد أنْ تتفاهم معي أتفاهمْ معها، قد أفهمها وقد تفهمني. أما أنْ أغامر بمصير جماعة كاملة لأنَّ المدعو شحاتة (يلهو ببنات الناس ويغويهن) وعنده مشروع شيعي (أيضاً)! لا والله، هذا ليس شغلي!».

إيران ليست فاتيكان الشيعة

وسأله أحد المشاركين في الحوار عن تشديده الدائم على أن الشيعة في العالم العربي ليسوا عملاء لإيران، وأنهم متمسّكون بأوطانهم، وهم جزء من هذه الأوطان، فهل يريد بالتالي «فصل الشيعة في هذا العالم عن إيران» وعدم الإقرار بوجود علاقة خاصة ومميزة معها؟ فأجاب:

«إيران مجتمع شيعي كبير داخل الأمة الإسلامية. أكبر تجمع شيعي في العالم هو الآن موجود في إيران، أكبر تجمع شيعي قومي تركي وفارسي وبعض العروق الأخرى، موجود في إيران. الشاه كان يقول إنه حامي الشيعة. في لبنان كانوا يقولون إن هناك شغلاً على هذا الأساس، وفي الخليج كان هناك عمل. حين كان يأتي الشاه فإن شيعة الكويت أو شيعة البحرين مثلاً، كانوا يفرشون له السجادة الحمراء من القصر إلى الطائرة ومن الطائرة إلى القصر... بعد الثورة وتكوين الحكم الإسلامي في إيران، ادُّعِيَتْ هذه الدعوة أيضاً. الشاه ما كان يمثل الشيعة في العالم، وإنما كان ينطلق من رؤية إمبراطورية بوصفه وريث الأخمينيين، وهو الذي عمل ذكرى مرور 2500 سنة لعرش الطاووس، وهو الذي حاول أن يغيِّر التقويم الهجري.

أنا لا أتكلم فقط عن الشيعة العرب، أنا أتكلم عن الشيعة في تركيا أو في أذربيجان، وأقول إنهم ينتمون إلى تركيا وأذربيجان وليس إلى إيران. الشيعة في شبه القارة الهندية (باكستان، وبنغلاديش، والهند) أو في إندونيسيا أو في أي مكان، ينتمون إلى أوطانهم وقومياتهم وشعوبهم ودولهم، ولا ينتمون إلى إيران، وإيران لا تمثل لهم لا مرجعية سياسية ولا مرجعية دينية (...).

أعلام إيران و«حزب الله» خلال احتفال في طهران يوم 14 يونيو 2025 (أ.ب)

توجد قوميات داخل الأمة الإسلامية. هذه القوميات فيها انتماءات، انتماءات مذهبية وانتماءات سياسية تنظيمية. الشيعة ليسوا (كلّهم في) إيران، وإيران ليست الشيعة. إيران جزء من عالم التشيع. (...) نعم أنا أقول: أنت يا شيعي، يا لبناني أو يا كويتي أو يا مصري أو يا سعودي، أنت تنتمي إلى مجتمع، هذا المجتمع عنده نظام مصالح خاص، ونظامُ مصالحه أنت جزء منه. إذا كنت تنتمي إلى هذا المجتمع وتتمتع بكل خصوصياته (منافعه) فيكون عليك أنْ تدخل في نظام مصالحه الخاص؛ أما أنْ تكونَ في هذا المجتمع وتنتمي لنظام مصالح مجتمع آخر، فالمجتمع الذي أنتَ فيه سيأخذُ منكَ موقفاَ حَذِراً!

الآن السؤال هو: هل ينتمي الشيعة (اللبنانيون) إلى نظام المصالح الإيراني الداخلي أو في المنطقة أم لا؟

أنا لا أراهم ينتمون. أنا يهمني أن أدمج الشيعة اللبنانيين في نظام المصالح اللبناني، أن يحصّلوا منه رزقهم بكرامة ويُحترمون ويحميهم القانون. تُرى هل إيران (فاتيكان الشيعة) كما يُقال؟ الأستاذ نبيه بري ينظّر بأن إيران هي فاتيكان الشيعة، أنا لا أراها فاتيكان الشيعة. هل إيران هي مرجعيتهم الدينية؟ أيضاً لا، سواء كان مرجعهم جناب السيد علي الخامنئي أو جناب السيد محمد الروحاني أو قبله الكُلْبايكاني أو كائناً من كان. تُرى عندما كان المراجع العظام في النجف، هل كنا نقول إنَّ المرجعية الروحية للشيعة في العالم عراقية أو نجفية؟ لا! إيران ليست مرجعاً روحياً. افرضوا أنَّ أشخاصاً يقلّدون جناب السيد علي الخامنئي، فهؤلاء يلتزمون رأيه وموقفه، أما الآخرون فغير مجبَرين. حكاية أن إيران ترسم مسار الشيعة وتمثل مظلتهم هذه أنا أنفيها. إيران دولة مُعظمة لها مصالح إقليمية ودولية، وكلما وجدت ناساً يلتفّون حولها هي تستفيد؛ هذا شأن إيران. هم أحرار يحكون ما يريدون، وأنا حر أحكي ما أريده.

أنا قلت سابقاً ومراراً إنَّ إيران -من الأساس- ليست مرجعاً سياسياً ولا دينياً للشيعة في العالم. إيران جزء من هذا العالم الإسلامي، لها وضع مذهبي خاص، ولها وضع سياسي تنظيمي في المجتمع الدولي، ووضع إقليمي خاص. كل وضع محكوم بآلياته؛ لا يوجد وضع يمكن أن يستتبع أوضاعاً أخرى. (...) عندما كنت قبل أسبوع في مصر قلت: أَدْخِلوا إيران في نظام المصالح الإقليمي عن طريق السوق. لم أتشاور مع الإيرانيين، أنا أتكلم بقناعاتي. أنا أقول: حينما يوجد نظام مصالح عام (يجب أن) تستفيد منه كل الأمة. أما أن تستتبع إيران جماعة هنا وجماعة هناك، فلا! أنا أقول إن شيعة لبنان ليسوا أتباع إيران لا دينياً ولا سياسياً. كونهم شيعة! فيوجد شيعة في أفغانستان أيضاً. هذا لا يعني أنه إذا حكم مشايخ دولةً ما أصبح لزاماً على كل الأمة اتّباع هؤلاء المشايخ. لا، هم رجال ونحن رجال.

(...) الآن هذا هو الموقف المتعلق بالشيعة خارج إيران؛ الشيعة العرب أو الأتراك أو الهنود أو الأفغان أو الآسيويين. هذا الموقف واضح عندي ومُنَظَّرٌ له فقهياً. عندي فقرة في كتابي عن علم الاجتهاد، وهو موجود في فقهي السياسي في كتب أخرى.

ما الموقف من إيران؟ إيران دولة إسلامية، تحاول بجهد صادق حقيقةً أن تلتمس أفضل الطرق لتطبيق الشريعة. حققت نجاحات كبيرة، ولكن لم يكتمل نجاحها إلى الآن. هي تمثل نظام مصالحها الخاص، ومستهدَفة بنوعين من الاستهدافات: نوع ناشئ من موقفها السياسي، ونوع ناشئ من كونها دولة. حتى أيام الشاه أيضاً كانت مستهدَفة. حينما تتعرض هذه الدولة لظلامة معينة ونستطيع أن ندافع عنها، علينا أن نفعل. أنا أستطيع أن أدافع سياسياً، لا أملك وسيلة أخرى غير السياسة، غير الفكر، غير (الموقف). أنا لست عميلاً ولا دمية ولا مقلِّداً أيضاً، ولا أريد أن يقلد الناس أيضاً كما تعلمون. على هذا المستوى إيران ليست قطب استتباع، لا بالنسبة إلى الشيعة العرب ولا بالنسبة إلى غير العرب منهم. وهذا الأمر أنا أرى فيه مصلحة الشيعة. قد يكون خلاف مصلحة إيران. الشيعة في لبنان تذابحوا بأخطاء ذاتية وأخطاء إيرانية. تذابح الشيعة في أفغانستان بالطريقة نفسها. الآن مَن يتحمل المسؤولية؟ الله يحاسب، والناس كذلك. هذا الأمر يجب أن يُوضع له حد.

الشيخ الراحل محمد مهدي شمس الدين مع قادة روحيين وسياسيين شيعة وسنة في بيروت (أرشيف رئيس المجلس الإسلامي الشيعي في لبنان)

هذا هو موقفي من إيران الدولة ببُعدَيه أو جانبيه: ليست إيران مرجعيَّتي الدينية ولا السياسية؛ وفي الوقت نفسه أرى من واجبي مساندتها في حدود الإمكان، وبما لا يتعارَض مع المصلحة الوطنية اللبنانية، وفي نطاق التضامُن الإسلاميّ العام. موقفي في بُعده الأول لا يحرمني شيئاً، وفي بُعده الثاني لا يَدُرُّ عليَّ فُلوساً!

بسبب بعض السفلة من المعممين وغيرهم، من المخابرات الإيرانية وغيرها في ذاك الزمان، وبعض الناس هنا في بئر العبد وغيرها... أنا تعرَّضتُ في إيران لأذى كبير، ومع ذلك تحملته تحمل الكرام، ولم أدخل فيه بأي معاتبة مع أحد منهم، إلى أن ألتقي معهم بين يدي الله سبحانه وتعالى. وأقول عن إيران هذا الكلام الذي أقوله الآن سراً وعلناً. فموضوع العلاقة مع إيران، بمعنى أنَّ الشيخ ضد إيران وفلان مع إيران، والشيخ ضد حزب إيران وفلان مع حزب إيران... هذا الكلام يدخل في الاستغلال النَّفْعي والاستقطاب السياسي الزعاماتي، على ما ذكرتُ في بداية حديثنا.

يا أحبائي، قِسمٌ من شيعة لبنان داخل الوضع الحركي التنظيمي -وبعض الناس عندهم حالة استهواء- هم ضحية حالة ذهنية يُراد لهم بها أن يظلوا داخل القبضة؛ يعني أنَّ وجود الشيخ (محمد مهدي) في قلب إيران سيجعل بالتأكيد بعض الناس يخرجون من هذا القلب. هؤلاء يريدون أن يبقوا ليحصلوا على الفلوس والوجاهة والتأييد. من ذلك على سبيل المثال وجود الشيخ (محمد مهدي) داخل الضاحية: ضربوا بيتي ومكتبي وحرسي و(هجّروني) من بيتي في حارة حريك ليقطعوا صلة الناس معي، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى أبدلنا بهذا كرامةً أكبر بعشر مرات من حارة حريك.

الآن في قم، ثمة جهات معينة فيها لبنانيون منكم، يستدعون الطلبة (من الحوزة)، طلبة مستضعفين فقراء يدرسون، يعيشون على خمسة آلاف وعشرة آلاف تومان، وعلى الإقامة، يخافون أن يأتوا إلى هنا ويقعوا في هذه الحوزة الحزبية أو تلك. يقال لهم: إذا جاء الشيخ (إلى إيران) وزرتموه تُجرَّدون من الإقامة وتُطرَدون ونأخذ منكم راتبكم. إذا رحتم إلى لبنان وزرتموه فلا رجعةَ لكم إلى إيران! هل لديكم علم بهذا الشيء؟».

الشيعة والمشاريع السياسية

ضمن ما قاله الشيخ شمس الدين لمناصري «حزب الله» عام 1997 إن زعيم الحزب حسن نصر الله عندما قال «نحن لا نجاهد من أجل الشهادة» كان عليه «أنْ ينصفنا ويقول (هذا رأيُ الشيخ، ونحن نلتزم برأيه)» (أ.ف.ب)

ورداً على سؤال عن الشيعة المتضرّرين من الأنظمة، وهل يجوز أن يحملوا مشاريع سياسية لتحسين موقعهم؟ أجاب الشيخ شمس الدين:

«كلا، لا يجوز. لأنهم سيضرون أنفسهم وسيضرون الشيعة الآخرين».

تهجير من الضاحية

فقال له أحد الحضور: ماذا يحصل لنا بزيارتنا هذه إليك؟

وأجاب: «مضى وقت كنتم لا تجرؤون -وأنتم تعرفون هذا- على أن تأتوا وتجلسوا معي وتقابلوني. مضى وقت من الأوقات إلى ما قبل سنتين أو ثلاث كنتم لا تجرؤون. وكان يأتي ناس من الضاحية ويزورونني في بيت التهجير (في تلة الخياط)، وكانوا يقولون: إذا عُرف أننا أتينا لزيارتكم سيكون ذلك مأخذاً علينا في نظر جماعة الحزب وبئر العبد! الآن لعلَّ الله سبحانه وتعالى غيّر بعض الأفهام وبعض القلوب... والله غالب على أمره دائماً».

سُئل شمس الدين: ما سبب هذا الفتور؟ هل تُحمّلون الجمهورية الإسلامية المسؤولية؟ فأجاب: «سبب الفتور هو أولئك الذين تعرفونهم. قسم من المسؤولية قطعاً تتحمله الجمهورية الإسلامية... أنا علّمت كوادرها الأوائل بكتابي (نظام الحكم والإدارة في الإسلام). تُرجم إلى الفارسية وكانوا يدرسونه وتعلموا عليه. الجمهورية نعم مسؤولة. درجة مسؤوليتها؟ لا أدري! لكن الجهة الأخرى من المسؤولية هي ههنا، في هذا الكيد الذي تعرفونه.

هذه موعظة لكم أحبائي. لا تعتقدوا أن بشراً يطفئ بشراً. الله هو مالك الملك، هو يعز من يشاء وهو يذل من يشاء. الآن بحمد الله أنا وضعي في نمو...

يسألني جناب الأستاذ: مَن المسؤول عن هذا الفتور؟ أنا غير مسؤول. ابحثوا عمَّن عليه المسؤولية. أنا الآن إذا زرت إيران، وذهبت إلى قم، فإنَّ حوزة قم الإيرانية كلها تأتي وتجلس معي وتزورني، من أعلى طبقاتها إلى أدنى طبقاتها. حوزة قم العربية -يعني غير الإيرانية وغير اللبنانية- كلها تأتي وتزورني أيضاً. اللبنانيون فقط، هذا الرقيق المستضعف المُسترهَن للحالة الحزبية والحالة الصنمية، لا يأتون. والذي يأتي، يأتي آخر الليل لواذاً متخفياً.

موقفي من إيران كان في فبراير (شباط) سنة 1979، لما أخذت لبنان كله بطائرة خاصة ووضعته بين يدي الإمام الخميني. والآن أنا جالس معكم أتكلم، وفي أحاديث السر والعلن في مصر أو غير مصر، فإن موقفي الذي بيَّنتُه من إيران لا يتغيّر... ثمة أناسٌ يريدون أن يستأثروا بها أَوْجَدُوا هذا الجفاء. أنا أقول: لا بارك الله لإيران فيمن استأثر بها من هؤلاء المعممين الذي تعلمونهم أو بعض الحزبيين! إذا عاجبينها (إذا كانت إيران معجبة بهم) فلتأخذهم! منِّي إيران (لا ترى) شراً؛ إذا ما رأت خيراً فلن ترى شراً...

أما أن الشيعة أتباع لإيران فهذا غير صحيح، لا دينياً ولا سياسياً. يوجد مشروع إسلامي عام أنا أدعو الشيعة كلهم للاندماج فيه، سواء كان في مواجهة المشروع الصهيوني أو أيّ مشروعٍ معادٍ للأمة... وحتى لو ضرورات الأنظمة جعلت إيران تمشي في ركب مهادنة الصهيونية، أنا (مش ماشي) بالرَّكْب. غاية الأمر في وقتها سنقول إن إيران لها أسبابها العائدة إلى ضرورات النظام. لما الإمام (الخميني) قبل بالقرار 598 -القرار الأممي بوقف الحرب مع العراق، الذي وصفه الخميني بـ(تجرع كأس السم)- كنتُ أول صوتٍ خارج إيران أيَّد موقفه ونظَّر له، في حين كنتُ مهجَّراً، بسببهم، من بيتي أنا وعائلتي.

هذا هو الوضع. يعني أنَّ إيران تارةً تكون مورد ارتزاق -أنا لست مرتزقاً لإيران ولا منها- وتارةً هي جزء من المشروع الإسلامي المبارك. الشيعة جزء من مشروع موجودة فيه إيران. هي لم تخلقه. الشغل الذي حصل منذ جمال الدين الأفغاني وقبل جمال الدين الأفغاني هذا كله لا أثر له؟! الإمام الخميني لم يخلق مشروع الإسلام، هو استعمل هذا المشروع في إيران والله سبحانه وتعالى أيَّده ووفَّقه. في المشروع العام للأمة، الشيعة جزء منه، ولكنَّ هذا المشروع ليس مشروع إيران بل هو مشروع الأمة: الجزائري يقاتل فيه، والسوداني يقاتل فيه، والمصري يقاتل فيه، والهندي يقاتل فيه، والعربي يقاتل فيه... هذا الأمر طبيعي. عندما واجهنا نظام عبد الكريم قاسم (في العراق) وكنا لا ننام الليل، ما كانت الجمهورية الإسلامية موجودة، كان الشاه موجوداً، وما كنا نعمل لسواد عيون إيران، كنا نعمل لتقوى الله سبحانه وتعالى. لما انحكمتُ (حُكِم عليّ) بعشرين حكم إعدام (في العراق) ما كان الخميني موجوداً، بل كان الشاه».

الشيخ الراحل محمد مهدي شمس الدين (أرشيف رئيس المجلس الإسلامي الشيعي في لبنان)

مشروع خاص للشيعة

سُئل شمس الدين: هل يمكن أن يكون هناك مشروع شيعي في المنطقة؟ فأجاب: «تسمعونني أقول إنَّ مشروعاً خاصاً للشيعة داخل أوطانهم لا يوجد ولا يجوز أن يوجد. يعني (إذا عرفت) أن جماعة شيعية عندها مشروع خاص أحاربها... أحاربها بكل وضوح! الآن في لبنان أحارب كل ذوي المشاريع الخاصة، لأنها مشاريعهم هم وليست مشروع الشيعة!

على مستوى الأمة أيضاً، لا يوجد مشروع شيعي خاص. على مستوى العرب، مشروع للشيعة العرب أنا أحذّر منه، لأنه مذبحة للشيعة العرب، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الشيعة الأفغان أو الشيعة الهنود... الشيعة يجب أن يندمجوا في الأمة. الشيعة يحملون شعار الإمام الصادق (س) شعار الاندماج. هذا الشيء الذي أقوله موجود في رواياتنا الصحيحة. أوصيكم بأن تقرأوا وصية الإمام الصادق لعموم الشيعة؛ وهو كتاب موجود في (وسائل الشيعة). (...) إذا قرأتم (نهج البلاغة) مثلاً، فلن تجدوا فيه شيئاً اسمه قضية شيعية، يوجد قضية إسلام. الشيعة مسلمون، والتشيع تيار فقهي منتشر في كل المذاهب. هذا كلام أنا أقوله علناً، وهو مسموع منّي علناً ومدوَّن ومنظَّر له. إذَنْ؛ لا توجد مشاريع خاصة. حتى المشروع الإيراني، الشيعة يغلطون وإيران تغلط عندما تقول إنها مشروع الشيعة. إيران تكون إيران حقيقةً حينما تخرج عن كونها مشروعاً شيعياً. لذلك أي واحد يحكي عن هَمّ الشيعة وقضية الشيعة، فهذا كلام يُنبئ إمَّا عن جهل وإما عن استغلال للشيعة. نظنُّ خيراً ونقول: عن جهل».

وتابع شمس الدين؛ رداً على سؤال آخر: «مصدرٌ آخر للخطر هو تصادم أنظمة المصالح: إذا كنت تريد أن تهدد لي نظام مصالحي، حتى لو كنت على مذهبي، أُدمِّرك! المساس بأنظمة المصالح، ومحاولة بناء نظام مصالح منفصل أو تهديد نظام المصالح؛ تهديد الرغيف، هذا سبب ثانٍ للاضطهاد. هذا أيضاً لا يبرر أن تبني لنفسك نظام مقاومة خاصاً، لأنك حينئذ تُدمَّر، باعتبار أنك تهدد نظام المصالح المقابل وتريد أن تنشئ نظام مصالحك الخاص. هناك جهاتٌ حزبيةٌ مضلِّلة أو مضلَّلة زجَّت بمجموعات شيعية كثيرة. لماذا يريد البعض قتل أمير الكويت؟ لماذا نضع متفجرات لأمير الكويت؟ أريد أن أعرف ما مصلحة الشيعة في قتل أمير الكويت، من أين أتت؟! لماذا نتآمر على هذا أو ذاك من الأنظمة أو مسؤولي الأنظمة؟ على أي أساس؟ نحسِّن وضعنا؟! لا يا عمّي، توجد جهة تريد أنْ تستثمر هذا الوضع؛ هذا الأمر محرَّم! إدارة أمور الشيعة تنشأ بأن يندمجوا. لاحظوا أن العمل بالحُسنى يقرِّب الشيعة من مقاصدهم أكثر من هذا الأسلوب الذي يُدعى إليه الآن. والمطلوب بكل آسف أن يكون الشيعة ضحايا من أجل أن تكون لهم ندّابة (الذين يندبون في المآتم). مقولة إننا لا نريد شهداء وليس من مقاصد الإسلام أن يكون له شهداء، هذه مقولتي. والحمد الله الآن بدأت أيضاً (بعض الجهات بذكر هذه المقولة). نحن نطلق المقولة لكن نُشتم عليها، ومن ثمَّ يأخذها أناسٌ (بعضهم من الذين شتمونا) وتصير لهم! يا عمِّي... على الأقل (أعطونا) حقوق الطبع، حقوق التأليف (ضحك في القاعة). قبل أيام قيل لي إنَّ جناب السيد حسن نصر الله يقول: نحن لا نجاهد من أجل الشهادة. قلت في نفسي -ما حكيت، الآن أحكي- قلت: والله هذا السيد حسن كان عليه أنْ ينصفنا ويقول (هذا رأيُ الشيخ، ونحن نلتزم برأيه). حالةُ النَّدْب وطلب الشهادة، أنا أسميها حالة التوابين. الله يرحمهم، لا بحياتهم نفعوا ولا بوفاتهم نفعوا. أصلاً ليس المقصد أن نثير الدنيا، المقصد أن (نهدّئ) الدنيا، أن نسكّن الدنيا».

* الشيعة يمثلون خُمس المسلمين مقابل أربعة أخماس المسلمين... وظيفتي أن أخلق حالة صداقة بينهم وبين مجتمعاتهم بعيداً عن أي مذهبيه سياسية

* لا أتكلم فقط عن الشيعة العرب... الشيعة في تركيا أو في أذربيجان ينتمون إلى تركيا وأذربيجان وليس لإيران... الشيعة في شبه القارة الهندية ينتمون إلى أوطانهم وقومياتهم وشعوبهم وإيران لا تمثل لهم لا مرجعية سياسية ولا مرجعية دينية

* لا يجوز أن يوجد مشروع خاص للشيعة داخل أوطانهم

* ما مصلحة الشيعة في قتل أمير الكويت؟! لماذا نتآمر على هذا أو ذاك من الأنظمة أو مسؤولي الأنظمة؟ إدارة أمور الشيعة تنشأ بأن يندمجوا

محمد مهدي شمس الدين

إبراهيم شمس الدين... لماذا الآن؟

مهّد إبراهيم شمس الدين، نجل الشيخ شمس الدين، لنشر النص/الوثيقة بمقدمة شرح فيها سبب كشفه عن مضمون الحوار بعد كل هذه السنوات التي مرت عليه. وجاء فيها: اخترت أن أنشر هذا النص لوالدي الشيخ محمد مهدي شمس الدين بمناسبة مرور 25 سنة على رحيله؛ تكريماً له وإحياءً لفكره، وتذكيراً ببصيرته العميقة والمُدرِكة، وشجاعته وصلابته في بيان الرأي الحق الذي يحفظ الناس، ويحفظُ الوطن والدولة لكلِّ الناس، ويضع وحدة المجتمع السياسي الوطني أولوية عُظمى تتقدمُ أي خصوصية - ولا خصوصية لأي جماعة - ومنهم اللبنانيون المسلمون الشيعة، وكذلك المسلمون الشيعة في أوطانهم العربية؛ إذ إنهم جزء من الاجتماع الوطني العام، وجزء من الاجتماع العربي العام، بالإضافة إلى كونهم جزءاً من الاجتماع الإسلامي العام.

هذا النص هو خلاصة جلسة حوار، محفوظ على أشرطة تسجيل، استغرق أكثر من أربع ساعات من ليل الثلاثاء في 18/3/1997 بين الشيخ الإمام ومجموعة كبيرة من كوادر «الحركة الإسلامية» في لبنان – الذين هم شديدو القرب من الحالة الحزبية التي تولّدت داخل اللبنانيين المسلمين الشيعة في لبنان في وسط الثمانينات، برعاية إيرانية مباشرة ومستقرة. ومما دفعني خصوصاً إلى اختيار هذا النص للنشر – وهو غيرُ منشورٍ سابقاً – في ذكرى رحيل الشيخ الإمام، هو ما عالجه وبيّنَه وعلّلَه من مسائل إشكالية ساخنة في حينه، على صعيد علاقة الشيعة اللبنانيين تحديداً مع مواطنيهم اللبنانيين، وبإطارهم اللبناني الوطني، وفي محيطيَهم العربي والإسلامي، ولا سيما إشكالية علاقتهم بإيران، الجمهورية الإسلامية.

وقد عزّز لديّ هذا الاختيار، أن تلك المسائل الإشكالية لا تزال هي ذاتها، القضايا المطروحةَ اليوم بحرارةٍ وإلحاحٍ وتوترٍ أيضاً، وهي تتفاعل بقوة، وحاضرةٌ دائماً مع المتغيرات الجيوسياسية في منطقتنا والعالم؛ وبالتالي لا يكونُ هذا النص/الوثيقة نصاً قديماً، بل هو كلام راهنٌ حيّ، يخاطب حاضراً ساخناً ومُترقّباً. سيصدر هذا النص بعد مدّة، مع توسعة لخلاصته، في كتاب يحمل العنوان التالي: «الشيعة اللبنانيون والشيعة العرب - العلاقة مع الغير والعلاقة مع الذات».