علاوي: أميركا خرّبت العراق وإيران شريكتها وبايدن تمسّك بالمالكي

رئيس الوزراء العراقي الأسبق روى لـ«الشرق الأوسط» رحلته مع «البعث» وصدام وعراق ما بعد الاحتلال (3)

TT

علاوي: أميركا خرّبت العراق وإيران شريكتها وبايدن تمسّك بالمالكي


علاوي والمالكي في أحد لقاءاتهما ببغداد عام 2010 (غيتي)
علاوي والمالكي في أحد لقاءاتهما ببغداد عام 2010 (غيتي)

عندما احتلت أميركا العراق أصيب العرب بالذهول والقلق واختاروا الابتعاد عن الساحة العراقية كي لا يُتهموا بدعم الاحتلال. وظّفت إيران هذا الغياب العربي وأطلقت عملية واسعة لمنع قيام نظام عراقي موالٍ للغرب. سهّلت الغزو لكنها سارعت إلى زعزعة الاستقرار الذي كان الأميركيون يراهنون عليه لبناء ما سمّوه العراق الديمقراطي الجديد. أفادت إيران أيضاً من قرارات خطرة اتخذتها واشنطن، بينها حل الجيش العراقي واجتثاث البعث، وتوهّم القدرة على إعادة بناء العراق من الصفر بعد تفكيك دولته.

سألت الرئيس جلال طالباني، الذي كان عائداً من رحلة إلى طهران، عمّا تريده إيران فعلاً من أميركا، فقال إنه استنتج أنها مستعدة للتفاوض مع أميركا من أفغانستان إلى لبنان. قال أيضاً ما يوضح ويشرح: «إيران لا تقول إنها تريد حصة، بل تقول إنها تريد علاقات طبيعية مع أميركا وإنهاء العداوة والحصار، وحجز الأموال الإيرانية في أميركا. وهي تؤكد أنها ساعدت أميركا في أفغانستان، لكنها نالت جزاء سنمار. مرة قال لي وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي في هذا البيت (مقر طالباني): «قل لصديقك السفير الأميركي زلماي خليل زاد - وكان يومها سفيراً في بغداد - ماذا يريد الأميركيون منا؟ نحن أيّدنا تحرير العراق من صدام، وأيّدنا مجلس الحكم وانتخاب رئيس الجمهورية، وأيّدنا هذا الوضع الجديد الذي أقامه الأميركيون في العراق. لا يوجد شيء عمله الأميركيون لم نؤيده، فقل لصديقك: ماذا يريدون منّا أكثر؟». نقلت هذا الكلام لخليل زاد فقال لي: «نريد الاستقرار والأمن في العراق».

المالكي مترئساً اجتماعاً أميركياً ــ إيرانياً في بغداد مايو 2007 (غيتي)

وأضاف طالباني: «حاولنا الجمع بين خليل زاد ومتقي لكننا لم ننجح. كنا توصلنا إلى موافقة مبدئية من الطرفين ثم ذهبت كوندوليزا رايس إلى الكونغرس، وألمحت إلى اللقاء الذي كان يُفترض أن يلتئم في شكل سريّ فتراجع الإيرانيون. ما أقصده أن إيران ترغب في حل هذه المشاكل وإقامة علاقات جيدة مع أميركا».

كان طالباني أكثر واقعية من علاوي. أدرك باكراً أن العلاقة مع واشنطن لا تكفي، ولا بد من المرور عبر طهران.

في 2007 بعثت إيران برسالة بالغة الدلالات. في العراق الذي تحتله قوات «الشيطان الأكبر»، هبطت في مطار بغداد طائرة الرئيس محمود أحمدي نجاد، وكان وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري رئيس البعثة المرافقة له. لم يعترض الأميركيون على زيارة نجاد، بل رحّبوا بها. نفّذت نقاط التفتيش الأميركية التوجيهات بتسهيل مرور موكب الزائر إلا واحدة اعترضته، وسرعان ما تبيّن أن الجنود الأميركيين لا يريدون أكثر من التقاط صورة، لكن الجانب العراقي طلب من نجاد عدم الخروج من سيارته.

جندي أميركي يقاتل في الفلوجة نوفمبر 2004 (غيتي)

كانت زيارة نجاد رسالة مفادها أن الجيش الأميركي سيغادر ذات يوم لكن إيران، وبحكم الجغرافيا، باقية قرب العراق وفيه، وهذا ما حصل، خصوصاً أن سليماني راح يزعزع الأرض العراقية تحت أقدام الجيش الأميركي.

سمع زيباري ذات يوم نصيحة تستحق التسجيل. استقبل الرئيس حسني مبارك الوزير العراقي، وتطرق الحديث إلى الأميركيين. فوجئ زيباري بالرئيس المصري يقول عنهم: «ليس لديهم دين ولا رب، ولا أمان معهم، ويبيعون أصدقاءهم بسهولة.. زيّ الميه». وأعطى مثلاً الرئيس الباكستاني برويز مشرف. وشرب مبارك لاحقاً من كأس أميركية أشد مرارة من تلك التي شرب منها مشرف.

لم يكن إياد علاوي رجل الأميركيين. لم يسلّم بحقهم في رسم أزياء العراق الجديد على هواهم. اجتماعاته بعدد من المسؤولين الأميركيين لم تكن ناجحة. وفي الوقت نفسه لم يعثر على لغة للتفاهم مع طهران. لا يقبل بشروطها ولا تقبل بنهجه.

في السابع من مارس (آذار) 2010 شهد العراق انتخابات عامة. فازت لائحة «العراقية» بزعامة علاوي بـ91 مقعداً، في حين فازت لائحة «دولة القانون» بزعامة نوري المالكي بـ89 مقعداً. وبحسب التفسير المعمول به للدستور، يُفترض أن توكل إلى علاوي مهمة تشكيل الحكومة. انتزع المالكي من المحكمة الاتحادية العليا تفسيراً آخر للمادة التي تتحدث عن الكتلة الأكبر، واندلعت أزمة سياسية حادة استمرت نحو تسعة أشهر، وانتهت لصالح المالكي. سألت علاوي عن الجهات التي حالت دون قيامه بتشكيل الحكومة وتركته يروي.

حققنا الفوز في الانتخابات رغم كل ما تعرضنا له. تعرضوا لـ500 شخص بإجراءات تحت ذريعة «اجتثاث البعث». وكان بين هؤلاء عدد من المرشحين معنا. اغتالوا تسعة أشخاص. أغلقوا مناطق بأكملها لمنع أنصارنا من الانتخاب، ورغم ذلك تقدمنا عليهم بثلاثة مقاعد. الحقيقة أنني فوجئت بما حدث. لم أتوقع أن يصل الموقف الأميركي والموقف الإيراني إلى هذا الحد. منعني من تشكيل الحكومة أميركا وإيران. عملتا معاً. في تلك الفترة كان نائب الرئيس الأميركي جو بايدن يتردد نحو ثلاث مرات شهرياً على بغداد. كان همّه أن أتنازل لمصلحة المالكي. طرح عليّ أن أتولى رئاسة الجمهورية، فقلت له إن الشعب انتخبنا لنشكّل الحكومة فكيف أصبح رئيساً للجمهورية بلا شغل أو عمل (طابع المنصب شبه بروتوكولي). جدد بايدن محاولته، وقال لي: «إذا وافقت أن تصبح رئيساً للجمهورية سأكون أنا مدير حملتك». فقلت له: «إنني لست بحاجة إلى حملة، فأنا حملتي الشعب العراقي، وانتُخبت لأكون رئيساً للحكومة». تصوّر أن بايدن قال لممثّلي السنّة أمامي: «أنتم لن تنالوا أي وزارة»، فردّوا عليه: «نحن لا نريد وزارة، بل يكفينا أن يصبح علاوي رئيساً للوزراء لأنه غير طائفي». كرر بايدن مطالبته لي بالتنازل للمالكي فقلت له: «والله إن لم تسمحوا لي بأن أصبح رئيساً للوزراء فإن الإرهاب سيعشش أكثر وستنغرس الطائفية في القلوب وكذلك الكراهية للنظام والديمقراطية بأكملها».

علاوي والمالكي في أحد لقاءاتهما ببغداد عام 2010 (غيتي)

في تلك الفترة كانت تجري في مسقط مفاوضات أميركية - إيرانية. كان الوفد الأميركي برئاسة بن رودس نائب مستشار الأمن القومي في عهد أوباما. نقل الجانب الإيراني إلى الجانب الأميركي تهديداً، مفاده أن إيران ستوقف المفاوضات وستُحدث مشاكل في العراق إذا تولى إياد علاوي رئاسة الوزراء. ألّف بن رودس لاحقاً كتاباً بعنوان «العالم كما هو». روى فيه قصة التهديد الإيراني، واتهم بايدن بخطف العملية الانتخابية من علاوي، وإهدائها إلى المالكي تحت الضغط الإيراني.

الحقيقة أنني التقيت بايدن نحو 20 مرة. عرفته مذ كان مسؤولاً عن لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ. شخصيته مهزوزة، وهو كذّاب ومنافق.

> هل أفهم من كلامك أن أميركا خرّبت العراق؟

- نعم، أميركا خرّبت العراق.

> هل كان لها شركاء؟

- نعم، إيران. من حلّ الجيش العراقي، إلى «الحشد الشعبي»، والميليشيات المسلّحة والإرهاب، ووأد الديمقراطية وانتشار الطائفية السياسية.

> لم تزر إيران علانية، هل زرتها سراً؟

- لم أزر إيران طوال عمري.

> هل سهّلت إيران الغزو الأميركي للعراق؟

- سهّلت كثيراً. وافقت على قيام مجلس الحكم ولم تعترض.

> لماذا وقفت إيران ضدك إلى هذا الحد؟

- لأنني لا أنتمي إلى الفكر السياسي الإسلامي. ثم إن قضيتي مع صدام حسين، التي دفعتني إلى الابتعاد نهائياً عن البعث هي التنازلات الكبيرة التي قدّمها في اتفاق عام 1975 مع إيران حول شط العرب. التقيت تلك السنة وخلال المفاوضات وزير الخارجية آنذاك شاذل طاقة. قال لي إن صدام كان يرسل لهم خلال المفاوضات رسائل مفادها: تراجعوا تراجعوا تراجعوا، أي قدّموا التنازلات. وهذا أضر بالعراق كثيراً. والإيرانيون يعرفون موقفي هذا. ثم إنني حين توليت رئاسة الوزراء كانت إيران تطالب بتعويضات قدرها 120 مليار دولار. قلت لهم: عن أي تعويضات تتحدثون؟ نحن نطالبكم بـ200 مليار دولار لأنكم من 1982 وحتى 1988 رفضتم وقف إطلاق النار في الحرب العراقية - الإيرانية.

أنا اللواء قاسم سليماني

بعد سقوط نظام صدام حسين ظهر على المسرح العراقي لاعب بارز، هو الجنرال قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» الإيراني. لم يقتصر دوره على استنزاف الجيش الأميركي والهيبة الأميركية، بل تعدّى ذلك إلى فرض مشاركته في اختيار الرؤساء وتشكيل الحكومات وتحديد المسارات، وهو دور لعب سليماني ما يشبهه في لبنان وسوريا واليمن أيضاً. سألت علاوي عن علاقته بسليماني فاستعاد محطاتها.

تعرّفت على الجنرال سليماني في بيت عادل عبد المهدي (رئيس الوزراء لاحقاً). دعاني عادل إلى العشاء، ولم يقل لي من سيكون حاضراً. كان لديّ زوّار، فقال: «أحضرهم معك فبيتنا بيتك». ذهبنا. وبعد نصف ساعة وصل إلى المكان رجلان، الأول شعره أبيض والثاني شعره أسود. اقترب الأول منّي وقال لي: «أنا اللواء قاسم سليماني». خلال اللقاء قال لي سليماني: «نحن عملنا ضدك كل الوقت». فأجبته: «وأنا كنت ضدكم كل الوقت». قلت له: «لماذا عملتم ضدنا؟ أنا أشركتكم في لقاء شرم الشيخ متحدياً الإرادة الدولية. فتحت لكم كل المجالات. أوقفنا نشاط (مجاهدي خلق) وسحبنا الأسلحة الثقيلة منهم. أرسلت إليكم أقوى وفد اقتصادي، وعلى أساس تحسين موقف الجوار العراقي. لماذا هذا الموقف؟». أجاب: «نحن أخطأنا، وأنا الآن في حضرة قائد كبير». قلت له: «أنا لست قائداً كبيراً ولا بطيخاً. لا تتدخلوا في شؤون العراق الداخلية فترجع الأمور إلى مسارها الطبيعي».

بعد سنة وتحديداً بعد الانتخابات في 2018، اتصل بي أبو مهدي المهندس (الذي قتل مع سليماني في مطار بغداد) وقال لي: «هناك صديق يريد أن يكلمك». لم يدع لي مجالاً لأسأل عن هوية الصديق، وأعطى الهاتف للرجل وتبيّن أنه سليماني. قال لي: «نريد أن نأتي إليك». أجبته أنني مدعو إلى فطور، وكنا في رمضان. سألني متى أرجع فقلت في الساعة الواحدة. قال: «نكون عندك في الواحدة والنصف».

جاءوا في الموعد المحدد. سليماني وأبو مهدي المهندس ومسؤول من «حزب الله» في لبنان اسمه محمد كوثراني. وكان حاضراً على ما أذكر أربعة من أصدقائي بينهم النائب كاظم الشمري وأكرم زنكنة. قال سليماني: «لماذا لا تدعو (قادة) الشيعة إلى فطور؟» قلت له: «أنا لست صائماً فكيف أدعوهم إلى فطور». أجاب: «لا مشكلة في ذلك. وجّه لهم الدعوة ونحن نساعدك كي تتزعم الحركة الشيعية».

استغربت كلامه. حكيت له القصة التالية. عندما أردت خوض الانتخابات جاءني عبد العزيز الحكيم، رحمه الله، وقال لي إن السيّد (يقصد آية الله السيستاني) أرسلني إليك. سألني: «لماذا لا تدخل معنا في القائمة الشيعية؟». فقلت: «كيف؟» أجاب: «ثلث لك، وثلث لنا، وثلث للشيعة الآخرين». قلت له: «دربي غير دربكم، ما هذا؟ شيعي وسني ومسيحي؟» ثم قال لي الحكيم: «هذا ما يقول السيّد، ونحن سنضمن أن تكون رئيساً للوزراء إذا تعاونَّا». أجبته: «من قال لك إنني أقبل أن أكون رئيس حكومة طائفي في العراق؟ أنا لا أقبل».

رويت القصة لسليماني فسألني: «هل أنت ضد الشيعة؟»، قلت: «لا، أنا شيعي لكنني لست ملتزماً بالفكر السياسي الإسلاموي للشيعة. أنا بعيد عن هذه الأفكار. نشأتُ في حزب وطني وقومي وعروبي وليست لدي هذه الأمور». قلت ذلك في حضور الذين شاركوا في اللقاء.

بوتين: لماذا لا تذهب إلى إيران؟

طلبت من علاوي أن يتذكر أبرز النصائح التي وُجّهت إليه لزيارة إيران، وسأتركه يروي.

في الشهر السابع من عام 2010 زرت موسكو، ولم تكن لي أي صفة رسمية.

دعاني الرئيس فلاديمير بوتين إلى عشاء في الكرملين لم يحضره سوى المترجم. سألني بوتين لماذا لا أذهب إلى إيران، فأجبته: هل تذهب أنت مثلاً إلى فنلندا لتصبح رئيس جمهورية روسيا؟ فقال: لا. قلت: لماذا تريديني أن أذهب إلى إيران كي أصبح تابعاً لهم؟ أنا لا أريد رئاسة الوزراء أو رئاسة الجمهورية. أنا خادم للشعب العراقي والأمة العربية وأتشرف بذلك، ولست مستعداً لتوسّل إيران أو غيرها من أجل منصب. سألني هل لديك مانع في أن أرسل إليهم مستشاراً من عندي، فأجبت: لا، ولكن بشرط أن ألتقيهم هنا أو في مصر أو في بغداد لكنني لن أذهب إلى إيران.

قال لي بوتين من حقك أن تصبح رئيساً للوزراء، ملمحاً إلى أن القضية تصطدم بصعوبات. استفسرت منه، فقال إن هيلاري كلينتون (وزيرة الخارجية الأميركية) قالت له إن من حق علاوي أن يصبح رئيساً للوزراء، لكنه لن يصبح.

سألها عن السبب، فأجابت بأنه لن يحصل على الأصوات الكافية في البرلمان. قال لها: فليحاول، وإن فشل يكلّف رئيس الجمهورية شخصاً آخر. كانت إيران حازمة في رفض أن أتولى المنصب.

مقاتلون من الحشد الشعبي يستعدون لمقاتلة داعش غرب الموصل عام 2017 (غيتي)

الحقيقة أن بوتين شخص لطيف ومهم وملم. ورأيي الخاص أن روسيا في أخلاقياتها أقرب إلى العرب من أميركا. أكثر جدية وصراحة ومباشرة من الأميركيين.

في الحقيقة، استوقفني كلام لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف. قال لي: نحن كنا مقصرين ولم نفهم أن للصراع في المنطقة طابعاً سنياً - شيعياً في جانب منه. ونحن يجب أن نقف مع الشيعة لأنهم يمثّلون عمقاً مهماً، وهم أكثر، من العراق إلى سوريا إلى اليمن. هذه الدول كلها أو أكثريتها شيعية. قلت له إن الصراع ليس سنياً - شيعياً، بل هو بين فريق يؤمن بالأمة العربية وفريق لا يؤمن بها. وأكدت له أن العروبة شيء موجود وليست مجرد شعار.

في الواقع، كنت قد زرت بوتين مع وفد في 2004 بصفتي رئيساً للوزراء. كانت بداية الاجتماع سيئة. استهل كلامه على نحو أزعجني، مستخدماً كلاماً قاسياً نوعاً ما حول الاحتلال والشرعية. رددت عليه بكلام أقسى من كلامه. قلت له: جئنا إلى هنا تلبية لدعوتكم، ولنا هدفان من هذه الزيارة. الأول أننا نريد أن نقيم ضدكم قضية قضائية حول ديونكم للعراق، لأنكم بعتم أسلحة بأسعار خيالية إلى العراق أثناء حربه مع إيران. الثاني أننا نريد تشكيل لجنة مشتركة لإنهاء عقود شركاتكم أو إعادة مناقشتها، ولعلمكم سيادة الرئيس أننا ناضلنا ضد صدام حسين وتعرضنا للكثير من الاضطهاد، فإن كنتم تعتقدون أننا دخلنا مع الأميركيين وعلى دباباتهم فأنتم واهمون. ساد الصمت القاعة ومرر لي أحد الوزراء العراقيين ورقة قال فيها إننا قد نُطرد من موسكو. لكن بعد تلك المشاحنة تحوّل الاجتماع إلى لقاء إيجابي ونشأت علاقة بيني وبين بوتين.

في 29 سبتمبر (أيلول) 2010، لبّيت، على رأس وفد من «العراقية»، دعوة لزيارة سوريا. بادرنا الرئيس الدكتور بشار الأسد بالقول إنه سيسافر إلى طهران لكي يتكلم في موضوع تشكيل الحكومة العراقية. استغربت هذا الطرح العجيب بأن يجري تشكيل الحكومة العراقية من دمشق وطهران، من جهة، والإدارة الأميركية، من جهة أخرى. حضر اللقاء من الجانب السوري وزير الخارجية فاروق الشرع والدكتورة بثينة شعبان واللواء محمد ناصيف (أبو وائل) مستشار رئيس الجمهورية.

قال الأسد إن الشرع سيزور إيران غداً وسيتصل بنا عند عودته.

إيرانيون يرفعون صوراً لسليماني أثناء جنازته يناير 2020 (غيتي)

واسترسل قائلاً إنه بات واضحاً أن إيران ضد علاوي ولن تسمح له بتشكيل الحكومة، وأن الإدارة الأميركية متوافقة مع إيران في هذا الأمر، فما هو موقف «العراقية» وما هي البدائل؟ شرحت للرئيس السوري أن الأمر لا يتعلق بشخص رئيس الوزراء، بل بالنهج الذي سيتبعه، وإننا نريد إخراج العراق من المحاصصة والطائفية السياسية وبناء عراق يتسع لكل شعبه وإعادته إلى حاضنته العربية. سألني الأسد: من تقترحون أن يشغل هذا الموقع إن لم يكن لكم؟ فاقترحت أن يكون عادل عبد المهدي، واستناداً إلى برنامج إصلاح وعلى قاعدة الشراكة الحقيقية. تأثر الجو حين قال الأسد: وإذا أصرّت إيران على المالكي ولم ترض بعادل عبد المهدي؟ أجبته: هل تسافر إلى إيران للتفاوض أم للاستماع إلى إملاءات إيران على العراق؟

بعد اللقاء دعانا محمد ناصيف إلى غداء في مطعم مطل على دمشق. قال: لماذا لا تسافر إلى إيران؟ يمكن أن نعمل لك ترتيباً معهم. فقلت له: أخي أبو وائل إذا استمر إصراركم على هذا الكلام، فلن أحضر الغداء ولن أزور سوريا أبداً في المستقبل، فاتركوا هذه المسألة.

في الشهر السابق لزيارتي سوريا، ذهبت إلى الكويت لحضور مؤتمر. أبلغت أن الأمير الشيخ صباح الأحمد يدعوني للاجتماع به. ذهبت وتكلمنا عن الانتخابات وأوضاع المنطقة والعراق. ثم فاجأني قائلاً: لماذا لا تذهب إلى إيران؟ فأجبته: أخي أبا ناصر كيّف أستجدي من إيران رئاسة الوزراء؟ أنا مستعد للقائهم في أي مكان، في الكويت أو مصر أو بغداد. قال إنه سيوفد مبعوثاً لإبلاغهم. وبالفعل أرسل مستشاره السفير السابق لدى الأمم المتحدة محمد أبو الحسن حاملاً رسالة منه إلى الرئيس أحمدي نجاد. بعد يومين، عاد المبعوث وزارني في مقر إقامتي وقال إن السلطات الإيرانية ترحّب باللقاء وتفضّل أن يكون في إيران، وإذا كان ذلك صعباً فإن المسؤولين سيجدون الوقت المناسب لزيارة الكويت.

الحقيقة أنني كنت أبديت لدى تولي رئاسة الوزراء في 2004 رغبة في زيارة إيران في إطار جولة في دول الجوار. طلبت أن نناقش في الزيارة المشكلات العالقة لبناء علاقات طبيعية بين جارين. أصروا على أن تكون الزيارة بروتوكولية لأنهم يعرفون موقفي من اتفاقية الجزائر والتعويضات والتدخلات.

بوش لا يستحق الرئاسة

سألت علاوي عن انطباعه عن لقائه مع الرئيس جورج بوش الابن، فأجاب: لا يستحق أن يكون رئيساً لأميركا. لم أره ثابتاً على وضوح أو أفكار. لم تكن لديهم سياسة بعد إسقاط النظام. حلّ الجيش واجتثاث البعث وكل هذه الممارسات العشوائية. لقد شرحت ذلك لرئيس الوزراء البريطاني توني بلير، وطلبت منه أن يتحدث معه أكثر في موضوع العراق.

* غداً حلقة رابعة


مقالات ذات صلة

العراق يرفض استخدامه «منطلقا لأي أعمال عسكرية تستهدف أي دولة»

المشرق العربي جنود عراقيون خلال الاحتفال بـ«يوم الجيش العراقي» في بغداد يوم 6 يناير 2026 (رويترز)

العراق يرفض استخدامه «منطلقا لأي أعمال عسكرية تستهدف أي دولة»

أكّد العراق، الخميس، رفضه استخدامه "منطلقا لأي أعمال عسكرية تستهدف أي دولة"، وذلك بعد تهديد الولايات المتحدة بالتدخل في إيران.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي عراقيون يحرقون صوراً للرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خارج القنصلية الإيرانية بالبصرة 13 يناير 2026 (رويترز)

المبعوث الأميركي يفتح ملف الأموال المهرَّبة في العراق

حذّر سياسيون ومراقبون من مغبّة ما يمكن أن تسفر عنه المراجعة الشاملة للمدفوعات والمعاملات المالية المشبوهة في العراق، التي وعد بها المبعوث الأميركي مارك سافايا.

حمزة مصطفى (بغداد)
تحليل إخباري رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

تحليل إخباري هل يتنازل السوداني للمالكي في تشكيل الحكومة العراقية؟

على مدى الأيام الماضية لم يتمكن الإطار التنسيقي الشيعي من عقد اجتماع له لحسم مسألة تنازل رئيس الوزراء وزعيم ائتلاف الإعمار والتنمية لزعيم دولة القانون.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي عناصر من قوات الأمن العراقية (أ.ف.ب - أرشيفية)

العراق يفكك شبكة إجرامية متهمة بضرب مصالح إسرائيلية

أعلنت السلطات العراقية القبض على «قيادات» في شبكة «فوكستروت» التي تتخذ من السويد مقرّاً، وهي متهمة بأعمال إجرامية بينها هجمات ضدّ مصالح إسرائيلية في أوروبا.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

«الإطار التنسيقي» يقترب من حسم رئاسة الوزراء... والمالكي الأوفر حظاً لولاية ثالثة

توقع مصدر مسؤول في قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية نجاحها في حسم الشخصية المختارة لشغل منصب رئاسة الوزراء خلال الأسبوع المقبل.

فاضل النشمي (بغداد)

اهتمام غربي بتعزيز الرقابة على المرافئ الحدودية اللبنانية

حاويات ورافعات استأنفت عملها بمرفأ بيروت بعد الانفجار عام 2020 (أرشيفية-رويترز)
حاويات ورافعات استأنفت عملها بمرفأ بيروت بعد الانفجار عام 2020 (أرشيفية-رويترز)
TT

اهتمام غربي بتعزيز الرقابة على المرافئ الحدودية اللبنانية

حاويات ورافعات استأنفت عملها بمرفأ بيروت بعد الانفجار عام 2020 (أرشيفية-رويترز)
حاويات ورافعات استأنفت عملها بمرفأ بيروت بعد الانفجار عام 2020 (أرشيفية-رويترز)

عاد أمن مرفأ بيروت إلى واجهة الاهتمام الدولي، من زاوية التكنولوجيا، والأمن، وضبط الإيرادات، بما يعكس تحوّلاً في المقاربة الدولية تجاه لبنان يقوم على دعم مؤسسات الدولة لاستعادة السيطرة الفعلية على مرافقها الحيوية، وفي مقدّمتها المرافئ والمعابر الحدودية.

يأتي الاهتمام الدولي بموازاة تدابير لبنانية لتعزيز التجهيزات الأمنية في المعابر الحدودية؛ وذلك لمكافحة التهريب ومكافحة التهرب الضريبي أيضاً. وكشف مصدر وزاري، لـ«الشرق الأوسط»، أنّ الحكومة اللبنانية «تعمل على تركيب أجهزة كشف متطوّرة تعمل بالذكاء الاصطناعي في المرافئ، قادرة على التدقيق الشامل في محتوى جميع الحاويات، ورصد حجم حمولتها بدقة، وتحديد طبيعة المواد المستوردة والمصدّرة».

وأوضح المصدر أنّ «هذه الأنظمة، إلى جانب دورها الأمني، ستمنع أي تلاعب في التصاريح الجمركية أو في تقدير الأحجام والقِيم، ما يضع حدّاً للهدر في التحصيل الضريبي والرسوم الجمركية العائدة للدولة، ويشكّل خطوة أساسية في مسار استعادة السيطرة المالية والإدارية على أحد أهم شرايين الاقتصاد اللبناني».

السفير الأميركي في المرفأ

وجالَ سفير الولايات المتحدة لدى لبنان ميشال عيسى، في مرفأ بيروت، مُطّلعاً على الإجراءات والتجهيزات التقنية التي أُدخلت حديثاً المرفأ، ولا سيما أجهزة المسح الضوئي (السكانر).

وصرّح عيسى، في ختام الزيارة، بأن الجولة كانت مَدعاة للفخر، وعَدَّ أن ما لمسه من تنظيم في العمل وأساليب الإدارة «يضاهي المعايير المعتمَدة في الولايات المتحدة».

وقال إن «الإدارة الجديدة والعاملين في المرفأ قدَّموا نموذجاً مُشرِّفاً في الأداء»، مؤكداً أن بلاده ستدعم كل ما يحتاج إليه المرفأ نظراً للوتيرة السريعة التي يسير بها العمل، ولا سيما فيما يتعلق بموضوع آلات الكشف التي ستسهم في تسهيل الإجراءات وتسريع حركة العمل». وأكد أن «المرفأ يجب أن يكون تحت سلطة الدولة، ما يعني أن عائداته يجب أن تعود إلى الدولة اللبنانية».

السفير الأميركي لدى بيروت ميشال عيسى إلى جانب وزير الأشغال فايز رسامني خلال جولته في مرفأ بيروت (المركزية)

وعايَنَ عيسى سير العمل والإجراءات التشغيلية المتبَعة في محطة الحاويات، قبل الانتقال إلى موقع أجهزة السكانرز (scanners) الموضوعة حالياً في مراحلها التجريبية، استعداداً لانطلاق تشغيلها، حيث قُدمت للوفد شروحات تقنية حول آلية عمل هذه الكاشفات ودورها في تعزيز الشفافية، وتشديد الرقابة على البضائع، والحد من التهريب، وتسريع وتيرة العمل بما يتوافق مع المعايير الدولية.

وأكد عيسى أن الدعم للبنان لم يتوقف قط، وأن زيارته تندرج في إطار الاطلاع على سَير العمل والتطورات الحاصلة، لافتاً إلى أن الجميع كان ينتظر وصول «السكانرز»؛ لما لها من دور أساسي في تعزيز أداء المرفأ إلى مستوى عالمي.

دعم أوروبي

بالتوازي مع الحراك الأميركي، أعلنت بعثة الاتحاد الأوروبي أنّ الاتحاد الأوروبي وقّع مع الحكومة اللبنانية ستة اتفاقات تمويل جديدة بقيمة 110.5 مليون يورو على شكل هِبات مخصّصة لدعم قطاع الأمن، والتعافي في المناطق المتضرّرة من النزاع، إضافة إلى أولويات الإصلاح الأساسية.

وجرى توقيع الاتفاقات مع وزير المالية ياسين جابر، في خطوة تعكس إعادة تفعيل قنوات التعاون المؤسساتي بين لبنان والاتحاد الأوروبي بعد فترة من الجمود.

وزير المالية اللبناني ياسين جابر وسفيرة الاتحاد الأوروبي ساندرا دي وال يوقّعان الاتفاقيات (الاتحاد الأوروبي)

وأشار البيان الأوروبي إلى أنّ هذه الهِبات تندرج ضمن حزمة دعم بقيمة مليار يورو كانت قد أعلنت عنها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال زيارتها إلى بيروت في مايو (أيار) 2024، مؤكداً التزام الاتحاد الأوروبي بدعم استقرار لبنان وسيادته وأمنه في مرحلة دقيقة من تاريخه السياسي والاقتصادي.

توجّه دولي واضح لتثبيت لبنان

وفي قراءة سياسية لهذه التطورات، قال النائب أشرف ريفي، لـ«الشرق الأوسط»، إنّ «زيارة السفير الأميركي إلى المرفأ، بالتوازي مع صدور بيان عن الاتحاد الأوروبي، اليوم، يتضمّن تخصيص ملايين اليوروهات لضبط المعابر الحدودية ومكافحة التهريب ودعم القرار، تعبّر عن توجّه واضح لدى المجتمعيْن العربي والدولي، الأوروبي والأميركي، لدعم لبنان وتثبيت وضعه».

وعَدَّ ريفي أنّ «هذه الزيارات وهذا الدعم يهدفان إلى تثبيت الوضع في لبنان وتنشيط الدولة، وإخراجه من كونه ساحة توظيف لمشاريع (حزب الله) والواجهة الإيرانية، بدل أن يكون دولة، بكل معنى الكلمة».

وأضاف أنّ «المطلوب، اليوم، هو ضبط المعابر البحرية والجوية والبرية، وضبط التهريب، وتثبيت الوضع الداخلي من خلال الجيش اللبناني والقوى الرسمية حصراً»، مشدداً على أنّ «الدولة يجب أن تكون صاحبة السيادة الوحيدة على كامل الأراضي اللبنانية».

خريطة التمويل

وخُصّصت حزمة الدعم الأوروبية 30 مليون يورو لتعزيز قدرات قوى الأمن الداخلي في مكافحة الجريمة المنظمة والجرائم الإلكترونية، ودعم الأجهزة الأمنية في مكافحة الإرهاب وتمويله والتهريب. كما رُصد مبلغ 25 مليون يورو لتعزيز الإدارة المتكاملة للحدود في المعابر البرية والمطارات وتحسين الأمن البحري، إضافة إلى 8 ملايين يورو لتأمين حلول طاقة مستدامة تضمن استمرارية عمل المنشآت الأمنية الحيوية دون انقطاع.


إسرائيل تسابق الجيش اللبناني بقصف مواقع مستهدفة بالإنذارات قبل تفتيشها

الدخان يتصاعد جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع مهددة بإنذارات إخلاء في بلدة سحمر بجنوب شرقي لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع مهددة بإنذارات إخلاء في بلدة سحمر بجنوب شرقي لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تسابق الجيش اللبناني بقصف مواقع مستهدفة بالإنذارات قبل تفتيشها

الدخان يتصاعد جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع مهددة بإنذارات إخلاء في بلدة سحمر بجنوب شرقي لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع مهددة بإنذارات إخلاء في بلدة سحمر بجنوب شرقي لبنان (أ.ف.ب)

نفذ الجيش الإسرائيلي، الخميس، تهديداته بقصف أربعة مبانٍ تلقت إنذارات بإخلائها، رغم تحرك الجيش اللبناني للكشف عليها، في واقعة تتكرر أخيراً بعد أن أثبتت كشوفات الجيش اللبناني على مبانٍ سابقة معرضة لإنذارات، بخلوها من أي ذخائر، حسبما قالت مصادر أمنية لـ«الشرق الأوسط».

ووجّه الجيش الإسرائيلي، الخميس، إنذاراً لسكان سحمر الواقعة في البقاع الغربي في جنوب شرقي لبنان، طالباً إخلاء مبنيين في القرية قبل قصفهما، متهماً «حزب الله» باستخدامه منشأةً عسكرية. وبعد قصف المبنيين، أصدر إنذاراً آخر في بلدة مشغرة الواقعة في البقاع الغربي أيضاً، وهما بلدتان تتعرضان لإنذارات إخلاء للمرة الأولى منذ بدء الحرب في 2023.

إسرائيل تستبق كشوفات الجيش

وتحرّك الجيش اللبناني على الفور باتجاه المباني المستهدفة للإنذارات، وقال مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط» إن وحدات الجيش «وصلت إلى المبنى الأول وفتشته، ولم تعثر فيه على أي أسلحة أو وسائل قتالية»، مضيفاً أن وحدات الجيش «لم تستطع أن تفتش المنزل الثاني؛ لأن المهلة كانت قصيرة جداً، وتم استهدافه».

وقال المصدر إن الجيش «لم يقصر بتاتاً في تفتيش المنازل، وينسق مع الميكانيزم (لجنة الإشراف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار) ويجري اتصالاته سريعاً، لكن إسرائيل لا تستمهل، بدليل أنها في إنذارات الأسبوع الماضي، لم يُسمح لنا بتفتيش المواقع المهددة، وكانت المهلة قصيرة جداً رغم طلبنا من (الميكانيزم) مهلة للتفتيش، مما يمنعنا من الوجود في المبنى المستهدف»، لافتاً إلى أن الجيش «أبلغ قبل عشر دقائق من استهداف موقع تعرض لإنذار في بلدة عين التينة في البقاع الأسبوع الماضي، ليتمكن من إخلاء موقعه العسكري القريب من موقع الاستهداف».

وقال المصدر: «ساهم تحرك الجيش في الأسابيع الماضية، بالكشف عن المنشآت بالتنسيق والمتابعة مع الميكانيزم، في منع استهداف منازل بعدما ثبت خلوها من أي وسائل قتالية، وانكشفت مزاعم إسرائيلية على هذا الصعيد... أعتقد أنه لهذا السبب، لا تمنحنا إسرائيل فرصة لتفتيش المنازل المهددة، وتسارع إلى قصفها».

إنذارات إخلاء

وبعد أربعة أيام على إنذار بإخلاء مواقع حيوية في بلدة كفرحتى في الجنوب، أصدر الجيش الإسرائيلي إنذاري إخلاء متفرقين في بلدتين في البقاع الغربي، في جنوب شرقي لبنان. وكتب الناطق أفيخاي أدرعي إنذاراً في قرية سحمر، مشيراً إلى أن الجيش سيهاجم على المدى الزمني القريب بنى تحتية عسكرية تابعة لـ«حزب الله»، وذلك للتعامل مع محاولاته المحظورة لإعادة إعمار أنشطته في المنطقة.

ولاحقاً، أصدر إنذار إخلاء أيضاً في بلدة مشغرة، وقال إنها تحتوي على بنى تحتية عسكرية تابعة لـ«حزب الله»، واضعاً الاستهداف ضمن «التعامل مع محاولاته المحظورة لإعادة إعمار أنشطته في المنطقة».

وسجلت عمليات نزوح من البلدتين بعد تهديدهما، في وقت توجه فيه الجيش اللبناني إلى المبنيين المهددين في سحمر للكشف عليهما. ولاحقاً، استهدفت غارتان المبنيين.

وتأتي الإنذارات بعد أسبوع من إعلان الجيش اللبناني إنجاز نزع سلاح «حزب الله» من المنطقة الممتدة من الحدود الجنوبية مع إسرائيل حتى نهر الليطاني، في خطوة شككت بها الدولة العبرية واعتبرتها «غير كافية».

وقال رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو إن «اتفاق وقف إطلاق النار... ينصّ بوضوح على أنه يجب نزع سلاح (حزب الله) بالكامل»، معتبراً أن الجهود اللبنانية في هذا المجال «تُعد بداية مشجعة، لكنها غير كافية».

وواصلت إسرائيل شن غارات على لبنان رغم وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024. وشنّت إسرائيل، الأحد، «سلسلة غارات جوية عنيفة» على مناطق في جنوب لبنان هي: جزين والمحمودية والدمشقية والبريج، وفق ما أفادت «الوكالة الوطنية اللبنانية للإعلام».

انتهاكات متكررة

والخميس، سجّل قضاء مرجعيون خلال ساعات الليل سلسلة عمليات للجيش الإسرائيلي في عدد من بلدات القضاء. ففي بليدا، استهدف أجهزة إرسال للإنترنت مثبتة على سطحي منزلين ما أدى إلى تدميرهما. وفي كفركلا، أقدم على تفجير أحد المباني وسط البلدة.

ونسف منزلين في العديسة. ولاحقاً، استهدفت محلقة إسرائيلية حي المسارب في العديسة بقنبلة صوتية في أثناء قيام الجيش اللبناني وقوات «اليونيفيل» الدولية بتفكيك العبوات التي تم تفخيخ المنزلين بهما.


حوار «حزب الله» - عون لم يحقق نتائج

أعلام إيران و«حزب الله» خلال احتفال في طهران يوم 14 يونيو 2025 (أ.ب)
أعلام إيران و«حزب الله» خلال احتفال في طهران يوم 14 يونيو 2025 (أ.ب)
TT

حوار «حزب الله» - عون لم يحقق نتائج

أعلام إيران و«حزب الله» خلال احتفال في طهران يوم 14 يونيو 2025 (أ.ب)
أعلام إيران و«حزب الله» خلال احتفال في طهران يوم 14 يونيو 2025 (أ.ب)

أثارت ردود «حزب الله» على دعوة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون له «بالتعقّل» على خلفية أن «السلاح صار عبئاً على بيئته ولبنان كله»، تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء مبادرة عدد من مسؤوليه لتنظيم حملة إعلامية تجاوزتهم لتشمل ناشطين يدورون في فلكه أفرغوا، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ما في جعبتهم من انتقادات عالية السقف.

وسأل مصدر وزاري: ما الذي تبدّل وأملى على الحزب تنظيم حملة إعلامية تستهدف عون؟ وهل أخطأ بدعوته الحزب ليقرأ بصورة صحيحة الظروف الإقليمية والدولية من حولنا كأساس لمراجعة مواقفه آخذاً بالتحولات في المنطقة؟ ليرد عليه نائب رئيس مجلسه السياسي الوزير السابق محمود قماطي بتلويحه بورقة الحرب الأهلية، مع أنه يدرك سلفاً أنه لن يجد من يستجب لتهديده، ليس لافتقاده القدرة العسكرية فحسب، وإنما لعدم الرغبة باستحضارها مجدداً ولو من باب التهويل.

عون أمهل الحزب

كما سأل المصدر الوزاري، الذي فضّل عدم ذكر اسمه: أين أخطأ عون في تشخيصه للواقع السياسي للحزب، وهو كان أمهله، بحسب قول المصدر لـ«الشرق الأوسط»، أكثر من عام ليراجع مواقفه ويعيد النظر في حساباته تمهيداً لانخراطه في مشروع الدولة، وأبدى كل انفتاح نحوه لطمأنته، وشرّع الأبواب للدخول معه في حوار تولاه رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد بتكليف من قيادته وبتشجيع من رئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي أسهم في تنقية الأجواء وتحضيرها لحوار منتج يتناول القضايا العالقة، وتبادَل الرسائل بواسطة مستشاره العميد المتقاعد أندريه رحال الذي يتواصل مع رعد أو مع فريقه المكلف بمتابعة الحوار؟

الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

ولفت إلى أن الحوار لم يحقق الأهداف المرجوّة منه؛ لأن الحزب لا يزال يتصرف كما كان عليه قبل أن يقرر إسناده لغزة، ويرفض الاعتراف بأن نفوذه في الإقليم أخذ يتقلص، وأن دخوله في مواجهة غير محسوبة النتائج مع إسرائيل أفقدته توازن الردع وقواعد الاشتباك والاختلال في ميزان القوى. وقال إن الحزب كان فوّض رئيس مجلس النواب نبيه بري، للتوصل إلى اتفاق لوقف الأعمال العدائية، وبادر إلى تأييده، ووافق بملء إرادته على إخلاء منطقة جنوب الليطاني بما مكّن الجيش من السيطرة على القسم المحرر منها.

حملة منظمة على عون

وأكد أن الحملة المنظّمة التي رعاها الحزب واستهدفت عون، لن تلقى أي رد فعل، لا منه ولا من الذين يدورون في فلكه، وبالتالي يرفض الانجرار لسجال ليس في محله ولا يخدم توحيد الجهود لإنقاذ البلد وتحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي، وأن أبوابه ما زالت مفتوحة أمام الحوار، شرط أن يقرر الحزب ماذا يريد بعيداً عن الإنكار لما حلّ بلبنان بتفرده بقرار السلم والحرب بإسناده لغزة.

وقال إن أمين عام «حزب الله»، الشيخ نعيم قاسم، لم يكن مضطراً للتأكيد في جميع المناسبات أن الحزب استعاد قدراته العسكرية، وأنه يرفض تسليم سلاحه. وسأل: هل كان مضطراً للتباهي بذلك؟ وهل يخدم بكلامه هذا الحوار؟ وأين تكمن مصلحته في توفير الذرائع لإسرائيل التي تواصل خروقها، مع أنها ليست بحاجتها لمواصلة اعتداءاتها للضغط بالنار على لبنان للتسليم بشروطها؟

الدولة وحدها من يحتكر السلاح

فالمطلوب من «حزب الله»، كما يقول المصدر، أن يتواضع ويقرر الوقوف خلف الدولة في خيارها الدبلوماسي لإلزام إسرائيل بوقف الأعمال العدائية وانعطافه نحو القوى السياسية لطي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة ولو من موقع تنظيم الاختلاف، وإنما على قاعدة إقراره بأن الدولة وحدها هي من تحتكر السلاح، وإلا فكيف يوفّق بين مشاركته في الحكومة على أساس بيانها الوزاري الذي نص على حصريته، ويصر الآن على الاحتفاظ بسلاحه؟

وأكد أن عون تعرض لحملات نُظمت ضده في الداخل والخارج على خلفية تساهله وتراخيه ومراعاته للحزب، لكنه لم يأخذ بها وأصر على الحوار، رافضاً استخدام القوة لإرغامه على تسليم سلاحه، وسأل الحزب: ما الفائدة من عدم تجاوبه مع حصرية السلاح التزاماً منه باتفاق «الطائف» وتطبيق الـ1701؟ فيما يسعى لشراء الوقت وهدر الفرص المتاحة لإنقاذ لبنان، رغم أن لا طائل من رهانه على عامل الوقت في حال قرر الدخول في تقييم للأبعاد السياسية والأمنية المترتبة على التحوّلات في المنطقة واستخلاص النتائج وأخذ العبر ليعيد النظر في مواقفه التي لا تراعي المزاج الشيعي، ولا تُصرف لتأمين عودة النازحين لقراهم وإعمار المدمر منها.

تحولات المنطقة

فالتحولات في المنطقة، بحسب المصدر، بدءاً بسقوط نظام بشار الأسد في سوريا، واشتداد الحصار على جماعة الحوثي في اليمن، وتراجع محور الممانعة بقيادة إيران في الإقليم، ألا تشكل جميعها حافزاً للحزب ليراجع حساباته ويدقق في خياراته ويقرر تخليه عن سلاحه الذي فقد قدرته لردع إسرائيل والدفاع عن لبنان، خصوصاً أنه اعترف بقدرة إسرائيل على خرق الحزب من أعلى المستوى إلى أدناه، باغتيالها لأمينه العام الأسبق حسن نصر الله، وخلفه هاشم صفي الدين، وقيادات أمنية وعسكرية؟

الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال استقباله السفير سيمون كرم في قصر بعبدا (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

فـ«حزب الله» اليوم هو غير ما كان عليه قبل إسناده لغزة، وإصراره على تمسكه بسلاحه لا يخدمه، إلا إذا قرر القفز فوق الكوارث التي حلّت بلبنان، وعدم الاعتراف بأنه أخطأ في قراره هذا واضطر بملء إرادته للموافقة على وقف النار، وأن بمزايداته الشعبوية على الحكومة، ظناً منه بأن يحاكي بيئته ويطمئنها باحتفاظه بسلاحه، لن يصمد طويلاً ولن يخدم إعادة إعمار ما دمرته إسرائيل شرط الالتزام بما تعهد به لبنان أمام المجتمع الدولي بحصرية السلاح.

وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي

ولفت المصدر إلى أن ما يطالب به الحزب بوقف الاعتداءات وانسحاب إسرائيل يحظى بمتابعة يومية من عون وسلام، وهذا ما يصر عليه رئيس الوفد اللبناني السفير السابق المحامي سيمون كرم إلى لجنة الـ«ميكانيزم»؛ لأن من شأنهما المساعدة في تسريع الأمور وصولاً لاستكمال تطبيق المرحلة الثانية من حصرية السلاح التي تشمل شمال نهر الليطاني حتى الأولي، على أن يليها ما تبقى من مراحل حددتها قيادة الجيش وتبنتها الحكومة.