دانييلا جيه. لاماس
خدمة «نيويورك تايمز»
TT

التشفير الوراثي بين الخوف والحذر والخصوصية

استمع إلى المقالة

مع تراجع تكلفة الاختبارات الجينية واتساع نطاق استخدامها، يسعى علماء في مختلف أنحاء العالم، اليوم، إلى تحليل التشفير الوراثي لعشرات الآلاف من الأطفال حديثي الولادة، لدراسة مدى إمكانية إتاحة هذا النوع من الفحوصات لملايين الرضع فور الولادة. من ناحيتي، أرى أن هذا المستقبل أقرب مما نتصور، وأن علينا الاستعداد لاحتضانه، وهذا يعني أن نكون صريحين بشأن حجم العمل الذي ما زال أمامنا.

بعد الولادة بفترة وجيزة، تُؤخذ قطرة دم من كعب كل مولود تقريباً، ويُفحص الدم، بحثاً عن عدد من الحالات الخطيرة، التي يمكن أن يغيّر التدخل المبكر فيها مسار حياة الطفل جذرياً. أما تسلسل الجينوم الكامل، فيعد بإتاحة فرصة الكشف المبكر عن عدد أكبر بكثير من الأمراض.

لننظر، على سبيل المثال، إلى «الهيموفيليا» ـ اضطراب نزفي لا يُدرج حالياً ضمن فحوصات حديثي الولادة. ويتيح الاكتشاف المبكر عن هذه الحالة، للأسر والأطباء، اتخاذ احتياطات قبل حدوث الأزمة الأولى، وفي بعض الحالات بدء علاج وقائي قبل ظهور المضاعفات.

ويمكن للفحص الجيني الشامل أن يساعد آلاف الأطفال، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام سلسلة من التساؤلات الأخلاقية الشائكة؛ فالتوافق التقليدي حول فحص حديثي الولادة، يقوم على أن تقتصر الفحوص على الحالات التي تظهر أعراضها في الطفولة، والتي تتوفر لها علاجات فاعلة.

إلا أنه في ظل التنامي الشديد في عدد الحالات التي يمكن رصدها عبر الاختبارات الجينية، يزداد تعقيد مسألة اختيار الأمراض التي يجب رصدها وإبلاغ الأسر بها. هل ينبغي أن نُبلغ عن مرض لا يزال علاجه في طور التجارب السريرية؟ أضف إلى ذلك أن هذه الفحوص لا تقدم في معظم الأحيان يقيناً قاطعاً بشأن ظهور المرض، وقد تعيش الأسرة سنوات طويلة في ظل قلق من نتيجة لن تتحقق.

ويخشى كثير من المتخصصين في الأخلاقيات الطبية، أن الأسر لن تكون قادرة على تحمّل هذا المستوى من الغموض، وأن هذه المعرفة قد تُحدث ضرراً يفوق فائدتها.

وبوصفي طبيبة يجبرها عملها على نقل أخبار معقدة، وأماً في الوقت نفسه، أود أن أطرح سؤالاً مختلفاً: لماذا يبدو الخبراء واثقين إلى هذا الحد من أن الجهل الخيار الأكثر رحمة؟ ومن الذي يملك حق اتخاذ هذا القرار من الأساس؟ بوجه عام، لا يمكننا حماية الآباء والأمهات من حالة الغموض؛ فكل طفل يولد يحمل بجسده مخاطر غير معروفة. ولن يخلق فحص تسلسل الجينوم هذه الأسئلة المصاحبة للأبوة والأمومة أو يبددها. وعليه، فإن ما نحتاجه الآن الاستثمار في خدمات الإرشاد والتثقيف والبنية التحتية السريرية، التي تساعد الأسر على التعامل مع ما تتمخض عنه هذه الفحوص.

الحقيقة أن جيلنا غالباً ما تلقّى المعلومات الجينية باعتبارها تبعث على الخوف. ولطالما قرأنا قصصاً عن أشخاص يمزقهم التردد بشأن إجراء فحوص للطفرات المرتبطة بسرطان الثدي أو «مرض هنتنغتون»؛ ذلك الاضطراب التنكسي العصبي القاتل، ناهيك عن قلقنا إزاء قضايا الخصوصية، ومن احتمال فقدان الحق في التأمين الصحي. لذلك، يبدو منطقياً أن فكرة تحليل جينوم أطفال أصحاء ستثير، بل يجب أن تثير، قدراً من الحذر.

في جوهر هذا التردد يكمن مفهوم يُعرف باسم «الاستثناء الجيني»؛ أي اعتبار المعلومات الجينية نوعاً فريداً من المعرفة: أشد خطورة، وأكثر إثارة للخوف، وأكثر استحقاقاً للحماية من غيره من أنواع المعلومات الطبية. وعلى مدى عقود، شكّل هذا المفهوم أحد الأعمدة الأساسية في أخلاقيات الطب، وأثر في قوانين الموافقة المستنيرة، وفي نظم حماية التأمين، وفي الطريقة التي يقرر بها الأطباء ما يخبرون به مرضاهم، وما يحجبونه عنهم. والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم، ما إذا كان هذا الاستثناء لا يزال يخدمنا بالفعل.

من جهته، قرّر الدكتور روبرت غرين، اختصاصي الوراثة في كلية الطب بجامعة هارفارد ومستشفى بريغهام والنساء، أن يبحث عن إجابة عملية لهذه التساؤلات. وبالفعل، أطلق عام 2013 أول تجربة عشوائية محكمة لفحص الجينوم لدى حديثي الولادة، وفحص تسلسل الجينوم لـ159 رضيعاً، والبحث عن الطفرات المسببة للأمراض في أكثر من 4.000 جين. ولم تُظهر نتائج الدراسة أن تلقي هذه المعلومات الجينية يزيد من قلق الوالدين، أو يعرقل الرابطة العاطفية بينهما وبين الطفل، رغم أن أكثر من 11 في المائة من الأطفال الذين شملتهم الدراسة كانوا يحملون طفرات في جينات مرتبطة بأمراض.

ومع ذلك، قد يصبح تسلسل الجينات على نطاق واسع لحديثي الولادة واقعاً في وقت أقرب مما نتصور؛ فالمعاهد الوطنية للصحة تموّل دراسة جديدة لفحص الجينوم عند حديثي الولادة، يقودها الدكتور غرين، وتهدف إلى إشراك 30.000 رضيع، مع التركيز على نحو 750 حالة مرضية.

وسيتلقى أطباء الأطفال «أوراق عمل» إرشادية تساعدهم على تفسير النتائج. وعلى خلاف الفحوص الموسّعة في دراسة غرين الأولى، يقتصر الفحص في هذه الدراسة الجديدة على الحالات التي يمكن علاجها خلال السنة الأولى من عمر الطفل.

* خدمة «نيويورك تايمز»