عبد العزيز الغيامة
صحافي سعودي منذ 1998 وحاصل على وسام الإعلام الرياضي العربي من الاتحاد العربي للصحافة الرياضية عام 2022 ورئيس لقسم الرياضة في صحيفة «الشرق الأوسط»
TT

762 دقيقة فقط!

استمع إلى المقالة

أعترف أنني كنت من ضمن قائمة طويلة من المحبطين بعد إعلان دونيس القائمة النهائية للمنتخب السعودي المشاركة في كأس العالم، لكن الحقيقة أنني لم أتفاجأ بالقرار الذي ذهب إلى إبعاد صالح أبو الشامات، أحد الأسماء التي تمنيت رؤيتها في المونديال، لسبب وحيد هو أنه يملك موهبة واضحة ويمنحك شعوراً بأن لديه شيئاً مختلفاً عن السائد بين اللاعبين السعوديين في الدوري المحلي.

في تقديري الشخصي، هناك فرق كبير وهائل بين الإحباط من القرار ورفضه.

معظمنا عندما قرأ اسم صالح أبو الشامات ضمن المستبعدين ذهب مباشرة إلى رقم يبدو مقنعاً من الوهلة الأولى.

صحيح أن اللاعب شارك في 28 مباراة بالدوري السعودي، لكن الواقع والمنطق يقولان إن كرة القدم لا تُفهم بعدد المباريات، وإنما بتفاصيلها وأبعادها.

لم نسأل ونحن نرى رقم الـ28 مباراة: كيف لعب؟ وكم دقيقة شارك فعلياً؟ وكم مرة كان لاعباً أساسياً؟ وما حجم تأثيره داخل الملعب؟

هذه التفاصيل، في رأيي، هي التي ستجعلنا نغير الصورة ونتفهم قرار المدير الفني اليوناني دونيس.

صالح أبو الشامات لعب 28 مباراة، منها 21 مواجهة كان فيها بديلاً، فيما بلغت دقائق لعبه 762 دقيقة، وهذا يعني في علم كرة القدم أن اللاعب لم يحصل على استمرارية اللعب التي تتيح له فرض نفسه بصورة كاملة.

ومن هنا أعتقد أن دونيس يمتلك مبرراً فنياً ومنطقياً لاتخاذ قراره، حتى لو كان القرار مؤلماً للكثيرين.

في تقديري الشخصي، لا يمكن لمدرب يستعد لكأس عالم أن يتجاهل عامل الجاهزية البدنية والإيقاع التنافسي. فاللاعب الذي لعب 762 دقيقة فقط خلال موسم كامل يختلف عن لاعب خاض ألفي دقيقة أو ثلاثة آلاف دقيقة. القصة ليست في الموهبة الهائلة التي يمتلكها، وإنما في الإيقاع والثبات والقدرة على تحمل ضغط بطولة قصيرة ومكثفة مثل كأس العالم.

هذا لا يعني أن صالح أبو الشامات لاعب عادي، لأنني أستطيع الجزم بأنه يمثل واحدة من أفضل الخامات الفنية السعودية في جيله. وربما يكون من أكثر اللاعبين السعوديين امتلاكاً للمهارة الفردية والقدرة على المراوغة وكسر النسق التقليدي داخل الملعب. ولهذا السبب تحديداً كان استبعاده محبطاً بالنسبة لي.

لكن ما يحبطني أكثر من الاستبعاد نفسه هو ما يكشفه هذا الاستبعاد عن واقع اللاعب السعودي.

أبو الشامات سيدخل عامه الرابع والعشرين بعد أشهر قليلة، ومع ذلك لا يزال يخوض معركة الحصول على دقائق اللعب الأساسية بصورة منتظمة. هنا تكمن القضية الحقيقية.

في اعتقادي، عندما يغيب لاعب بهذه الموهبة عن كأس العالم فإن السؤال يجب ألا يكون: لماذا استبعده دونيس؟ بل إن السؤال الأهم هو: لماذا وصل إلى هذا العمر من دون أن يكون لاعباً أساسياً بصورة مستقرة ومستمرة؟

هذه هي النقطة التي تستحق النقاش.

في تقديري، كرة القدم السعودية ما زالت تكتشف كثيراً من مواهبها في وقت متأخر جداً. اللاعب الموهوب لا يكفي أن يكون موهوباً. يجب أن يمر بمسار تطوير واضح، وأن يلعب باستمرار، وأن يتعرض للمنافسة، وأن يخطئ ويتعلم وينضج في سن مبكرة.

علينا أن ندرك أن هناك رسالة مهمة خلف قرار دونيس. الرسالة ليست أن اللاعب غير جيد، وليست أن المهارة غير مهمة. الرسالة هي أن المهارة وحدها لم تعد كافية.

المدرب يبحث عن لاعب موهوب، وجاهز بدنياً، ومستقر ذهنياً، ويمتلك دقائق لعب كافية، وقادر على تنفيذ الواجبات التكتيكية والانضباط داخل المنظومة.

هذه هي كرة القدم الحديثة.

أعتقد أن مشكلتنا أحياناً أننا نكتفي بالانطباعات. نحب لاعباً فنفترض أنه يجب أن يكون في المنتخب. نقتنع بموهبته فنعتبر استبعاده ظلماً، بينما المدرب ينظر إلى عشرات التفاصيل التي لا تظهر للجمهور.

علينا دائماً أن نبحث في الخلفيات والتفاصيل قبل إصدار الأحكام، لأن القضية لا تخص أبو الشامات أو زكريا هوساوي، بل اللاعب السعودي عموماً.

ما زال أمامنا عمل ضخم جداً في هذا الجانب، وربما لا أبالغ إذا قلت إن ما نحتاج إليه يفوق ما نقوم به حالياً بنسبة تصل إلى 75 في المائة.

ختاماً، يجب ألا نحصر القصة في لاعب واحد أو لاعبين، بل في عشرات اللاعبين الذين يشبهون صالح أبو الشامات في الدوري السعودي.