بين «روح الحوار» و«أميركا أولاً»... ترمب يفرض إيقاعه على أعمال «دافوس»

ترقّب لنتائج اجتماع «مجلس سلام» غزة... وتوتّر أوروبي من «أزمة غرينلاند»

ترمب متحدثاً عبر الفيديو إلى المشاركين في منتدى دافوس، يناير 2025 (أ.ف.ب)
ترمب متحدثاً عبر الفيديو إلى المشاركين في منتدى دافوس، يناير 2025 (أ.ف.ب)
TT

بين «روح الحوار» و«أميركا أولاً»... ترمب يفرض إيقاعه على أعمال «دافوس»

ترمب متحدثاً عبر الفيديو إلى المشاركين في منتدى دافوس، يناير 2025 (أ.ف.ب)
ترمب متحدثاً عبر الفيديو إلى المشاركين في منتدى دافوس، يناير 2025 (أ.ف.ب)

قبل عام من اليوم، أطلّ دونالد ترمب على جموع «دافوس» عبر شاشة عملاقة مُبشّراً بـ«عصر أميركا الذهبي» وملوّحاً بسلاح «الرسوم» دون تمييز بين الحلفاء والخصوم.

ورغم إطلاقه التهديد من على بُعد آلاف الكيلومترات، بعد ثلاثة أيام فقط من أدائه اليمين لولاية ثانية، فإن صدى خطاب الرئيس كان مدوّياً بين رؤساء كبرى الشركات المحتشدين في بلدة التزلج المعلّقة على قمم الألب السويسرية.

اليوم، عشية انطلاق أعمال الدورة الـ56 للمنتدى الاقتصادي العالمي تحت شعار «روح الحوار»، عاد الرئيس الأميركي للتلويح بالرسوم، مستهدفاً هذه المرّة حلفاءه الأطلسيين.

شرطيان خارج مقر وفد الولايات المتحدة عشية انطلاق أعمال دافوس، يوم 18 يناير (أ.ب)

ويتوقّع أن يحمل ترمب لرواد «دافوس 2026» رسالة أوسع من التجارة، تمتد إلى ترسيخ النفوذ الأميركي وإعادة رسم التوازنات الدولية. فمن سعيه للسيطرة على غرينلاند، إلى «إدارته» فنزويلا عن بُعد عقب اعتقال رئيسها، يتحدّى الرئيس الأميركي الـ47 أسس القانون الدولي - الذي ساهمت بلاده في صياغته وترسيخه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وقد يبدو ترمب، بسياساته الانعزالية وانسحابه من عشرات الاتفاقيات الدولية، على طرف النقيض من رسالة المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يرفع التعاون متعدد الأقطاب شعاراً تأسيسياً له. إلا أن مشاركته قوبلت في الواقع بترحيب، بل وارتياح، من المنظّمين والمشاركين على حدّ سواء، خصوصاً في ظل الشكوك التي خيّمت في السنوات الأخيرة على مستقبل المنتدى وقدرته على الاحتفاظ بدوره منصة مؤثّرة وجامعة للنخب العالمية. وإلى جانب الرئيس الأميركي - وربّما بفضله - تنطلق أعمال المنتدى مساء الاثنين؛ بمشاركة قياسية تُعدّ الأعلى منذ تأسيسه في سبعينيات القرن الماضي.

منتدى «تاريخي»

ينعقد المنتدى الاقتصادي هذا العام في لحظة مفصلية تُوصف بالتاريخية، على خلفية ثورة تكنولوجية غير مسبوقة فرضت تغييرات جوهرية في جميع قطاعات الاقتصاد العالمي، وسلاسل الإمداد، والنظام المالي. وبينما يخصّص المنتدى جزءاً كبيراً من جلساته لبحث فرص وتحديات الذكاء الاصطناعي وسبل تأطيره وفق أنظمة مرنة، تتّجه الأنظار إلى ثورة موازية يقودها الرئيس الأميركي على الساحة الدولية.

عامل يقوم بتركيب شعار في مركز المؤتمرات قبل انعقاد الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (إ.ب.أ)

ويستعدّ حلفاء ترمب الأوروبيون لجولات محادثات صعبة مع «الأخ الأكبر»، حول حرب أوكرانيا وطموحات واشنطن المتصاعدة في جزيرة غرينلاند القطبية التابعة للتاج الدنماركي.

أما منطقة الشرق الأوسط، فتترقّب نتائج أول اجتماع لـ«مجلس السلام» بشأن غزّة، والذي يتوقع أن يترأسه ترمب على هامش المنتدى. ويضم «مجلس السلام» وزير الخارجية ماركو روبيو، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، وجاريد كوشنر، إلى جانب عدد من الشخصيات الاقتصادية الدولية، من بينهم الملياردير مارك روان، وأجاي بانغا رئيس مجموعة البنك الدولي، وجميعهم يشارك في المنتدى الاقتصادي. وأفاد البيت الأبيض بأن الإعلان عن أسماء إضافية في اللجنة سيتم خلال الأسابيع المقبلة، وسط تسريبات عن احتمال توسيع صلاحياتها لتشمل ملفات أخرى، بدءاً من فنزويلا.

إلى جانب غزّة، من المتوقّع أن تُطرح التطورات في إيران على جدول اجتماعات الرئيس الأميركي. وبينما خفّف ترمب من حدّة تهديداته بحق النظام في طهران عقب قمع مظاهرات شعبية هي الأوسع منذ سنوات وسقوط مئات - إن لم يكُن آلاف القتلى -، لم يواكب ذلك أي تراجع في مستوى الحشد العسكري الأميركي في المنطقة، فيما تتواصل الترجيحات الإعلامية لـ«ضربة أميركية» محتملة.

مشاركة قياسية

تنعقد أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هذا العام وسط مشاركة قياسية تعكس استمرار قدرة «دافوس» على استقطاب صانعي القرار في لحظة اضطراب دولي غير مسبوقة.

وبقيادة ترمب الذي يشارك حضورياً للمرة الأولى في ولايته الثانية، يُسجّل المنتدى مشاركة أكبر وفد أميركي في تاريخه، يضم خمسة وزراء ومسؤولين رفيعي المستوى.

رئيس الأرجنتين خافيير ميلي أثناء إلقائه كلمته في منتدى دافوس، في يناير 2025 (أ.ف.ب)

كما يشهد المنتدى مشاركة ستة من قادة مجموعة السبع، هم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريتش ميرتس، ورؤساء وزراء بريطانيا كير ستارمر، وكندا مارك كارني، وإيطاليا جيورجيا ميلوني. ومن الصين، يترأس نائب رئيس الوزراء هي ليفانغ وفداً كبيراً، فيما يشارك كذلك الرئيس الأرجنتيني والحليف المقرّب من ترمب خافيير ميلي، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين.

على مستوى المنطقة، يشهد المنتدى مشاركات لافتة، من بينها المشاركة الأولى للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والمشاركة الأولى على الإطلاق لأي رئيس سوري، ممثلاً بأحمد الشرع، وذلك بعد عام واحد فقط على سقوط نظام بشار الأسد.

كما تشارك السعودية بوفد رفيع المستوى برئاسة وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، ويضم الأميرة ريما بنت بندر سفيرة خادم الحرمين الشريفين لدى الولايات المتحدة، ووزير التجارة ماجد القصبي، ووزير السياحة أحمد الخطيب، ووزير الاستثمار خالد الفالح، ووزير المالية محمد الجدعان، ووزير الاتصالات وتقنية المعلومات عبد الله السواحه، ووزير الصناعة والثروة المعدنية بندر الخريّف، ووزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم.

ومن القطاع الخاص، يشارك أكثر من 850 من كبار الرؤساء التنفيذيين ورؤساء مجالس الإدارات حول العالم، أبرزهم لاري فينك الرئيس التنفيذي لشركة «بلاك روك»، وجيمي ديمون الرئيس التنفيذي لبنك «جي بي مورغان»، وساتيا ناديلا الرئيس التنفيذي لـ«مايكروسوفت».

«أميركا أولاً» على الساحة الدولية

أثارت مشاركة الرئيس الأميركي في «دافوس» جدلاً بين فريقه. فمن جهة، حذّر أنصار «ماغا» (لنجعل أميركا عظيمة مجدداً) من تعارض أعمال «دافوس» ومبادئه مع شعار «أميركا أولاً»، في وقت لا تزال أزمة غلاء المعيشة تتصدّر اهتمامات ملايين الأميركيين.

ترمب متحدثاً عبر الفيديو إلى المشاركين في منتدى دافوس، يناير 2025 (إ.ب.أ)

ومن جهة أخرى، شجّع مستشارون أقرب للجناح التقليدي للحزب الجمهوري الرئيس على حمل هذا الشعار إلى الساحة الدولية، عبر مشاركة أميركية «تُعيد فرض احترام» واشنطن وتعكس نفوذها.

ولإرضاء الفريقين، قرّرت الإدارة الأميركية إقران المحلّي بالدولي، إذ يُتوقّع أن يوجّه ترمب جزءاً من خطابه أمام «نخب دافوس» لقاعدته الانتخابية، عبر الكشف عن إصلاح جوهري لسياسة الإسكان.

وأعلن مدير المجلس الاقتصادي الوطني كيفن هاسيت أن الرئيس الأميركي سيتيح لملايين الأميركيين استخدام جزء من مدّخراتهم ضمن برامج التقاعد لتأمين دفعة أولى لشراء مساكن اقتصادية.

متظاهر يحتج على مشاركة الرئيس الأميركي في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس، يوم 18 يناير (أ.ف.ب)

وإلى جانب هذا الإعلان الاقتصادي، يتركّز اهتمام رواد دافوس على البعد السياسي لخطاب ترمب، وما قد يحمله من رسائل تتحدى أسس النظام العالمي القائم، إضافة إلى لهجة العتب - التي باتت أقرب إلى التهديد - تجاه الحلفاء الأوروبيين وبعض كبار التنفيذيين، على خلفية ملفات من بينها فنزويلا وقضايا جيوسياسية أخرى.

وعلى هامش المنتدى، يُنتظر أن تستضيف دافوس محادثات جانبية محتملة بين الوفد الأميركي والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إلى جانب حلفاء من مجموعة السبع، حول الضمانات الأمنية لأوكرانيا في حال التوصل إلى اتفاق سلام مع روسيا. وتحدث زيلينسكي عن اقتراب توقيع «اتفاق» لمح إلى توقيعه في دافوس، مهّدت له كييف وواشنطن عبر تكثيف الاتصالات في الأيام الماضية.

دافوس بعد «البروفسور»

وفي موازاة هذا الزخم السياسي والاقتصادي، ينعقد المنتدى الاقتصادي العالمي للمرة الأولى منذ 56 عاماً في غياب مؤسسه ومنظّره كلاوس شواب، الملقّب في أروقة دافوس بـ«البروفسور».

كلاوس شواب خلال الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في يناير 2025 (أ.ف.ب)

استقال شواب في أبريل (نيسان) 2025، بعد أكثر من خمسة عقود على رأس المنتدى، في أعقاب تحقيقين في أسلوب إدارته للأعمال. ورغم عدم ثبوت أي مخالفات جنائية، أثار التحقيق تساؤلات حول الحوكمة داخل مؤسسة ترفع شعار الشفافية والمسؤولية، وفق ما نقلت صحيفة «فاينانشال تايمز» عن مقرّبين منه.

موظف يحمل لافتة «جائزة مؤسسة شواب» عشية انطلاق أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (إ.ب.أ)

وفيما تعهّد المنتدى بإصلاحات مؤسسية شملت تعزيز الرقابة والامتثال، أعلن تعيين قيادة انتقالية برئاسة كلّ من الملياردير المؤثّر لاري فينك، وأندريه هوفمان نائب رئيس مجلس إدارة شركة «روش» السويسرية، في محاولة لاستعادة الثقة وإعادة تثبيت دافوس في مرحلة مفصلية من تاريخه.

تحديات جيوسياسية

يأتي انعقاد المنتدى هذا العام على وقع تحذيرات ثقيلة أطلقها المنتدى الاقتصادي العالمي في تقريره السنوي «مخاطر العالم 2026»، الذي خلُص إلى أن المواجهة الجيو-اقتصادية تتصدّر قائمة المخاطر العالمية هذا العام، في ظل تسارع المخاطر الاقتصادية على المدى القصير، ولا سيما التباطؤ الاقتصادي والتضخم.

شعار المنتدى الاقتصادي العالمي قبل انعقاد الاجتماع السنوي للمنتدى في دافوس (إ.ب.أ)

ويشير التقرير إلى أن نصف الخبراء المستطلعين يتوقعون عالماً «مضطرباً أو عاصفاً» خلال العامين المقبلين، مقابل 1 في المائة فقط يرون أُفقاً هادئاً، ما يعكس حالة عدم اليقين العميقة التي تحيط بالاقتصاد والسياسة الدوليين.


مقالات ذات صلة

إرجاء اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في السعودية بسبب التطورات

الاقتصاد مدينة جدة (واس)

إرجاء اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في السعودية بسبب التطورات

أعلن المنتدى الاقتصادي العالمي بعد التنسيق مع وزارة الاقتصاد والتخطيط السعودية، إعادة جدولة الاجتماع الدولي الذي كان من المقرر عقده في جدة شهر أبريل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أوروبا رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي بورغه برنده (أ.ف.ب)

استقالة الرئيس التنفيذي لـ«دافوس» بعد كشف صلته بإبستين

أعلن بورغه برِندِه استقالته من رئاسة المنتدى الاقتصادي العالمي، الجهة المنظمة لقمة دافوس السنوية، بعد الكشف عن صلة له بجيفري إبستين، المُدان بجرائم جنسية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أوروبا الرئيس والمدير التنفيذي لمنتدى دافوس بورغ بريندي في مؤتمر صحافي عشية المنتدى (إ.ب.أ)

منتدى دافوس يحقق في علاقة رئيسه بجيفري إبستين

أعلن المنتدى الاقتصادي العالمي، الجهة المنظمة لقمة دافوس السنوية، الخميس، أنه سيحقق في علاقة رئيسه التنفيذي مع المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين.

الخليج الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء لدى ترؤسه جلسة المجلس التي عُقدت في الرياض الثلاثاء (واس)

السعودية تجدد التزامها بدعم مهمة «مجلس السلام» في غزة

جددت السعودية، الثلاثاء، التزامها بدعم مهمة مجلس السلام في غزة بوصفه هيئة انتقالية لإنهاء النزاع في القطاع وإعادة التعمير، بما يمهد لتحقيق أمن واستقرار المنطقة.

المشرق العربي جانب من اجتماع وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان ووفد حركة «حماس» برئاسة خليل الحية في أنقرة الاثنين (الخارجية التركية)

مباحثات تركية فرنسية حول الوضع في غزة غداة لقاء فيدان وفد «حماس» في أنقرة

بحث وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مع وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي جان نويل بارو التطورات في قطاع غزة غداة لقاء مع وفد من «حماس».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

مصر: الدولار إلى قمة تاريخية ومخاوف الغلاء تتفاقم

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
TT

مصر: الدولار إلى قمة تاريخية ومخاوف الغلاء تتفاقم

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

قفزة جديدة سجّلها سعر صرف الدولار في مصر، حيث تخطى حاجز 53 جنيهاً تزامناً مع «إجراءات تقشفية» تتخذها الحكومة، خصوصاً على مستوى الطاقة لتجاوز تداعيات حرب إيران.

ذلك الارتفاع غير المسبوق في قيمة الدولار أمام الجنيه، يراه خبير اقتصادي مصري تحدث لـ«الشرق الأوسط»، نتيجة للضغوط الكثيرة على الاقتصاد، في ظل تراجع للإيرادات الدولارية، ولا سيما قناة السويس، كما أن «ارتفاع الدولار يزيد المخاوف من تفاقم الغلاء في البلاد».

وشهد سعر صرف الدولار أمام الجنيه ارتفاعاً ملحوظاً خلال بداية تعاملات الأحد، متجاوزاً حاجز 53 جنيهاً للمرة الأولى في عدد من البنوك.

وحسب بيانات «البنك المركزي المصري»، سجّل سعر صرف الجنيه أمام الدولار حتى ظهر الأحد 53.53 جنيه للشراء و53.63 جنيه للبيع.

الخبير الاقتصادي، عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع»، علي الإدريسي، يرى أن «الارتفاع الحالي كان متوقعاً في ظل الضغوط على الاقتصاد»، موضحاً أن «سعر الصرف يتحدد بناء على قوى العرض والطلب، بينما يواجه الاقتصاد تحديات في تدفقات النقد الأجنبي المتمثلة في السياحة، وإيرادات قناة السويس، والصادرات، والاستثمارات الأجنبية المباشرة بسبب تداعيات حرب إيران».

في المقابل، تلتزم الدولة بسداد التزامات وديون مستحقة، بالإضافة إلى الارتفاع الكبير في تكلفة الاستيراد، ولا سيما قطاع الطاقة، حيث ارتفع برميل البترول من 77 دولاراً إلى مستويات تتراوح بين 100 و105 دولارات مع توقعات بوصوله إلى 150 دولاراً، بحسب تقرير «وكالة فيتش» منذ أيام، وهذا يخلق مشكلتين تتمثلان في زيادة سعر المنتج عالمياً وتراجع قيمة العملة محلياً، بحسب الإدريسي.

مواطنون مصريون أمام ماكينات الصرف التابعة لأحد البنوك الحكومية (رويترز)

ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن «قطاع الصناعة يتصدر قائمة القطاعات الأكثر تضرراً جراء التقلبات الراهنة في أسعار الصرف، لأن معظم مدخلات الإنتاج مستوردة من الخارج». وأشار إلى أن «المواطن هو من يتحمل التكلفة النهائية لهذه الضغوط، مروراً بالزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات، وما تلاها من ارتفاع في تذاكر مترو أنفاق القاهرة والقطارات، فضلاً عن الزيادات المتوقعة في أسعار الكهرباء».

يأتي ذلك وسط تحركات حكومية للتخفيف من تداعيات الحرب الإيرانية. وأكّد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في اتصال هاتفي، الخميس، مع نظيره الأميركي، ماركو روبيو، «أهمية تقديم الدعم الاقتصادي وتوفير السيولة النقدية لاحتواء التداعيات السلبية للتصعيد الحالي على مصر»، لافتاً إلى تداعيات التصعيد العسكري على الاقتصاد المصري مع «تأثر أسعار الطاقة والغذاء، وتراجع عائدات السياحة وقناة السويس».

وقبل نحو أسبوعين، اتخذت الحكومة المصرية قرارات «استثنائية» تضمنت رفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، وسط إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، مع استعداد رسمي لتقديم حزمة حماية تشمل دعم الأجور والمعاشات والسلع.

وطالب علي الإدريسي الحكومة بـ«وضع ضوابط لحماية محدودي الدخل والطبقات الفقيرة»، لافتاً إلى «أهمية انتقال التعامل الحكومي الحالي الناعم إلى ما أهو أشد، بما يتناسب مع حجم الضغوط التي يواجهها المواطن، وذلك بإحكام القبضة على الأسواق وتفعيل إجراءات صارمة ضد المتلاعبين لمواجهة الغلاء المتصاعد».


«إتش سي»: ضغوط تضخمية وتراجع للجنيه وسط تثبيت متوقع للفائدة في مصر

تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
TT

«إتش سي»: ضغوط تضخمية وتراجع للجنيه وسط تثبيت متوقع للفائدة في مصر

تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)

قالت شركة «إتش سي» القابضة للاستثمار، إن الوضع الخارجي للاقتصاد المصري أظهر مؤشرات قوية قبل اندلاع حرب إيران، مما «خفّف من حدة الصدمات الخارجية نسبياً».

وأثرت الاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية الناجمة عن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في 28 فبراير (شباط)، على الاقتصاد العالمي وعلى مصر تحديداً، وسط تعطل مضيق هرمز الذي يمر منه نحو 20 في المائة من إجمالي النفط والغاز عالمياً.

وترى هبة منير، محللة الاقتصاد الكلي بشركة «إتش سي»، أن ارتفاع صافي الاحتياطي النقدي الأجنبي بنحو 11 في المائة على أساس سنوي إلى مستوى قياسي بلغ 52.7 مليار دولار في فبراير الماضي، وارتفاع الودائع غير المدرجة في الاحتياطيات الرسمية بمقدار 1.26 مرة على أساس سنوي لتصل إلى 13.4 مليار دولار، فضلاً عن اتساع صافي الأصول الأجنبية بالقطاع المصرفي بشكل ملحوظ بنحو 16 في المائة على أساس شهري، و3.39 مرة على أساس سنوي ليصل إلى 29.5 مليار دولار في يناير (كانون الثاني)؛ قد حصّن الاقتصاد المصري من تداعيات سلبية قوية.

وأشارت منير إلى أن الحرب تسببت في خروج صافي تدفقات أجنبية صافية بما يقرب من 4 مليارات دولار تقريباً من السوق الثانوية لأذون الخزانة منذ الأول من مارس (آذار) الحالي حتى الآن، مما أدى إلى تراجع قيمة الجنيه مقابل الدولار بنحو 9 في المائة منذ 28 فبراير ليصل إلى 52.6 جنيه، وهو الأمر الذي يعكس مرونة سعر الصرف.

وتوقعت هبة منير زيادة معدل التضخم لشهر مارس إلى 14.3 في المائة على أساس سنوي، و2.4 في المائة على أساس شهري، وهو ما قد يرفع التضخم المتوقع للعام الحالي بأكمله إلى 13-14 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بتوقعات سابقة قبل اندلاع الحرب، ما بين 10-11 في المائة، و«هو ما قد يؤخر دورة التيسير النقدي».

وأرجعت ذلك إلى «ارتفاع أسعار النفط بنحو 48 في المائة لتصل إلى 107 دولارات للبرميل، الأمر الذي دفع الحكومة إلى رفع أسعار الديزل المحلي وأسطوانات الغاز والبنزين بنسبة 19 في المائة في المتوسط في 10 مارس، والتي سيكون لها تأثير على معدلات التضخم».

وفيما يتعلق بأسعار العائد على أذون الخزانة، قام البنك المركزي المصري برفع العائد للحفاظ على جاذبية الاستثمار في أذون الخزانة على المدى القصير؛ إذ بلغ العائد على أذون الخزانة لأجل 12 شهراً 23.4 في المائة، بما يعكس سعر فائدة حقيقياً إيجابياً قدره 6.94 في المائة.

و«بناءً على ذلك، ومع الأخذ في الاعتبار المخاطر الجيوسياسية وتأثيرها على موارد مصر من النقد الأجنبي، والتوقعات المُحدَثة للتضخم، ورغبة الحكومة من واقع رؤيتنا في الإبقاء على جاذبية الاستثمار في أدوات الدين، والمحافظة على مستهدفات نسبة عجز الموازنة للناتج المحلي الإجمالي؛ نتوقع أن تُبقي لجنة السياسة النقدية على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعها المقرر عقده يوم الخميس المقبل 2 أبريل (نيسان)».


القطاع الخاص يقود قاطرة الاستثمار السياحي في السعودية بـ58 مليار دولار

رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
TT

القطاع الخاص يقود قاطرة الاستثمار السياحي في السعودية بـ58 مليار دولار

رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية

في ظل التحول المتسارع الذي يشهده قطاع السياحة في السعودية، برزت استثمارات القطاع الخاص بوصفها من أبرز محركات النمو، مع تنامي دوره شريكاً رئيسياً في تطوير الوجهات السياحية وتعزيز جاذبية السوق، مدعوماً بحوافز حكومية ومنظومة استثمارية متكاملة.

وقد تجلى هذا الدور الريادي في قلب الجلسات النقاشية للنسخة الرابعة من «مبادرة مستقبل الاستثمار» المنعقدة في ميامي؛ حيث اجتمع المستثمرون العالميون لبحث مستقبل تدفقات رؤوس الأموال. وأكد وزير السياحة السعودي، أحمد الخطيب، أن المملكة تقدم نموذجاً لسوق جاهزة تماماً لاستقطاب الاستثمارات، مشيراً إلى أن «دور القطاع الخاص، ومشاركته الفاعلة، هما الركيزة الأساسية لهذا النجاح، حيث يُسهم بنحو 48 في المائة من إجمالي الاستثمارات السياحية».

وقال إن المملكة، في إطار «رؤية 2030»، نجحت في بناء منظومة استثمارية متكاملة لا تقوم على مشروعات ووجهات متفرقة، بل على تكامل السياسات والتشريعات والبنى التحتية، وتمكين الاستثمار، وتطوير رأس المال البشري، بما أسهم في خلق مناخ استثماري موثوق يضمن استدامة النمو على المدى الطويل.

دور القطاع الخاص

من جهته، أكد وكيل وزارة السياحة لتمكين الوجهات السياحية، محمود عبد الهادي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «القطاع الخاص أصبح لاعباً رئيسياً في دفع عجلة السياحة، مسهماً بنحو 219 مليار ريال (58.4 مليار دولار) من إجمالي الاستثمارات الملتزم بها في القطاع، البالغة 452 مليار ريال، مقابل 233 مليار ريال (62.1 مليار دولار) يسهم بها (صندوق الاستثمارات العامة)، في نموذج يعكس شراكة استراتيجية لتعزيز النمو المستدام».

وفي سياق تعزيز الجاذبية الاستثمارية، كشف عن أن المملكة حلّت في «المركز الـ5» ضمن اقتصادات «مجموعة العشرين» لعام 2024 من حيث الكثافة الاستثمارية، مع حصة استثمارية بلغت 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أحد المعدلات الأعلى عالمياً.

كما نجحت في جذب 56 مشروعاً سياحياً نوعياً بين عامي 2019 و2024 بقيمة استثمارية بلغت 1.9 مليار دولار.

جبال «فيفا» في جازان (وزارة السياحة)

حوافز استثمارية شاملة

وأوضح عبد الهادي أن المستثمرين في القطاع السياحي يستفيدون من حوافز متنوعة؛ تشمل «إعفاءات ضريبية طويلة الأجل للشركات متعددة الجنسية، ودعم الأجور في المهن الخاضعة للتوطين، إلى جانب تخفيضات وإعفاءات من رسوم التراخيص البلدية، وتمويل المشروعات بمختلف أحجامها عبر (صندوق التنمية السياحي)؛ مما يسهم في خلق بيئة استثمارية جاذبة وتخفيف المخاطر».

القطاع الخاص يقود البنية الفندقية

وأضاف أن القطاع الخاص يمثل نحو 60 في المائة من الغرف الفندقية الجديدة، وأنه يقود المشروعات الاستثمارية في 10 مناطق سعودية، «مع التركيز على الوجهات الكبرى والناشئة، في وقت نجحت فيه المملكة في جذب أكثر من 50 علامة فندقية عالمية، واستقطاب أكثر من 40 مستثمراً جديداً منذ عام 2020».

أرقام قياسية لعام 2025

سجل القطاع السياحي السعودي في 2025 نحو 122 مليون سائح محلي ووافد من الخارج، بزيادة 5 في المائة على العام السابق، فيما بلغ إجمالي الإنفاق السياحي 301 مليار ريال (نحو 80.3 مليار دولار)، بنمو 6 في المائة مقارنة بعام 2024. وبلغ عدد السياح المحليين 92.9 مليون سائح مع إنفاق قدره 128.2 مليار ريال (نحو 34.2 مليار دولار)، فيما وصل عدد السياح الوافدين إلى 29.3 مليون سائح مع إنفاق 172.6 مليار ريال (نحو 46 مليار دولار). وتهدف المملكة إلى استقبال 150 مليون سائح سنوياً بحلول 2030.

سياح يشاهدون الغروب بالقرب من «صخرة الفيل» في العلا (وزارة السياحة)

أولويات الاستثمار المستقبلية

وأشار إلى أن المملكة وضعت أولويات للسنوات الخمس المقبلة؛ تشمل تطوير مرافق الضيافة، وتعزيز منصات الحجز والترويج السياحي، وإطلاق تجارب سياحية متنوعة تشمل الشواطئ والمدن والتراث والمغامرات، إلى جانب الاستثمار في السياحة الزراعية وسلسلة الإمداد السياحي والخدمات اللوجيستية، «بما يوفر فرصاً واسعة للقطاع الخاص ويعزز استدامة النمو».

منتجع فاخر في البحر الأحمر (وزارة السياحة)

حوافز السياحة

وأكد أن المملكة اعتمدت آليات لضمان النمو المستدام للمشروعات السياحية، تشمل «دعم استثمارات القطاع الخاص بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة من النفقات الرأسمالية، إضافة إلى إعفاءات من الرسوم البلدية لمدة تصل إلى 7 سنوات، وإعفاءات من ضريبة دخل الشركات للاستثمارات الأجنبية للفترة ذاتها، وتخفيض ضريبة القيمة المضافة على الغرف الفندقية بنسبة تصل إلى 100 في المائة، إلى جانب دعم استئجار الأراضي بنسبة 100 في المائة لمدة تصل إلى 20 عاماً».

منطقة البلد في جدة (وزارة السياحة)

دعم النمو المستدام

وأوضح أن اعتماد «نظام الاستثمار السعودي لعام 2025» مكّن المستثمرين الأجانب من التملك الكامل وحمايتهم، إلى جانب تسهيل حركة الأموال؛ «مما أسهم في خلق مناخ استثماري موثوق، بالتوازي مع تطوير الكوادر البشرية من خلال برامج تدريبية مختصة بالشراكة مع الجامعات والمؤسسات التعليمية».

وأكد أن هذه المنظومة المتكاملة، إلى جانب الشراكة بين القطاعين العام والخاص، «تمثلان الركيزة الأساسية لتحقيق مستهدفات (رؤية 2030)، بما في ذلك رفع إسهام السياحة في الناتج المحلي الإجمالي إلى 10 في المائة، وخلق أكثر من 1.6 مليون وظيفة»، مشدداً على أن «القطاع الخاص لم يعد مجرد مستثمر، بل هو شريك استراتيجي يقود نمو السياحة السعودية على المدى الطويل».