وكالة الطاقة الدولية تتراجع… ورؤية السعودية تنتصر لواقع النفط

عدّلت توقعاتها عن «الذروة» وأكدت صحة تحذيرات عبد العزيز بن سلمان

وزر الطاقة السعودي مشاركاً في مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار»... (الشرق الأوسط)
وزر الطاقة السعودي مشاركاً في مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار»... (الشرق الأوسط)
TT

وكالة الطاقة الدولية تتراجع… ورؤية السعودية تنتصر لواقع النفط

وزر الطاقة السعودي مشاركاً في مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار»... (الشرق الأوسط)
وزر الطاقة السعودي مشاركاً في مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار»... (الشرق الأوسط)

بعد أربع سنوات من الجدل، أعلنت وكالة الطاقة الدولية تراجعاً محورياً عن توقعاتها المتشددة بشأن ذروة النفط، لتؤكد بذلك صحة التحذيرات المتكررة التي أطلقها وزير الطاقة السعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان، الذي سبق أن وصف سيناريو الوكالة حول الحياد الكربوني بـ«سيناريو لالا لاند».

فالوكالة أقرت في تقريرها الأخير بأن الطلب العالمي على النفط والغاز يمكن أن يواصل النمو حتى عام 2050، وأن العالم يسير بخطى أبطأ بكثير نحو تحول الطاقة. هذا التقرير شكّل تحوّلاً جديداً في نبرة وكالة الطاقة الدولية التي كانت قد قالت في سبتمبر (أيلول) الماضي، إن ثمة حاجة إلى استثمارات بمليارات الدولارات في مشاريع جديدة للنفط والغاز، وذلك بعد أن تعرّضت سابقاً لانتقادات حادّة عندما اعتبرت أن مثل هذه الاستثمارات تتعارض مع أهداف المناخ، مما دفع مشرّعين جمهوريين إلى مهاجمة الوكالة والمطالبة بوقف تمويلها.

منذ عام 2021، اتخذ الأمير عبد العزيز بن سلمان موقفاً ثابتاً ومتحدياً لتقرير وكالة الطاقة الدولية المطالب بوقف الاستثمارات الجديدة في النفط والغاز. ووصف الوزير هذا السيناريو حينها بأنه «استكمال لسيناريو فيلم لالا لاند» لكونه بعيداً تماماً عن الواقع ولا يستند إلى بيانات حقيقية، محذراً من أن الترويج لهذا «المسار غير الواقعي» سيؤدي حتماً إلى انزلاق العالم إلى أزمة طاقة. وقال للصحافيين في الأول من يونيو (حزيران) 2021 بعد اجتماع وزراء «أوبك بلس»: «أُعبّر عن رأيي بأن هذا جزء ثانٍ لفيلم (لا لا لاند). لماذا عليّ أن آخذه على محمل الجد؟».

ظل وزير الطاقة السعودي متمسكاً برأيه، مؤكداً في عديد من المناسبات أن «الهيدروكربونات موجودة لتبقى»، وأن المملكة ماضية في زيادة طاقتها الإنتاجية، معتبراً أن التحالف الموثوق والفعال، وهو «أوبك بلس»، هو الضامن الرئيسي لاستقرار الأسواق، وليست التكهنات.

وزير الطاقة السعودي خلال اجتماع سابق لـ«أوبك» في فيينا (رويترز)

مبادرات استراتيجية

لم يقتصر موقف الأمير عبد العزيز بن سلمان على وصف سيناريو الحياد الكربوني لوكالة الطاقة الدولية بـ«لالا لاند» فحسب، بل عزَّز رؤيته الواقعية لأسواق الطاقة بمجموعة من المواقف والمبادرات الاستراتيجية التي أكدت ضرورة استمرارية النفط والغاز. فقد أكد مراراً وتكراراً أن دعوات وكالة الطاقة الدولية إلى وقف الاستثمارات الجديدة في النفط والغاز مبنية على التفكير الحالم، مشدداً على أن تطبيق هذه المطالب كان سيؤدي حتماً إلى زعزعة استقرار الأسواق العالمية على نحو خطير وإلى تهديد أمن الطاقة، مشيراً إلى أن مثل هذه السياسات تتجاهل الواقع العملي لنمو الطلب على النفط.

كما انتقد وزير الطاقة السعودي بحدة توجه وكالة الطاقة الدولية، متهماً إياها بالتحول من كونها محللاً حيادياً للطاقة يعتمد على البيانات والحقائق إلى «داعية سياسي» يروِّج لأجندة معينة. وأكد أن هذا التحول هو السبب وراء فشل توقعات الوكالة المتكررة بشأن «ذروة الطلب»، ودعاها إلى العودة إلى الأساسيات التحليلية الموثوقة.

ورغم الضغوط المتنامية للحد من الوقود الأحفوري، وتوقعات الوكالة بوصول الطلب إلى الذروة، أصر عبد العزيز بن سلمان على المضيّ قدماً في خطط السعودية لزيادة طاقتها الإنتاجية من النفط الخام. وقد عبّر عن هذه الاستراتيجية بمقولته الشهيرة إن «الهيدروكربونات موجودة لتبقى» في عام 2023، مشدداً على أن المملكة تهدف إلى أن تكون مورداً عالمياً للطاقة بأقل التكاليف وبجميع أشكالها، بما في ذلك الهيدروجين والطاقات المتجددة، دون التخلي عن مواردها النفطية.

ويضاف إلى كل ذلك أن وزير الطاقة أكد مراراً المسؤولية الحقيقية لتحالف «أوبك بلس» كونه التنظيم الموثوق والفعال الذي يعمل لضمان استقرار الأسواق العالمية وتلبية الطلب الحقيقي للمستهلكين، وليس للتكهنات أو الأهداف الآيديولوجية. ورأى أن التحالف، بقراراته المدروسة، أصبح «ضامناً رئيسياً» لاستقرار أسعار الطاقة، مؤكداً أن القرارات يجب أن تستند إلى حقائق العرض والطلب لا إلى مسارات «غير واقعية».

الناصر يُحذر من نقص الاستثمارات

في سياق متصل بتأكيد الحاجة إلى الاستثمار، كانت تحذيرات الرئيس التنفيذي لشركة «أرامكو السعودية»، أمين الناصر، حاضرة بقوة. إذ حذّر من أزمة وشيكة في إمدادات النفط العالمية، ربطاً بينها وبين تراجع الاستثمارات في عمليات الاستكشاف والإنتاج على مدى السنوات العشر الماضية. وأكد أن حجم الإنفاق الحالي على الاستكشاف منخفض للغاية، في وقت يستمر فيه الطلب العالمي على النفط في النمو، محذراً من أن العالم يواجه أزمة إمدادات إذا لم يُستأنف الاستثمار بشكل جدي.

الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو» خلال مشاركته في مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» بالرياض (أ.ف.ب)

جاء رد منظمة «أوبك» مرحِّباً بتراجع وكالة الطاقة الدولية عن توقعاتها السابقة، وعدّته «مصالحة مع الواقع»، وتأكيداً للرؤية طويلة الأمد التي تتبناها «أوبك». وأكدت أن «هوس الذروة» قد أعاق التحليل السليم ووضع سياسات فعالة في الماضي.

كما أكدت أن هذا التراجع هو المرة الأولى منذ سنوات عديدة التي تعترف فيها الوكالة بأن النفط والغاز «يمكن أن يلعبا دوراً كبيراً في مسارات الطاقة المستقبلية المتطورة»، خصوصاً في سيناريو «السياسات الحالية» الذي أظهر نمو الطلب حتى عام 2050.

كان الأمين العام لمنظمة «أوبك»، هيثم الغيص، قد انتقد وكالة الطاقة الدولية مراراً، قائلاً إنها تروّج لـ«خطابٍ معادٍ للنفط».

الأمين العام لمنظمة «أوبك» هيثم الغيص (أ.ف.ب)

موقف واشنطن

تعرضت الوكالة لضغوط من الولايات المتحدة على خلفية تحولها نحو التركيز على سياسات الطاقة النظيفة، في الوقت الذي يدعو فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشركات الأميركية لزيادة التوسع في إنتاج النفط والغاز. في ظل إدارة جو بايدن، توقعت الوكالة أن يصل الطلب العالمي على النفط إلى ذروته هذا العقد، وقالت إنه لا حاجة إلى مزيد من الاستثمار، وهو ما أثار حفيظة واشنطن بشدة.

وقد وجّه وزير الطاقة الأميركي، كريس رايت، انتقادات حادة إلى توقعات الوكالة بـ«ذروة النفط» قبل عام 2030، واصفاً إياها بأنها «هراء مطلق». وبلغ التهديد ذروته عندما أعلن رايت في يوليو (تموز) الماضي أنه يتعين على الولايات المتحدة فعل أحد أمرين: «إما أن نصلح طريقة عمل وكالة الطاقة الدولية، وإما أن ننسحب»، مفضلاً خيار الإصلاح.

يحمل هذا التهديد وزناً كبيراً، حيث تعد الولايات المتحدة أكبر مساهم في ميزانية الوكالة (بنحو 18 في المائة)، وقد أيَّد هذا الموقف مشرّعون جمهوريون طالبوا بوقف تمويلها.

وزير الطاقة الأميركي خلال زيارته السعودية وإلى جانبه الأمير عبد العزيز بن سلمان (الشرق الأوسط)

كما وجّه رايت اتهاماً أخلاقياً للوكالة، مشيراً إلى أن توقعاتها بوقف الاستثمار في النفط والغاز تجعلها تتبنى موقفاً يجحف بحق المليارات من البشر في الدول النامية.

وأوضح كبير مستشاري وزير الطاقة السعودي سابقاً، الدكتور محمد الصبان، لـ«الشرق الأوسط»، أن تراجع وكالة الطاقة الدولية عن تقاريرها السابقة، وللمرة الأولى، جاء بعد تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بقطع حصة واشنطن المالية في الوكالة والانسحاب منها، بعد أن ادّعت أن ذروة الطلب على النفط ستكون في عام 2030، وهو ما أربك الأسواق وأدى إلى انخفاض الاستثمارات في استكشاف مزيد من النفط، والتنبؤ بأزمة عرض عالمي من النفط.

وقال الصبان إن وكالة الطاقة تراجعت وذكرت أن الطلب العالمي على النفط سيستمر لما يقل عن 25 عاماً قادمة، مشيراً إلى أن «المملكة كانت أول من نبّه إلى خطورة مقولة الوكالة على أمن الطاقة، وقاطعت السعودية و(أوبك بلس) الاعتماد على أرقام الوكالة ضمن المصادر المعتمد عليها».

كانت «أوبك» قد أعلنت في عام 2022 التوقف عن استخدام بيانات وكالة الطاقة الدولية لتقييم التزام الدول الأعضاء بحصص الإنتاج. وأبدلت بها شركتي الاستشارات «وود ماكنزي» و«ريستاد إنرجي» كمصادر ثانوية لتقييم مستويات إنتاج النفط الخام للدول الأعضاء.

وأضاف الصبان: «هذا مختصر النقاش حول لعبة الوكالة السياسية ومحاولة تمريرها، بل طالبت (أرامكو) السعودية، وشركات نفط دولية بالتوقف عن استكشاف وإنتاج مزيد من النفط».

وذكر أن الرياض كانت أول من طالبت بعدم الوثوق بالأرقام الصادرة عن وكالة الطاقة الدولية، كونها تعي الطبيعة السياسية في تقاريرها، وقال إن وزير الطاقة، الأمير عبد العزيز بن سلمان، كان حريصاً في كل مرة على إيصال رسائل مضمونها «أن الوكالة غير موثوقة ولا يمكن الاعتماد عليها، والمملكة طالبت الدول الأعضاء بعدم الاعتماد على هذه التقارير».

تقرير الوكالة

في تقديراتها السنوية لآفاق الطاقة العالمية التي نُشرت يوم الأربعاء، توقعت وكالة الطاقة الدولية في ظل سيناريو السياسات الحالية أن يصل الطلب على النفط إلى 113 مليون برميل يومياً بحلول منتصف القرن بزيادة نحو 13 في المائة عن استهلاك عام 2024. وتوقعت أن يرتفع الطلب العالمي على الطاقة بمقدار 90 إكساغول بحلول عام 2035، بزيادة 15 في المائة عن المستويات الحالية.

وأشار التقرير إلى ارتفاع قرارات الاستثمار النهائية في مشاريع الغاز الطبيعي المسال الجديدة خلال عام 2025. وستبدأ عمليات لنحو 300 مليار متر مكعب من الطاقة التصديرية السنوية الجديدة للغاز الطبيعي المسال بحلول عام 2030 بما يمثل زيادة بواقع 50 في المائة في الإمدادات المتاحة.

شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)

وفي ظل سيناريو السياسات الحالية، ستنمو السوق العالمية للغاز الطبيعي المسال من نحو 560 مليار متر مكعب في عام 2024 إلى 880 مليار متر مكعب في عام 2035 وإلى 1020 مليار متر مكعب في عام 2050، مدفوعة بارتفاع الطلب في قطاع الطاقة الذي يغذيه نمو مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.

وذكر التقرير أنه من المتوقع أن يصل الاستثمار العالمي في مراكز البيانات إلى 580 مليار دولار في عام 2025، وأشار إلى أنه إذا تحقق ذلك فإنه سيتجاوز مبلغ 540 مليار دولار الذي يتم إنفاقه سنوياً على إمدادات النفط على مستوى العالم.

في الختام، يمثل تغيير وكالة الطاقة نهاية لحقبة «هوس الذروة» وبداية لنهج تحليلي جديد يأمل قطاع الطاقة أن يكون أكثر استناداً إلى حقائق السوق واحتياجات التنمية العالمية.


مقالات ذات صلة

السعودية تستعيد طاقة ضخ 7 ملايين برميل نفط

الاقتصاد 
ميناء ينبع التجاري أحد المنافذ البحرية المهمة للسعودية في الفترة الراهنة (موانئ)

السعودية تستعيد طاقة ضخ 7 ملايين برميل نفط

استعادت السعودية كامل طاقة ضخ النفط عبر خط «شرق - غرب»، البالغة 7 ملايين برميل يومياً، وتشغيل حقل «منيفة» بكامل طاقته (نحو 300 ألف برميل)، وذلك في وقت قياسي.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد وزير الطاقة السعودي ملتقياً رئيس المكتب الرئاسي في كوريا الجنوبية (وزارة الطاقة)

وزير الطاقة السعودي يبحث مع مسؤول كوري تعزيز استقرار الإمدادات

التقى وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، في الرياض، يوم الأحد، رئيس المكتب الرئاسي في كوريا الجنوبية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد موظفان في «أرامكو» يقومان بأعمالهما في أحد مرافق الشركة (أرامكو)

التعافي السريع للمرافق النفطية يكرّس موثوقية السعودية مورداً عالمياً للطاقة

برهنت السعودية على جاهزية استثنائية وسرعة استجابة عالية في احتواء تداعيات الأزمة الأخيرة جرّاء الهجمات التي تعرضت لها بعض مرافقها النفطية.

بندر مسلم (الرياض)
الخليج أكد المسؤول السعودي أن استهداف منشآت الطاقة يسهم في زيادة حدة التقلبات بأسواق البترول (أرامكو السعودية)

السعودية: توقف العمليات التشغيلية في منشآت طاقة نتيجة استهدافات

أعلن مصدر مسؤول بوزارة الطاقة السعودية عن تعرُّض منشآت الطاقة الحيوية في البلاد لاستهدافات متعددة مؤخرا نتج عنها استشهاد أحد منسوبي الأمن الصناعي وإصابة 7 آخرين

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مقر وكالة الطاقة الدولية في باريس (أ.ف.ب)

مدير «الطاقة الدولية» يشيد بـ«الاستجابة السريعة» للسعودية في مواجهة أزمة «هرمز»

حذر المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، الدول من مغبة الاستسلام لرغبة «تخزين» النفط والوقود.

«الشرق الأوسط» (لندن)

انفراجة «هرمز» تُحفّز الأسواق العالمية

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

انفراجة «هرمز» تُحفّز الأسواق العالمية

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

شهدت الأسواق العالمية انفراجة واسعة واستعادة قوية للزخم عقب قرار إيران بفتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية، تزامناً مع هدنة لبنان. وأدى هذا التحول الإيجابي إلى تبدد سريع للمخاوف الجيوسياسية؛ ما دفع أسعار النفط للتراجع بنسبة تجاوزت 10 في المائة، حيث استقر «برنت» عند 88.27 دولار؛ ما خفف الضغوط التضخمية عالمياً.

وانعكس هذا الاستقرار فوراً على أسواق الأسهم التي انتعشت لتسجل مستويات قياسية، مدفوعة بارتفاع شهية المخاطرة لدى المستثمرين.

وفي سوق العملات، تراجع الدولار ليتيح المجال لصعود اليورو والين، بينما واصلت المعادن النفيسة مكاسبها النوعية.

أما أسواق السندات فقد شهدت هدوءاً مع تقليص الرهانات على رفع الفائدة؛ ما يعكس تفاؤلاً كبيراً بعودة استقرار سلاسل الإمداد وتدفقات الطاقة العالمية بسلاسة.


الجدعان: إنهاء الصراعات وتأمين السلام ركيزتان أساسيتان لتحقيق النمو المستدام

اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
TT

الجدعان: إنهاء الصراعات وتأمين السلام ركيزتان أساسيتان لتحقيق النمو المستدام

اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)

أطلق وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، موقفاً حازماً أكد فيه أن قدرة العالم على مواجهة الأزمات مرهونة بتبني «رؤية استراتيجية موحدة وإصلاحات سريعة»، مُحذراً من أن التفاؤل المفرط في الأسواق قد يحجب حقيقة التحديات الجيوسياسية الراهنة، لا سيما في ظل الصراعات التي تهدد أمن الإمدادات.

كلام الجدعان جاء في مؤتمر صحافي مشترك مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، عقب اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي، وذلك خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين.

وقد توّج الاجتماع بتبني «مبادئ الدرعية» إطاراً تاريخياً لحوكمة صندوق النقد الدولي؛ ما يرسخ مرحلة جديدة من التعاون متعدد الأطراف في مواجهة حالة عدم اليقين العالمي.

الجدعان متحدثاً في المؤتمر الصحافي (أ.ف.ب)

السلام ركيزةً للنمو المستدام

استهل الجدعان المؤتمر بالتأكيد على أن الاقتصاد العالمي قد تعرَّض لاختبارات متلاحقة جراء صدمات متكررة على مدى السنوات القليلة الماضية، ناتجة من الحروب والصراعات، بما في ذلك الصراع الجديد في منطقة الشرق الأوسط.

وأوضح أنه بالإضافة إلى الآثار الإنسانية العميقة، فإن الأثر الاقتصادي لهذه الصدمات هو أثر عالمي، وسوف يضرب مرة أخرى الفئات الأفقر والأكثر ضعفاً بشدة، محذراً من أن هذا يأتي في وقت تآكلت فيه مساحة السياسات وضعف فيه التعاون الدولي.

وأشار الجدعان إلى أن الاستجابة المناسبة من حيث السياسات تعتمد على كيفية انتشار الصدمة عبر الاقتصاد المحلي؛ ما يستدعي سياسات في توقيتها المناسب وقابلة للتكيف مدعومة بأطر عمل موثوقة وتعاون دولي.

وشدد على أن إنهاء الحروب والصراعات وتأمين سلام دائم في جميع أنحاء العالم يظل أمراً أساسياً لا غنى عنه لتحقيق النمو المستدام والاستقرار طويل الأجل.

المؤتمر الصحافي المشترك للجدعان وغورغييفا (أ.ف.ب)

مخاطر الصراعات وتداعياتها على أمن الطاقة

وأكد بيان صادر عن اللجنة أن الاقتصاد العالمي ظل صامداً على مدى السنوات القليلة الماضية رغم الصدمات المتكررة، بما في ذلك الحروب والصراعات. ووصف البيان الصراع في الشرق الأوسط بأنه صدمة عالمية رئيسية جديدة، سيعتمد أثرها الاقتصادي على مدتها وكثافتها وتوسعها الجغرافي.

ولفت إلى أنه بات من الواضح بالفعل، من خلال الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية واضطرابات النقل حتى الآن، أنها تشكل تهديداً خطيراً للاقتصاد العالمي، رغم الجهود الملحوظة لاستدامة تدفق الطاقة، بما في ذلك من خلال إعادة توجيه مسارات النقل لتعزيز أمن الإمدادات.

ونوّه الأعضاء إلى أن تأثير الصدمة غير متماثل للغاية عبر البلدان، وإذا طال أمدها، فقد تبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة ممتدة، وتعطل إمدادات المدخلات الرئيسية، وتضخم المخاطر التي تهدد أمن الطاقة والغذاء، والنمو العالمي، والتضخم، وحسابات القطاع الخارجي.

وأشار البيان إلى أن الأوضاع المالية المشددة والتداعيات المحتملة على الاستقرار المالي قد تزيد من الضغط على الآفاق المستقبلية، في وقت يمر فيه العالم بتحولات هيكلية عميقة في التكنولوجيا، والديموغرافيا، والمخاطر المرتبطة بالمناخ، وهي تغييرات ستعيد تشكيل الاقتصادات وتختبر قدرتها على التكيف.

الجدعان يتحدث مع رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول (رويترز)

أولويات السياسة الاقتصادية والمالية

أكدت اللجنة أنه في هذه البيئة التي تكتنفها حالة من عدم اليقين الشديد، تتمثل الأولوية القصوى في تعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي والمالي، مع تمكين نمو قوي واسع القاعدة، من خلال سياسات في توقيتها المناسب وقابلة للتكيف وموثوقة.

وشددت البنوك المركزية على التزامها القوي بالحفاظ على استقرار الأسعار، عادَّةً أن استقلاليتها والتواصل الواضح ضروريان لمصداقية السياسة وإبقاء توقعات التضخم راسية.

كما أفادت بأن السياسة المالية يجب أن تُعايَر بشكل مناسب وتُرسخ في أطر متوسطة الأجل موثوقة لضمان استدامة الدين، مع إمكانية استخدام تدابير مؤقتة ومستهدفة لحماية الفئات الأكثر ضعفاً حيثما توفرت المساحة المالية.

وأكد الأعضاء استمرارهم في الالتزام بالمعايير الدولية ومراقبة المخاطر التي تهدد الاستقرار المالي، بما في ذلك تعزيز الرقابة على المخاطر النظامية الناشئة عن الذكاء الاصطناعي، والمؤسسات المالية غير المصرفية، والأصول الرقمية، مع تسخير فوائد الابتكار التكنولوجي.

الإصلاحات الهيكلية والتعاون الدولي

وأشارت اللجنة إلى المضي قدماً في الإصلاحات الهيكلية لتمكين استثمار القطاع الخاص، وزيادة الإنتاجية، وحماية أمن الطاقة.

وأكد الأعضاء مواصلة التعاون لمعالجة الاختلالات العالمية المفرطة والتوترات التجارية وبناء سلاسل إمداد أكثر صموداً، ودعم اقتصاد عالمي عادل ومنفتح، مع التأكيد مجدداً على التزامات أسعار الصرف الصادرة في أبريل (نيسان) 2021.

وعبّر البيان عن ترحيب اللجنة بجدول أعمال السياسة العالمية للمدير العام، مؤكداً على الدور الحاسم لصندوق النقد الدولي في مساعدة الدول عبر مشورة السياسات وتنمية القدرات والدعم المالي بالتعاون مع المؤسسات الأخرى.

دعم الدول الضعيفة ومعالجة الديون

وتعهد البيان بمواصلة دعم البلدان في جهودها لتعزيز الاستقرار والنمو، مع إيلاء اهتمام خاص للبلدان منخفضة الدخل والدول الهشة المتأثرة بالصراعات، لا سيما حيث تتزايد ضغوط الديون. وأكد الأعضاء التزامهم بتحسين عمليات إعادة هيكلة الديون، بما في ذلك في «إطار العمل المشترك»، والمضي قدماً في المائدة المستديرة العالمية للديون السيادية.

ورحَّب البيان بـ«دليل إعادة الهيكلة» المحدث، ودعا إلى تعزيز شفافية الديون من جميع أصحاب المصلحة، بما في ذلك الدائنون من القطاع الخاص.

كما حث البيان على زيادة الدعم للبلدان ذات الديون المستدامة التي تواجه تحديات تمويل قصيرة الأجل عبر تسريع تنفيذ نهج الركائز الثلاث لصندوق النقد والبنك الدولي، والانتهاء من مراجعة إطار استدامة الديون.

تعزيز الرقابة وأدوات الإقراض

أعلن البيان دعم اللجنة لزيادة تركيز الرقابة بناءً على الصرامة التحليلية والإنصاف، والتطلع إلى الانتهاء من المراجعة الشاملة للرقابة ومراجعة برنامج تقييم القطاع المالي (FSAP).

كما أيَّد الأعضاء الجهود المستمرة لتحصين إطار الإقراض الخاص بالصندوق، بما في ذلك مراجعة تصميم البرامج والشروط (ROC) والعمل على أطر السياسة النقدية للبلدان التي تمر بأزمات.

مبادئ الدرعية وحوكمة الصندوق

وفي ختام البيان، أعلن الأعضاء تأييدهم لـ«مبادئ الدرعية التوجيهية» لإصلاحات الحصص والحوكمة، عادِّين إياها إنجازاً جماعياً كبيراً ومعلماً مهماً في أجندة إصلاح حوكمة الصندوق.

وتقدمت اللجنة بالشكر لنواب اللجنة الدولية والمجلس التنفيذي والإدارة على جهودهم، مؤكدة أن هذه المبادئ ستعمل كدليل للمناقشات المستقبلية، بما في ذلك المراجعة العامة السابعة عشرة للحصص.

واختتم البيان بالتأكيد مجدداً على الالتزام بصندوق نقد دولي قوي، وقائم على الحصص، ومزود بموارد كافية ليكون في مركز شبكة الأمان المالي العالمية، مع التطلع إلى الانتهاء من الموافقات المحلية لموافقة الأعضاء على زيادة الحصص بموجب المراجعة العامة السادسة عشرة دون أي تأخير إضافي.


الأسواق العالمية تستعيد زخمها بعد الإعلان عن فتح «مضيق هرمز»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق العالمية تستعيد زخمها بعد الإعلان عن فتح «مضيق هرمز»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

شهدت الأسواق العالمية تحركات حادة يوم الجمعة، في أعقاب قرار إيران فتح مضيق هرمز أمام جميع السفن التجارية، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مخاطر الإمدادات الجيوسياسية بسرعة.

فقد أعلن وزير الخارجية الإيراني، يوم الجمعة، أن مضيق هرمز بات مفتوحاً بالكامل أمام جميع السفن التجارية طوال فترة وقف إطلاق النار، في خطوة جاءت بالتزامن مع الهدنة في لبنان. وقال عباس عراقجي في منشور على منصة «إكس» إن عبور السفن عبر المضيق سيجري وفق المسار المنسق الذي أعلنته سابقاً منظمة الموانئ والملاحة البحرية الإيرانية.

وجاء هذا الإعلان ليخفف جزئياً من المخاوف المرتبطة بإمدادات الطاقة العالمية، ما انعكس سريعاً على الأسواق مع تراجع حاد في أسعار النفط عقب التصريحات.

تراجع حاد في أسعار النفط

تراجعت أسعار النفط بأكثر من 10 في المائة يوم الجمعة، مواصلة خسائرها السابقة، وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 11.12 دولار أو 11.2 في المائة لتسجل 88.27 دولاراً للبرميل عند الساعة 13:11 بتوقيت غرينتش، فيما هبطت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي بمقدار 11.40 دولار أو 12 في المائة إلى 83.29 دولار للبرميل.

وقال جيوفاني ستونوفو، المحلل في بنك «يو بي إس»، إن تصريحات وزير الخارجية الإيراني «تشير إلى خفض التصعيد في حال استمر وقف إطلاق النار، لكن يبقى السؤال ما إذا كان تدفق ناقلات النفط عبر المضيق سيشهد زيادة ملموسة».

ويعكس هذا التراجع انحساراً مؤقتاً في علاوة المخاطر الجيوسياسية التي دعمت أسعار النفط خلال الفترة الماضية، وسط ترقب المستثمرين لاحتمال تحول وقف إطلاق النار إلى تهدئة أوسع نطاقاً في المنطقة.

الدولار يتراجع أيضاً

تراجع مؤشر الدولار الأميركي بعد إعلان إيران، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 0.46 في المائة إلى مستوى 97.765. وتراجع الدولار بنسبة 0.6 في المائة إلى 158 يناً، فيما ارتفع اليورو بنسبة 0.6 في المائة إلى 1.1848 دولار، مسجلاً أعلى مستوى له في شهرين.

في المقابل، ارتفع الدولار الكندي أمام نظيره الأميركي يوم الجمعة، فيما تراجعت عوائد السندات الحكومية الكندية. وجرى تداول الدولار الكندي (اللوني) مرتفعاً بنسبة 0.3 في المائة عند 1.366 دولار كندي للدولار الأميركي، بما يعادل 73.21 سنت أميركي، بعد تحركات بين 1.3661 و1.3707 خلال الجلسة.

الأسهم العالمية تواصل مكاسبها

شهدت الأسهم العالمية، التي كانت تتداول بالفعل عند مستويات قياسية، مزيداً من المكاسب عقب الإعلان. وارتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 1.4 في المائة، فيما صعدت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.9 في المائة.

وقال مايكل براون، كبير استراتيجيي الأبحاث في شركة «بيبرستون»، إن تحسن آفاق الملاحة عبر مضيق هرمز يقلص بشكل واضح علاوة المخاطر الجيوسياسية، ما يدعم شهية المخاطرة في الأسواق. وأضاف أن هذا التحول يفسر رد الفعل الإيجابي في الأسواق.

السندات العالمية تتحرك بحذر

في أسواق السندات، استقرت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات عند 4.27 في المائة، بينما سجلت عوائد السندات لأجل عامين 3.74 في المائة، في إشارة إلى توازن حذر في توقعات السياسة النقدية. كما انخفض عائد السندات الحكومية الكندية لأجل 10 سنوات بمقدار 8.3 نقطة أساس إلى 3.421 في المائة.

وفي أوروبا، تراجعت عوائد السندات الحكومية الألمانية لأجل عامين إلى أدنى مستوياتها في شهر، بعدما هبطت عوائد «شاتز» لأجل عامين، وهي الأكثر حساسية لتغيرات أسعار الفائدة والتضخم، بما يصل إلى 11.2 نقطة أساس لتسجل 2.412 في المائة قبل أن تقلص خسائرها إلى 2.43 في المائة، مسجلة تراجعاً يومياً بنحو 9.6 نقطة أساس. وكانت العوائد قد بلغت أعلى مستوياتها منذ يوليو الماضي في أواخر مارس (آذار) عند نحو 2.77 في المائة.

وأشارت الأسواق إلى تقليص رهاناتها على رفع البنك المركزي الأوروبي لأسعار الفائدة؛ إذ قدرت احتمالات الرفع في الاجتماع المقبل بنحو 8 في المائة، مقارنة بـ15 في المائة في وقت سابق من الجلسة، مع توقعات بوصول سعر فائدة الإيداع إلى 2.44 في المائة بنهاية العام مقابل 2.55 في المائة سابقاً.

المعادن النفيسة ترتفع

أما في أسواق المعادن النفيسة، فقد ارتفع الذهب الفوري بنحو 2 في المائة إلى 4881 دولاراً للأونصة، كما صعدت الفضة بأكثر من 5 في المائة إلى 82.30 دولار، والبلاتين بنسبة 3 في المائة إلى 2149.15 دولار، وارتفع البلاديوم بنسبة 3 في المائة إلى 1600.88 دولاراً، مدعومة بتزايد الطلب على الملاذات الآمنة رغم تراجع النفط.