وكالة الطاقة الدولية تتراجع… ورؤية السعودية تنتصر لواقع النفط

عدّلت توقعاتها عن «الذروة» وأكدت صحة تحذيرات عبد العزيز بن سلمان

وزر الطاقة السعودي مشاركاً في مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار»... (الشرق الأوسط)
وزر الطاقة السعودي مشاركاً في مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار»... (الشرق الأوسط)
TT

وكالة الطاقة الدولية تتراجع… ورؤية السعودية تنتصر لواقع النفط

وزر الطاقة السعودي مشاركاً في مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار»... (الشرق الأوسط)
وزر الطاقة السعودي مشاركاً في مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار»... (الشرق الأوسط)

بعد أربع سنوات من الجدل، أعلنت وكالة الطاقة الدولية تراجعاً محورياً عن توقعاتها المتشددة بشأن ذروة النفط، لتؤكد بذلك صحة التحذيرات المتكررة التي أطلقها وزير الطاقة السعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان، الذي سبق أن وصف سيناريو الوكالة حول الحياد الكربوني بـ«سيناريو لالا لاند».

فالوكالة أقرت في تقريرها الأخير بأن الطلب العالمي على النفط والغاز يمكن أن يواصل النمو حتى عام 2050، وأن العالم يسير بخطى أبطأ بكثير نحو تحول الطاقة. هذا التقرير شكّل تحوّلاً جديداً في نبرة وكالة الطاقة الدولية التي كانت قد قالت في سبتمبر (أيلول) الماضي، إن ثمة حاجة إلى استثمارات بمليارات الدولارات في مشاريع جديدة للنفط والغاز، وذلك بعد أن تعرّضت سابقاً لانتقادات حادّة عندما اعتبرت أن مثل هذه الاستثمارات تتعارض مع أهداف المناخ، مما دفع مشرّعين جمهوريين إلى مهاجمة الوكالة والمطالبة بوقف تمويلها.

منذ عام 2021، اتخذ الأمير عبد العزيز بن سلمان موقفاً ثابتاً ومتحدياً لتقرير وكالة الطاقة الدولية المطالب بوقف الاستثمارات الجديدة في النفط والغاز. ووصف الوزير هذا السيناريو حينها بأنه «استكمال لسيناريو فيلم لالا لاند» لكونه بعيداً تماماً عن الواقع ولا يستند إلى بيانات حقيقية، محذراً من أن الترويج لهذا «المسار غير الواقعي» سيؤدي حتماً إلى انزلاق العالم إلى أزمة طاقة. وقال للصحافيين في الأول من يونيو (حزيران) 2021 بعد اجتماع وزراء «أوبك بلس»: «أُعبّر عن رأيي بأن هذا جزء ثانٍ لفيلم (لا لا لاند). لماذا عليّ أن آخذه على محمل الجد؟».

ظل وزير الطاقة السعودي متمسكاً برأيه، مؤكداً في عديد من المناسبات أن «الهيدروكربونات موجودة لتبقى»، وأن المملكة ماضية في زيادة طاقتها الإنتاجية، معتبراً أن التحالف الموثوق والفعال، وهو «أوبك بلس»، هو الضامن الرئيسي لاستقرار الأسواق، وليست التكهنات.

وزير الطاقة السعودي خلال اجتماع سابق لـ«أوبك» في فيينا (رويترز)

مبادرات استراتيجية

لم يقتصر موقف الأمير عبد العزيز بن سلمان على وصف سيناريو الحياد الكربوني لوكالة الطاقة الدولية بـ«لالا لاند» فحسب، بل عزَّز رؤيته الواقعية لأسواق الطاقة بمجموعة من المواقف والمبادرات الاستراتيجية التي أكدت ضرورة استمرارية النفط والغاز. فقد أكد مراراً وتكراراً أن دعوات وكالة الطاقة الدولية إلى وقف الاستثمارات الجديدة في النفط والغاز مبنية على التفكير الحالم، مشدداً على أن تطبيق هذه المطالب كان سيؤدي حتماً إلى زعزعة استقرار الأسواق العالمية على نحو خطير وإلى تهديد أمن الطاقة، مشيراً إلى أن مثل هذه السياسات تتجاهل الواقع العملي لنمو الطلب على النفط.

كما انتقد وزير الطاقة السعودي بحدة توجه وكالة الطاقة الدولية، متهماً إياها بالتحول من كونها محللاً حيادياً للطاقة يعتمد على البيانات والحقائق إلى «داعية سياسي» يروِّج لأجندة معينة. وأكد أن هذا التحول هو السبب وراء فشل توقعات الوكالة المتكررة بشأن «ذروة الطلب»، ودعاها إلى العودة إلى الأساسيات التحليلية الموثوقة.

ورغم الضغوط المتنامية للحد من الوقود الأحفوري، وتوقعات الوكالة بوصول الطلب إلى الذروة، أصر عبد العزيز بن سلمان على المضيّ قدماً في خطط السعودية لزيادة طاقتها الإنتاجية من النفط الخام. وقد عبّر عن هذه الاستراتيجية بمقولته الشهيرة إن «الهيدروكربونات موجودة لتبقى» في عام 2023، مشدداً على أن المملكة تهدف إلى أن تكون مورداً عالمياً للطاقة بأقل التكاليف وبجميع أشكالها، بما في ذلك الهيدروجين والطاقات المتجددة، دون التخلي عن مواردها النفطية.

ويضاف إلى كل ذلك أن وزير الطاقة أكد مراراً المسؤولية الحقيقية لتحالف «أوبك بلس» كونه التنظيم الموثوق والفعال الذي يعمل لضمان استقرار الأسواق العالمية وتلبية الطلب الحقيقي للمستهلكين، وليس للتكهنات أو الأهداف الآيديولوجية. ورأى أن التحالف، بقراراته المدروسة، أصبح «ضامناً رئيسياً» لاستقرار أسعار الطاقة، مؤكداً أن القرارات يجب أن تستند إلى حقائق العرض والطلب لا إلى مسارات «غير واقعية».

الناصر يُحذر من نقص الاستثمارات

في سياق متصل بتأكيد الحاجة إلى الاستثمار، كانت تحذيرات الرئيس التنفيذي لشركة «أرامكو السعودية»، أمين الناصر، حاضرة بقوة. إذ حذّر من أزمة وشيكة في إمدادات النفط العالمية، ربطاً بينها وبين تراجع الاستثمارات في عمليات الاستكشاف والإنتاج على مدى السنوات العشر الماضية. وأكد أن حجم الإنفاق الحالي على الاستكشاف منخفض للغاية، في وقت يستمر فيه الطلب العالمي على النفط في النمو، محذراً من أن العالم يواجه أزمة إمدادات إذا لم يُستأنف الاستثمار بشكل جدي.

الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو» خلال مشاركته في مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» بالرياض (أ.ف.ب)

جاء رد منظمة «أوبك» مرحِّباً بتراجع وكالة الطاقة الدولية عن توقعاتها السابقة، وعدّته «مصالحة مع الواقع»، وتأكيداً للرؤية طويلة الأمد التي تتبناها «أوبك». وأكدت أن «هوس الذروة» قد أعاق التحليل السليم ووضع سياسات فعالة في الماضي.

كما أكدت أن هذا التراجع هو المرة الأولى منذ سنوات عديدة التي تعترف فيها الوكالة بأن النفط والغاز «يمكن أن يلعبا دوراً كبيراً في مسارات الطاقة المستقبلية المتطورة»، خصوصاً في سيناريو «السياسات الحالية» الذي أظهر نمو الطلب حتى عام 2050.

كان الأمين العام لمنظمة «أوبك»، هيثم الغيص، قد انتقد وكالة الطاقة الدولية مراراً، قائلاً إنها تروّج لـ«خطابٍ معادٍ للنفط».

الأمين العام لمنظمة «أوبك» هيثم الغيص (أ.ف.ب)

موقف واشنطن

تعرضت الوكالة لضغوط من الولايات المتحدة على خلفية تحولها نحو التركيز على سياسات الطاقة النظيفة، في الوقت الذي يدعو فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشركات الأميركية لزيادة التوسع في إنتاج النفط والغاز. في ظل إدارة جو بايدن، توقعت الوكالة أن يصل الطلب العالمي على النفط إلى ذروته هذا العقد، وقالت إنه لا حاجة إلى مزيد من الاستثمار، وهو ما أثار حفيظة واشنطن بشدة.

وقد وجّه وزير الطاقة الأميركي، كريس رايت، انتقادات حادة إلى توقعات الوكالة بـ«ذروة النفط» قبل عام 2030، واصفاً إياها بأنها «هراء مطلق». وبلغ التهديد ذروته عندما أعلن رايت في يوليو (تموز) الماضي أنه يتعين على الولايات المتحدة فعل أحد أمرين: «إما أن نصلح طريقة عمل وكالة الطاقة الدولية، وإما أن ننسحب»، مفضلاً خيار الإصلاح.

يحمل هذا التهديد وزناً كبيراً، حيث تعد الولايات المتحدة أكبر مساهم في ميزانية الوكالة (بنحو 18 في المائة)، وقد أيَّد هذا الموقف مشرّعون جمهوريون طالبوا بوقف تمويلها.

وزير الطاقة الأميركي خلال زيارته السعودية وإلى جانبه الأمير عبد العزيز بن سلمان (الشرق الأوسط)

كما وجّه رايت اتهاماً أخلاقياً للوكالة، مشيراً إلى أن توقعاتها بوقف الاستثمار في النفط والغاز تجعلها تتبنى موقفاً يجحف بحق المليارات من البشر في الدول النامية.

وأوضح كبير مستشاري وزير الطاقة السعودي سابقاً، الدكتور محمد الصبان، لـ«الشرق الأوسط»، أن تراجع وكالة الطاقة الدولية عن تقاريرها السابقة، وللمرة الأولى، جاء بعد تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بقطع حصة واشنطن المالية في الوكالة والانسحاب منها، بعد أن ادّعت أن ذروة الطلب على النفط ستكون في عام 2030، وهو ما أربك الأسواق وأدى إلى انخفاض الاستثمارات في استكشاف مزيد من النفط، والتنبؤ بأزمة عرض عالمي من النفط.

وقال الصبان إن وكالة الطاقة تراجعت وذكرت أن الطلب العالمي على النفط سيستمر لما يقل عن 25 عاماً قادمة، مشيراً إلى أن «المملكة كانت أول من نبّه إلى خطورة مقولة الوكالة على أمن الطاقة، وقاطعت السعودية و(أوبك بلس) الاعتماد على أرقام الوكالة ضمن المصادر المعتمد عليها».

كانت «أوبك» قد أعلنت في عام 2022 التوقف عن استخدام بيانات وكالة الطاقة الدولية لتقييم التزام الدول الأعضاء بحصص الإنتاج. وأبدلت بها شركتي الاستشارات «وود ماكنزي» و«ريستاد إنرجي» كمصادر ثانوية لتقييم مستويات إنتاج النفط الخام للدول الأعضاء.

وأضاف الصبان: «هذا مختصر النقاش حول لعبة الوكالة السياسية ومحاولة تمريرها، بل طالبت (أرامكو) السعودية، وشركات نفط دولية بالتوقف عن استكشاف وإنتاج مزيد من النفط».

وذكر أن الرياض كانت أول من طالبت بعدم الوثوق بالأرقام الصادرة عن وكالة الطاقة الدولية، كونها تعي الطبيعة السياسية في تقاريرها، وقال إن وزير الطاقة، الأمير عبد العزيز بن سلمان، كان حريصاً في كل مرة على إيصال رسائل مضمونها «أن الوكالة غير موثوقة ولا يمكن الاعتماد عليها، والمملكة طالبت الدول الأعضاء بعدم الاعتماد على هذه التقارير».

تقرير الوكالة

في تقديراتها السنوية لآفاق الطاقة العالمية التي نُشرت يوم الأربعاء، توقعت وكالة الطاقة الدولية في ظل سيناريو السياسات الحالية أن يصل الطلب على النفط إلى 113 مليون برميل يومياً بحلول منتصف القرن بزيادة نحو 13 في المائة عن استهلاك عام 2024. وتوقعت أن يرتفع الطلب العالمي على الطاقة بمقدار 90 إكساغول بحلول عام 2035، بزيادة 15 في المائة عن المستويات الحالية.

وأشار التقرير إلى ارتفاع قرارات الاستثمار النهائية في مشاريع الغاز الطبيعي المسال الجديدة خلال عام 2025. وستبدأ عمليات لنحو 300 مليار متر مكعب من الطاقة التصديرية السنوية الجديدة للغاز الطبيعي المسال بحلول عام 2030 بما يمثل زيادة بواقع 50 في المائة في الإمدادات المتاحة.

شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)

وفي ظل سيناريو السياسات الحالية، ستنمو السوق العالمية للغاز الطبيعي المسال من نحو 560 مليار متر مكعب في عام 2024 إلى 880 مليار متر مكعب في عام 2035 وإلى 1020 مليار متر مكعب في عام 2050، مدفوعة بارتفاع الطلب في قطاع الطاقة الذي يغذيه نمو مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.

وذكر التقرير أنه من المتوقع أن يصل الاستثمار العالمي في مراكز البيانات إلى 580 مليار دولار في عام 2025، وأشار إلى أنه إذا تحقق ذلك فإنه سيتجاوز مبلغ 540 مليار دولار الذي يتم إنفاقه سنوياً على إمدادات النفط على مستوى العالم.

في الختام، يمثل تغيير وكالة الطاقة نهاية لحقبة «هوس الذروة» وبداية لنهج تحليلي جديد يأمل قطاع الطاقة أن يكون أكثر استناداً إلى حقائق السوق واحتياجات التنمية العالمية.


مقالات ذات صلة

النفط يقفز بأكثر من 5% متجاوزاً رهانات السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية

الاقتصاد مضخات النفط في حقل بيلريدج في كاليفورنيا (أ.ف.ب)

النفط يقفز بأكثر من 5% متجاوزاً رهانات السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية

عاودت أسعار النفط ارتفاعها بنسبة أكثر من 5 في المائة، ‌بفعل تأثر معنويات المستثمرين سلباً بتقارير أفادت باقتراح وكالة الطاقة الدولية.

الاقتصاد تعمل مضخات النفط بينما تتوقف أخرى عن العمل في حقل بيلريدج النفطي بكاليفورنيا (أ.ف.ب)

وزراء طاقة «مجموعة السبع» مستعدون لاتخاذ «الإجراءات اللازمة» بشأن احتياطات النفط

أعلن وزراء طاقة مجموعة السبع، يوم الأربعاء، استعدادهم التام لاتخاذ «جميع الإجراءات اللازمة»، بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية لمواجهة ارتفاع أسعار النفط الخام.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد الناصر يتحدث في مؤتمر «سيرا ويك» (أرشيفية - أ.ف.ب)

رئيس «أرامكو»: «عواقب وخيمة» على أسواق النفط إذا استمر إغلاق مضيق هرمز

قال الرئيس التنفيذي لشركة «أرامكو السعودية»، أمين الناصر، يوم الثلاثاء، إن استمرار إغلاق مضيق هرمز قد يُفضي إلى عواقب وخيمة على أسواق النفط العالمية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الناصر يتحدث في أحد المؤتمرات (رويترز)

الناصر: «أرامكو» في موقع ريادي بفضل تدفقاتها النقدية القوية في 2025

أكد الرئيس التنفيذي لشركة «أرامكو السعودية»، المهندس أمين الناصر، أن الشركة اختتمت عام 2025 بتحقيق نمو قوي وتدفقات نقدية متميزة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد وزيرا الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان آل سعود والتركي ألب أرسلان بيرقدار شهدا توقيع اتفاقية شراء الطاقة بين تركيا وشركة «أكوا» السعودية في إسطنبول الجمعة (من حساب الوزير التركي في «إكس»)

تركيا والسعودية توقعان اتفاقية شاملة لشراء الكهرباء

وقّعت وزارة الطاقة والموارد الطبيعية التركية اتفاقية شاملة لشراء الكهرباء مع شركة «أكوا» السعودية العملاقة للطاقة، تتضمن إنشاء محطات ومشروعات للطاقة الشمسية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.


بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
TT

بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

شهدت الأوساط المالية العالمية، يوم الأربعاء، تحولاً دراماتيكياً في المعنويات، حيث تحولت حمى البيع التي سيطرت على شهر مارس (آذار) إلى «طوفان من الشراء».

وجاء هذا التحول مدفوعاً بتصريحات متفائلة من البيت الأبيض تشير إلى قرب نهاية الصراع في إيران، مما أدى إلى موجة صعود جماعي في بورصات آسيا وأوروبا و«وول ستريت»، فيما سجلت أسعار الطاقة تراجعاً ملحوظاً، رغم بقاء حالة الحذر من تعقيدات «ما بعد الحرب».

فقد أشعل الرئيس الأميركي دونالد ترمب شرارة التفاؤل بتصريحاته من المكتب البيضاوي، مؤكداً أن العمليات العسكرية في إيران قد تنتهي «قريباً جداً»، ربما في غضون أسبوعين أو ثلاثة. ومع إعلان البيت الأبيض عن خطاب مرتقب لترمب للأمة فجر الخميس (01:00 بتوقيت غرينتش)، سارعت الأسواق إلى تسعير نهاية قريبة للأزمة.

ورغم أن الأسواق تفاعلت إيجاباً، فإن تصريح ترمب بأن القوات الأميركية لن تعمل على «فتح مضيق هرمز» وترك المهمة لدول أخرى، أثار تساؤلات حول أمن الملاحة المستقبلي، خاصة أن خُمس تجارة النفط العالمية يمر عبر هذا الشريان الحيوي.

متداول يقدم عرضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

آسيا وأوروبا... انتفاضة خضراء

في آسيا، كان المشهد احتفالياً بامتياز؛ حيث قاد مؤشر «كوسبي» في سيول الارتفاعات بقفزة تجاوزت 8 في المائة، مدعوماً بصعود صاروخي لأسهم «سامسونغ» (13 في المائة) و«إس كيه هاينكس» (11 في المائة)، فيما أغلق مؤشر «نيكي» الياباني مرتفعاً بنسبة 5.2 في المائة.

وانتقلت العدوى الإيجابية إلى أوروبا، حيث ارتفع مؤشر «ستوكس 600» بنحو 2.1 في المائة. وكان قطاع الطيران والمصارف الرابح الأكبر؛ فقفزت أسهم «إير فرانس» بنسبة 7.9 في المائة و«لوفتهانزا» بنسبة 6.7 في المائة، مستفيدة من هبوط أسعار الوقود. كما شهدت الأسواق اليونانية خبراً إيجابياً بعودتها إلى مؤشر «إم إس سي آي» للأسواق المتقدمة بحلول مايو (أيار) 2027، مما دفع بورصة أثينا للصعود بنسبة 3.4 في المائة.

مؤشر «داكس» الألماني في بورصة فرانكفورت (رويترز)

كما ارتفعت السندات الحكومية في بريطانيا وأوروبا على نحو متسارع، ما دفع العوائد إلى التراجع. وانخفضت عوائد السندات البريطانية والألمانية لأجل 10 سنوات لليوم الثالث على التوالي، لتصل إلى أدنى مستوياتها في أسبوعين قبل أن تقلص بعض خسائرها، فيما تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار أربع نقاط أساس إلى 4.27 في المائة.

تذبذب «برميل الحرب»

لم تكن أسعار النفط العالمية بمعزل عن ضجيج الطائرات وصداها في أروقة السياسة؛ فقد عاش الذهب الأسود يوماً عاصفاً من التداولات المتذبذبة، ليهبط خام برنت دون حاجز الـ100 دولار للبرميل متراجعاً بنسبة 5 في المائة للمرة الأولى منذ أكثر من أسبوع قبل أن يقلص خسائره ويسجل 102.88 دولار للبرميل، بانخفاض قدره 1.05 في المائة.

لكن رغم انخفاض عقود نفط برنت قرب 100 دولار للبرميل، فإن هذا التراجع لا يعكس نظرة مؤسسات مالية كبرى ومسؤولين إقليميين وعالميين لمسار أسعار النفط في 2026.

فالتقديرات الصادرة من عدة جهات ترجح سيناريوهات صعود حاد، قد تدفع الخام إلى مستويات غير مسبوقة تصل إلى 200 دولار للبرميل، في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز لبضعة أسابيع أخرى وغياب حل فوري للأزمة. فيما تتمسك إدارة ترمب وحدها بالتوقعات الهبوطية للخام هذا العام.

وكالة الطاقة تحذر

وحذرت وكالة الطاقة الدولية من أن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط تتصاعد وتطول أوروبا. وقال رئيس الوكالة فاتح بيرول إن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط سترتفع خلال أبريل (نيسان)، وستطول أوروبا مع تراجع الإمدادات نتيجة إغلاق مضيق هرمز.

وأضاف بيرول: «فاقد النفط في أبريل سيكون ضعف الخسارة في مارس، إلى جانب فقدان إمدادات الغاز الطبيعي المسال... المشكلة الأكبر حالياً هي نقص وقود الطائرات والديزل. نرى ذلك في آسيا، لكن قريباً، أعتقد في أبريل أو مايو، سيصل التأثير إلى أوروبا»، وفق «رويترز».

متداول عملات يتفاعل بالقرب من شاشة تعرض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (كوسبي) (أ.ب)

الذهب يتنفس الصعداء

لم تكن سوق المعادن النفيسة بعيدة عن موجة التفاؤل التي اجتاحت الأسواق؛ فقد قفزت أسعار الذهب بنسبة 2 في المائة لتلامس أعلى مستوياتها في أسبوعين عند 4755.50 دولار للأوقية، مستفيدة من تراجع مؤشر الدولار وهبوط عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات. يأتي هذا الارتفاع بمثابة رحلة استشفاء للمعدن الأصفر بعد أن سجل في مارس الماضي أسوأ أداء شهري له منذ نحو 17 عاماً، بفعل الضغوط التضخمية الهائلة والرهانات على سياسات نقدية متشددة.

ويرى المحللون أن تحول السردية في السوق من الذهب كتحوط ضد التضخم إلى الذهب كملاذ آمن تأثر مباشرة بتلميحات الرئيس ترمب حول قرب نهاية الحرب؛ حيث أدى احتمال خفض التصعيد إلى تقليل تكلفة الفرصة البديلة لحيازة السبائك التي لا تدر عائداً.

ورغم القفزة الحالية، ظل المستثمرون في حالة ترقب لخطاب البيت الأبيض المرتقب.

شاشة تعرض معلومات مالية في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

تأثير الحرب على «الفيدرالي» وقرارات الفائدة

أعادت هذه التطورات ترتيب أوراق السياسة النقدية الأميركية؛ فبعد أن كان المستثمرون قد استبعدوا تماماً أي خفض للفائدة هذا العام بسبب التضخم الناتج عن الحرب، عادت الآمال مجدداً لإمكانية التيسير النقدي إذا ما انتهى الصراع بسرعة. وتترقب الأسواق الآن بيانات الوظائف غير الزراعية ومبيعات التجزئة للحصول على قراءة أدق لمدى صمود الاقتصاد الأميركي في وجه صدمة الطاقة الإيرانية.