منبج السورية خط تماس لصراعات خارجية

{الشرق الأوسط} تستطلع حياة الناس في مناطق الهدنة

سائقو دراجات نارية من منبج ينتظرون في طابور للحصول على الوقود
سائقو دراجات نارية من منبج ينتظرون في طابور للحصول على الوقود
TT

منبج السورية خط تماس لصراعات خارجية

سائقو دراجات نارية من منبج ينتظرون في طابور للحصول على الوقود
سائقو دراجات نارية من منبج ينتظرون في طابور للحصول على الوقود

لمْ يكن يعلم إسماعيل (53 سنة) أنّ منزله الهادئ في قرية حسن عرب، على الضفة الجنوبية لنهر الساجور شمال سوريا، سيصبح يوماً منطقة تماس بين جهتين متحاربتين، وأنه سينام كل ليلة على أصوات أزيز الرصاص والاشتباكات المتقطعة.
منذ منتصف 2016 تحولت ضفتي نهر الساجور الذي يبعد 15 كيلومتراً شمال منبج في ريف حلب الشرقي، و30 كيلومتراً جنوب الحدود التركية، إلى شريطٍ حدودي فاصل بين المناطق الخاضعة لفصائل «درع الفرات» الموالية لتركيا من جهة، وقوات مجلس منبج العسكري، المدعومة من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى.
تتبع منبج مدينة حلب، وتبعد عنها 80 كيلومتراً إلى الشمال الشرقي، كما تبعد نحو 40 كيلومتراً فقط عن الحدود التركيّة. خرجت عن سيطرة النظام الحاكم في شهر يوليو (تموز) 2012، بعد أن حررتها فصائل من الجيش السوري الحر، لتخضع صيف عام 2014 لسيطرة عناصر تنظيم داعش؛ لكن «قوات سوريا الديمقراطية» و«مجلس منبج العسكري» وبدعم من التحالف الدولي، تمكنوا من انتزاع منبج في 15 أغسطس (آب) 2016، وطرد عناصر التنظيم، بعد معارك عنيفة استمرت لأكثر من شهرين.
«فإذا ولّيت وجهك غرباً؛ ستجد عناصر (درع الفرات) برفقة جنود ومدرعات الجيش التركي، وإن ولّيته شرقاً ستلحظ تنقلات مقاتلي مجلس منبج العسكري، بصحبة الجنود الأميركيين وآلياتهم العسكرية»، يقول إسماعيل، وأضاف أنه يعيش مع زوجته وأسرته في منزلهم المطل على سهل نهر الساجور، بشكل شبه طبيعي، وأنهم اعتادوا على الوضع الجديد الذي أفرزته تقسيمات الحرب السورية، بحسب تموضع كل قوة عسكرية، إذ يشاهد يومياً تحركات الجنود على ضفتي النهر، ويضيف: «عندما تحدث اشتباكات بين الطرفين نضطر للهروب والفرار من القرية إلى مناطق آمنة مجاورة، وبعد توقفها نعود إلى المنزل»؛ لكنه يسعى جاهداً إلى متابعة حياته في ظل تقلبات المشهد الميداني في محيط منطقته، متناسياً الانقسامات والحدود المصطنعة، ويأمل أن يكون الغد أفضل من الواقع الحالي. يتابع إسماعيل كلامه بنبرة صوت مثقلة بالحزن، وهو ينظر إلى مجرى النهر شبه المنقطع الذي قسم قريته: «هذا الوضع مضى عليه نحو عام ونصف، إن شاء الله تنتهي هذه التقسيمات بسلام».
ونهر الساجور البالغ طوله 74 كيلومتراً ينبع من تركيا ويخترق الحدود السورية بمحاذاة نهر الفرات، في منطقة عين عزة التابعة لمدينة جرابلس الحدودية مع تركيا، ويقسم أراضي قرى عون الدادات، ومحسلني، وعرب حسن، وحلوانجي، وتوخاز، التابعة لمدينة منبج إلى شطرين، يخضع كل قسم إلى جهة عسكرية على عداء مع الجهة المقابلة، لينتهي النهر باندماجه مع نهر الفرات.
ويروي عدنان (42 سنة) المنحدر من قرية محسلني الواقعة شمال منبج التي تبعد عنها نحو 15 كيلومتراً، وتجاور قرية حسن عرب، كيف يتنقل يومياً من منزله الواقع في الجهة الجنوبية للقرية، ليجتاز سواتر ترابية ونقاط تفتيش، قاصداً صالون الحلاقة الخاص به، الواقع بالجهة الشمالية من القرية ذاتها، وسط إجراءات أمنية مشددة، بعدما باتت المنطقة منقسمة منذ صيف 2016، بين «درع الفرات» و«مجلس منبج»، ويقول: «يفصل نهر الساجور قريتنا إلى قسمين، وأصبحت منطقة تماس وهدفاً عسكرياً يسعى كل طرف للسيطرة عليه»، وعلى الرغم من معاناته في التنقل بين الضفتين والتي وصفها بـ«حدود النار»، يبتسم الرجل الأربعيني الذي بدت عليه علامات التقدم في السن وغزا الشيب شعره وذقنه، ويقول: «في كل مرة يوقفني الحاجز العسكري ويبدأ بالتحقيق معي عن المكان الذي أسكن فيه ومكان عملي، وبعد أن أجيبهم يسمحون لي بالعبور، والأمر ذاته عند عودتي».
ومنذ أغسطس 2016، يخضع مركز مدينة منبج وريفها لسيطرة قوات «مجلس منبج العسكري» المتحالفة مع «قوات سوريا الديمقراطية»، والأخيرة تشكّل «وحدات حماية الشعب» الكردية عمادها العسكري، فيما تسيطر فصائل «درع الفرات» المدعومة من تركيا على مدينة جرابلس المجاورة لمنبج، ومدن إعزاز ومارع والباب الواقعة شمال غربي منبج، حيث تشكل جيباً حدودياً يفصلها نهر الساجور وسهله الممتلئ بالأشجار والقصبات، في وقت تسيطر فيه القوات النظامية الموالية لبشار الأسد، على بلدة مسكنة، وتبعد عن منبج 40 كيلومتراً، وتقع جنوب غرب، وعلى بلدة الخفسة (30 كيلومتراً جنوباً) وهذه البلدات تخضع لمنبج إدارياً، إلا أنّ النزاع الدائر في سوريا منذ ربيع 2011؛ أفرز واقعاً جديداً مغايراً للتقسيمات الإدارية السابقة.

قيود مشدّدة وإجراءات لا تنتهي
في قرية عون الدادات بريف منبج الشمالي المنقسمة عسكرياً إلى شطرين هي الأخرى، تنتظر فاطمة (32 سنة) الحصول على موافقة من السلطات المحلية في منبج، للسماح لها وأبنائها بزيارة المدينة لحضور حفل زفاف شقيقها النازح فيها منذ عام. فاطمة تسكن مع زوجها المنحدر من جرابلس، وتنحدر أصولها من مدينة حمص وسط سوريا، جاءت منذ الساعة 8 صباحاً، ووقفت بصحبة عدد من النسوة اللواتي جلسنَ بالقرب من جسر قديم يفصل بين شطري قرية عون الدادات، التي أصبحت المنفذ الوحيد للعبور بين الطرفين، ينتظرنَ وصول موافقة الكفيل والأوراق المطلوبة، للسماح لهنّ بالدخول.
تروي فاطمة معاناتها قائلة: «كل شخص يرغب في الدخول إلى منبج أو مناطق الإدارة الذاتية، يجب أن يكفله مواطن من تلك المناطق. هذه الطلبات معقدة للغاية، والسبب زوجي ينحدر من جرابلس»، والأخيرة تخضع لجهة عسكرية على عداء مع الجهة المسيطرة على منبج، الأمر الذي دفع السلطات المحلية في كل منطقة إلى فرض قيود وإجراءات مشددة.
وتتمتع منبج بموقع استراتيجي مهم، إذ تعد المنطقة فاصلة بين شرق نهر الفرات وغربه، وقريبة من نهر الفرات والحدود السورية التركية شمالاً، ويمر بها الطريق الدولي الواصل إلى مدينة حلب، كما أنها تشكل عقدة الطرق المؤدية إلى مختلف مناطق الريف الشرقي والشمالي لحلب، وتتصل أراضيها مع محافظتي الرقة شرقاً والحسكة شمال شرق.
بينما ينوي إبراهيم (62 سنة) القادم من منطقة الباب الخاضعة لسيطرة فصائل «درع الفرات»، التوجه إلى مدينة حماة وسط سوريا عبر منبج؛ لأن الطرق المؤدية إلى حلب من الباب وباقي المناطق مغلقة. خرج رفقة زوجته وشقيقته بسيارته في الساعة 7 صباحاً، من منزل أحد أقربائه القاطنين هناك؛ لكن رحلته استغرقت نحو 4 ساعات بسبب كثرة انتشار نقاط التفتيش، التي دققت كثيراً على وجهة سفره «حماة»، والأخيرة خاضعة لسيطرة النظام السوري، وبعدما وصل إلى حاجز عون الدادات، ها هو ينتظر السماح له بالسفر عبر منبج إلى الطريق الدولي الواصل بينها وبين حلب ومنها سيكمل رحلته إلى وجهته حماة.
ويروي إبراهيم أنه وقبل اندلاع النزاع في سوريا، سافر إلى لبنان والأردن والعراق، واجتاز حدود هذه الدول بعد ختم جواز سفره؛ لكنه اليوم يجتاز حدود مناطق الصراع في الشمال السوري؛ واضطر للتنقل بين مناطق سيطرة ثلاث جهات عسكرية متحاربة ضد بعضها: النظام، «درع الفرات»، سوريا الديمقراطية.
وعن الحدود الجديدة والسفر عبرها، اعتبر إبراهيم أنها «مصطنعة»؛ وقد تتغير في أي لحظة. وذكر مستغربا: «فقط لا يطلبون جواز السفر؛ لكنهم يطلبون ورقة إذن سفر، ونخضع لإجراءات أمنية مملّة من كل طرف، والطريق طويل ومتعب، ونحتاج إلى 12 ساعة سفراً حتى نصل إلى منزلنا».
وفوق الجسر الفاصل بين طرفي قرية عون الدادات، توجد نقطة تفتيش تتبع قوات الأسايش، وهي عبارة عن شرطة محلية تابعة لـ«إدارة منبج المدنية»، يدقق عناصرها في الوثائق الشخصية للراغبين في السفر عبر منبج إلى باقي المناطق السورية. ويشرح عنصر الأسايش عبيد (29 سنة) أن مثل إبراهيم وغيره من المسافرين إلى حلب والداخل، تسمى العملية بـ«الترفيق»، يخضعون لإجراءات روتينية ولا يحتاجون إلى كفيل، وقال: «كل عشرين سيارة نرسل معها عناصر أسايش ترفيق إلى آخر نقطة فاصلة بيننا وبين مناطق النظام السوري، ومن هناك يكملون طريقهم إلى وجهتهم».

العلم قبل الطعام
بلغ عدد سكان منبج عام 2004 نحو مائة ألف نسمة، ومع انطلاقة الثورة السورية بشهر مارس (آذار) 2011، ارتفع عدد سكانها للضعف، وتجاوز آنذاك 200 ألف نسمة، لاستقبالها نازحين من باقي المناطق التي تعرضت للدمار والخراب جراء الحرب المستعرة في سوريا. وبعد طرد عناصر تنظيم داعش صيف 2016، أصبحت ملاذاً آمناً للنازحين، وقصدها معظم الفارين من مدينتي الرقة ودير الزور. وبحسب السلطات المحلية يعيش في المدينة ومحيطها نحو 600 ألف شخص، يشكل العرب السنة أغلبية سكان منبج، إلى جانب الأكراد والتركمان والشركس والأرمن.
تقول زهرة التي نزحت عن مدينتها حمص، إنها تسكن في منبج منذ 7 سنوات، بعدما تعرض منزلها للدمار، وتتمنى: «ألا تتعرض هذه المدينة لحرب ثانية، فبعد طرد عناصر (داعش) عادت عجلة الحياة وتحسنت الظروف، لا نريد لأي مدينة سورية الخراب؛ لأننا هربنا منها».
وتشهد حركة الأسواق في منبج ازدهاراً وانتعاشاً اقتصادياً، حيث باتت بوابة التجارة بين المناطق الخاضعة لسيطرة النظام في حلب غرباً، ومناطق سيطرة «درع الفرات» شمالاً، والإدارة الذاتية الكردية شرقاً. وقال سكان في المدينة إن المزاج العام مع بقاء إدارة المدينة مستقلة.
وأخبر فاروق الماشي، رئيس المجلس التشريعي في منبج، وينتمي إلى عشيرة البوبنا العربية، أن إدارة المدينة مستقلة لا تخضع لأي جهة، وغير مرتبطة بفدرالية شمال سوريا، وقال في لقائه مع صحيفة «الشرق الأوسط»: «النظام الفيدرالي هو الحل الأمثل لبلد مزقته نيران الحرب والتقسيمات العسكرية؛ لكننا فضلنا أن تكون إدارتنا مستقلة، هذا الأمر بيد شعب ومكونات منبج».
ولم يخف الشيخ الماشي أن الإدارة المدنية في منبج تلقت الدعم من الإدارة الذاتية الكردية، على مستوى الخبراء والمستشارين، وكيفية تشكيل المجالس واللجان الخدمية، وتفعيل الهيكليات الإدارية، وقال: «كما أنّ التحالف الدولي وأميركا يقدمان لنا الدعم المادي، ويشرفان على تدريب القوات العسكرية وجهاز الشرطة»، ودعا الماشي إلى علاقة حسن جوار مع باقي المناطق، وزاد: «منبج كباقي المناطق السورية، بانتظار حل سياسي شامل، وانتهاء حقبة الحرب، وعودة السلام إلى كل أرجاء البلاد».
ومنذ بداية 2017 تدير منبج إدارة مدنية، ويتشكل المجلس التنفيذي من 13 هيئة ولجنة خدمية، منها الصحة والتعليم وقوات الأمن الداخلي وهيئة العدالة وغيرها، وشكلت الإدارة جهازاً للشرطة وللمرور، يتلقى التدريب والدعم العسكري من التحالف الدولي. واللافت عمل المرأة وحضورها في جهاز الشرطة والمرور، وجميع الوظائف والمواقع الإدارية والخدمية.
وفي لقائها مع صحيفة «الشرق الأوسط»، أكدت زينب قنبر رئيسة المجلس التنفيذي، أنّ لجنة الصحة قامت بتأهيل مشفى «الفرات» المركزي، وشرحت: «نقوم بترميم وتجهيز الطابق الثالث ليصبح مستشفى عاماً يستقبل جميع الحالات المرضية»، وكشفت قنبر أن المنهاج المدرسي المعتمد في مدارس منبج هو المنهاج السوري الحكومي، الصادر عن مديرية التربية والتعليم في دمشق. وأضافت قائلة: «لكن اللجنة حذفت مادة القومية، وبعض الدروس التي تمجد الشخصيات والحزب الحاكم».
وبحسب رئيسة المجلس التنفيذي لمنبج، قدم طلاب الشهادات الإعدادية والثانوية العامة والشرعية امتحاناتهم في مدينة حلب في المدارس الحكومية، العام الفائت، وتم تصديق شهاداتهم من وزارة التربية، وقالت: «منذ تأسيس الإدارة المدنية رفعنا شعار (العلم قبل الطعام)، وعلى هذا الأساس تحركنا للحفاظ على مستقل الطلاب، ونأمل في أن تكون دورة العام الجاري مثل العام الماضي»، وتابعت حديثها: «يوجد اليوم 5200 معلم ومعلمة على رأس عملهم، يدرسون 132 ألف طالب وطالبة في مدراس منبج، ولا يوجد طالب خارج المدرسة، وهذا بحد ذاته تحدّ لنجاح عملنا».
كما توجد في منبج قاعدة أميركية تتولى مهمة تسيير دوريات بشكل يومي، بهدف مراقبة مناطق التماس الفاصلة بين مجلس منبج العسكري، وفصائل «درع الفرات» الموالية لتركيا، وتشرف هذه القاعدة على تدريب القوات العسكرية وتسليحها، وتقديم الدعم المادي واللوجستي والاستشاري.
وقال شرفان درويش، المتحدث الرسمي باسم «مجلس منبج العسكري» لـ«الشرق الأوسط»، إن: «الولايات المتحدة والتحالف الدولي أكدوا لنا أنهم سيلتزمون بحماية المناطق التي حرروها من قبضة تنظيم داعش، ومستمرون بالدفاع عنها وتقديم الدعم العسكري»، وشدد درويش على انسحاب مقاتلي وحدات حماية الشعب من منبج إلى شرق نهر الفرات، وأضاف: «أميركا والتحالف أشرفوا على الانسحاب، وسلموا مواقعها العسكرية إلى مجلس منبج العسكري».

صراع أميركي - تركي
تحولت منبج ومدن الشمال السوري إلى مركزٍ رئيسي في الحرب السورية على مدار الأشهر الماضية، إذ انخرطت معظم أطراف الصراع الدولية والإقليمية هناك بصورة أو بأخرى، فتركيا تخشى من توسع نفوذ «وحدات حماية الشعب» الكردية، وربط مناطق نفوذها شرق نهر الفرات بغربه، وتتهم أنقرة الوحدات بأنها امتداد لحزب العمال الكردستاني المحظور لديها.
واعتبر محللون أتراك أن لا أطماع للدولة التركية في سوريا. وأوضح أحدهم: «تركيا تركت الأوضاع تسير بحسب مجرياتها الداخلية في سوريا لسنوات؛ لأنها تعمل على تأمين حدودها الجنوبية، وأن تكون منطقة آمنة لأهلها في سوريا»؛ لكن تركيا أعلنت أنها لن تسمح بإقامة دولة كردية شمال سوريا، وشدد الكاتب كول: «تحركات تركيا كي لا تجد جارها الجنوبي دولة كردية معادية لها أولاً، ولكي لا تقوم هذه الدولة الكردية على حساب الشعب العربي السوري ثانياً، لذلك تكفلت بدعم الجيش السوري الحر، وكل الفصائل السورية التي تدافع عن حقوقها القومية والوطنية شمال سوريا».
وتتهم تركيا الوحدات الكردية بعدم خروجها من منبج، على الرغم من العهود الأميركية في نقلهم إلى شرق نهر الفرات. وترد الوحدات وفصائل محلية مسلحة في منبج، بأن الوحدات غادرت المدينة بعد تحريرها، لكن تركيا تقول إن ذلك لم يحدث، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة التي تقدم الدعم العسكري والجوي لـ«مجلس منبج العسكري» و«قوات سوريا الديمقراطية» في دحر تنظيم داعش، إلى نشر قوة عسكرية من أفرادها يرابطون في منبج ومحيطها، لضمان عدم وقوع اشتباك بين مختلف الأطراف المتصارعة في المنطقة، والخطوة الأميركية تلت تهديدات تركيا بمهاجمة المدينة.
وتعهد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مراراً بأن قوات بلاده؛ ستتوجه بعد الانتهاء من معركة عفرين إلى منبج، وصولاً إلى الحدود العراقية؛ لكن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب حذرت تركيا من الهجوم على منبج، ودعت إلى ضبط النفس، وإلى أن تكون عملية عفرين محدودة، وألا يطول أمدها، ويجب عدم وقوع ضحايا بين المدنيين.
من جانبه، يرى الكاتب والمحلل الكردي السوري خورشيد دلي، أنّ أمرين أساسيين وقفا أمام تركيا لتحقيق هدفها المعلن في منبج، أي إخراجها من سيطرة مجلس منبج العسكري. وأوضح: «الأمر الأول أن الولايات المتحدة نشرت قوات لها في المدينة ومحيطها، وهو ما صعّب مهمة التدخل العسكري التركي؛ نظراً إلى أن مثل هذا الأمر سيؤدي إلى صدام مباشر مع القوات الأميركية، وهو ما لا ترغب فيه تركيا».
أما الأمر الثاني «أنه في ظل احتمال المواجهة بين قوات (درع الفرات) و(قوات سوريا الديمقراطية) في منبج؛ وافقت الأخيرة على تسليم مجموعة من القرى - تقع شمال غربي منبج - إلى قوات النظام السوري بحماية روسية. وأصبحت هذه القرى بمثابة شريط عسكري فاصل بين الأطراف المتناحرة، وبالتالي فإن أي تحرك عسكري تركي سيصطدم بالقوات النظامية السورية، وهو ما لا ترغب فيه تركيا أيضاً».
وطالب إردوغان مراراً الولايات المتحدة الأميركية بمغادرة قواتها المتمركزة في مدينة منبج شمال سوريا، واتهمت أنقرة واشنطن بعدم الوفاء بتعهداتها بإخراج المقاتلين الأكراد، وبالعمل ضد مصالحها في سوريا.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.