السبت - 26 جمادى الآخرة 1438 هـ - 25 مارس 2017 مـ - رقم العدد13997
نسخة اليوم
نسخة اليوم 2017/03/25
loading..

لا خيار إلا القطار

لا خيار إلا القطار

الاثنين - 23 جمادى الأولى 1438 هـ - 20 فبراير 2017 مـ رقم العدد [13964]
نسخة للطباعة Send by email
لا تذهب إلى خزائن أجدادك إن دهمك المرض. تلك العقاقير انتهت مدة صلاحيتها. والأمراض كما العلاجات أكثر تعقيدًا.
دع أجدادك يرتاحون في نومهم الشاسع، ولا تتوهم أن عليك المثول يوميًا بين أيديهم، لتظهر عرفانك وولاءك. ولتؤكد أنك صورة طبق الأصل عنهم. وأنهم يتحدثون عبرك. وأنك تستعير حناجرهم.
أنا لا أقول أن تتنكر لهم. أو أن تستقيل من الانتماء إليهم. أو تعتبرهم عبئًا ثقيلا على أيامك. أنا أقصد أنك في زمانك ومكانك. وأفضل وفاء لأجدادك هو أن تكون مخلصًا لأبنائك وأحفادك.
لا تستسلم لهذا الوافد من كهوف القرون الماضية. دوي العيون الخائفة والأيدي القابضة على الخناجر. دوي الحروب العرقية والطائفية والمذهبية. ولا تجتذبك انتصارات أسست على الشطب والإلغاء والترحيل ومحو الآثار. روّض وحش العصبية في عروقك. لا تلتحق بحروب لا تنجب إلا الركام والجنائز والفقر.
لا تهدر العمر في التفجع على «الزمن الجميل». لا جدوى من التحسر على بيروت يوم كانت رائدة ونموذجًا للتعايش والنوافذ المفتوحة. بكاؤك على عاصمة الأمويين لا يوفر رغيفًا لسوري يهاجمه الجوع في خيمة على شفير بلاده. رثاؤك لعاصمة العباسيين لا يرد الأمل إلى العراقي الذي ينظر مشدوهًا إلى بلاده تنتقل من هاوية إلى هاوية. من ويل مستبد إلى ويلات مستبيحين. لا تبدد وقتك في هجاء العقيد وعهده. ولا تسقط في شهوة استرجاعه. الماضي مضى وانقضى. وخير وفاء لأجدادك أن تكون مخلصًا لأحفادك.
القصة بسيطة وحاسمة في آن. العصر يقرع بابك فلا تتهرب. عبثًا تُحكم إقفال النوافذ. لا تهرم في العتمة.
العصر يقرع ويستدعيك. انظر إلى الهاتف النائم في جيبك. كل أخبار القرية الكونية حاضرة فيه. كل هذه الثورات المتلاحقة. آراء السياسيين وأرقام الخبراء. صور الانفجارات وأرقام الميزانيات. قصائد المتنبي ومستجدات عالم الروبوتات.
لا تتوهم أن كل هذه الثورات لا تعنيك. وأنك تستطيع التمتع بثمارها من دون أن تغير أسلوبك وأفكارك وخياراتك. الإصرار على التعلق بعالم الفشل سلوك انتحاري بامتياز.
ولا مبالغة في القول إن الغرق في عالم الفشل والإصرار على الإقامة فيه أخطر من «داعش» وسائر الأمراض لأنه ينجبها ويبررها. الفشل في بناء مدرسة عصرية وجامعة عصرية. الفشل في بناء المؤسسات. الفشل في اللحاق بالثورات التكنولوجية المفتوحة. الفشل في الخروج من زنازين الخوف والاعتقاد أن تسرب هواء العصر يطيح هويتك وطمأنينتك.
العصر يقرع بابك. ثمة حروب جديدة. حروب على الفقر والجهل والتخلف. وللمشاركة فيها عليك أن تتغير وأن تتعلم وتتدرب وتتكيف. كل عصر لا تشارك في صناعته سيقيم على حسابك. وربما تكون ضحيته.
إن القطار سيمر حتمًا. وعليك الاستعداد للامتحان. والالتفات إلى الجنرالات الجدد. جنرالات التقدم والأرقام والابتكار. أنت لست مجرد ابن للخريطة التي ولدت فيها. أنت أيضا ابن القرية الكونية. وقارة «فيسبوك» التي يقترب عدد مواطنيها من المليارين.
ليتك تقرأ ما قاله جنرال «فيسبوك» ومؤسسها مارك زوكربرغ عن اهتمام الشبكة بـ«تعزيز الازدهار والحرية والترويج للسلام وفهم الآخر وانتشال الناس من دوامة الفقر وتسريع تقدم العلوم (...)».
سيمر القطار وإن تأخر. وعليك أن تدفع ثمن تذكرة الصعود إليه. أعرف جاذبية اللغة القديمة. والخوف من مراجعة القناعات الموروثة. والتمزق الذي قد ينتابك. لكن لا بد من أن تصعد كي لا تخسر. والأمر نفسه بالنسبة إلى بلادك.
لا يجوز لحروب الماضي والحاضر أن تمنعك من الانخراط في حروب المستقبل. وهي حروب جديدة يقودها جنرالات جدد. حروب تخاض بالأرقام لا بالأوهام. لا خيار إلا القطار.
أنا مثلك أحب حرير الماضي. وأرض أجدادي. وقصائد المتنبي. وحكايات بغداد. لكن لا خيار إلا القطار.

التعليقات

ناظر لطيف
20/02/2017 - 03:56

جميل جدا أبدعت سيدي، علينا الاستعداد وركوب القطار فهذا ما نحتاجه اليوم، على مفكرينا وصحفينا استنهاض هذه الروح، علينا عمل كبير في دحر الفقر وايجاد فرص العمل وتطوير صناعتنا وزراعتنا وتعليمنا واسلوب حياتنا، علينا تطوير افكارنا وأحلامنا، علينا ان نحب بعضنا دون النظر الى خلاف الماضي خلاف الأجداد فكلنا من اب وأم وكلنا بشر، علينا نبذ كل ما يفرقنا، علينا العمل بروح الفريق لكي ننجح جميعنا ونزدهر جميعنا ونسعد جميعنا. شكرا لك

بشير عباس التليلي
البلد: 
تونس
20/02/2017 - 06:11

روعة يا استاذ شربل. كتاباتك دروس ليت الصحافيين ينتبهون لقيمتها. انا كاتب صحفي ولي زاويتي الخاصة في صحيفة تونسية وألاحق باستمرار مقالات الاستاذ شربل لأستفيد وأتعلم منها. ليت جميع الكتاب يفعلون مثلي. غسان شربل كاتب، أديب أخذته الصحافة من الأدب. فانتبهوا يا معشر كتاب الصحافة. مقالاته فرصة لكم. فتعلموا.

مخلص وهبه
20/02/2017 - 09:06

حتى لو سافر القطار بعيدا ابعد من ارضك وارض اجدادك وابعد من مقابر عائلتك قاوم موت اولادك واولاد اولادك واترك صور الماضي والحاره العتيقه والبلد الطيب وعين الماء وذكرى استقلال بلادك اترك كل شي وسافر الى البعيد حتى ياتي يوم العوده سيمر القطار سريعا وستكون مستعدا ارفع نصوص الكتاب عاليا والقلم عاليا وابحر بهاتفك بعيدا واحضر ما يهم امرك وامر بلدك وامر حارتك وامر اطفالك اليك لا تمازجهم وهم داخل الكهوف دعهم وارحل ولا تقترب حتى لو تعالت اصواتهم هم تاريخ لن يعود وانت الاتي انت من اعتلى القطار وارتاد العصر ومعالم العصر انت القادم مع الحقائب حقائب الامل اياك والماضي انظر الى اطفالك واكتب على مدخل بيتك انك الزائر الجديد بزمن العوده الى الحاضر المشرق قريبا

أنين "بردى"
البلد: 
سوريا
20/02/2017 - 10:48

إن كان ثمة بكاء في عاصمة الأمويين يا سيدي فهو "عليها" لما آلت إليه و ليس لما كانت عليه. و بدلاً من "جنرالات التقدم و الأرقام و الإبتكار" حلّ بها جنرالات الإستبداد و القسوة و الظلام.
لكن القطار سيمر و لو تأخر. و سيتم الصعود إليه لكن التذكرة كانت باهظة الثمن.

احمد محمد
البلد: 
مصر
21/02/2017 - 20:36

آلت اليه نتيجة للبكاء على الماضي و التمسك به،،، من الجميع،،،، ولكن ايا كانت الطرف لابد للقطار إلا ان يسير

د. محمد عبدالباري القدسي
البلد: 
اليمن
20/02/2017 - 10:53

كلمات من ذهب، ولن أزيد.

محمد شاكر محمد صالح
البلد: 
KSA
20/02/2017 - 15:52

إن قطار حياه الشعوب الغربية والشرقية قديما كان يقوده سائقون غير مؤهلين لذلك عاش الغرب فترة طويلة في حروب وصراعات أدت الي مقتل ملايين من البشر وتلك الشعوب لم تيأس أو تنهزم، إنما أصرت علي الحياة والتطوير والتغيير، فقاموا بتغيير من يقود قطار حياتهم بسائقين مهرة محترفون في شتى التخصصات، فلذلك وصلوا لما هم فيه الآن من تطور في شتى المجالات، ونحن العرب أغلبنا لم يخترع شيئا جديدا للأسف الشديد، وسارت معظم الدول على هواها الشخصي في شتى المجالات والنتيجة مخيبة للآمال والطموحات بالرغم من أننا نمتلك جميع المصادر سواء مادية أو بشرية أو طبيعية لكي نكون قادة العالم في مختلف المجالات لذلك أري أن قطار التغيير والتنمية لدولنا متربط بساسة تلك الدول هل هم فعلا يريدون ذلك أم لا

عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
20/02/2017 - 23:04

حسناً سوف نستقل هذا القطار، ولكن إلى أين يتجه بنا؟ هذا هو السؤال، قبل أن تركب القطار يجب أن يكون لديك فكرة عن مساره والمحطات التي سوف يتوقف عندها والأهم هو في المحطة الأخيرة له عندما بًطلب من جميع الركاب الذين تبقوا الترجل، من الخطأ الهروله والركوب في أي قطار لمجرد أنه سوف يمر بمحطتنا دون نعرف أين سوف يتجه بنا.