لماذا تبقى أسوأ الذكريات عالقة في أذهاننا فترة طويلة؟

الأحداث السلبية تُحفر في ذاكرتنا بوضوح مذهل (أ.ف.ب)
الأحداث السلبية تُحفر في ذاكرتنا بوضوح مذهل (أ.ف.ب)
TT

لماذا تبقى أسوأ الذكريات عالقة في أذهاننا فترة طويلة؟

الأحداث السلبية تُحفر في ذاكرتنا بوضوح مذهل (أ.ف.ب)
الأحداث السلبية تُحفر في ذاكرتنا بوضوح مذهل (أ.ف.ب)

مع الأسف الشديد، يُمكن للأحداث السلبية أن تُحفر في ذاكرتنا بوضوح مذهل، وغالباً ما تبقى الذكريات السيئة أكثر وضوحاً من الذكريات السعيدة. ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعنيّ بالصحة النفسية والعقلية، يتفق علم النفس التطوري وعلم الأعصاب على فكرة محورية واحدة؛ وهي أن «تذكر ما يؤذينا عملية تكيف عميقة». فلقد طوَّر الدماغ البشري، الذي تشكّل بفعل تحديات البقاء، آليات تُعطي الأولوية لتشفير واسترجاع التجارب السلبية.

وكشفت الدراسات العصبية أن الذكريات العاطفية، خصوصاً السلبية منها، تُنشّط مناطق دماغية مُحددة بشكل أقوى من الذكريات المحايدة أو الإيجابية. وعلاوة على ذلك، تُشير الدراسات الجينية إلى أن الأفراد قد يختلفون في مدى وضوح تذكرهم للأحداث المؤلمة بناءً على وظيفة الجينات المرتبطة بالذاكرة، التي قد تُسهم في حالات مثل اضطراب ما بعد الصدمة. وتؤكد هذه الرؤى أنه قد لا يكون هناك «مكان» واحد في الدماغ للذكريات السيئة، بل شبكة متخصصة ومترابطة تُعالج الأمور ذات الأهمية العاطفية.

أمر بديهي!

من منظور تطوري، يُعد التركيز على الذكريات السلبية أمراً منطقياً وطبيعياً، إذ إن تذكّر أن نوعاً معيناً من الطعام يسبب التقيؤ، أو أن حيواناً مفترساً يتربص بالقرب من مصدر مائي، يعد عاملاً حاسماً في تعزيز فرص البقاء على قيد الحياة. وفي حين أن الذكريات الإيجابية تُفيد الترابط الاجتماعي والرفاهية على المدى الطويل، فإنها لا تحمل الأهمية نفسها لشخص يحاول البقاء حياً. وهكذا، فضّل الانتقاء والتطور الطبيعي الأنظمة المعرفية «المتحيزة للسلبية»، وهي ظاهرة تكون فيها الكائنات الحية أكثر انسجاماً مع المحفزات السلبية وتتأثر بها.

وتدعم الأبحاث المتعلقة بالذاكرة التكيفية هذه الفكرة بشكل أكبر. ففي التجارب، يتذكر المشاركون الذين يُشفّرون المعلومات في سيناريوهات البقاء التفاصيل بشكل أكثر فاعلية، خصوصاً عندما يتضمن المحتوى تهديدات أو نتائج سلبية. هذا التحيز ليس عيباً بل سمة متطورة من سمات الإدراك البشري، مصممة لحمايتنا من تكرار الأخطاء التي قد تكون قاتلة.

أثر الصدمة أقوى

وغالباً ما تكون الشدة العاطفية في الذكريات السعيدة أقل حدةً مقارنةً بالصدمات. ويرى عالم الأعصاب الأميركي جيمس ماكغرو أن أنظمة ذاكرة الدماغ مُصممة على «الشدة»، وهي سمة يُثيرها الخوف أو الفقدان بسهولة أكبر من الرضا، وفي حين أننا قد نُقدِّر غروب الشمس الجميل أو لحظة عاطفية، فإن هذه الذكريات عادةً ما تفتقر إلى الأثر العصبي الدائم الذي قد تُخلفه الصدمة.

وفي النهاية، فإدراك أن أدمغتنا قد تطوّرت للتركيز على الذكريات السلبية قد يكون مُمكناً، ورغم أننا لا نستطيع التخلص تماماً من هذا التحيز، فإنه يمكننا التخفيف من تأثيره من خلال ممارسات مدروسة. وتُخفف أساليب مثل التأمل الذهني والمواظبة على تدوين اليوميات للامتنان أو الاستمتاع باللحظات السعيدة من تأثير تحيّز الدماغ للذكريات السلبية.


مقالات ذات صلة

مفاجأة تحت الماء: أسماك القرش تسمع من مسافة 75 متراً

يوميات الشرق أسنانها ظاهرة... وحواسها أكثر إثارة (أ.ف.ب)

مفاجأة تحت الماء: أسماك القرش تسمع من مسافة 75 متراً

لطالما ساد اعتقاد بأنّ أسماك القرش لا تستطيع التقاط الأصوات إلا من مسافات قريبة، لكنّ دراسة جديدة تُفنّد هذا التصوّر الشائع...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق العجلات ثلاث... والأصفار أكثر (أ.ف.ب)

20 دقيقة بألف دولار... عربات نيويورك السياحية تُثير الغضب

ناقش مُشرّعون في نيويورك مشروع قانون لتنظيم عربات الدواسات السياحية ذات العجلات الثلاث، المنتشرة بكثافة في المناطق السياحية...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)

ثورة في قياس الزمن... علماء يصنعون أول ساعتين نوويتين في العالم

طور فريق علمي في فيينا وآخر في بكين أول ساعتين نوويتين عاملتين، في ما وصفاه بأنه تقدم مهم في مجال قياس الوقت يبشر بتطبيقات عملية واسعة النطاق.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق التقدير الصحي للذات قد يعود بالنفع على العلاقات (بيكسباي)

لماذا تُعد عبارة «أحبب نفسك أولاً» خرافةً في العلاقات؟

ربما تكون قد سمعت من قبل نصيحة: «عليك أن تحب نفسك قبل أن تتمكن من حب الآخرين»... فهل هي الأساس الأفضل لبناء العلاقات أم أن هناك نهجاً آخر؟

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
منحنيات أصولية كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)

«قلبي مليان بحكايات» تستعيد اليوم الأخير في حياة داليدا

تستعيد مسرحية «داليدا... قلبي مليان بحكايات» اليوم الأخير في حياة المطربة العالمية، وتقدِّم قراءة درامية لمشاعر الوحدة والخذلان التي سبقت وفاتها.

انتصار دردير (القاهرة)

مفاجأة تحت الماء: أسماك القرش تسمع من مسافة 75 متراً

أسنانها ظاهرة... وحواسها أكثر إثارة (أ.ف.ب)
أسنانها ظاهرة... وحواسها أكثر إثارة (أ.ف.ب)
TT

مفاجأة تحت الماء: أسماك القرش تسمع من مسافة 75 متراً

أسنانها ظاهرة... وحواسها أكثر إثارة (أ.ف.ب)
أسنانها ظاهرة... وحواسها أكثر إثارة (أ.ف.ب)

لطالما ساد اعتقاد بأنّ أسماك القرش لا تستطيع التقاط الأصوات إلا من مسافات قريبة، لكنّ دراسة جديدة تُفنّد هذا التصوّر الشائع، وتكشف عن أنّ هذه المفترسات البحرية قادرة على سماع الأصوات من مسافات بعيدة نسبياً تحت الماء، وتحديد الاتجاه الذي تأتي منه.

ووفق الدراسة، يستطيع قرش الطرف الأسود التقاط الأصوات من مسافة تصل إلى نحو 75 متراً، ويستجيب لها بتغيير اتجاهه سريعاً. ونظراً إلى أن هذه القروش تتجمَّع موسمياً قبالة سواحل جنوب شرقي فلوريدا، فإنها تتيح للباحثين فرصة نادرة لمراقبتها وهي تسبح بحرية في مياه ضحلة، وصافية.

وتتجمع أعداد كبيرة من أسماك قرش الطرف الأسود سنوياً على امتداد ساحل مقاطعة بالم بيتش.

وأرسى الباحثون قارباً في المياه الضحلة قبالة شاطئ مقاطعة بالم بيتش، ثم أنزلوا مكبّراً للصوت تحت الماء وتركوه ينجرف مع التيار لمسافة تصل إلى 19 متراً، للحدّ من تأثير القارب في الحيوانات البحريّة.

للصمت في الأعماق آذان (أ.ف.ب)

واختبر الفريق 3 نطاقات من الأصوات منخفضة التردّد، وعالية الشدة، تراوحت بين 100 و200 هرتز، وبين 200 و400 هرتز، وبين 400 و800 هرتز، إلى جانب صوت تجريبي بتردد 10 كيلوهرتز، يقع خارج نطاق السمع المعروف لدى أسماك القرش. وهدفت التجربة إلى إخافة الأسماك، ودفعها إلى الاستجابة، وليس جذبها إلى مصدر الصوت.

ورسم الباحثون خريطة لمستويات الصوت على مسافات مختلفة، للتأكد من طبيعة الأصوات التي كانت أسماك القرش تسمعها عند استجابتها.

وفي الوقت عينه، تولّت طائرة مسيّرة، من ارتفاع يتراوح بين 40 و50 متراً فوق سطح الماء، تتبّع حركة أسماك القرش، فيما استُخدم تحليل تسجيلات الفيديو لقياس المسافات التي بدأت عندها الأسماك بالاستجابة، ورصد التغيّرات في اتجاه سباحتها.

وأظهرت النتائج أنّ أسماك القرش تمكّنت من رصد الأصوات منخفضة التردُّد من مسافة تصل إلى 74 متراً، وهي أبعد بكثير مما أمكن إثباته سابقاً في ظروف مماثلة.

كما غيَّرت الأسماك مسارها سريعاً مبتعدة عن مصدر الصوت، ممّا يشير إلى قدرتها على تحديد اتجاهه.

وقال أحد مؤلفي الدراسة التي نقلتها «الإندبندنت» عن دورية «إنتغراتيف أورغانيزمَل»، ستيفن كاجيورا: «يشير ذلك إلى أنها تلتقط حركة الجزيئات المرتبطة بالصوت حتى على مسافات كبيرة من مصدره، وهو أمر لم نتمكن سابقاً من إثباته لدى أسماك قرش تسبح بحرّية».

وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لأنّ أسماك القرش، خلافاً لكثير من الأسماك العظمية، لا تمتلك مثانات سباحة مملوءة بالغاز، وهي عضو يمكن أن يساعد الأسماك على رصد ضغط الصوت.

وبدلاً من ذلك، يبدو أنّ أسماك القرش تعتمد على أذنها الداخلية، بما فيها بنية متخصّصة تتيح لها رصد الحركة والاهتزازات التي يولّدها الصوت خلال انتقاله عبر الماء.

ويأمل الباحثون في إجراء مزيد من الدراسات لفهم كيفية تمكين الجهاز الحسي لدى أسماك القرش هذه المفترسات من التقاط الأصوات البعيدة، وتفسيرها.

ويرون أنّ الدراسة تُضيء أيضاً على أهمية دراسة أسماك القرش في بيئتها الطبيعية، بدلاً من الاكتفاء بالتجارب عليها داخل أحواض المختبرات.

وقالت إحدى مؤلفات الدراسة، كارولين سوليفان: «إن إجراء تجارب السمع داخل حوض يؤدّي إلى ارتداد الصوت عن الجدران، ممّا ينتج إشارات معقدة ومربكة». وأضافت: «الأمر يشبه أن تكون داخل منزل مليء بالمرايا».

وختمت الدكتورة سوليفان: «لهذا السبب، من المهم جداً إجراء هذا النوع من التجارب في المحيط، وعلى أسماك قرش برّية، للحصول على استجابة طبيعية».


20 دقيقة بألف دولار... عربات نيويورك السياحية تُثير الغضب

العجلات ثلاث... والأصفار أكثر (أ.ف.ب)
العجلات ثلاث... والأصفار أكثر (أ.ف.ب)
TT

20 دقيقة بألف دولار... عربات نيويورك السياحية تُثير الغضب

العجلات ثلاث... والأصفار أكثر (أ.ف.ب)
العجلات ثلاث... والأصفار أكثر (أ.ف.ب)

ناقش مُشرّعون في نيويورك، الأربعاء، مشروع قانون لتنظيم عربات الدواسات السياحية ذات العجلات الثلاث، المنتشرة بكثافة في المناطق السياحية، مثل تايمز سكوير وسنترال بارك، والتي أثارت انتقادات متزايدة بسبب الازدحام والضوضاء المفرطة والأسعار الباهظة.

وذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية» أنّ مجلس مدينة نيويورك يناقش سلسلة إجراءات لتنظيم هذه المركبات، التي غالباً ما تُزيَّن بأضواء النيون وتصدح منها الموسيقى، بينما تنقل الزوار في أنحاء مانهاتن.

ويبلغ الحدّ الأقصى لعدد عربات الدواسات المسموح بتشغيلها في نيويورك 840 عربة، لكن أرقاماً عُرضت خلال جلسة استماع للمجلس أظهرت أن نحو 1500 عربة تعمل حالياً في المدينة، لا تحمل التراخيص القانونية منها سوى 330 عربة.

وقد يؤدّي استغلال السياح والمبالغة في الأسعار إلى مطالبة زوار لا يدركون التكلفة بدفع أكثر من 1000 دولار مقابل رحلات لا تتجاوز مدّتها 20 دقيقة.

وقالت عضوة مجلس المدينة غيل بروير، التي تقف وراء جانب كبير من الإجراءات المقترحة، إنّ المدينة تلقّت 172 شكوى تتعلَّق بعربات الدواسات خلال عام 2025.

وأضافت: «نصف هذه الشكاوى، أي 86 شكوى، كانت تتعلَّق بفرض رسوم زائدة، بينما تعلقت 35 شكوى أخرى بمُشغلين غير مرخّصين. وربما كان العدد أكبر، لأنّ السياح في كثير من الأحيان لا يتقدّمون بشكاوى».

وتدفع بروير نحو وضع «قواعد أكثر وضوحاً» لهذا القطاع، وتسعى إلى إخضاعه لإشراف لجنة سيارات الأجرة والليموزين في المدينة.

وقالت: «يحتاج الركاب إلى معرفة المبلغ الذي سيدفعونه، ومعرفة الجهة المسؤولة عن عربة الدواسات التي يستقلونها»، مضيفة أنّ المركبات ينبغي أن تكون مجهَّزة بعدّادات تُظهر تكلفة الرحلة.

ويقترح إجراء تنظيمي آخر تحديد تعرفة ثابتة تُحتسب بالدقيقة.

كما تدعو بروير إلى إخضاع السائقين لتدريب يركّز على القواعد المعمول بها حالياً ومتطلبات السلامة.

وفي السياق نفسه، نقل عضو المجلس هارفي إبستين شكاوى من جهات عاملة في قطاع المسرح بشأن الضوضاء.

وقال: «هذا الأمر لا يصبُّ في مصلحة عروض برودواي التي تتعرض للمقاطعة بسبب الضوضاء الصاخبة المنبعثة من عربات الدواسات خارج مسارحها».

ومن بين القواعد الجديدة المُقتَرحة، حظر توقّف هذه العربات على مسافة تقل عن 15 متراً من مداخل تلك المسارح ومخارجها.


لماذا يبدو بعض الأشخاص أكثر انضباطاً؟ السر ليس في قوة الإرادة

أكثر الناس انضباطاً يدركون أن الاعتماد على قوة الإرادة وحدها ليس استراتيجية مضمونة على المدى الطويل (بيكسلز)
أكثر الناس انضباطاً يدركون أن الاعتماد على قوة الإرادة وحدها ليس استراتيجية مضمونة على المدى الطويل (بيكسلز)
TT

لماذا يبدو بعض الأشخاص أكثر انضباطاً؟ السر ليس في قوة الإرادة

أكثر الناس انضباطاً يدركون أن الاعتماد على قوة الإرادة وحدها ليس استراتيجية مضمونة على المدى الطويل (بيكسلز)
أكثر الناس انضباطاً يدركون أن الاعتماد على قوة الإرادة وحدها ليس استراتيجية مضمونة على المدى الطويل (بيكسلز)

قد تعتقد أن الأشخاص الذين يلتزمون بنظام غذائي صحي، أو يواظبون على ممارسة الرياضة، أو ينجحون في الادخار، كلهم يتمتعون بقوة إرادة استثنائية تجعلهم قادرين على مقاومة الإغراءات باستمرار. لكن ما يبدو انضباطاً خارقاً قد يكون في الحقيقة نتيجة استراتيجية أبسط وأكثر فاعلية: تنظيم الحياة بطريقة تجعل الخيارات الصحيحة أسهل، وتقلل الحاجة إلى مقاومة الخيارات الخاطئة.

فبدلاً من خوض معركة يومية مع النفس، يعتمد كثير من الأشخاص الأكثر نجاحاً وانضباطاً على أنظمة وعادات وقيود يضعونها لأنفسهم مسبقاً، بحيث لا يضطرون إلى استنزاف طاقتهم الذهنية في اتخاذ القرارات نفسها مراراً.

وفي مقال نشرته شبكة «سي إن بي سي» يوضح الكاتب والمتحدث والمدرب بن مير أن السر لا يكمن في امتلاك مخزون أكبر من قوة الإرادة، بل في معرفة متى نستخدمها، وكيف نبني بيئة تساعدنا على تحقيق أهدافنا من دون الاعتماد عليها طوال الوقت.

لماذا لا تكفي قوة الإرادة وحدها؟

تخيل أنك وضعت قطعة حلوى شهية في مطبخك. ربما تنجح في مقاومتها في المرات الأربع الأولى التي تمر فيها بجانبها. لكن مع تكرار الإغراء قد تستسلم في النهاية وتتناولها.

يميل معظمنا إلى تفسير مثل هذه المواقف بأنها دليل على ضعف قوة الإرادة، وكأن الأشخاص الناجحين يمتلكون قدرة استثنائية على ضبط النفس لا تتوفر لدى الآخرين.

غير أن حتى أكثر الناس انضباطاً يدركون أن الاعتماد على قوة الإرادة وحدها ليس استراتيجية مضمونة على المدى الطويل.

ولهذا يتعاملون معها كما لو كانت «مالاً مخصصاً للطوارئ»؛ فمن الجيد الاحتفاظ به لمواجهة الظروف غير المتوقعة، لكن ليس من الحكمة إنفاقه على الاحتياجات اليومية التي يمكن التخطيط لها مسبقاً.

ولفهم الفكرة، تخيل صديقاً لا يجد صعوبة في الالتزام بنظام غذائي صحي. عندما يعود إلى منزله منهكاً بعد يوم عمل شاق لا يضطر إلى مقاومة رغبته في تناول قطعة حلوى موضوعة أمامه، لسبب بسيط: إنه لم يضع تلك الحلوى في منزله من الأساس.

وبهذه الطريقة يحتفظ بقدرته على ضبط النفس لمواجهة الإغراءات التي لا يستطيع التحكم فيها مسبقاً، مثل العثور على قطع من كعك «الكب كيك» في استراحة المكتب.

وهكذا، فإن ما يبدو للآخرين انضباطاً استثنائياً ليس بالضرورة نتيجة مقاومة مستمرة للرغبات، بل ثمرة تصميم ذكي للبيئة المحيطة.

استخدم قوة إرادتك مرة واحدة... لتوفرها لاحقاً

تقوم هذه الاستراتيجية على استثمار قدر من الجهد والانضباط في البداية لإنشاء أنظمة تجعل القرارات الجيدة تلقائية، أو أسهل تنفيذاً في المستقبل.

فعوضاً عن الاعتماد على قوة الإرادة في كل مرة تواجه فيها موقفاً متكرراً، يمكنك اتخاذ قرار واحد يخفف عنك عبء عشرات القرارات اللاحقة.

على سبيل المثال:

بدلاً من الحيرة كل مساء بشأن وجبة العشاء، خصص وقتاً واحداً لتخطيط وجبات الأسبوع مسبقاً، حتى لا تضطر إلى اتخاذ القرار يومياً وأنت متعب، أو جائع.

بدلاً من الاعتماد على قدرتك على تجاهل إشعارات الهاتف، اضبط أدوات حظر التطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي خلال ساعات العمل، لتجنب الإغراء من الأساس.

بدلاً من انتظار الحافز النفسي للادخار، فعّل التحويلات المالية التلقائية إلى حسابات الاستثمار والتقاعد، بحيث يصبح الادخار إجراءً منتظماً لا يتطلب قراراً جديداً كل شهر.

ويطلق مير على هذه الممارسات اسم «القيود المختارة»، وهي مجموعة من الحدود والحواجز الوقائية التي يضعها الشخص لنفسه بإرادته، بدلاً من أن يفرضها عليه الآخرون.

والهدف منها ليس تقييد الحرية، بل تسهيل الالتزام بالقرارات التي اتخذها الشخص بالفعل، ومساعدته على تحقيق تغيير حقيقي، ومستدام.

أولاً: صمّم بيئتك لتجعل الخيارات الجيدة أسهل

يمكن للبيئة المحيطة أن تعمل لمصلحتك، أو ضدك، حتى من دون أن تنتبه إلى تأثيرها في قراراتك اليومية.

فكّر في عدد المرات التي يتحدد فيها سلوكك بناءً على سهولة الوصول إلى شيء ما، أو صعوبته.

إذا كان حذاء الجري مدفوناً في أعماق خزانة الملابس، فقد يصبح الاستعداد لممارسة الرياضة أكثر صعوبة، ما يزيد احتمال التخلي عنها.

ومن هنا تأتي أهمية ما يُعرف بـ«القيود البيئية» التي تقوم على إعادة ترتيب المساحات والأدوات المحيطة بك، بحيث تصبح السلوكيات المفيدة سهلة التنفيذ، بينما تتطلب العادات التي تريد الحد منها جهداً إضافياً.

واللافت أن تطبيق هذه الفكرة لا يحتاج بالضرورة إلى تغييرات كبيرة؛ فقد تكفي بضع دقائق من إعادة التنظيم لإحداث فرق ملموس.

ويورد مير مثالاً لامرأة عاملة تحذف جميع تطبيقات التواصل الاجتماعي من هاتفها، بحيث لا تستطيع استخدامها إلا من خلال تسجيل الدخول عبر جهاز الكمبيوتر المكتبي.

هذا العائق البسيط لا يمنعها تماماً من الوصول إلى تلك المنصات، لكنه يجعل استخدامها يتطلب قراراً واعياً، بدلاً من فتحها تلقائياً، وتصفحها بلا هدف على مدار اليوم.

ويقدم الكاتب مثالاً آخر من تجربته الشخصية، إذ أزال البطاريات من جهاز التحكم عن بُعد الخاص بالتلفاز، ووضعها في مكان بعيد، في الطرف الآخر من المنزل.

وبذلك لم يعد تشغيل التلفاز فعلاً تلقائياً يمكن القيام به بضغطة زر؛ بل أصبح يتطلب النهوض والذهاب لإحضار البطاريات، وهو ما يمنحه فرصة للتفكير فيما إذا كان يريد المشاهدة فعلاً.

وتستند هذه الطريقة إلى حقيقة بسيطة: إننا نميل عادةً إلى اختيار المسار الأقل مقاومة.

ولذلك عندما تصمم هذا المسار عن قصد، يمكن أن تدفعك البيئة المحيطة نحو قرارات أفضل، من دون الحاجة إلى استنزاف قوة إرادتك في كل مرة.

القيود الزمنية تخلق شعوراً بالإلحاح يساعد على اتخاذ القرار والبدء في التنفيذ (بيكسلز)

ثانياً: استخدم القيود الزمنية لزيادة الإنتاجية

لا تقتصر فائدة القيود المختارة على تعديل البيئة المادية، بل يمكن تطبيقها أيضاً على الطريقة التي ننظم بها وقتنا.

فعندما لا يكون للمهام موعد نهائي واضح، قد تستمر إلى أجل غير محدد، بينما تبقى بعض المشاريع عالقة في مرحلة «شبه منتهية» لفترات طويلة.

وهذه الفكرة تتفق مع «قانون باركنسون»، الذي ينص على أن العمل يتمدد ليشغل كامل الوقت المتاح لإنجازه.

ويشير مير، بروح من الدعابة، إلى أنه لا يزال ينتظر الوقت المناسب لتنظيم صوره الرقمية التي التقطها عام 2019، مضيفاً أنه ربما ينجز هذه المهمة في يوم من الأيام.

ويعكس هذا المثال مشكلة مألوفة: عندما لا يوجد موعد محدد لإنجاز مهمة ما، يصبح تأجيلها أسهل، حتى لو لم تكن معقدة.

أما القيود الزمنية، فتخلق شعوراً بالإلحاح يساعد على اتخاذ القرار، والبدء في التنفيذ، ويحد من الميل إلى إطالة العمل، أو تأجيل الانتهاء منه.

ومن الأمثلة على ذلك مدير تنفيذي يحدد مدة الاجتماعات بـ45 دقيقة بدلاً من الساعة المعتادة.

فوجود وقت أقصر يدفع المشاركين إلى التركيز على الموضوعات الأساسية، وتجنب الاستطراد، والوصول إلى القرارات بصورة أسرع.

ويطبق مير المبدأ نفسه في نشرته البريدية التي تحمل اسم «System Sunday»، أو «نظام الأحد».

فاسم النشرة يفرض عليه موعداً نهائياً ثابتاً للنشر، هو يوم الأحد من كل أسبوع؛ إذ إن إصدارها في يوم آخر سيجعل اسمها يفقد معناه.

ثالثاً: استفد من القيود الاجتماعية لتعزيز الالتزام

هناك نوع آخر من القيود لا يتعلق بالمكان، أو الوقت، بل بالأشخاص الذين نحيط أنفسنا بهم.

فمن أقوى الدوافع التي قد تشجع الإنسان على الوفاء بالتزاماته رغبته في عدم خذلان شخص آخر يعتمد عليه، أو يتابع تقدمه.

وتستفيد «القيود الاجتماعية» من هذا الدافع عبر إشراك أشخاص موثوقين في متابعة الأهداف والخطط، بما يعزز الشعور بالمسؤولية، ويجعل التراجع عن الالتزام أقل سهولة.

ويستشهد مير بالممثل هيو جاكمان، الذي يتبع عادة صباحية تقوم على كتابة وصف ليومه المثالي بصيغة توحي بأنه قد حدث بالفعل.

فقد يكتب على سبيل المثال: «قضيت أنا وابني اليوم أفضل ساعة معاً ونحن نضحك...».

وبعد كتابة هذا الوصف، يرسله جاكمان إلى مدربه المتخصص في تطوير العقلية والأداء الذهني.

ويقول جاكمان في تفسيره لهذه الممارسة: «نحن جميعاً بحاجة إلى أن نكون مسؤولين أمام شخص ما».

وبالطبع لا يمتلك الجميع مدرباً خاصاً لمتابعة أهدافهم، لكن يمكن تطبيق المبدأ نفسه بطرق أبسط وأكثر ملاءمة للحياة اليومية.

فإذا كنت تستعد للمشاركة في سباق ماراثون، على سبيل المثال، يمكنك إرسال خطة تدريبك اليومية إلى صديق تثق به كل صباح.

وعندما يسألك ذلك الصديق في نهاية اليوم: «كيف سارت الأمور؟»، يصبح لديك حافز إضافي لتنفيذ الخطة، لأن التزامك لم يعد أمراً تحتفظ به لنفسك فقط.

ولا يتعلق الأمر هنا بالخوف من انتقاد الآخرين، بقدر ما يتعلق بخلق شكل من أشكال المساءلة الإيجابية التي تساعد على الاستمرار، خصوصاً في الأيام التي يتراجع فيها الحماس.

لكن احذر... إعلان أهدافك للجميع قد يأتي بنتائج عكسية

رغم أهمية الدعم الاجتماعي، فإن مشاركة الأهداف لا تكون مفيدة دائماً، وقد تؤدي أحياناً إلى نتائج معاكسة لما تتوقعه.

ويشير مير إلى أبحاث أظهرت أن الإعلان العلني عن بعض الأهداف قد يقلل احتمالات تحقيقها في ظروف معينة.

ويعود أحد التفسيرات المحتملة لذلك إلى أن الحديث عن الهدف والحصول على استحسان الآخرين قد يمنحان الشخص شعوراً مبكراً بالإنجاز، حتى قبل أن يبدأ العمل الفعلي لتحقيقه.

وهذا الشعور قد يضعف الدافع إلى بذل الجهد المطلوب، لأن جزءاً من المكافأة النفسية المرتبطة بالنجاح يتحقق بمجرد الإعلان عن النية.

ولهذا لا ينصح الكاتب بمشاركة الأهداف مع الجميع، بل اختيار الأشخاص الذين يمكنهم تقديم دعم حقيقي، ومتابعة عملية.