ترمب يُدخل البنتاغون شريكاً في ثروة فنزويلا النفطية

خطة سريَّة تمنح واشنطن حصة 35 % في شركة تملك حقوق تطوير 65 مليار برميل

ألسنة اللهب تتصاعد من مداخن الاحتراق في مصفاة أمواي في لوس تاكيس فنزويلا (أ.ب)
ألسنة اللهب تتصاعد من مداخن الاحتراق في مصفاة أمواي في لوس تاكيس فنزويلا (أ.ب)
TT

ترمب يُدخل البنتاغون شريكاً في ثروة فنزويلا النفطية

ألسنة اللهب تتصاعد من مداخن الاحتراق في مصفاة أمواي في لوس تاكيس فنزويلا (أ.ب)
ألسنة اللهب تتصاعد من مداخن الاحتراق في مصفاة أمواي في لوس تاكيس فنزويلا (أ.ب)

كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن تفاصيل خطة غير مسبوقة لإدخال الحكومة الأميركية، عبر وزارة الدفاع «البنتاغون»، مستثمراً مباشراً في قطاع النفط الفنزويلي، في اتفاق جاء بعد أشهر من المفاوضات السرية ويمنح واشنطن حصة في شركة خاصة ترتبط بحقوق تطوير أحد أكبر احتياطيات النفط المؤكدة في العالم.

وبموجب الاتفاق الذي أعلن عنه الجمعة، تستحوذ الحكومة الأميركية على حصة سلبية تبلغ 35 في المائة في شركة «نورث أميركان بلو إنرجي بارتنرز» الخاصة، التي يقودها رجل الأعمال الفنزويلي أليخاندرو بيتانكورت، بينما تحصل واشنطن على حقوق تفضيلية لشراء 20 في المائة من إنتاج الشركة بسعر التكلفة، وفقاً لأشخاص شاركوا في المفاوضات.

وتأتي الصفقة بعد أشهر من سعي إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى تحويل وعوده المتكررة بتأمين النفط الفنزويلي للولايات المتحدة إلى واقع، في وقت أحجمت فيه شركات الطاقة الأميركية الكبرى عن ضخ الاستثمارات بالسرعة والحجم اللذين كانت الإدارة الأميركية ترغب فيهما.

البنتاغون يدخل قطاع النفط

وتشكل الصفقة تحولاً لافتاً في دور الحكومة الأميركية، إذ ستنتقل واشنطن من دور الوسيط الذي يشجع الشركات الأميركية على الاستثمار في فنزويلا إلى دور المستثمر نفسه.

وتعتزم وزارة الدفاع، من خلال مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لها، هيكلة الاستثمار باستخدام أدوات مالية تعرف باسم «مذكرات الضمان» أو «Penny Warrants»، بما يمنح الحكومة الأميركية حصة في الشركة من دون الحاجة إلى ضخ رأسمال كبير، بحسب الأشخاص المطلعين على الاتفاق.

وسيمتلك البنتاغون في نهاية المطاف حصة الحكومة الأميركية وحقوق شراء النفط في المشروع، في توسُّع غير معتاد لدوره في قطاع الطاقة، وإن كان مكتب رأس المال الاستراتيجي يتمتع بصلاحيات محدودة لإبرام صفقات تستهدف دعم القطاعات ذات الصلة بالأمن القومي الأميركي.

ناقلة نفط تبحر قبالة سواحل ماراكايبو فنزويلا (إ.ب.أ)

65 مليار برميل نفط

وتمنح الصفقة الشركة الخاصة حقوقاً تمتد لنحو قرن لتطوير 17 حقلاً نفطياً في فنزويلا، تقدر احتياطياتها بنحو 65 مليار برميل، أي ما يعادل نحو خُمس احتياطيات البلاد.

وقال شراينر باركر، الشريك في شركة «ريستاد إنرجي»، إن الاتفاق يمكن أن يوفر للولايات المتحدة احتياطيات نفطية استراتيجية تفوق، في حال نجاحه واستمراره عبر الحكومات الفنزويلية المقبلة، ما حققته «ثورة النفط الصخري» الأميركية، لكنه حذَّر من أن تحويل الاحتياطيات إلى إنتاج فعلي سيتطلب وقتاً واستثمارات كبيرة.

استثمار يتجاوز 100 مليار دولار

وقالت نائبة الرئيس الفنزويلي السابقة والرئيسة المؤقتة للبلاد ديلسي رودريغيز إن الاتفاق سيجلب أكثر من 100 مليار دولار من الاستثمارات، إلى جانب أكثر من 209 مليارات دولار من الضرائب وآلاف الوظائف، بما يساعد على إعادة بناء صناعة النفط الفنزويلية.

لكن «وول ستريت جورنال» أشارت إلى أن الاتفاق أثار ارتباكاً بين بعض المسؤولين الأميركيين والتنفيذيين في قطاع النفط، فضلاً عن انتقادات داخل فنزويلا، خصوصاً بشأن طبيعة الاتفاق ومدى قدرته على الصمود أمام أي حكومة فنزويلية مستقبلية.

انتقادات قانونية

ويثير الاتفاق أيضاً تساؤلات قانونية، إذ يرى منتقدون أن ترتيبه يتعارض مع دستور فنزويلا لعام 1999، الذي ينص على ملكية الدولة لاحتياطيات النفط وعدم جواز بيعها.

كما يواجه الاتفاق انتقادات بسبب ارتباطه بالحكومة الفنزويلية الحالية، التي تضم مسؤولين غير منتخبين أبقتهم إدارة ترمب في السلطة بعد الإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو.

وقال دييغو أريا، وزير سابق وسفير فنزويلي سابق يعيش في المنفى بالولايات المتحدة، إن الاتفاق «غير دستوري» لأنه يبرم مع حكومة يعتبرها غير شرعية، متهماً واشنطن بالسعي إلى السيطرة على النفط الفنزويلي.

بيتانكورت في قلب الصفقة

وتتولى شركة «نورث أميركان بلو إنرجي بارتنرز» تنفيذ المشروع بقيادة رجل الأعمال الفنزويلي أليخاندرو بيتانكورت، الذي يتمتع بعلاقات وثيقة مع رودريغيز وكان وسيطاً في صفقات الطاقة داخل فنزويلا.

وأشارت الصحيفة إلى أن بيتانكورت واجه تحقيقات جنائية في إسبانيا وسويسرا بشأن مزاعم غسل أموال، من دون توجيه اتهامات رسمية إليه، بينما أصبحت شركته خلال العامين الماضيين ثاني أكبر منتج نفط خاص في فنزويلا بعد «شيفرون».

واختارت إدارة ترمب شركته باعتبارها في موقع يمكنها من تنفيذ المشروع، نظراً إلى وجودها بالفعل في فنزويلا وعلاقات رئيسها الوثيقة مع مسؤولين حكوميين هناك.

لماذا لجأت واشنطن إلى البنتاغون؟

جاء الاتفاق بعد أن حاولت إدارة ترمب إقناع شركات نفط أميركية كبرى، بينها «إكسون موبيل» و«كونوكو فيليبس»، بالعودة إلى حقول النفط الفنزويلية وإعادة تشغيل الإنتاج بسرعة.

لكن المفاوضات تحركت ببطء، وبقيت شركات عدة مترددة في ضخ استثمارات كبيرة في البنية التحتية النفطية المتدهورة في فنزويلا، بسبب المخاوف الأمنية والقانونية.

ومع تصاعد الحرب مع إيران والضغوط التي خلفتها على إمدادات الطاقة العالمية، ازدادت حاجة إدارة ترمب إلى تأمين مصدر طويل الأجل للنفط في نصف الكرة الغربي، بحسب أشخاص مطلعين على المفاوضات.

كما سعت الإدارة إلى تقديم الصفقة باعتبارها وسيلة لحماية الأميركيين من تداعيات اضطرابات الشرق الأوسط، ولا سيما ارتفاع أسعار الوقود، قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

ناقلة نفط تبحر قبالة سواحل ماراكايبو فنزويلا (إ.ب.أ)

إنتاج فنزويلا لا يزال محدوداً

ورغم ضخامة الاحتياطيات، فإن فنزويلا ليست حالياً من كبار منتجي النفط العالميين. وتنتج البلاد نحو 1.1 مليون برميل يومياً، وهو مستوى يقارب إنتاج ولاية نورث داكوتا الأميركية.

ويرى محللو النفط أن إعادة الإنتاج إلى مستويات أعلى ستستغرق سنوات، مما يعني أن الصفقة لن تؤدي سريعاً إلى انخفاض أسعار البنزين في الولايات المتحدة كما وعد ترمب.

وقال إد هيرس، الخبير الاقتصادي في مجال الطاقة بجامعة هيوستن، إن فكرة أن تدعم الحكومة الأميركية منافساً رئيسياً لشركات النفط الأميركية تثير تساؤلات بشأن طبيعة الدور الذي تلعبه واشنطن في السوق.

صفقة تثير قلق شركات النفط

وتشعر شركات النفط الأميركية التي تدرس العودة إلى فنزويلا بالقلق من احتمال اضطرارها إلى منافسة شركة خاصة مدعومة من الحكومة الأميركية وتمتلك حقوقاً في مساحات واسعة من حقول النفط الفنزويلية.

كما يخشى قطاع النفط من أن تتمكن حكومة فنزويلية جديدة من الطعن في الاتفاق أمام القضاء، بما قد يقوض ثقة المستثمرين في أي صفقات جديدة داخل البلاد.

في المقابل، أكَّدت الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز أن بلادها تحتفظ بملكية مواردها وسيادتها عليها بموجب الاتفاق الجديد، في محاولة لطمأنة الرأي العام وسط انتقادات بشأن طبيعة الصفقة ودور الولايات المتحدة في قطاع النفط.

وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن الاتفاق يمثل «انتصاراً ضخماً»، وإنه سيؤمن النفط منخفض التكلفة في نصف الكرة الغربي ويساعد على خفض أسعار الوقود للأميركيين.

اتفاق طويل الأمد في بلد يعاني أزمة اقتصادية

وتراهن إدارة ترمب على أن هيكلة الاتفاق من خلال شركة خاصة ستجعل من الصعب على الحكومات الفنزويلية المقبلة إلغاؤه أو مصادرة أصوله، إذ يرى المشاركون في المفاوضات أن حكومة جديدة ستكون أقل ميلاً إلى مصادرة شركة خاصة مرتبطة باتفاق دولي طويل الأمد.

لكن هذه الرؤية تواجه اعتراضات داخل فنزويلا، حيث اتهم منتقدون إدارة ترمب بإضفاء الشرعية على حكومة غير منتخبة مقابل الحصول على نفوذ واسع على الموارد النفطية للبلاد.

وفي ظل الحرب مع إيران وتداعياتها على أسواق الطاقة، تعكس الصفقة تحولاً أوسع في السياسة الأميركية تجاه فنزويلا، من الضغط السياسي والعقوبات إلى الانخراط المباشر في إعادة تشكيل قطاع النفط والاستثمار فيه، مع وضع مصالح الطاقة والأمن القومي الأميركي في قلب العلاقة الجديدة بين واشنطن وكاراكاس.


مقالات ذات صلة

النفط يتراجع مع موازنة مخاطر الإمدادات والتوترات في الشرق الأوسط

الاقتصاد  مدخنة حرق الغازات الثانوية في مصفاة توا للنفط في كاواساكي (أ.ب)

النفط يتراجع مع موازنة مخاطر الإمدادات والتوترات في الشرق الأوسط

تراجعت أسعار النفط بأكثر من دولار في التعاملات المبكرة، الخميس، مع موازنة المستثمرين بين مخاطر الإمدادات والمساعي الأميركية لخفض تكاليف النقل.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
العالم أميركا تقترح رفع التجميد عن بعض الأصول السيادية الروسية في محاولة لإحياء محادثات إنهاء الحرب الأوكرانية (أ.ب) p-circle

أميركا تقترح رفع التجميد عن أصول روسية لدفع محادثات إنهاء حرب أوكرانيا

ذكرت صحيفة أميركية، الأربعاء، أن واشنطن اقترحت على الدول الأوروبية رفع التجميد عن بعض الأصول السيادية الروسية في محاولة لإحياء محادثات إنهاء حرب أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي رجل يعبئ سيارته بالوقود في محطة بنزين بدمشق كإجراء احترازي وسط الحرب الدائرة في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)

«البنزين المغشوش» يثير المخاوف من مازوت متدني الجودة

الشركة السورية للبترول رفضت مؤخراً تفريغ ناقلتي «مازوت» بسبب مخالفتهما الشروط المطلوبة، وفق ما كشف مدير إدارة الإعلام في الشركة السورية للبترول عدي الصطوف

سعاد جرَوس (دمشق)
الاقتصاد شعار شركة «إيني» الإيطالية (رويترز)

«إيني» الإيطالية: على الاتحاد الأوروبي تعليق نظام تداول انبعاثات الكربون

قال كلاوديو ديسالزي الرئيس التنفيذي لشركة «إيني»، الأربعاء، إن على الاتحاد الأوروبي تعليق نظام تداول انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
الاقتصاد صهاريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في منشأة هامرفست بالنرويج (رويترز)

الاتحاد الأوروبي يؤجل تطبيق قواعد الميثان على واردات النفط والغاز لمدة عام

اقترحت المفوضية الأوروبية، الأربعاء، تأجيل تطبيق قواعد الاتحاد الأوروبي المتعلقة بانبعاثات الميثان الناجمة عن واردات النفط والغاز لمدة عام واحد.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

صندوق النقد يتوقع تعافي اقتصادات الشرق الأوسط إلى 6.6% في 2027

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أرشيفية- رويترز)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أرشيفية- رويترز)
TT

صندوق النقد يتوقع تعافي اقتصادات الشرق الأوسط إلى 6.6% في 2027

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أرشيفية- رويترز)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أرشيفية- رويترز)

توقّع صندوق النقد الدولي تعافي اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان إلى نمو بنسبة 6.6 في المائة في عام 2027، بعد انكماش متوقع بنسبة 1.3 في المائة في العام الحالي، في ظل التداعيات الاقتصادية للحرب في الشرق الأوسط واضطرابات إنتاج الطاقة والتجارة، التي خلّفت آثاراً متفاوتة بين دول المنطقة.

وقال جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق، إن الاقتصادات المتأثرة مباشرة بالنزاع تواجه ضغوطاً شديدة، في حين أظهرت اقتصادات أخرى في المنطقة، إلى جانب معظم دول القوقاز وآسيا الوسطى، قدرة أكبر على الصمود. وأوضح أن مسار التعافي يعتمد بدرجة أساسية على سرعة عودة إنتاج الطاقة والتجارة إلى طبيعتهما، وقدرة الدول على الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي.

وتأتي التوقعات بعد نمو اقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان بنسبة 3.3 في المائة في 2025، بما يعكس حجم الصدمة المتوقعة خلال العام الحالي، قبل ارتداد قوي في العام المقبل. غير أن أزعور أكد أن التوقعات الإجمالية تخفي تفاوتاً كبيراً بين اقتصادات المنطقة، وأن التعافي لن يكون متساوياً بين الدول.

تفاوت بين مصدّري النفط ومستورديه

وأوضح أزعور أن الدول المصدّرة للنفط التي تأثرت مباشرة باضطرابات الطاقة والتجارة ستواجه انكماشاً ملحوظاً في 2026، رغم أن ارتفاع أسعار النفط سيوفر بعض الدعم لأوضاعها المالية والخارجية. ومن المتوقع أن يقود التعافي التدريجي في الإنتاج والتجارة إلى انتعاش قوي في نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال 2027، إلا أن مستويات الإنتاج ستظل دون المسار الذي كان متوقعاً قبل اندلاع النزاع.

في المقابل، حافظ النشاط الاقتصادي في الدول المستوردة للنفط ضمن المنطقة على قدر من المرونة خلال 2026، ومن المتوقع أن يستمر ذلك. وأسهمت تحويلات العاملين في الخارج وإيرادات السياحة والأوضاع المالية الميسّرة والدعم الحكومي في الحد من الأثر الفوري للصدمة، وإن كانت الهوامش المتاحة أمام السياسات الاقتصادية تتقلص.

وتوقّع الصندوق ارتفاعاً معتدلاً في التضخم لدى هذه الاقتصادات خلال 2026، قبل أن يتراجع تدريجياً في الفترة اللاحقة.

سفينة شحن الحاويات «هوي فا» التي ترفع العلم الصيني تمر عبر خليج عمان قبالة سواحل خور فكان في إمارة الشارقة (أ.ف.ب)

مخزونات أقل ومخاطر أكبر

وأشار أزعور إلى أن أثر صدمة الطاقة كان أقل حدة مما أوحت به التقديرات الأولية، بفضل الفوائض المتراكمة قبل الحرب، وإنتاج الدول غير الخليجية، وطرق النقل البديلة، وتكيّف الطلب، والسحب من المخزونات. لكنه حذّر من أن هذه العوامل وفّرت وقتاً للتكيّف، من دون أن تكون موارد مستدامة، إذ تراجعت المخزونات المتاحة وضاقت الطاقة الإنتاجية الفائضة، ما يجعل الأسواق أكثر عرضة لارتفاعات أكبر في الأسعار إذا تجددت الاضطرابات.

وعدّ استمرار الحرب لفترة أطول الخطر الأبرز على التوقعات، محذراً من أن أي اضطرابات إضافية في إنتاج الطاقة أو طرق الشحن أو البنية التحتية الحيوية ستضعف النشاط الاقتصادي لدى مصدّري النفط في الخليج، وتزيد الضغوط التضخمية، وتفاقم الضغوط على الأوضاع المالية والخارجية في أنحاء المنطقة.

كما حذّر من أن تشديد الأوضاع المالية العالمية قد يضعف الطلب ويرفع تكاليف الاقتراض ويزيد الضغوط على العملات، خصوصاً في الاقتصادات التي تواجه احتياجات كبيرة لتمويل الدين السيادي أو تعتمد على التمويل الخارجي. وتظل الاقتصادات منخفضة الدخل والهشة الأكثر تعرضاً لهذه المخاطر، في ظل اعتمادها على واردات الغذاء ومحدودية الحيز المالي، بالتزامن مع تراجع المساعدات الإنمائية الرسمية.

دعوة إلى دعم موجّه وإعادة بناء الهوامش المالية

ودعا أزعور صانعي السياسات إلى إعطاء الأولوية لاستقرار الأسعار والاستدامة المالية، مع استخدام السياسة النقدية خط الدفاع الأول عند ظهور ضغوط تضخمية، وتكاملها مع سياسة مالية حصيفة، ولا سيما في الدول محدودة الموارد المالية.

وشدّد على أهمية إعادة بناء الهوامش المالية لمواجهة الصدمات المستقبلية، من خلال تعزيز الإيرادات المحلية ورفع كفاءة الإنفاق وتطوير الأطر المالية، محذراً من اللجوء إلى الدعم الواسع النطاق، ومفضّلاً تقديم مساعدات نقدية مؤقتة وموجّهة إلى الفئات الأكثر تضرراً، بما يحافظ على كلفة التدخل ضمن حدود الموازنات.

وعلى المدى الطويل، أكد أهمية المؤسسات القوية والأطر النقدية الموثوقة واستقلالية البنوك المركزية، إلى جانب تنويع التجارة وتعميق التكامل الإقليمي وتعزيز القدرة على تبنّي التقنيات الجديدة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، لرفع الإنتاجية ودعم النمو.

وأشار أزعور إلى أن صندوق النقد الدولي وافق، منذ 2020، على تمويل بنحو 48 مليار دولار لدول المنطقة، كما نفّذ خلال السنة المالية 2026 نحو 437 مشروعاً للمساعدة الفنية وبناء القدرات في 31 دولة. ومن المقرر أن يصدر الصندوق تقريره الإقليمي الكامل في 22 أكتوبر (تشرين الأول) في دبي، متضمناً تقييماً أكثر تفصيلاً للتطورات الاقتصادية وأولويات السياسات.


صندوق النقد الدولي يحذّر من تباطؤ نمو آسيا تحت ضغط صدمة الطاقة والعوائد

أحد الحاضرين يمر أمام لافتة معروضة داخل قاعة انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد ومجموعة البنك الدولي في بانكوك (أ.ف.ب)
أحد الحاضرين يمر أمام لافتة معروضة داخل قاعة انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد ومجموعة البنك الدولي في بانكوك (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي يحذّر من تباطؤ نمو آسيا تحت ضغط صدمة الطاقة والعوائد

أحد الحاضرين يمر أمام لافتة معروضة داخل قاعة انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد ومجموعة البنك الدولي في بانكوك (أ.ف.ب)
أحد الحاضرين يمر أمام لافتة معروضة داخل قاعة انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد ومجموعة البنك الدولي في بانكوك (أ.ف.ب)

توقّع صندوق النقد الدولي تباطؤ النمو الاقتصادي في آسيا العام المقبل، محذّراً من مخاطر متزايدة ناجمة عن صدمة الطاقة المرتبطة بالحرب مع إيران، واحتمال تصحيح طفرة الذكاء الاصطناعي، وانتقال تداعيات ارتفاع عوائد السندات العالمية إلى الأسواق الآسيوية.

وقال الصندوق، في تقرير عن آفاق منطقة آسيا والمحيط الهادئ صدر الخميس خلال اجتماعاته السنوية في بانكوك، إن الغموض المحيط بمسار السياسة النقدية الأميركية قد يبقي الأسواق المالية الآسيوية عرضة للتقلبات، في وقت تتزايد فيه الضغوط على أسعار الصرف وتدفقات رؤوس الأموال.

وأشار التقرير إلى أن أسعار الصرف وتدفقات رؤوس الأموال أصبحت أكثر تقلباً منذ صدمة الطاقة هذا العام، مع تعرض عملات عدد من الاقتصادات الناشئة لضغوط انخفاض القيمة. ورغم استمرار متانة تدفقات الاستثمار الأجنبي إلى المنطقة عموماً، تزامنت هذه التدفقات مع خروج بعض الاستثمارات من محافظ مالية، بما في ذلك أسهم التكنولوجيا الكورية الجنوبية.

ورجّح الصندوق أن ينمو اقتصاد آسيا بنسبة 4.8 في المائة في 2026 و4.4 في المائة في 2027، وهي توقعات أعلى من تقديراته الصادرة في أبريل (نيسان)، لكنها تعكس تباطؤاً مقارنة بنمو بلغ 5 في المائة في 2025.

وعزا الصندوق رفع توقعاته جزئياً إلى استفادة الاقتصادات الآسيوية المتقدمة من طفرة الذكاء الاصطناعي، متوقعاً تسارع نموها إلى 3.2 في المائة في 2026، مقابل 2.5 في المائة العام الماضي. في المقابل، يُرجح أن يتباطأ نمو الاقتصادات الآسيوية الناشئة إلى 5.1 في المائة، مقارنة بـ5.6 في المائة في 2025، بفعل أثر ارتفاع أسعار الطاقة.

وحذّر التقرير من أن المخاطر المحيطة بآفاق النمو تميل إلى الجانب السلبي، خصوصاً إذا طال أمد الصراع في الشرق الأوسط، بما قد يبقي أسعار السلع الأولية مرتفعة ويستنزف الاحتياطيات النفطية. كما أن أي تراجع في الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي قد يضغط على النمو العالمي، مع احتمال أن تكون تداعياته أشد في آسيا بسبب انكشافها الكبير على سلاسل إنتاج هذه التقنيات.

ضغوط على عوائد السندات والمالية العامة

وحذّر الصندوق من أن استمرار ارتفاع العوائد العالمية أو حدوث اضطرابات في أسواق الدين لدى الاقتصادات الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة وبريطانيا ومنطقة اليورو واليابان، قد تنتقل تداعياته إلى أسواق السندات الآسيوية، وترفع تكاليف الاقتراض وتفاقم مواطن الضعف في المالية العامة.

وقال التقرير إن ارتفاع الدين العام واحتياجات الاقتراض في أجزاء واسعة من المنطقة يجعلان الأوضاع المالية أكثر عرضة للتشدد المفاجئ، الذي قد يزيد أعباء خدمة الدين ويضغط على الموازنات الحكومية.

وفي إحاطة صحافية، شدّد كريشنا سرينيفاسان، مدير إدارة آسيا والمحيط الهادئ في الصندوق، على ضرورة استمرار تركيز البنوك المركزية على استقرار الأسعار، رغم بقاء توقعات التضخم طويلة الأجل مستقرة إلى حد كبير في المنطقة.

وقال إن على البنوك المركزية التواصل بوضوح والاستعداد لتشديد السياسة النقدية عندما تكون توقعات التضخم أقل رسوخاً، أو الأطر النقدية أقل مصداقية، أو الضغوط التضخمية أكثر استمراراً، مؤكداً ضرورة الحفاظ على استقلالية البنوك المركزية.

وأضاف سرينيفاسان أن بقاء الدين العام أعلى من مستويات ما قبل الجائحة يحدّ من قدرة الحكومات على زيادة الإنفاق. ودعا إلى أن تكون التدابير المالية محددة الأهداف ومؤقتة، محذّراً من اللجوء إلى دعم شامل لأسعار الوقود أو فرض قيود على الأسعار، لما قد يترتب عليهما من تكاليف أعلى.


موجة بيع لأسهم التكنولوجيا تهبط بالبورصات الآسيوية مع تصاعد مخاوف التضخم

متداول يمر إلى جانب شاشة إلكترونية تعرض مؤشر «كوسبي» في سيول (رويترز)
متداول يمر إلى جانب شاشة إلكترونية تعرض مؤشر «كوسبي» في سيول (رويترز)
TT

موجة بيع لأسهم التكنولوجيا تهبط بالبورصات الآسيوية مع تصاعد مخاوف التضخم

متداول يمر إلى جانب شاشة إلكترونية تعرض مؤشر «كوسبي» في سيول (رويترز)
متداول يمر إلى جانب شاشة إلكترونية تعرض مؤشر «كوسبي» في سيول (رويترز)

تراجعت أسواق الأسهم الآسيوية بقوة، الخميس، مع تعمّق موجة البيع في أسهم التكنولوجيا، خصوصاً في كوريا الجنوبية واليابان، بعدما هبطت الأسهم الأميركية في الجلسة السابقة إثر بيانات تضخم تجاوزت التوقعات، فيما واصلت عوائد السندات المرتفعة الضغط على الأسواق.

وهبط مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي 8 في المائة إلى 5527.12 نقطة، فيما تراجع بأكثر من 16 في المائة خلال الشهر الماضي، مبتعداً عن مستوى 9 آلاف نقطة الذي تجاوزه في يونيو (حزيران)، عندما بلغ أعلى مستوى له على الإطلاق مدفوعاً بالتفاؤل حيال طفرة الذكاء الاصطناعي عالمياً.

وتصدرت أسهم التكنولوجيا الخسائر، إذ انخفض سهم «سامسونغ إلكترونيكس» 9.7 في المائة، وهوى سهم «إس كيه هاينكس»، المتخصصة في صناعة رقائق الذاكرة، 11.1 في المائة.

وفي اليابان، هبط مؤشر «نيكي 225» بنسبة 5 في المائة إلى 64334.68 نقطة. وتراجع سهم مجموعة «سوفت بنك»، المستثمر في «أوبن إيه آي»، 9.6 في المائة، بينما انخفض سهم «طوكيو إلكترون»، المتخصصة في معدات تصنيع الرقائق، 7.5 في المائة، وتراجع سهم «كيوكسيا هولدينغز» لصناعة رقائق الذاكرة 11.2 في المائة.

كما انخفض مؤشر «تايكس» التايواني 3.4 في المائة، بينما تراجع سهم «تايوان لصناعة أشباه الموصلات» (تي إس إم سي) 1.8 في المائة قبيل إعلان نتائج الشركة. وفي هونغ كونغ، هبط مؤشر «هانغ سينغ» 1.3 في المائة إلى 24009.28 نقطة، وتراجع مؤشر «شنغهاي المركب» 2 في المائة إلى 3692.65 نقطة. أما مؤشر «إس آند بي/إيه إس إكس 200» الأسترالي فانخفض 0.2 في المائة إلى 8710.20 نقطة.

وجاءت الخسائر الآسيوية بعد تراجع «وول ستريت» الأربعاء، إذ انخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 1.1 في المائة، وتراجع «داو جونز» الصناعي 0.1 في المائة، فيما هبط مؤشر «ناسداك» المجمع، المثقل بأسهم التكنولوجيا، 1.9 في المائة. وانخفض سهم «إنفيديا» 3.2 في المائة، و«برودكوم» 3.1 في المائة، و«إيه إم دي» 5.7 في المائة.

وزادت بيانات التضخم الأميركية من الضغوط على الأسهم، بعدما أظهرت ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين 3.7 في المائة على أساس سنوي في سبتمبر (أيلول)، مقارنة بـ3.4 في المائة في أغسطس (آب)، وبوتيرة أعلى من توقعات الاقتصاديين.

عوائد السندات

وتواجه الأسواق أيضاً ضغوطاً من ارتفاع عوائد السندات وتقلبات سوق الدين، في ظل مخاوف من استمرار التضخم بفعل صدمة الطاقة المرتبطة بالحرب مع إيران، إلى جانب تصاعد الدين الحكومي الأميركي.

وتراجع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات إلى 5.10 في المائة، بعدما تجاوز لفترة وجيزة 5.32 في المائة الأربعاء. وكان العائد قد بلغ 5.35 في المائة في وقت سابق من الشهر، مسجلاً أعلى مستوى له منذ عام 2002.

وفي أسواق الطاقة، تراجعت أسعار النفط مع استمرار الضبابية بشأن الإمدادات العالمية والتوترات في الشرق الأوسط. وانخفض خام برنت، المعيار العالمي، 1.5 في المائة إلى 104.47 دولار للبرميل، فيما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 1 في المائة إلى 94.17 دولار. ورغم الانخفاض، ظلت الأسعار أعلى بكثير من مستوى نحو 72 دولاراً للبرميل المسجل قبل اندلاع الحرب مع إيران في أواخر فبراير (شباط).