دوغ فورد... «الشرطي السيئ» في الخطوط الأمامية لحرب ترمب التجارية مع كندا

رئيس وزراء أونتاريو هاجم الرئيس الأميركي بألفاظ نارية... ثم تراجع بعد ردّ الأخير

رئيس وزراء أونتاريو دوغ فورد يتحدث إلى وسائل الإعلام في مشروع سكني بهاميلتون في أونتاريو (أ.ب)
رئيس وزراء أونتاريو دوغ فورد يتحدث إلى وسائل الإعلام في مشروع سكني بهاميلتون في أونتاريو (أ.ب)
TT

دوغ فورد... «الشرطي السيئ» في الخطوط الأمامية لحرب ترمب التجارية مع كندا

رئيس وزراء أونتاريو دوغ فورد يتحدث إلى وسائل الإعلام في مشروع سكني بهاميلتون في أونتاريو (أ.ب)
رئيس وزراء أونتاريو دوغ فورد يتحدث إلى وسائل الإعلام في مشروع سكني بهاميلتون في أونتاريو (أ.ب)

خرج دوغ فورد إلى المعركة غاضباً.

بعد انهيار مفاوضات التجارة بين الولايات المتحدة وكندا وفرض واشنطن رسوماً جمركية جديدة على بلاده في نهاية الأسبوع، لم يكتفِ رئيس وزراء أونتاريو بانتقاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بل صعّد لهجته إلى أقصى الحدود.

وصف فورد ترمب بأنه «ديكتاتور» و«خاسر» و«ملك الإفلاسات»، بل قال للرئيس الأميركي، بعبارة بالغة الحدة: «يمكنه أن يذهب إلى الجحيم».

وعندما سألته «وول ستريت جورنال» عن درجة غضبه على مقياس من 1 إلى 100، جاء جوابه لافتاً: «110».

كان ذلك دوغ فورد في أكثر صوره وضوحاً: صدامي، مباشر، لا يخشى المواجهة، ويراه منتقدوه أحياناً متهوراً، وفقاً لما كتبته صحيفة «وول ستريت جورنال».

لكن المشهد تبدّل سريعاً.

بعد يوم واحد فقط، خفّض فورد نبرة التصعيد، بعدما ردّ ترمب عليه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واصفاً إياه بأنه «الأخ الأقل جاذبية وذكاءً والأكثر إثارة لعدم الإعجاب» لشقيقه الراحل روب فورد، رئيس بلدية تورنتو السابق الذي شابت ولايته فضيحة تتعلق بتعاطي المخدرات.

الناس ينظرون عبر بحيرة أونتاريو من الميناء في تورنتو (أ.ب)

ولم يتوقف ترمب عند ذلك، بل هدّد أيضاً بإعادة تسمية بحيرة أونتاريو باسم «بحيرة أميركا».

وقال فورد لشبكة «سي إن إن» في اليوم التالي: «اشتدت الأمور قليلاً، وأصبحت شخصية بعض الشيء أمس بين الرئيس وبيني»، مضيفاً أنه يريد في نهاية المطاف «إبرام صفقة».

رجل يضع نفسه في قلب المعركة

فورد، أحد أقدم رؤساء حكومات المقاطعات الكندية بقاءً في منصبه، أعاد مرة أخرى إدخال شخصيته السياسية الصاخبة في قلب المواجهة التجارية بين واشنطن وأوتاوا.

فهو، بمزيج من الاستعراض والثقة والاندفاع، يبدو قادراً على استفزاز ترمب وكبار مساعديه بطريقة لا يستطيع كثير من زعماء المقاطعات الكندية مجاراتها فيها.

وهنا تكمن المفارقة.

فعدم قابلية فورد للتنبؤ قد تعقّد موقف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني التفاوضي، لكنها في الوقت نفسه تمنح كارني ورقة مفيدة: فورد يستطيع أن يؤدي دور «الشرطي السيئ»، في حين يحتفظ كارني بدور «الشرطي الجيد» الأكثر هدوءاً.

وقال مدير معهد ماكغيل لدراسات كندا، دانيال بيلاند: «لا يمكنك أن تتخيل مارك كارني يقول لدونالد ترمب: اذهب إلى الجحيم. هذا أمر لا يمكن تصوره. لكن فورد يستطيع قول ذلك».

وأضاف أن كثيرين في كندا يحبون قدرة فورد على التعبير بصراحة عن غضبهم، في حين يخشى آخرون من أن يكون قد تجاوز الحدود.

ومع أن فورد تراجع عن إهاناته لترمب، فإنه أظهر، مثل الرئيس الأميركي نفسه، استعداداً لخوض المعركة السياسية حتى الحافة.

وقال رئيس مجموعة «ريدو بوتوماك استراتيجي غروب» الاستشارية، المسؤول السابق في الحكومة الكندية، إريك ميلر، إن إدارة ترمب ربما ليست معتادة بالقدر نفسه على أن تتعرض لانتقادات مباشرة وهجمات من مسؤول مثل دوغ فورد.

وحسب مسؤول كبير في البيت الأبيض، فإن ترمب نشر هجومه على فورد عبر منصته «تروث سوشيال»، لأنه انزعج من «الطعنات» التي وجهها إليه رئيس وزراء أونتاريو خلال مقابلات تلفزيونية.

رئيس وزراء أونتاريو دوغ فورد يتحدث إلى وسائل الإعلام في مشروع سكني بهاميلتون في أونتاريو (أ.ب)

أونتاريو... حيث توجد الوظائف التي يخشى فورد خسارتها

قد لا يكون لرؤساء حكومات المقاطعات دور رسمي في مفاوضات التجارة الخارجية، لكنهم يتمتعون بنفوذ سياسي كبير.

وفورد تحديداً لديه الكثير ليخسره.

أونتاريو هي المقاطعة الأكثر سكاناً في كندا وقلب الصناعة التحويلية في البلاد، كما أنها من أكثر المناطق تضرراً بالرسوم الأميركية الجديدة، التي تشمل 50 في المائة على الصلب و25 في المائة على السيارات.

والنتيجة؟ مئات الآلاف من الوظائف أصبحت على المحك.

ولهذا لم يتردد فورد في الدخول إلى المعركة.

فخلال الأشهر الـ19 المضطربة منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض، لعب فورد مراراً دوراً صدامياً في العلاقات بين البلدين.

بعد انتخاب ترمب في 2024 بفترة وجيزة، اقترح فورد أن تتفاوض الولايات المتحدة وكندا على اتفاق تجاري من دون المكسيك، بحجة مخاوف من استخدام الشركات الصينية للمكسيك بوابةً إلى السوق الأميركية.

أشعل الاقتراح شرخاً سياسياً بين كندا والمكسيك، واضطر كارني لاحقاً إلى العمل على رأبه.

وفي العام الماضي، بعدما فرض ترمب رسوماً جمركية على كندا، أعلن فورد ضريبة تصدير بنسبة 25 في المائة على الكهرباء التي ترسلها أونتاريو إلى 1.5 مليون منزل في نيويورك وميشيغان ومينيسوتا.

لكن التصعيد لم يدم طويلاً.

فبعد يوم سياسي محموم هدد خلاله ترمب بمضاعفة الرسوم على المعادن الكندية، تراجع فورد عن الإجراء. ثم جاء فصل آخر أكثر غرابة.

قوارب شراعية شُوهدت في بحيرة أونتاريو (أ.ب)

في الخريف الماضي، موّلت حكومة فورد إعلاناً تلفزيونياً عُرض على شبكات أميركية خلال بطولة العالم للبيسبول، واستند إلى خطاب للرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان ينتقد الرسوم الجمركية باعتبارها إجراءات «تضر كل عامل ومستهلك أميركي» على المدى الطويل.

فجاء رد ترمب سريعاً: أوقف محادثات التجارة مع كندا.

لاحقاً، علّق فورد الحملة الإعلانية، واعتذر كارني لترمب.

«صفقة فظيعة»

وفي المواجهة الأخيرة، كان فورد أكثر هدوءاً في العلن.

بعد أن أطلعت الحكومة الكندية رؤساء المقاطعات الأسبوع الماضي على الخطوط العريضة لاتفاق تجاري مع الولايات المتحدة، التزم فورد الصمت نسبياً أمام الإعلام.

لكن خلف الكواليس كان يتحرك. اتصل بمسؤولي شركات السيارات ومصنّعي قطع الغيار، وحاول تقدير تأثير الاتفاق على الصناعة في مقاطعته. ثم خلص إلى أن الاتفاق «فظيع».

وقال إنه أبلغ كارني بذلك، بما في ذلك مساء الجمعة، عندما قرر رئيس الوزراء الكندي الانسحاب من الاتفاق.

بل إن فورد أبلغ كارني بأنه لن يرفع الحظر الذي فرضته أونتاريو على المشروبات الكحولية الأميركية، وهو أحد مطالب المفاوضين الأميركيين.

وقال فورد، في عبارة تكشف عن حجم الضغوط السياسية التي يواجهها: «لا أستطيع أن أذهب إلى مصنع (دوڤاسكو) وأنظر في عيني عامل الصلب، وأنا أعرف أنه إذا قبلنا هذه الصفقة فلن تكون لديه وظيفة بعد عامين».

الناس يشاهدون غروب الشمس فوق بحيرة أونتاريو (أ.ب)

«كندا ليست للبيع»

وصل فورد إلى السلطة في أونتاريو عام 2018، ثم دعا إلى انتخابات مبكرة في أوائل 2025 وفاز بولاية ثالثة بأغلبية، مستفيداً من الغضب الشعبي في المقاطعة تجاه رسوم ترمب وتهديداته بتحويل كندا إلى الولاية الأميركية الحادية والخمسين.

وكان كثيراً ما يظهر خلال حملته مرتدياً قبعة زرقاء داكنة كتب عليها: «كندا ليست للبيع».

ويحرص فورد على تقديم نفسه باعتباره رجلاً قريباً من الناس.

اشتهر حتى بإعطاء رقم هاتفه الشخصي للجمهور. وفي مارس (آذار) الماضي، خلال الأيام الأولى من النزاع التجاري، اضطر إلى مطالبة الناس بالتوقف عن إرسال الرسائل إليه في منتصف الليل، بعدما أبقاه رنين الهاتف مستيقظاً.

وقال آنذاك إنه سيرد على أكثر من 4 آلاف رسالة وصلته، كانت تتدفق عليه بالمئات.

لكن شعبيته تراجعت منذ الانتخابات.

وكان آخر أسباب ذلك الجدل حول قرار حكومته شراء طائرة خاصة بقيمة 20 مليون دولار، قبل أن يتراجع عن الصفقة.

وأظهر استطلاع لمعهد أنغوس ريد في يونيو أن نسبة تأييده بلغت 21 في المائة فقط، وهي الأدنى بين رؤساء حكومات المقاطعات الكندية، والأدنى لفورد منذ توليه المنصب.

«كابتن كندا»

مع ذلك، يبدو أن فورد يعرف كيف يعيد تقديم نفسه عندما تدخل كندا في مواجهة مع واشنطن.

وقالت رئيسة معهد «أنغوس ريد»، شاتشي كورل، إن فورد عندما «يلتف حول نفسه بعباءة كابتن كندا»، تميل شعبيته إلى الارتفاع مجدداً.

والسبب، حسب شاتشي كورل، أنه يستطيع أحياناً أن يقول بصوت مرتفع ما يفكر فيه الناس، وما لا يستطيع مسؤولو الحكومة الفيدرالية قوله.

وهذه تحديداً هي المساحة السياسية التي يحتلها فورد في مواجهة ترمب. فهو يستطيع رفع الصوت، والتهديد، والهجوم، ثم ترك الباب مفتوحاً للتراجع والتفاوض.

أما كارني فيستطيع أن يبقى في الخلفية، أكثر هدوءاً، وأكثر حرصاً على إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة.

المفارقة الأخيرة

المفارقة أن فورد ربما يكون آخر شخص يتوقع منه قيادة المقاومة الكندية لترمب. فخلال حملة الانتخابات الإقليمية العام الماضي، التُقط له تسجيل من دون علمه وهو يقول لرجال الإطفاء إنه كان سعيداً عندما فاز ترمب بانتخابات 2024.

لكن فورد يقول إن ذلك كان قبل أن تتغير الأمور. ويختصر موقفه الآن بصورة أكثر درامية، وهو يحرك يده في إشارة إلى طعنة في بطنه: «كان ذلك قبل أن يُخرج الرجل السكين».

وهكذا تحوّل دوغ فورد من مؤيد لعودة ترمب إلى البيت الأبيض إلى أحد أكثر الأصوات صخباً في مواجهته.

وفي حرب تجارية تزداد شخصنة يوماً بعد يوم، قد يكون كارني بحاجة إلى هدوء المفاوض، لكن وجود فورد إلى جانبه يمنحه شيئاً آخر لا يمكن الحصول عليه عبر غرف التفاوض: صوتاً مرتفعاً يقول لواشنطن ما لا تستطيع أوتاوا الرسمية قوله.

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

وزراء التجارة الـ20 يفتتحون محادثاتهم في الولايات المتحدة

الاقتصاد رجل يقف بجوار شعار اجتماع وزراء مالية مجموعة العشرين في بوينس آيرس بالأرجنتين (رويترز)

وزراء التجارة الـ20 يفتتحون محادثاتهم في الولايات المتحدة

يبدأ وزراء التجارة في مجموعة العشرين محادثاتهم، الأربعاء، في الولايات المتحدة، وسط أجواء متوترة بفعل الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (ميلووكي (الولايات المتحدة))
الاقتصاد حاويات الشحن في ميناء مونتريال بكندا (رويترز)

أميركا تبدأ حظر دخول منتجات كندية بقيمة مليار دولار

من المرجح أن تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وكندا مزيداً من التدهور، بعدما مضت الولايات المتحدة قُدماً في تنفيذ قرار بحظر دخول واردات كندية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد سفينة شحن مليئة بحاويات الشحن في ميناء أوكلاند بولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)

الصين وأميركا تتفقان على خفض جمركي بـ30 مليار دولار

قالت وزارة الخارجية الصينية إن الصين والولايات المتحدة اتفقتا على ترتيب متبادل لخفض الرسوم الجمركية بقيمة 30 مليار دولار، وإطلاق حوار بشأن الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد ميناء مانزانيلو في المكسيك (رويترز)

المكسيك تتعهد باستيراد مزيد من السلع الأميركية

تعهدت الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم، بزيادة الاستيراد من الولايات المتحدة على حساب دول أخرى بهدف تقليص الخلل في التبادل التجاري بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو)
الاقتصاد سيارات مخصصة للتصدير في ميناء بمدينة ليانيونغانغ في مقاطعة جيانغسو الصينية (أرشيفية - رويترز)

بروكسل تطالب لندن بزيادة الرسوم الجمركية على السيارات الصينية

أبلغت بروكسل رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام بأن المملكة المتحدة بحاجة إلى رفع الرسوم الجمركية المفروضة على السيارات الصينية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

السعودية ترصد 371 مليار دولار للإنفاق في موازنة 2027

وزير المالية في ملتقى الميزانية لعام 2026 (أرشيفية - الشرق الأوسط)
وزير المالية في ملتقى الميزانية لعام 2026 (أرشيفية - الشرق الأوسط)
TT

السعودية ترصد 371 مليار دولار للإنفاق في موازنة 2027

وزير المالية في ملتقى الميزانية لعام 2026 (أرشيفية - الشرق الأوسط)
وزير المالية في ملتقى الميزانية لعام 2026 (أرشيفية - الشرق الأوسط)

تمضي السعودية في دعم النمو الاقتصادي وتمويل أولوياتها التنموية والاستراتيجية خلال 2027، مع تقديرات أولية بوصول إجمالي الإنفاق إلى نحو 1.392 تريليون ريال (371.2 مليار دولار)، مقابل إيرادات تبلغ 1.202 تريليون ريال (320.5 مليار دولار)، فيما يقدَّر عجز الموازنة بنحو 3.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

وأعلنت وزارة المالية، الأربعاء، البيان التمهيدي للميزانية العامة للدولة للعام المالي 2027، في وقت تواصل فيه المملكة تنفيذ برامج التحول الاقتصادي وتوسيع قاعدة الأنشطة غير النفطية، بالتوازي مع اتباع سياسة مالية تستهدف دعم النمو والمحافظة على استدامة المالية العامة.

وتشير تقديرات وزارة المالية إلى ارتفاع إجمالي الإيرادات من 1.202 تريليون ريال (320.5 مليار دولار) في 2027 إلى نحو 1.351 تريليون ريال (360.3 مليار دولار) في 2029، بينما يرتفع إجمالي النفقات من 1.392 تريليون ريال (371.2 مليار دولار) إلى نحو 1.544 تريليون ريال (411.7 مليار دولار) خلال الفترة نفسها.

وتعكس هذه التقديرات استمرار الإنفاق على الأولويات التنموية والاستراتيجية والمشاريع ذات العائد الاقتصادي والاجتماعي، في إطار تخطيط مالي طويل المدى يستهدف الحفاظ على استدامة المالية العامة عبر الدورات الاقتصادية.

وفي الوقت نفسه، أسهمت مبادرات التنويع والإصلاحات الاقتصادية في زيادة الإيرادات غير النفطية من نحو 166 مليار ريال (44.3 مليار دولار) في 2015 إلى 505 مليارات ريال (134.7 مليار دولار) في 2025، مما عزز استقرار الإيرادات العامة وتنوع مصادرها.

الاقتصاد غير النفطي يحافظ على النمو

وتشير التقديرات الأولية إلى تأثر الاقتصاد السعودي خلال 2026 بالتطورات الاقتصادية والجيوسياسية، مع توقع انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3.6 في المائة، نتيجة تراجع الأنشطة النفطية بنسبة 21.8 في المائة.

في المقابل، من المتوقع أن تواصل الأنشطة غير النفطية نموها بنسبة 3.2 في المائة خلال العام، بما يحد من أثر انخفاض النشاط النفطي على الاقتصاد ككل.

وخلال النصف الأول من 2026، سجلت الأنشطة غير النفطية نمواً بنسبة 1.8 في المائة، لترفع مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى مستوى تاريخي بلغ 57.3 في المائة، مدفوعةً بقوة الطلب المحلي وتدفقات الاستثمار الخاص.

البطالة عند 6.5 % والتضخم عند مستويات محدودة

وعلى صعيد المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، انخفض معدل البطالة بين السعوديين إلى 6.5 في المائة خلال الربع الثاني من 2026.

في الوقت نفسه، تشير التقديرات الأولية إلى تسجيل التضخم نحو 2.1 في المائة لكامل العام الحالي، في ظل استمرار مستويات الطلب المحلي وتطور النشاط الاقتصادي غير النفطي.

تمويل محلي ودولي لدعم المشاريع

وتعتزم الحكومة مواصلة عمليات التمويل المحلية والدولية خلال 2027 والمدى المتوسط، وفق إطار استراتيجية الدين متوسطة المدى، من خلال إصدار السندات والصكوك والحصول على القروض، إلى جانب التوسع في أدوات التمويل الحكومي البديل.

وتشمل هذه الأدوات تمويل المشاريع والبنية التحتية ووكالات ائتمان الصادرات، بما يوفر قنوات إضافية لتمويل المشاريع والأولويات التنموية.

وأكد وزير المالية محمد الجدعان أن التقديرات الأولية لموازنة 2027 تأتي في ظل بيئة اقتصادية عالمية تتسم باستمرار عدم اليقين وتسارع التطورات الجيوسياسية.

وقال إن المملكة تواصل إدارة ماليتها العامة من منظور طويل المدى، بما يعزز قدرتها على التعامل مع المتغيرات ومواصلة الإنفاق على الأولويات التنموية والاستراتيجية، مع المحافظة على استدامة المالية العامة ومتانة المركز المالي.

وأضاف أن الحكومة مستمرة في رصد التطورات الاقتصادية والجيوسياسية وتقييم انعكاساتها المحتملة على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة، والتعامل معها بسياسات مرنة واستباقية تدعم الاقتصاد وتعزز قدرته على مواصلة تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030.

وأكد الجدعان استمرار خطط التحول الاقتصادي لدعم النمو وتوسيع القاعدة الاقتصادية، بما ينعكس على نمو الإيرادات غير النفطية ويسهم في تحقيق مستويات أكثر استدامة واستقراراً للإيرادات على المديين المتوسط والطويل.

عجز 2027 ضمن سياسة مالية طويلة المدى

يأتي العجز المقدر عند 3.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي ضمن سياسة مالية تستهدف المحافظة على متانة المركز المالي وتعزيز الاستدامة المالية، مع استمرار الإنفاق على المشاريع ذات الأولوية.

وحسب وزارة المالية، يتيح هذا النهج للحكومة تبني سياسات مالية متوازنة عبر الدورات الاقتصادية، ودعم النمو والتكيف مع المتغيرات وإدارة الأزمات والاحتياجات الطارئة، مع المحافظة على مستويات مستدامة من الدين العام واحتياطيات مالية معتبرة.

وتعتزم الحكومة مواصلة عمليات التمويل المحلية والدولية خلال 2027 وعلى المدى المتوسط، وفق إطار استراتيجية الدين متوسطة المدى، عبر إصدار السندات والصكوك والحصول على القروض بتكلفة عادلة، إلى جانب التوسع في أدوات التمويل الحكومي البديل، بما يشمل تمويل المشاريع والبنية التحتية ووكالات ائتمان الصادرات.


بين «دولة» لولا و«سوق» بولسونارو... اقتصاد البرازيل على مفترق طرق

سيارات «بي واي دي» على خط الإنتاج في مصنع الشركة للسيارات الكهربائية بمجمع كاماساري الصناعي بولاية باهيا البرازيلية يوم 3 فبراير 2026 (رويترز)
سيارات «بي واي دي» على خط الإنتاج في مصنع الشركة للسيارات الكهربائية بمجمع كاماساري الصناعي بولاية باهيا البرازيلية يوم 3 فبراير 2026 (رويترز)
TT

بين «دولة» لولا و«سوق» بولسونارو... اقتصاد البرازيل على مفترق طرق

سيارات «بي واي دي» على خط الإنتاج في مصنع الشركة للسيارات الكهربائية بمجمع كاماساري الصناعي بولاية باهيا البرازيلية يوم 3 فبراير 2026 (رويترز)
سيارات «بي واي دي» على خط الإنتاج في مصنع الشركة للسيارات الكهربائية بمجمع كاماساري الصناعي بولاية باهيا البرازيلية يوم 3 فبراير 2026 (رويترز)

تدخل الانتخابات الرئاسية البرازيلية، التي تُجرى جولتها الأولى الأحد، على وقع مواجهة اقتصادية واضحة بين الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الساعي إلى ولاية رابعة، ومنافسه فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، إذ يطرح كل منهما رؤية مختلفة لدور الدولة والسوق، وفق تقرير لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية.

الصناعة في قلب مشروع لولا

يراهن لولا على تدخُّل قوي للدولة لدعم الصناعة وإعادة التصنيع، بعدما تراجعت حصة القطاع الصناعي من الناتج المحلي الإجمالي من 48 في المائة عام 1985 إلى 25 في المائة عام 2024.

ومنذ عودته إلى السلطة مطلع 2023، واصل لولا سياسة دعم الصناعة التي بدأها خلال ولايتيه الأوليين. وفي يونيو (حزيران)، أعلن تخصيص 140 مليار ريال (نحو 27 مليار دولار أميركي) إضافية للسياسة الصناعية، فيما تجاوز إجمالي الأموال المخصصة لخطة «الصناعة البرازيلية الجديدة» 750 مليار ريال (نحو 145 مليار دولار) بين 2023 و2026.

وتبرز مدينة بيتيم في ولاية ميناس جيرايس بالبرازيل ساحة رئيسية لهذه المنافسة. وتضم المدينة مصنعاً ضخماً لمجموعة «ستيلانتيس»، التي أعلنت استثمارات بقيمة 14 مليار ريال (2.7 مليار دولار) في المنطقة حتى عام 2030. وتُعدّ ميناس جيرايس ولاية محورية انتخابياً، إذ لم يُنتخب أي رئيس برازيلي منذ انتخابات 1950 من دون الفوز فيها.

لكن المدينة العمّالية التي كانت تُعد معقلاً لليسار شهدت تحولاً سياسياً. ففي الجولة الثانية من انتخابات 2022، حصل جايير بولسونارو فيها على 52.43 في المائة من الأصوات مقابل 47.57 في المائة للولا.

صورة مدمجة تُظهر الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (يسار) ومنافسه فلافيو بولسونارو (أ.ف.ب)

جاذبية العمل المستقل

وتواجه رؤية لولا تحدياً اجتماعياً يتمثل في تغيّر تطلعات شريحة من الشباب الذين بات بعضهم يفضّل العمل المستقل وريادة الأعمال على الوظائف التقليدية في المصانع والشركات.

ويقول مسؤولون في شركات محلية إن صعوبة جذب العمال والاحتفاظ بهم باتت تؤثر في خطط النمو، في وقت يرى فيه مؤيدون لبولسونارو أن اليمين يمنح مساحة أكبر للمبادرة الفردية والعمل الحر.

بولسونارو يراهن على تحرير السوق

في المقابل، يمنح برنامج فلافيو بولسونارو دوراً أكبر للسوق وأقل للدولة. ويرى أستاذ الاقتصاد في جامعة ميناس جيرايس الفيدرالية، ريكاردو ماتشادو لويز، أن معسكر بولسونارو يعتقد أن السوق الأقل خضوعاً للتنظيم قادرة على تقديم حلول للمشكلات الصناعية بصورة أفضل من تدخل الدولة.

وتستشهد دانييلا ماركيز، المنسقة الاقتصادية لحملة بولسونارو، بتجربة الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، وأعلنت أن البرنامج يستهدف إلغاء أكثر من ألف قاعدة وإجراء تنظيمي تفرضها الدولة على النشاط الاقتصادي.

وتعكس المنافسة بين لولا وبولسونارو انقساماً حول مستقبل الاقتصاد البرازيلي، بين نموذج يقوم على تعزيز دور الدولة ودعم الصناعة، وآخر يمنح السوق والمبادرة الفردية مساحة أكبر.


تضخم أهدأ ونمو أقوى يربكان حسابات «الفيدرالي»

لافتة «مطلوب موظفون» معلقة على نافذة مطعم في ميدفورد - ماساتشوستس (رويترز)
لافتة «مطلوب موظفون» معلقة على نافذة مطعم في ميدفورد - ماساتشوستس (رويترز)
TT

تضخم أهدأ ونمو أقوى يربكان حسابات «الفيدرالي»

لافتة «مطلوب موظفون» معلقة على نافذة مطعم في ميدفورد - ماساتشوستس (رويترز)
لافتة «مطلوب موظفون» معلقة على نافذة مطعم في ميدفورد - ماساتشوستس (رويترز)

رسمت البيانات الاقتصادية الأميركية الصادرة الأربعاء، صورة مزدوجة للاقتصاد، مع مراجعة قوية بالزيادة لنمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني، في وقت استقر فيه التضخم عند مستوى أعلى من هدف «الاحتياطي الفيدرالي»، في حين أظهرت بيانات منفصلة تسارع التوظيف في القطاع الخاص خلال سبتمبر (أيلول).

وتعزز هذه القراءات صورة اقتصاد لا يزال قادراً على النمو بوتيرة متماسكة، رغم استمرار ضغوط الأسعار؛ ما يعقّد حسابات «الفيدرالي» بشأن المسار المقبل لأسعار الفائدة.

ورفع مكتب التحليل الاقتصادي تقديره لنمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني إلى 2.2 في المائة على أساس سنوي، من 1.5 في المائة في التقدير السابق، بزيادة قدرها 0.7 نقطة مئوية. وكان الاقتصاديون يتوقعون الإبقاء على القراءة السابقة عند 1.5 في المائة.

ورغم المراجعة الكبيرة، تباطأ النمو مقارنة بالربع الأول، الذي عدّل المكتب تقديره أيضاً بالزيادة إلى 2.5 في المائة، من 2.1 في المائة في القراءة السابقة.

كما رفع المكتب تقديره لنمو الاقتصاد الأميركي خلال عام 2025 إلى 2.3 في المائة، من 2.1 في المائة سابقاً.

وتأتي المراجعة الصعودية لنمو الربع الثاني في وقت يترقب فيه المستثمرون القراءة الأولية للناتج المحلي الإجمالي للربع الثالث، والمقرر صدورها في 29 أكتوبر (تشرين الأول)؛ بحثاً عن مؤشرات على ما إذا كانت قوة الاقتصاد ستستمر خلال النصف الثاني من العام.

التضخم فوق الهدف

وفي بيانات منفصلة، أظهر مؤشر «نفقات الاستهلاك الشخصي» (PCE)، المقياس المفضل لدى «الفيدرالي» لقياس التضخم، ارتفاع الأسعار بنسبة 3.4 في المائة على أساس سنوي في أغسطس (آب) مقابل توقعات بارتفاعه إلى 3.7 في المائة، ليستقر عند المستوى نفسه المسجل في يوليو (تموز) بعد مراجعة بيانات الشهر السابق.

وارتفع المؤشر بنسبة 0.3 في المائة على أساس شهري خلال أغسطس، في حين سجل المؤشر الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة الأكثر تقلباً، زيادة سنوية قدرها 3 في المائة.

وتظل هذه المستويات أعلى بكثير من هدف «الفيدرالي» البالغ 2 في المائة، الذي لم ينجح التضخم في العودة إليه منذ أوائل عام 2021.

وتكتسب بيانات الأسعار أهمية خاصة بالنسبة للأسواق، التي تراقب مسار التضخم لتقييم الخطوة المقبلة للبنك المركزي، في ظل استمرار الاقتصاد في إظهار قدرة على النمو.

منشأة تصنيع تابعة لشركة «كوهيرنت» في شيرمان - تكساس (أ.ب)

التوظيف يعزز الصورة

وأظهرت بيانات «إيه دي بي» أن القطاع الخاص الأميركي أضاف 90 ألف وظيفة في سبتمبر، متجاوزاً توقعات الاقتصاديين بزيادة قدرها 70 ألفاً، بعد تعديل عدد الوظائف المضافة في أغسطس بالخفض إلى 36 ألفاً من 38 ألفاً.

ويصدر تقرير «إيه دي بي» بالتعاون مع «مختبر الاقتصاد الرقمي بجامعة ستانفورد»، قبل تقرير الوظائف الحكومي الذي يصدر الجمعة، والذي يوفر مؤشرات أوسع عن أوضاع سوق العمل.

وحسب استطلاع لـ«رويترز»، يتوقع الاقتصاديون إضافة 85 ألف وظيفة في القطاع الخاص خلال سبتمبر، و90 ألف وظيفة إلى إجمالي الوظائف غير الزراعية، مع استقرار معدل البطالة عند 4.1 في المائة للشهر الثالث على التوالي.

ولا يُعدّ تقرير «إيه دي بي» مؤشراً دقيقاً دائماً لأرقام الوظائف الحكومية؛ ولذلك ستظل بيانات مكتب إحصاءات العمل المنتظرة الجمعة أكثر أهمية في تقييم قوة سوق العمل.

وكان مكتب إحصاءات العمل قد أظهر الثلاثاء تراجع عدد الوظائف الشاغرة مقارنة بعدد العاطلين عن العمل، مع وجود 1.01 وظيفة شاغرة لكل شخص عاطل في أغسطس، مقابل 1.06 في يوليو.

وتضع البيانات الأخيرة «الفيدرالي» أمام معادلة غير سهلة: الاقتصاد ينمو بوتيرة أقوى مما أظهرت التقديرات السابقة، والتوظيف الخاص يستعيد بعض الزخم، في حين لا يزال التضخم أعلى من المستوى المستهدف.

وبذلك، لا توفر البيانات أساساً واضحاً لتوقع تحول سريع في السياسة النقدية؛ فاستمرار قوة النشاط الاقتصادي يقلل الحاجة إلى خفض قريب للفائدة، في حين يبقي استقرار ضغوط الأسعار الباب مفتوحاً أمام خفضها لاحقاً إذا استمر التضخم في مسار الانحسار.