وارش يواجه أول اختبارين لقيادة «الفيدرالي» بين معركة الاستقلالية والظهور الدولي

قادة البنوك المركزية يقيِّمون في سنترا أثر الاتفاق الأميركي- الإيراني وطفرة الذكاء الاصطناعي في البرتغال

وارش يهم بالخروج من قاعة الصحافيين بعد انتهاء مؤتمره الصحافي عقب قرار لجنة السياسة النقدية في 17 يونيو (رويترز)
وارش يهم بالخروج من قاعة الصحافيين بعد انتهاء مؤتمره الصحافي عقب قرار لجنة السياسة النقدية في 17 يونيو (رويترز)
TT

وارش يواجه أول اختبارين لقيادة «الفيدرالي» بين معركة الاستقلالية والظهور الدولي

وارش يهم بالخروج من قاعة الصحافيين بعد انتهاء مؤتمره الصحافي عقب قرار لجنة السياسة النقدية في 17 يونيو (رويترز)
وارش يهم بالخروج من قاعة الصحافيين بعد انتهاء مؤتمره الصحافي عقب قرار لجنة السياسة النقدية في 17 يونيو (رويترز)

​تتجه أنظار الأوساط المالية والاستثمارية حول العالم، هذا الأسبوع، إلى مدينة سنترا البرتغالية، التي تحتضن أعمال المنتدى السنوي للبنك المركزي الأوروبي من 29 يونيو (حزيران) إلى 1 يوليو (تموز). وتكتسب هذه القمة النقدية أهمية استثنائية هذا العام؛ كونها تشهد أول ظهور دولي لرئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الجديد، كيفين وارش، الذي يواجه أسبوعاً مصيرياً قد يرسم ملامح قيادته، بالتزامن مع ترقب حكم تاريخي من المحكمة العليا الأميركية، بشأن قانونية إقالة الرئيس دونالد ترمب عضوة مجلس المحافظين ليزا كوك؛ وهي القضية التي تحولت إلى اختبار دستوري لاستقلالية البنك المركزي.

وفي وقت يسعى فيه وارش لترسيخ نهج يتجنب «التوجيه المستقبلي» المسبق لأسعار الفائدة، تحاول الأسواق العالمية في «منتدى سنترا» التقاط المؤشرات حول مستجدات التضخم ومسار التيسير أو التشديد النقدي، لا سيما في ظل التهدئة الأخيرة بين واشنطن وطهران وهبوط أسعار النفط، والتحولات السياسية في بريطانيا.

صورة تجمع لاغارد وبيلي في منتدى سنترا منذ عامين (المنتدى)

سنترا... بوصلة النقد

يركز منتدى سنترا بشكل أساسي على تشكيل مستقبل أوروبا من حيث الابتكار، والنمو، والاستقرار. ويرى محللون أن الأسواق ستراقب من كثب كيف ستتعامل البنوك المركزية مع آثار صدمات الطاقة السابقة وعملية التمرير السعري، وسط توقعات بنبرة حذرة من صُنَّاع السياسات للتحقق من التبعات غير المباشرة لتلك الصدمات.

وتفتتح رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، المنتدى، بكلمة رئيسية مساء الاثنين. وتركز جلسات اليوم الأول (الثلاثاء) على معضلات نمو الإنتاجية في أوروبا، والتعقيدات التنظيمية للمصارف بعد الأزمات، إلى جانب تخصيص مساحة واسعة لملف «الذكاء الاصطناعي والاستقرار المالي» عبر حلقة نقاشية بمشاركة خبراء من صندوق النقد الدولي وبنك إنجلترا، تليها محادثة خاصة مع كبير اقتصاديي شركة «أوبن إيه آي» آرون تشاترجي.

أما اليوم الختامي (الأربعاء)، فيتطرق إلى أثر الهجرة على الإنتاجية والنمو في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والتحديات الرقمية لـ«ترميز الأصول» بناءً على دروس مشروع «هانغانغ» الكوري الجنوبي؛ وهو مشروع رائد يقوده بنك كوريا المركزي على تقنية «الدفتر الموحد» لدمج العملات الرقمية السيادية بالودائع التجارية، لتسهيل التسويات الفورية دون وسيط.

مواجهة قمة السياسات المنتظرة

وستتوَّج كل هذه الملفات المعقدة الأربعاء المقبل، في «جلسة السياسات النقدية» الكبرى التي تختتم أعمال منتدى سنترا، والتي تجمع في مواجهة مباشرة كلاً من وارش، ولاغارد، ومحافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي، وحاكم مصرف كندا المركزي تيف ماكليم.

وتترقب الأسواق ما إذا كان وارش سيتمسك بتقليص رسائله الموجهة لأسواق المال العالمية، في وقت تترقب فيه منطقة اليورو بالتزامن بيانات التضخم الأولية لشهر يونيو HICP))، وسط توقعات خبراء «إتش إس بي سي» بتباطؤها بفضل تراجع أسعار الطاقة الناتجة عن الاتفاق الأميركي الإيراني، رغم متانة أسعار الأغذية في ألمانيا.

معركة الاستقلالية في واشنطن

يأتي هذا الزخم النقدي بالتزامن مع ترقب حسم المحكمة العليا لأزمة إقالة ليزا كوك، التي أقصاها ترمب في أغسطس (آب) الماضي بدعوى مخالفات في بيانات طلب قرض عقاري، واستمرت في منصبها بحكم محاكم أدنى رأت فرصة نجاح طعنها مرتفعة. وينص القانون على عدم عزل المحافظين إلا لـ«سبب مشروع».

ويرى خبراء أن المحكمة تميل لحماية استقلالية «الفيدرالي»، ما سيعزز موقف وارش نفسه ضد أي ضغوط سياسية مستقبلية؛ خصوصاً مع تنامي توقعات اضطرار «الفيدرالي» لرفع الفائدة مجدداً بكبح تضخم مايو (أيار) الذي تجاوز ضعف مستهدف البنك البالغ 2 في المائة، وهو ما يتقاطع مع رغبة ترمب المعلنة بخفض الفائدة.

ورغم هجوم ترمب السابق على جيروم باول، فإنه أبدى لهجة مهادنة تجاه وارش، معرباً عن ثقته به. في المقابل، يتبنى وارش سياسة تواصل متحفظة؛ حيث حذف «الفيدرالي» الإشارات الاستشرافية لأسعار الفائدة من بيان يونيو، مؤكداً أن القرارات ستعتمد على البيانات اللحظية لكل اجتماع، وهو توجه يراه اقتصاديون مبرراً لمنح البنك مرونة أسرع، وإن كانت الأسواق ستظل تبحث عن الإشارات بأي وسيلة، من خلال رصد بيانات الوظائف غير الزراعية لشهر يونيو المرتقبة هذا الخميس.

ليزا كوك برفقة محاميها خارج المحكمة العليا (رويترز)

تحولات سياسية بريطانية

ولا تقتصر إشارات الأسواق على واشنطن؛ ففي بريطانيا تترقب الأوساط المالية الخطاب المرتقب للمرشح الأبرز لرئاسة الوزراء، أندي بيرنهام، والمتوقع أن يخلف كير ستارمر المستقيل، للوقوف على خططه للإنفاق الحكومي والسياسات المالية، بالتزامن مع صدور بيانات التمويل العقاري والناتج المحلي الإجمالي للربع الأول.

وفي المعسكر الآسيوي، تترقب الأسواق مؤشرات مديري المشتريات في الصين لشهر يونيو، وسط توقعات بمرونة في الصادرات وضعف في الطلب المحلي بسبب الأمطار الغزيرة. بينما يركز المستثمرون في اليابان على مسح «تانكان» للشركات والخطط الاستثمارية الضخمة لرئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي البالغة 370 تريليون ين حتى عام 2041.

وتقود كوريا الجنوبية طفرة إقليمية عبر توقعات بتحقيق فائض تجاري تاريخي يتجاوز 30 مليار دولار بدعم من صادرات أشباه الموصلات، رغم ضغوط التضخم التي قد تدفع بنك كوريا لرفع الفائدة في يوليو؛ وهو ما يؤكد رؤية خبراء «إتش إس بي سي» بأن نمو قطاع التصنيع الآسيوي بات مدفوعاً بشكل شبه كامل بطلب أجهزة الذكاء الاصطناعي، مما يخدم أسواقاً محددة، ويخفي وراءه ركوداً نسبياً في القطاعات التقليدية.


مقالات ذات صلة

رئيسة «فيدرالي» سان فرنسيسكو: السياسة النقدية لا تزال مقيدة

الاقتصاد ماري دالي خلال مقابلة مع «رويترز» داخل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرنسيسكو (أرشيفية-رويترز)

رئيسة «فيدرالي» سان فرنسيسكو: السياسة النقدية لا تزال مقيدة

قالت رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرنسيسكو، ماري دالي، إن السياسة النقدية الأميركية لا تزال «مقيدة بشكل طفيف».

«الشرق الأوسط» (سانتاندير (إسبانيا))
الاقتصاد باحث عن عمل ينتظر التحدث إلى مسؤول التوظيف في معرض التوظيف بفلوريدا (أ.ب)

تباطؤ حاد في التوظيف الأميركي يمنح «الفيدرالي» فرصة لتثبيت الفائدة

تباطأت وتيرة نمو الوظائف في الولايات المتحدة خلال شهر يونيو الماضي بشكل ملحوظ دون تقديرات المحللين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري محادثة جانبية بين وارش ولاغارد خلال منتدى البنك المركزي الأوروبي (البنك)

تحليل إخباري «سنترا»... كيف كسب رئيس «الفيدرالي» الجديد ثقة نظرائه؟

لم يكن منتدى «البنك المركزي الأوروبي» السنوي في سنترا مجرد مناسبة لتبادل وجهات النظر بشأن التضخم والفائدة، بل تحول هذا العام إلى أول اختبار لرئيس «الفيدرالي».

«الشرق الأوسط» (سنترا (البرتغال))
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

العقود الآجلة الأميركية تستقر قبيل بيانات الوظائف

تحركت العقود الآجلة للأسهم الأميركية في نطاق ضيق، يوم الخميس، مع ترقب المستثمرين صدور تقرير الوظائف لشهر يونيو (حزيران).

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد افتة توظيف لمندوبي مبيعات معروضة في متجر في فيرنون هيلز، إيلينوي (أ.ب)

توقعات بتباطؤ نمو الوظائف الأميركية في يونيو مع استقرار البطالة

من المرجح أن يكون نمو الوظائف في الولايات المتحدة قد تباطأ خلال يونيو (حزيران)، مع توقعات باستقرار معدل البطالة عند 4.3 في المائة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

رئيسة «فيدرالي» سان فرنسيسكو: السياسة النقدية لا تزال مقيدة

ماري دالي خلال مقابلة مع «رويترز» داخل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرنسيسكو (أرشيفية-رويترز)
ماري دالي خلال مقابلة مع «رويترز» داخل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرنسيسكو (أرشيفية-رويترز)
TT

رئيسة «فيدرالي» سان فرنسيسكو: السياسة النقدية لا تزال مقيدة

ماري دالي خلال مقابلة مع «رويترز» داخل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرنسيسكو (أرشيفية-رويترز)
ماري دالي خلال مقابلة مع «رويترز» داخل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرنسيسكو (أرشيفية-رويترز)

قالت رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرنسيسكو، ماري دالي، إن السياسة النقدية الأميركية لا تزال «مقيدة بشكل طفيف»، لكنها أكدت أن الصورة الاقتصادية الحالية لا توفر إجابة واضحة بشأن الخطوة المقبلة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، في ظل استمرار الضبابية المحيطة بمسار التضخم والاستثمار.

وأضافت دالي، خلال مؤتمر نظّمه «بنك إسبانيا» في مدينة سانتاندير، الخميس، أن الاقتصاد الأميركي يقف أمام مسارين محتملين؛ أحدهما يتمثل في استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة بما يستدعي مواصلة تشديد السياسة النقدية، والآخر يتمثل في تباطؤ النمو الاقتصادي أو تراجع الاستثمارات، ما قد يغيّر اتجاه السياسة النقدية.

وقالت: «أعتقد أن هناك سيناريو قد يتطلب منا مواصلة مكافحة تضخم يتبين أنه أكثر استدامة مما كنا نتوقع»، مشيرة، في الوقت نفسه، إلى احتمال أن «يفقد النمو زخمه أو تتباطأ الاستثمارات، إذا شعر المستثمرون بأن العوائد المرجوّة لم تتحقق بعد».

وأكدت أن الطفرة الاستثمارية المرتبطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي لا تزال قوية للغاية، إلى جانب استمرار استقرار سوق العمل، وهو ما يجعل من الصعب الجزم بالقرار المقبل لـ«الفيدرالي».

نهج تدريجي

وشددت دالي على أنها تؤيد اتباع نهج تدريجي في إدارة السياسة النقدية، قائلة: «أنا من أنصار التحرك التدريجي، وأُفضل أن نسير ببطء».

وأضافت: «لا أريد أن نتفاعل بسرعة مع تطوراتٍ يشهد فيها العالم تغيرات متسارعة»، في إشارة إلى ضرورة تجنب اتخاذ قرارات متسرعة، استناداً إلى بيانات مؤقتة أو متقلبة.

وأكدت أن «الاحتياطي الفيدرالي» ينبغي أن يواصل الاعتماد على البيانات الاقتصادية، سواء المتعلقة بالتضخم أم سوق العمل، دون تغيير المعايير التي يقيس بها تحقيق أهدافه.

وقالت: «علينا انتظار بيانات أفضل بشأن التضخم وسوق العمل، لكن دون تغيير الأهداف أو نقل سقف التوقعات».

تراجع النفط يدعم الاقتصاد

ورأت دالي أن انخفاض أسعار النفط، بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، يمثل تطوراً إيجابياً للاقتصاد الأميركي.

وقالت إن عودة أسعار النفط إلى الانخفاض تعد خبراً جيداً للمستهلكين وللاقتصاد، مُعربة عن أملها في أن يسهم ذلك في تخفيف الضغوط التضخمية، خلال الفترة المقبلة.

وأضافت أن السياسة النقدية الحالية، التي وصفتها بأنها «مقيدة بشكل طفيف»، ينبغي أن تساعد في استمرار تراجع التضخم نحو المستوى المستهدف.

التضخم والإسكان وسوق العمل

وأشارت دالي إلى أن التضخم في قطاع الإسكان يواصل التراجع داخل الولايات المتحدة، وهو ما يمثل مؤشراً مشجّعاً في مسار احتواء الضغوط السعرية.

كما أكدت أن سوق العمل الأميركية أصبحت أكثر استقراراً، وهو ما يمنح «الاحتياطي الفيدرالي» مساحة أكبر لتقييم البيانات المقبلة، قبل حسم قراره بشأن أسعار الفائدة.


السوق السعودية تتراجع 0.3 % مع ضغوط على الأسهم القيادية

رجل يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (أ.ف.ب)
رجل يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (أ.ف.ب)
TT

السوق السعودية تتراجع 0.3 % مع ضغوط على الأسهم القيادية

رجل يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (أ.ف.ب)
رجل يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (أ.ف.ب)

أنهى مؤشر السوق الرئيسية السعودية «تاسي» جلسة الخميس على تراجع بنسبة 0.3 في المائة، فاقداً 30 نقطة، ليغلق عند 10827 نقطة، وسط تداولات بلغت قيمتها نحو 4.3 مليار ريال.

وسجل المؤشر أعلى مستوى خلال الجلسة عند 10868 نقطة، فيما لامس أدنى مستوى له عند الإغلاق عند 10827 نقطة.

وجاء الأداء متوافقاً مع التحركات المحدودة في أسواق الخليج، في ظل ترقب المستثمرين تطورات المحادثات الأميركية-الإيرانية بعد انتهاء جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة في الدوحة دون تحقيق تقدم ملموس نحو اتفاق دائم.

وتراجع سهم «أرامكو السعودية» بأقل من 1 في المائة ليغلق عند 26.10 ريال، كما انخفض سهما «أكوا باور» و«معادن» بأكثر من 1 في المائة ليغلقا عند 194.30 ريال و58.90 ريال على التوالي.

وهبطت أسهم «مجموعة صافولا» و«محطة البناء» و«صالح الراشد» و«رسن» و«المركز الكندي الطبي» و«صناعات كهربائية» و«مهارة» و«سينومي ريتيل» و«المتقدمة» و«عناية» و«تسهيل» بنسب تراوحت بين 2 و5 في المائة.

في المقابل، ارتفعت أسهم «بي إس إف» و«المراعي» و«جرير» و«التصنيع» و«البنك الأول» بنسب تراوحت بين 1 و3 في المائة.

وتصدر سهم «الشرقية للتنمية» قائمة الأسهم المرتفعة بعد صعوده بالنسبة القصوى البالغة 10 في المائة إلى 15.86 ريال، وسط تداولات بلغت نحو 2.7 مليون سهم بقيمة 41 مليون ريال.

كما أغلق سهم «جزيرة تكافل» مرتفعاً 9 في المائة عند 13.09 ريال.


تباطؤ حاد في التوظيف الأميركي يمنح «الفيدرالي» فرصة لتثبيت الفائدة

باحث عن عمل ينتظر التحدث إلى مسؤول التوظيف في معرض التوظيف بفلوريدا (أ.ب)
باحث عن عمل ينتظر التحدث إلى مسؤول التوظيف في معرض التوظيف بفلوريدا (أ.ب)
TT

تباطؤ حاد في التوظيف الأميركي يمنح «الفيدرالي» فرصة لتثبيت الفائدة

باحث عن عمل ينتظر التحدث إلى مسؤول التوظيف في معرض التوظيف بفلوريدا (أ.ب)
باحث عن عمل ينتظر التحدث إلى مسؤول التوظيف في معرض التوظيف بفلوريدا (أ.ب)

أظهرت بيانات وزارة العمل الأميركية الصادرة يوم الخميس - قبل يوم من موعدها المعتاد بسبب عطلة اليوبيل ربع القرني (الـ250) لاستقلال الولايات المتحدة - تباطؤاً حاداً في وتيرة التوظيف خلال شهر يونيو (حزيران) الماضي؛ إذ أضاف الاقتصاد 57 ألف وظيفة فقط، وهو ما يقل عن نصف مبيعات الشهر السابق، وأقل بكثير من توقعات المحللين التي كانت تشير إلى 110 آلاف وظيفة.

ورغم هذا التراجع الحاد الذي يعكس حذر الشركات ومخاوفها الاقتصادية في ظل ملامسة التضخم لأعلى مستوياته في 3 سنوات، انخفض معدل البطالة إلى 4.2 في المائة مقارنة بـ4.3 في المائة في مايو (أيار). وفي حين عزت الدوائر الاقتصادية هذا الانخفاض إلى انكماش قوة العمل وخروج العاطلين عن البحث، أكد البيت الأبيض أن التقرير يرسخ متانة سوق العمل بفضل الأجندة الاقتصادية للرئيس دونالد ترمب، مستشهداً بالنمو المستمر لوظائف التصنيع وإنشاء المصانع، لا سيما في قطاع السلع المعمرة مثل الصلب والألمنيوم.

ودعم كوش ديساي، المساعد الخاص للرئيس والنائب الأول للمتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض، هذه النظرة التفاؤلية بالإشارة إلى الإعلان الصادر عن شركة «ماغنيتود 7 ميتالز» (Magnitude 7 Metals) بشأن إعادة تشغيل مصهر للألمنيوم في ولاية ميزوري، مؤكداً في بيان رسمي أن «الأميركيين يمكنهم الاعتماد على أن الأفضل لم يأتِ بعد».

ويأتي هذا الإعلان ليمثل انتصاراً سياسياً واقتصادياً لإدارة ترمب؛ إذ يُعد مصهر الشركة الواقع في مدينة مارستون بولاية ميزوري أحد المصاهر الاستراتيجية القليلة المتبقية لإنتاج الألمنيوم الأولي في الولايات المتحدة. وكان المصهر قد أغلق أبوابه بالكامل في أوائل عام 2024 مسرّحاً أكثر من 500 عامل بسبب الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة والمنافسة الأجنبية، قبل أن تنجح الأجندة الحمائية للإدارة الحالية في إعادة إحيائه، وهو ما يخدم قطاعات التصنيع العسكري والمدني، ويعيد وظائف التصنيع الثقيل إلى قلب «حزام الصدأ» الأميركي.

تعديلات هبوطية ومخاوف التضخم

ولم تتوقف المؤشرات المقلقة عند أرقام يونيو فحسب، بل أجرت الحكومة تعديلات هبوطية حادة على بيانات الشهرين الماضيين؛ إذ خُفضت وظائف مايو إلى 129 ألفاً (من أصل 172 ألفاً)، ووظائف أبريل (نيسان) إلى 148 ألفاً (من أصل 179 ألفاً)، مما يؤكد أن كبح جماح التوظيف بدأ يأخذ مساراً أعمق مما كان يُعتقد سابقاً.

وتأتي هذه البيانات بالتزامن مع بلوغ ثقة المستهلكين أدنى مستوياتها منذ حقبة الجائحة، مما يضع مجلس الاحتياطي الفيدرالي في موقف دقيق. فرغم الهدوء، يرى رئيس «الفيدرالي» الجديد، كيفين وارش، أن استمرار إضافة الوظائف - حتى وإن كانت منخفضة - مع بقاء الفائدة عند نطاق (3.50 في المائة - 3.75 في المائة)، قد لا يكون كافياً لتبريد التضخم والوصول به إلى مستهدف الـ2 في المائة، وإن كان المحللون يتوقعون أن يبقي «الفيدرالي» على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماع يوليو (تموز) الحالي ترقباً لبيانات التضخم المقبلة.

صدمة «المونديال» ونمو الرعاية الطبية

وعلى صعيد القطاعات، تلقى قطاع الضيافة والمطاعم والفنادق صدمة قوية بشطبه 61 ألف وظيفة، مما شكّل خيبة أمل كبرى للمراهنين على أن استضافة المدن الأميركية بطولة كأس العالم لكرة القدم ستنعش التوظيف المؤقت، كما خسر قطاع التجزئة 7500 وظيفة.

وفي المقابل، واصل قطاع الرعاية الصحية صدارته كأكثر القطاعات استقراراً بإضافة 47 ألف وظيفة، في حين أضاف قطاع الخدمات المهنية والتجارية - الذي يضم البرمجيات والهندسة المعمارية - 36 ألف وظيفة، على الرغم من الهواجس المستمرة بشأن تأثر هذه الوظائف بالتوسع في تبني أدوات الذكاء الاصطناعي.

«فجوة مهارات» وهجرة متراجعة

من الناحية الهيكلية، يرى اقتصاديون أن التباطؤ الحالي لا يعني بالضرورة انهياراً؛ فمع خروج جيل «الطفرة السكانية» إلى التقاعد، والتراجع الحاد في معدلات الهجرة الجديدة، أصبحت القوة العاملة الأميركية تنمو بالكاد، لدرجة أن نمواً بمقدار 57 ألف وظيفة بات كافياً للحفاظ على استقرار البطالة أو خفضها، تماشياً مع تدني معدل «نقطة التعادل» المطلوبة ديمغرافياً.

وعلى الرغم من النمو المتواضع للاقتصاد بنسبة 2.1 في المائة في الربع الأول، والمخاوف من تباطؤ أكبر في الربع الثاني، يرى محللون أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة قد تمنح الأسواق بعض التفاؤل؛ إذ أدى التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، إلى تراجع أسعار النفط لمستويات ما قبل الحرب، مما يقلل المخاطر الهبوطية على سوق العمل ويمنح المستهلكين ذوي الدخل المرتفع قدرة مستمرة على دعم مرونة الإنفاق الاستهلاكي في النصف الثاني من العام.