«الفيدرالي» المنقسم... محضر يوليو يكشف حسابات سبتمبر

المستثمرون يترقبون إشارات جديدة من اجتماع «الاحتياطي» الأخير... وبيانات الصين في الواجهة

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» أمام سماء زرقاء في واشنطن (رويترز)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» أمام سماء زرقاء في واشنطن (رويترز)
TT

«الفيدرالي» المنقسم... محضر يوليو يكشف حسابات سبتمبر

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» أمام سماء زرقاء في واشنطن (رويترز)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» أمام سماء زرقاء في واشنطن (رويترز)

تتجه الأنظار خلال الأسبوع الذي يبدأ في 17 أغسطس (آب) إلى مجموعة من البيانات والقرارات الاقتصادية التي قد ترسم ملامح السياسة النقدية وحركة أسواق العملات والسندات، وفي مقدمتها محضر اجتماع «الاحتياطي الفيدرالي» لشهر يوليو (تموز)، المقرر صدوره الأربعاء، بحثاً عن إشارات بشأن توجهات صانعي السياسة النقدية وإمكان رفع أسعار الفائدة في سبتمبر (أيلول). ويتزامن ذلك مع تراجع توقعات المستثمرين بعد صدور بيانات وظائف أميركية أضعف من المتوقع وانخفاض طفيف في التضخم، فيما لا تزال الأسواق تسعّر احتمالاً يبلغ 27 في المائة لرفع الفائدة الشهر المقبل. وفي أوروبا، تبرز بيانات مؤشرات مديري المشتريات والتضخم في بريطانيا، بينما تتركز الأنظار في آسيا على حزمة من البيانات الصينية واليابانية، وسط استمرار تأثير ارتفاع أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية. كما تواصل الأسواق متابعة أسعار النفط وتطورات الشرق الأوسط، ولا سيما المساعي الأميركية - الإيرانية واحتمالات إعادة فتح مضيق هرمز.

محضر «الفيدرالي» في الواجهة

في الولايات المتحدة، يترقب المستثمرون صدور محضر اجتماع «الاحتياطي الفيدرالي» لشهر يوليو (تموز) يوم الأربعاء، بحثاً عن مؤشرات تكشف مدى الانقسام داخل لجنة السوق المفتوحة، وما إذا كان صانعو السياسة يميلون إلى رفع أسعار الفائدة في سبتمبر (أيلول). وكانت اللجنة قد صوتت بأغلبية 9 مقابل 3 للإبقاء على سعر الفائدة ضمن نطاق 3.50 إلى 3.75 في المائة، فيما أيد ثلاثة أعضاء رفعها لكبح التضخم الذي لا يزال أعلى من المستهدف.

وتراجعت رهانات المستثمرين على رفع الفائدة الشهر المقبل بعد صدور بيانات وظائف أميركية أضعف من المتوقع، إلى جانب انخفاض طفيف في التضخم. وتسعّر أسواق المال الأميركية حالياً احتمالاً يبلغ 27 في المائة لرفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في سبتمبر، فيما لا يتم تسعير رفعها بالكامل قبل أوائل العام المقبل.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش في يوم مراسم تنصيبه (أرشيفية - رويترز)

ولا يقتصر اهتمام الأسواق على محضر «الفيدرالي»، إذ تتجه الأنظار أيضاً إلى مجموعة من البيانات الاقتصادية الأميركية، تشمل القراءة الأولية لمؤشرات مديري المشتريات لشهر أغسطس، ومسحي «إمباير ستيت» و«فيلادلفيا» للتصنيع، إلى جانب بيانات الإنتاج الصناعي وأسعار الواردات والصادرات وبدء بناء المنازل ومبيعات المنازل قيد الانتظار.

وفي كندا، تُصدر بيانات التضخم لشهر يوليو يوم الاثنين، حيث يتوقع الخبراء استقرار الضغوط السعرية الأساسية، مما يدعم اتجاه البنك المركزي الكندي للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير خلال ما تبقى من عام 2026.

أوروبا... الطاقة والتضخم تحت المجهر

وفي أوروبا، تتركز الأنظار على القراءات الأولية لمؤشرات مديري المشتريات لشهر أغسطس (آب) في فرنسا وألمانيا ومنطقة اليورو، والتي ستقدم مؤشرات على أداء اقتصادات المنطقة في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وتصاعد التوترات الجيوسياسية.

كما تصدر بيانات الوظائف والأجور في بريطانيا يوم الثلاثاء، تليها أرقام التضخم لشهر يوليو يوم الأربعاء. وتُعد حركة الأجور المؤشر الأهم لتقييم التأثيرات الثانوية للتضخم الناجم عن حرب إيران، وسط توقعات الأسواق بإمكانية رفع بنك إنجلترا لأسعار الفائدة قبل نهاية العام.

وتتوقع «إنفستك» تراجع المؤشر المركب لمنطقة اليورو، مع استمرار الجمود بين الولايات المتحدة وإيران بشأن مضيق هرمز، الذي أسهم في ارتفاع أسعار النفط والغاز مجدداً.

بيانات الصين واليابان ترسم صورة النمو

وفي آسيا، تتصدر البيانات الصينية لشهر يوليو (تموز) المشهد، حيث تُصدر السلطات يوم الاثنين حزمة بيانات مهمة لشهر يوليو (الإنتاج الصناعي، مبيعات التجزئة، والاستثمار في الأصول الثابتة). وتتوقع المؤسسات المالية مثل «غولدمان ساكس» استمرار ضعف الأداء في القطاع العقاري والصناعي، مما يعزز التوقعات بالمزيد من الدعم الحكومي.

حاوية في ميناء نينغبو-تشوشان بمدينة نينغبو في مقاطعة تشجيانغ شرقي الصين (أ.ف.ب)

أما اليابان، فتترقب الأسواق بيانات النمو الاقتصادي وسط توقعات ببلوغها نسبة 0.5 في المائة خلال الربع الثاني. كما تترقب طلبيات الآلات والتجارة والتضخم، إلى جانب عمليات شراء بنك اليابان للسندات الحكومية، في وقت بدأت فيه الأسواق تسعير قدر كبير من التشديد النقدي الإضافي.

وبالتوازي مع البيانات الاقتصادية، يبقى النفط والتطورات في الشرق الأوسط عاملاً مشتركاً يضغط على توقعات الأسواق العالمية، في ظل ترقب أي تقدم في المفاوضات الأميركية - الإيرانية قد يمهد لإعادة فتح مضيق هرمز، وما قد يترتب على ذلك من انعكاسات على أسعار الطاقة والتضخم، ولا سيما في الاقتصادات الأوروبية.


مقالات ذات صلة

تقرير التضخم يصدر اليوم... ويضع «الفيدرالي» أمام اختبار الفائدة الصعب

الاقتصاد زبائن يتسوقون لشراء البقالة في متجر «وول مارت» الكبير في نورث بيرغن بنيوجيرسي (رويترز)

تقرير التضخم يصدر اليوم... ويضع «الفيدرالي» أمام اختبار الفائدة الصعب

يتجه تقرير التضخم المقرر صدوره يوم الجمعة لأن يكون من بين أكثر تقارير التضخم تأثيراً في السياسة الاقتصادية الأميركية خلال السنوات الأخيرة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد أناس يسيرون خارج بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

عائد سندات الخزانة الأميركية لـ10 سنوات يصعد لأعلى مستوى منذ نوفمبر 2023

ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية، الخميس، مع تصاعد توقعات الأسواق برفع «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة في اجتماعه الأسبوع المقبل.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

«وول ستريت» تتراجع مع صعود النفط وتجدد مخاوف التضخم

تراجعت الأسهم الأميركية يوم الخميس تحت ضغط الارتفاع الحاد في أسعار النفط، مع عودة خام برنت إلى مستويات لم يشهدها منذ مايو.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد عامل يجمع طلبات لتسليمها من أرضية المستودع بمركز توزيع تابع لشركة «أمازون» في فينيكس بأريزونا (أرشيفية - رويترز)

الحرب تُنعش الضغوط التضخمية وتعاود رفع أسعار الجملة في الولايات المتحدة

عاود تضخم أسعار الجملة الارتفاع الشهر الماضي، بعد تراجع في وقت سابق من الصيف، في ظل استمرار ارتفاع أسعار النفط والغاز، في إبقاء التكاليف عند مستويات مرتفعة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد لافتة «مطلوب موظفون» معلّقة على واجهة مطعم في ميدفورد بماساتشوستس (رويترز)

انخفاض طفيف لطلبات إعانة البطالة الأميركية وسط استقرار سوق العمل

انخفض عدد الأميركيين المتقدمين بطلبات للحصول على إعانات البطالة، الأسبوع الماضي، مما يشير إلى استمرار انخفاض وتيرة تسريح العمالة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ارتفاع التضخم ومتانة النمو يهددان بمزيد من رفع الفائدة عالمياً

مبنى البنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى البنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
TT

ارتفاع التضخم ومتانة النمو يهددان بمزيد من رفع الفائدة عالمياً

مبنى البنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى البنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

أدت الضغوط التضخمية المستمرة ومتانة النمو الاقتصادي إلى زيادة مخاطر لجوء البنوك المركزية الكبرى إلى مزيد من رفع أسعار الفائدة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الطاقة واستمرار التوترات في الشرق الأوسط من دون مؤشرات تذكر على انحسارها.

ورفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس يوم الخميس، فيما قد تمهد اجتماعات مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» و«المركزي الياباني» المرتقبة الأسبوع المقبل الطريق أمام مزيد من التشديد النقدي، وفق «رويترز».

وفيما يلي ترتيب البنوك المركزية في مجموعة الدول العشر الكبرى المتقدمة وفقاً لمستويات أسعار الفائدة الرئيسية، من الأعلى إلى الأدنى:

1- أستراليا

رفع بنك الاحتياطي الأسترالي أسعار الفائدة ثلاث مرات هذا العام إلى 4.35 في المائة، ليلغي بذلك بالكامل التخفيضات التي أجراها العام الماضي. ويبدو الباب مفتوحاً بقوة أمام رفع جديد للفائدة، لا سيما بعد صدور بيانات التضخم المرتفعة في يوليو (تموز). وقال نائب محافظ البنك المركزي إن صناع السياسة سيناقشون إمكانية رفع الفائدة خلال اجتماعهم المقرر في وقت لاحق من هذا الشهر. وتشير توقعات الأسواق إلى ترجيح رفع البنك أسعار الفائدة خلال ذلك الاجتماع.

2- النرويج

تسجل النرويج أحد أعلى مستويات أسعار الفائدة بين دول مجموعة العشر، ويبدو أنها تقترب من نهاية دورة رفع الفائدة. وأبقى بنك النرويج، الذي يعقد اجتماعه المقبل في 24 سبتمبر (أيلول)، أسعار الفائدة دون تغيير عند 4.25 في المائة في أغسطس (آب)، مشيراً إلى أن التضخم بدأ يتراجع. وفي الوقت نفسه، نما الاقتصاد بوتيرة أبطأ من المتوقع خلال الربع الثاني، مسجلاً 0.3 في المائة فقط، بينما تسعّر الأسواق حالياً رفعاً إضافياً للفائدة بمقدار 25 نقطة أساس قبل نهاية العام.

3- بريطانيا

من المتوقع أن يُبقي بنك إنجلترا أسعار الفائدة دون تغيير عند 3.75 في المائة خلال اجتماعه الأسبوع المقبل، فيما ستتركز أنظار الأسواق على كيفية تصويت أعضاء لجنة السياسة النقدية. وكان ثلاثة أعضاء قد أيدوا رفع الفائدة في يوليو (تموز). وتسعّر الأسواق حالياً رفعاً جديداً للفائدة قبل نهاية العام، في حين يبدو أن محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي يميل إلى مواصلة نهج الانتظار والترقب.

4- الولايات المتحدة

تدخل الأسواق اجتماع «الاحتياطي الفيدرالي» الأسبوع المقبل وهي تسعّر احتمالاً يتجاوز 50 في المائة لرفع أسعار الفائدة، ما يترك مجالاً لمفاجأة في حال جاء القرار مغايراً للتوقعات. وأدت البيانات الاقتصادية الأخيرة، بما في ذلك قوة بيانات الوظائف التي صدرت الأسبوع الماضي، إلى جانب تصريحات مسؤولي «الاحتياطي الفيدرالي»، إلى ترجيح تبني سياسة نقدية أكثر تشدداً. وقال رئيس «الاحتياطي الفيدرالي»، كيفين وارش، إنه سيتجنب تقديم «توجيهات مستقبلية» بشأن السياسة النقدية، معتبراً أن ذلك يقيد أيدي صناع السياسة ويرفع سقف توقعات الجمهور، التي قد يضطر البنك لاحقاً إلى تغييرها.

5- نيوزيلندا

رفع بنك الاحتياطي النيوزيلندي أسعار الفائدة للاجتماع الثاني على التوالي إلى 2.75 في المائة في وقت سابق من هذا الشهر، بما يتماشى مع التوقعات. لكن البنك ألمح أيضاً إلى أن أي تشديد إضافي للسياسة النقدية سيكون على الأرجح تدريجياً ومدروساً، مع تزايد المخاطر المحيطة بآفاق الاقتصاد. وتسعّر الأسواق احتمالاً مرتفعاً لرفع آخر للفائدة قبل نهاية العام.

6- منطقة اليورو

رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة للمرة الثانية هذا العام يوم الخميس، وتبنى لهجة أكثر تشدداً في ظل ارتفاع أسعار الطاقة. وتسعّر الأسواق حالياً رفعاً واحداً على الأقل لأسعار الفائدة قبل نهاية العام، مع توقعات بوصول سعر فائدة الإيداع إلى أكثر من 3 في المائة في عام 2027. لكن بعض الاقتصاديين يتوقعون أن يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى الضغط على النمو الاقتصادي، وأن يساعد في الحد من الضغوط التضخمية خلال العام المقبل.

7- كندا

أبقى بنك كندا أسعار الفائدة دون تغيير الأسبوع الماضي، لكن محافظه، تيف ماكلم، قال إن البنك قد يرفع أسعار الفائدة عدة مرات إذا ظل التضخم مرتفعاً. ويمثل ذلك تحولاً عن تصريحاته السابقة، التي كان يشير فيها إلى أن مخاطر ارتفاع التضخم ومخاطر تباطؤ النمو كانت متوازنة إلى حد كبير. ومنذ ذلك الحين، ظهرت مؤشرات على تباطؤ سوق العمل، فيما تلقي التوترات التجارية مع الولايات المتحدة بظلالها على آفاق الاقتصاد. ومع ذلك، لا تزال الأسواق تسعّر رفعاً آخر للفائدة قبل نهاية العام.

8- السويد

ينتمي البنك المركزي السويدي «ريكس بنك» إلى المعسكر الأكثر ميلاً إلى التيسير النقدي، ومن المتوقع أن يُبقي سعر الفائدة الرئيسي عند 1.75 في المائة خلال اجتماعه في وقت لاحق من هذا الشهر. وجاءت بيانات التضخم لشهر أغسطس (آب) دون التوقعات، ما عزز هذا الاتجاه. ومع ذلك، تتوقع الأسواق ارتفاع أسعار الفائدة في وقت لاحق من هذا العام.

9- اليابان

من المتوقع أن يرفع بنك اليابان أسعار الفائدة إلى 1.25 في المائة خلال اجتماعه المرتقب بشدة الأسبوع المقبل، لكن المستثمرين سيركزون على مدى تشدد لهجة صناع السياسة النقدية في أعقاب الاجتماع. وساهمت توقعات رفع الفائدة في دفع الين إلى تسجيل مكاسب قوية، فيما ألمح بعض أعضاء بنك اليابان إلى الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة بوتيرة سريعة إذا تسارع التضخم. ويتوقع اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم ارتفاع أسعار الفائدة إلى 1.75 في المائة في الربع الثاني من عام 2027، في وقت أبكر مما كان متوقعاً سابقاً.

10- سويسرا

تتوقع الأسواق أن يُبقي البنك الوطني السويسري سعر الفائدة الرئيسي عند صفر في المائة خلال اجتماعه في 24 سبتمبر، وأن يحافظ عليه عند هذا المستوى حتى العام المقبل. وأدت بيانات أظهرت ارتفاع أسعار المستهلكين إلى جانب قوة النمو الاقتصادي إلى زيادة احتمالات تحرك البنك نحو رفع الفائدة في وقت أبكر. ومع ذلك، ساهمت قوة الفرنك السويسري في كبح التضخم، ما قلل الحاجة إلى مزيد من التشديد النقدي.


تصاعد مخاطر الطاقة يعزز توجه «المركزي الأوروبي» لمزيد من رفع الفائدة

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
TT

تصاعد مخاطر الطاقة يعزز توجه «المركزي الأوروبي» لمزيد من رفع الفائدة

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

مهد اثنان من صناع السياسة في البنك المركزي الأوروبي يوم الجمعة الطريق أمام مزيد من الزيادات في أسعار الفائدة، في حال استمرار ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب، وما قد يترتب عليه من ارتفاع في أسعار سلع أخرى في منطقة اليورو.

وكان البنك المركزي الأوروبي قد رفع تكاليف الاقتراض يوم الخميس للمرة الثانية هذا العام، بمقدار 25 نقطة أساس، بما يتماشى مع التوقعات، ليصل به إلى الحد الأعلى للنطاق المحايد المقدر، وهو النطاق الذي لا يحفز الاقتصاد ولا يبطئه، فيما أفادت مصادر لـ«رويترز» بأن صناع السياسة يتوقعون مزيداً من تشديد السياسة النقدية خلال الأشهر المقبلة، مع احتمال اتخاذ إجراء بهذا الصدد في وقت مبكر قد يكون في أكتوبر (تشرين الأول).

وأقر مسؤولون في البنكين المركزيين الألماني والإستوني بهذا الاحتمال يوم الجمعة، مع تأكيدهما أن أي خطوة ستعتمد على تطورات أسعار النفط والغاز.

وقال يواخيم ناجل، رئيس البنك المركزي الألماني، إن البنك المركزي الأوروبي قد يحتاج إلى رفع أسعار الفائدة إلى مستوى من شأنه أن يؤدي إلى كبح الاقتصاد بشكل طفيف.

وصرح لشبكة «سي إن بي سي» في مقابلة قائلاً: «لن أستبعد احتمال اضطرارنا للدخول في نطاق تقييدي طفيف، ولكن كما قلت، يعتمد الأمر بشكل كبير على كيفية تطور أسعار الطاقة، وكيفية تطور مشهد الأسعار خلال الشهر المقبل ربما».

وبدأت أسواق المال في تسعير احتمال إجراء ثلاث زيادات أخرى على الأقل في أسعار الفائدة من قبل البنك المركزي الأوروبي خلال العام المقبل، فيما تتوقع مؤسسات «غولدمان ساكس» و«سيتي غروب» و«باركليز» أن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة مجدداً في ديسمبر (كانون الأول)، بينما يتوقع «سيتي» رفعاً إضافياً في مارس (آذار) 2027.

وقال أولو كاسيك، محافظ البنك المركزي الإستوني، إن هذه التوقعات «مفهومة» في ضوء الزيادة الأخيرة في أسعار الوقود، وخطر ارتفاع أسعار المواد الغذائية أيضاً.

وذكر في تدوينة له أن «التطورات الأخيرة في أسواق الطاقة، على سبيل المثال، تشير إلى احتمال أن تكون الزيادة في أسعار الغاز والوقود أكبر بكثير ولمدة أطول مما كان متوقعاً في التقديرات».

كما حذر بريموز دولينك، محافظ البنك المركزي السلوفيني، في تدوينة له من «ارتفاع تكاليف الطاقة والكهرباء خلال أشهر الخريف والشتاء».

وكان البنك المركزي الأوروبي قد رفع قليلاً يوم الخميس توقعاته للنمو والتضخم، لكن هذه التوقعات لم تأخذ في الحسبان التحركات الأخيرة في أسعار الطاقة. وأدى الصراع المستمر منذ ستة أشهر في الشرق الأوسط إلى تدهور آفاق التضخم والنمو في منطقة اليورو، فيما دفعت تجدد الهجمات بين الولايات المتحدة وإيران أسعار النفط الخام إلى تجاوز 100 دولار للبرميل، ما يهدد بمزيد من الضغوط الصعودية على أسعار المستهلكين.

ويتوقع البنك المركزي الأوروبي بقاء التضخم أعلى من مستهدفه البالغ 2 في المائة لفترة ممتدة، فيما قال «باركليز» إن قرار رفع الفائدة، الذي وصفه بأنه «لا يحتاج إلى تفكير»، يعكس استمرار تركيز صناع السياسة على كبح التضخم، الذي لا يتوقع البنك المركزي الأوروبي عودته إلى مستهدفه قبل أواخر عام 2027.

وقال «غولدمان ساكس» إن رفع الفائدة في ديسمبر سيدفع أسعار الفائدة إلى «منطقة تقييدية بشكل طفيف».

وقال اقتصاديون في «سيتي»: «كلما طال أمد بقاء التضخم عند مستويات مرتفعة، زادت مخاطر تحوله إلى ظاهرة متأصلة في الاقتصاد».

وكان البنك المركزي الأوروبي قد رفع تكاليف الاقتراض بقوة خلال السنوات الماضية في مسعى لكبح التضخم، إلا أن المسؤولين شددوا بصورة متزايدة على أن قرارات السياسة النقدية ستظل مرتبطة بالبيانات الاقتصادية.

وحسب بيانات «إل إس إي جي»، تسعّر الأسواق حالياً احتمالاً يبلغ 93.9 في المائة لرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في ديسمبر.

ومن المقرر أن يعقد البنك اجتماعه المقبل في 29 أكتوبر. وتتجه الأنظار أيضاً إلى اجتماعَي «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي وبنك اليابان المرتقبين الأسبوع المقبل، واللذين قد يعززان اتجاه التشديد النقدي عالمياً إذا ألمح صناع السياسة إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.


الديزل الأميركي يتجاوز 6 دولارات لأول مرة

لافتة في محطة وقود بولاية كاليفورنيا الأميركية تُظهِر تخطي سعر الديزل مستوى 6 دولارات للغالون للمرة الأولى في التاريخ (أ ب)
لافتة في محطة وقود بولاية كاليفورنيا الأميركية تُظهِر تخطي سعر الديزل مستوى 6 دولارات للغالون للمرة الأولى في التاريخ (أ ب)
TT

الديزل الأميركي يتجاوز 6 دولارات لأول مرة

لافتة في محطة وقود بولاية كاليفورنيا الأميركية تُظهِر تخطي سعر الديزل مستوى 6 دولارات للغالون للمرة الأولى في التاريخ (أ ب)
لافتة في محطة وقود بولاية كاليفورنيا الأميركية تُظهِر تخطي سعر الديزل مستوى 6 دولارات للغالون للمرة الأولى في التاريخ (أ ب)

تجاوز متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة مستوى 6 دولارات للغالون للمرة الأولى في التاريخ، في تطور يهدِّد برفع تكاليف النقل والشحن وسلاسل الإمداد، وإضافة موجة جديدة من الضغوط التضخمية على أكبر اقتصاد في العالم، بعدما اجتمعت تداعيات الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع النفط مع الهجمات الأوكرانية على مصافي التكرير الروسية.

وبلغ متوسط سعر الغالون الأميركي، الذي يعادل نحو 3.785 لتر، مستوى قياسياً عند 6.06 دولار الجمعة، وفق بيانات «الجمعية الأميركية للسيارات». ويعادل ذلك نحو 1.60 دولار للتر، ويضع السعر فوق الذروة التاريخية التي سجَّلها الديزل خلال أزمة الطاقة العالمية في 2022.

حاجز تاريخي

ويكتسب تجاوز مستوى 6 دولارات أهمية أكبر بالنسبة للاقتصاد الأميركي، لأن الديزل يمثل الوقود الأساسي للشاحنات التي تنقل السلع بين الولايات والموانئ والمخازن والمتاجر، فضلاً عن استخدامه في قطاعات الزراعة والبناء والصناعة والنقل بالسكك الحديدية.

وبالتالي، فإن ارتفاع سعره لا يبقى محصوراً في محطات الوقود، وإنما ينتقل تدريجياً إلى تكاليف المنتجات والغذاء والخدمات اللوجيستية.

وجاءت القفزة الأخيرة بالتزامن مع عودة النفط إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل. وبلغ خام برنت 105.62 دولار للبرميل خلال تعاملات الجمعة، بينما سجل خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 101.10 دولار. ورغم تراجعهما خلال الجلسة، ظل الخامان مرتفعين بنحو 13 في المائة خلال الأسبوع، في أكبر مكاسب أسبوعية، منذ منتصف يوليو (تموز).

وتصاعدت المخاوف مع استمرار القيود على حركة الناقلات عبر مضيق هرمز، وتزايد الهجمات على السفن، فضلاً عن اتساع التهديدات إلى البحر الأحمر. كما ساهمت الهجمات الأوكرانية على منشآت التكرير الروسية في زيادة الضغوط على أسواق المنتجات النفطية.

ذروة 2022

وتعيد الأسعار الحالية إلى الذاكرة أزمة 2022، عندما أحدثت الحرب الروسية - الأوكرانية اضطراباً واسعاً في تجارة الطاقة العالمية.

ووفق البيانات التاريخية لـ«إدارة معلومات الطاقة الأميركية»، ارتفع متوسط سعر الديزل الأسبوعي في الولايات المتحدة إلى مستوى قياسي سابق بلغ نحو 5.81 دولار للغالون، في يونيو (حزيران) 2022.

وقبل ذلك، كانت الأزمة المالية العالمية وطفرة أسعار السلع في 2008 قد دفعت الديزل إلى مستويات غير مسبوقة آنذاك، عندما تجاوز متوسطه 4.7 دولار للغالون في يوليو، بالتزامن مع اقتراب النفط الخام من 150 دولاراً للبرميل.

وبذلك، مرَّت سوق الديزل الأميركية بثلاث موجات تاريخية رئيسية خلال أقل من عقدين، هي صدمة النفط في 2008، ثم أزمة الطاقة المرتبطة بالحرب في أوكرانيا عام 2022، وصولاً إلى أزمة 2026 التي دفعت السعر للمرة الأولى فوق 6 دولارات.

لكن المقارنة بين هذه الفترات تتطلب الأخذ في الاعتبار التضخم، فالدولار في 2008 كان يتمتع بقوة شرائية أكبر من اليوم؛ ما يجعل التكلفة الاقتصادية الحقيقية لبعض الذرى السابقة أعلى مما توحي به المقارنة الاسمية وحدها. ومع ذلك، يظل مستوى 6.06 دولار أعلى سعر اسمي مسجَّل للديزل الأميركي.

لماذا الديزل أكثر حساسية؟

لا يتحرك سعر الديزل بالتوازي التام مع النفط الخام؛ فإلى جانب تكلفة الخام، يعتمد السعر على قدرة مصافي التكرير والمخزونات والطلب الموسمي وتكلفة النقل وهوامش التكرير.

ولهذا يمكن أن ترتفع أسعار الديزل حتى بوتيرة أسرع من النفط عندما تتعرض المصافي أو إمدادات المنتجات المكررة للاضطراب. وهذا ما يجعل الهجمات على المصافي الروسية عاملاً إضافياً إلى جانب أزمة حرب إيران.

كما أن الولايات المتحدة ليست معزولة عن سوق الديزل العالمية، حتى مع كونها منتجاً رئيسياً للنفط. فالمنتجات المكررة تتدفق بين الأسواق وفق الأسعار والطلب، وبالتالي تؤدي الاختناقات العالمية إلى رفع قيمة الوقود الأميركي أيضاً.

واقتصادياً، يمثل ارتفاع الديزل ما يشبه ضريبة غير مباشرة على الشركات والمستهلكين. فشركات النقل البري تواجه زيادة فورية في فاتورة الوقود، بينما تحاول تمرير جانب منها إلى العملاء من خلال رسوم الشحن. وتواجه المزارع تكلفة أعلى لتشغيل المعدات ونقل المحاصيل، في حين ترتفع نفقات شركات البناء والتوزيع.

يأتي ذلك في توقيت حساس للسياسة النقدية الأميركية؛ إذ دفعت قفزة النفط المستثمرين بالفعل إلى زيادة رهاناتهم على رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة لمواجهة التضخم.

أما المسار المقبل للأسعار، فسيتوقف بدرجة كبيرة على مدة اضطراب الإمدادات. فإذا تحسَّنت حركة الناقلات عبر مضيق هرمز وتراجعت أسعار النفط، يمكن أن تنحسر الضغوط سريعاً. لكن استمرار الخام فوق 100 دولار، بالتزامن مع اضطرابات التكرير قد يبقي الديزل فوق مستوياته التاريخية.

وبعد أن كانت ذروة 2022 تمثل المعيار الذي تقاس إليه أزمات الوقود الأميركية، رسم تجاوز 6 دولارات للغالون خطاً جديداً. والخطر الأكبر لا يكمن في الرقم القياسي ذاته، بل في المدة التي سيظل خلالها وقود الاقتصاد الأميركي عند هذه المستويات، ومدى انتقال تكلفته من خزانات الشاحنات إلى أسعار السلع وفواتير المستهلكين.