تحركات صينية مكثفة لخفض التصعيد في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، مع زيارات يقوم بها حالياً أكثر من مبعوث صيني للمنطقة، تشمل إريتريا وإثيوبيا ومصر وجيبوتي.
تلك الجهود الصينية يراها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أنها تبلور وساطة قد تنجح في «تجميد الصراع» وليس تقديم تسوية نهائية.
واندلع تصعيد في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، بدأته إثيوبيا منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي مع إريتريا بقطع العلاقات الدبلوماسية، وتبادل طرد دبلوماسيين مع مصر، وصولاً إلى غلق قنصلية سودانية قبل أيام، وسط مخاوف من اندلاع حرب إثيوبية - إريترية، بسبب النزاع في إقليم تيغراي بعد اتهامات إثيوبية لأسمرة بـ«دعم التمرد».
وأعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينغ، في وقت سابق، أن الممثل الخاص للحكومة الصينية للشؤون الأفريقية ليو شيان فا سيزور إثيوبيا وجيبوتي ومصر خلال النصف الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، فيما سيزور المبعوث الخاص لوزارة الخارجية الصينية لشؤون القرن الأفريقي تشانغ تشون، إريتريا.
وبالفعل عقد ليو شيان فا اجتماعاً مع وزير الخارجية الإثيوبي جيديون تيموثيوس، وعبّر عن أمل بكين «في أن يهدأ الوضع في القرن الأفريقي في أقرب وقت ممكن»، مبدياً استعداد الصين «للعمل مع جميع الأطراف للاضطلاع بدور بنّاء في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة»، وفق بيان لـ«الخارجية الصينية»، الخميس.
ومساء الخميس، التقى رئيس إريتريا أسياس أفورقي، المبعوث الخاص الصيني لشؤون القرن الأفريقي، وركَّزت المحادثات الواسعة على العلاقات الثنائية والتطورات الجارية في المنطقة، فيما كرر المبعوث الصيني، موقف بكين «من أهمية احترام سيادة إريتريا وسلامة أراضيها»، حسب ما ذكره وزير الإعلام الإريتري يماني قبر مسقل عبر حسابه بمنصة «إكس».
ويرى الخبير الصيني في العلاقات الدولية، يحيى تشو شيوان، أن هذا التحرك «يعكس حرص الصين على القيام بدور بنّاء في تهدئة التوترات ومنع مزيد من التصعيد في منطقة القرن الأفريقي، في ظل تمتعها بعلاقات صداقة وتعاون مع كل من إثيوبيا وإريتريا، وهي تؤكد باستمرار احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وتدعو إلى معالجة الخلافات عبر الحوار والتشاور، بعيداً عن استخدام القوة أو التهديد بها».
ويعتقد أن «نجاح الجهود الدبلوماسية لا يتوقف على التحرك الصيني وحده الذي سيساعد في منع التصعيد، بل يعتمد بالدرجة الأولى على الإرادة السياسية لدى الأطراف المعنية واستعدادها للعودة إلى الحوار»، ويؤكد أن «مصر وجيبوتي دولتان مهمتان في هذه المعادلة، بحكم موقعهما الجغرافي ودورهما الإقليمي، ولذلك فإن التشاور معهما يُساعد على فهم مختلف الشواغل، وتعزيز الجهود الرامية إلى خفض التوترات».
ويرى المحلل السوداني المختص بالشأن الأفريقي محمد شمس الدين، أن «بكين تستشعر الخطر الاستراتيجي الذي قد ينجم عن أطماع إثيوبيا في الوصول إلى البحر الأحمر». ويلفت إلى أن «الصين تسعى إلى سد الفراغ الدبلوماسي الغربي الذي غاب بصورة لافتة عن قضايا منطقة القرن الأفريقي؛ حيث تراجع الدور الأميركي في أسمرة وفي أديس أبابا»، مشيراً إلى أن «بكين تسعى إلى تقديم نفسها بوصفها ضامناً أمنياً موثوقاً يحترم سيادة الدول، ولا يتدخل في شؤونها الداخلية».
ويتابع: «يتضح ذلك في حرصها على إيفاد مبعوثين للقاء القيادتين، في وقت متزامن لتأكيد وقوفها على مسافة واحدة من الطرفين ولعب دور ناقل الرسائل الموثوق سعياً منها لتخفيف حدة الاستقطاب».

والتقى رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، الجمعة، رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف على هامش «القمة الثانية للأحزاب السياسية الأفريقية» التي تستضيفها أديس أبابا حالياً، وناقشا الحوكمة القارية والعمليات السياسية الشاملة وأولويات التنمية طويلة المدى وتعزيز قيادة أفريقيا والقضايا الرئيسية التي تُشكل مستقبل القارة، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الإثيوبية»، دون تفاصيل أكثر.
وأثارت إثيوبيا مخاوف أفريقية عقب إعلان تسلّم صفقة تضم مبدئياً 12 مقاتلة من طراز «سوخوي-35» من الجيل الرابع المطور «4++»، وقال رئيس وزراء إثيوبيا نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إنها تُعزز «قدرة إثيوبيا على الردع الاستراتيجي».
ويرى تشو شيوان، أن «الموقف الصيني يقوم على مبدأ أن الحلول يجب أن تنطلق من دول المنطقة نفسها، مع دعم دور الاتحاد الأفريقي والمنظمات الإقليمية»، متوقعاً أن «تكون الأولوية في المرحلة الحالية هي تهيئة الظروف للحوار، ووقف التصعيد، تمهيداً للتوصل إلى حل أشمل للأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر».
ووفق شمس الدين، فإن «بكين تتمتع بأوراق ضغط ومزايا تجعلها قادرة على إحداث اختراق لإنجاح هذه الوساطة المحفوفة بعدد من التحديات الإقليمية، وأبرز تلك الأوراق النفوذ والثقل الاقتصادي الواسع، كون طاولة الحوار الصينية أكثر قبولاً من المنابر الغربية»، على حد قوله.
ويرجح أن تنجح بكين في «تجميد الصراع» ومنع انزلاقه لمواجهة عسكرية مباشرة عبر إرساء قواعد اشتباك جديدة، لكنها «ستجد صعوبة بالغة في تحقيق تسوية نهائية تلبي الطموحات الجيوسياسية لإثيوبيا وإريتريا».




