مساعٍ صينية مكثفة لـ«التهدئة» بين دول القرن الأفريقي

وفد دبلوماسي زار إريتريا وإثيوبيا ضمن جولة تشمل مصر وجيبوتي

ضابط شرطة يسير أمام عَلَمي إثيوبيا وإريتريا قبل زيارة الرئيس الإريتري إلى أديس أبابا في يوليو 2018 (رويترز)
ضابط شرطة يسير أمام عَلَمي إثيوبيا وإريتريا قبل زيارة الرئيس الإريتري إلى أديس أبابا في يوليو 2018 (رويترز)
TT

مساعٍ صينية مكثفة لـ«التهدئة» بين دول القرن الأفريقي

ضابط شرطة يسير أمام عَلَمي إثيوبيا وإريتريا قبل زيارة الرئيس الإريتري إلى أديس أبابا في يوليو 2018 (رويترز)
ضابط شرطة يسير أمام عَلَمي إثيوبيا وإريتريا قبل زيارة الرئيس الإريتري إلى أديس أبابا في يوليو 2018 (رويترز)

تحركات صينية مكثفة لخفض التصعيد في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، مع زيارات يقوم بها حالياً أكثر من مبعوث صيني للمنطقة، تشمل إريتريا وإثيوبيا ومصر وجيبوتي.

تلك الجهود الصينية يراها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أنها تبلور وساطة قد تنجح في «تجميد الصراع» وليس تقديم تسوية نهائية.

واندلع تصعيد في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، بدأته إثيوبيا منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي مع إريتريا بقطع العلاقات الدبلوماسية، وتبادل طرد دبلوماسيين مع مصر، وصولاً إلى غلق قنصلية سودانية قبل أيام، وسط مخاوف من اندلاع حرب إثيوبية - إريترية، بسبب النزاع في إقليم تيغراي بعد اتهامات إثيوبية لأسمرة بـ«دعم التمرد».

وأعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينغ، في وقت سابق، أن الممثل الخاص للحكومة الصينية للشؤون الأفريقية ليو شيان فا سيزور إثيوبيا وجيبوتي ومصر خلال النصف الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، فيما سيزور المبعوث الخاص لوزارة الخارجية الصينية لشؤون القرن الأفريقي تشانغ تشون، إريتريا.

وبالفعل عقد ليو شيان فا اجتماعاً مع وزير الخارجية الإثيوبي جيديون تيموثيوس، وعبّر عن أمل بكين «في أن يهدأ الوضع في القرن الأفريقي في أقرب وقت ممكن»، مبدياً استعداد الصين «للعمل مع جميع الأطراف للاضطلاع بدور بنّاء في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة»، وفق بيان لـ«الخارجية الصينية»، الخميس.

ومساء الخميس، التقى رئيس إريتريا أسياس أفورقي، المبعوث الخاص الصيني لشؤون القرن الأفريقي، وركَّزت المحادثات الواسعة على العلاقات الثنائية والتطورات الجارية في المنطقة، فيما كرر المبعوث الصيني، موقف بكين «من أهمية احترام سيادة إريتريا وسلامة أراضيها»، حسب ما ذكره وزير الإعلام الإريتري يماني قبر مسقل عبر حسابه بمنصة «إكس».

ويرى الخبير الصيني في العلاقات الدولية، يحيى تشو شيوان، أن هذا التحرك «يعكس حرص الصين على القيام بدور بنّاء في تهدئة التوترات ومنع مزيد من التصعيد في منطقة القرن الأفريقي، في ظل تمتعها بعلاقات صداقة وتعاون مع كل من إثيوبيا وإريتريا، وهي تؤكد باستمرار احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وتدعو إلى معالجة الخلافات عبر الحوار والتشاور، بعيداً عن استخدام القوة أو التهديد بها».

ويعتقد أن «نجاح الجهود الدبلوماسية لا يتوقف على التحرك الصيني وحده الذي سيساعد في منع التصعيد، بل يعتمد بالدرجة الأولى على الإرادة السياسية لدى الأطراف المعنية واستعدادها للعودة إلى الحوار»، ويؤكد أن «مصر وجيبوتي دولتان مهمتان في هذه المعادلة، بحكم موقعهما الجغرافي ودورهما الإقليمي، ولذلك فإن التشاور معهما يُساعد على فهم مختلف الشواغل، وتعزيز الجهود الرامية إلى خفض التوترات».

ويرى المحلل السوداني المختص بالشأن الأفريقي محمد شمس الدين، أن «بكين تستشعر الخطر الاستراتيجي الذي قد ينجم عن أطماع إثيوبيا في الوصول إلى البحر الأحمر». ويلفت إلى أن «الصين تسعى إلى سد الفراغ الدبلوماسي الغربي الذي غاب بصورة لافتة عن قضايا منطقة القرن الأفريقي؛ حيث تراجع الدور الأميركي في أسمرة وفي أديس أبابا»، مشيراً إلى أن «بكين تسعى إلى تقديم نفسها بوصفها ضامناً أمنياً موثوقاً يحترم سيادة الدول، ولا يتدخل في شؤونها الداخلية».

ويتابع: «يتضح ذلك في حرصها على إيفاد مبعوثين للقاء القيادتين، في وقت متزامن لتأكيد وقوفها على مسافة واحدة من الطرفين ولعب دور ناقل الرسائل الموثوق سعياً منها لتخفيف حدة الاستقطاب».

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية في أديس أبابا يوليو 2018 (رويترز)

والتقى رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، الجمعة، رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف على هامش «القمة الثانية للأحزاب السياسية الأفريقية» التي تستضيفها أديس أبابا حالياً، وناقشا الحوكمة القارية والعمليات السياسية الشاملة وأولويات التنمية طويلة المدى وتعزيز قيادة أفريقيا والقضايا الرئيسية التي تُشكل مستقبل القارة، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الإثيوبية»، دون تفاصيل أكثر.

وأثارت إثيوبيا مخاوف أفريقية عقب إعلان تسلّم صفقة تضم مبدئياً 12 مقاتلة من طراز «سوخوي-35» من الجيل الرابع المطور «4++»، وقال رئيس وزراء إثيوبيا نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إنها تُعزز «قدرة إثيوبيا على الردع الاستراتيجي».

ويرى تشو شيوان، أن «الموقف الصيني يقوم على مبدأ أن الحلول يجب أن تنطلق من دول المنطقة نفسها، مع دعم دور الاتحاد الأفريقي والمنظمات الإقليمية»، متوقعاً أن «تكون الأولوية في المرحلة الحالية هي تهيئة الظروف للحوار، ووقف التصعيد، تمهيداً للتوصل إلى حل أشمل للأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر».

ووفق شمس الدين، فإن «بكين تتمتع بأوراق ضغط ومزايا تجعلها قادرة على إحداث اختراق لإنجاح هذه الوساطة المحفوفة بعدد من التحديات الإقليمية، وأبرز تلك الأوراق النفوذ والثقل الاقتصادي الواسع، كون طاولة الحوار الصينية أكثر قبولاً من المنابر الغربية»، على حد قوله.

ويرجح أن تنجح بكين في «تجميد الصراع» ومنع انزلاقه لمواجهة عسكرية مباشرة عبر إرساء قواعد اشتباك جديدة، لكنها «ستجد صعوبة بالغة في تحقيق تسوية نهائية تلبي الطموحات الجيوسياسية لإثيوبيا وإريتريا».


مقالات ذات صلة

النهر ليس مقابل البحر... رفض مصري لـ«المقايضة الإثيوبية»

شمال افريقيا لقاء بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد على هامش «القمة الأفريقية - الروسية» في 2019 (الرئاسة المصرية)

النهر ليس مقابل البحر... رفض مصري لـ«المقايضة الإثيوبية»

وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا طالب مصر بالمساهمة في بناء السدود الجديدة التي تعتزم بلاده إقامتها على روافد النيل

هشام المياني (القاهرة )
شمال افريقيا الرئيس الإريتري آسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية في أديس أبابا يوليو 2018 (رويترز)

شروط إريتريا للحوار مع إثيوبيا... هل تعرقل مسار التهدئة؟

حديث إريتري جديد عن «إمكانية حوار» يجمع أسمرة وأديس أبابا تضمن شروطاً، وسط تصاعد التوترات بين البلدين منذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا السفير الإسرائيلي خلال تقديم أوراق اعتماده لرئيس إقليم «أرض الصومال» (الخارجية الإسرائيلية)

تمدد إسرائيل في «أرض الصومال»... ما خيارات مقديشو؟

تحركات إسرائيلية للتموضع في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي مع تسليم أول سفير أوراق اعتماده في هرغيسا، في خطوة تعزز حضور تل أبيب بالقرن الأفريقي

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا جانب من الجولة الثالثة لمشاورات آلية (2+2) الاثنين لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

مصر تلوح باتفاقية الدفاع المشترك لعدم تجاوز «الخطوط الحمراء» في السودان

اجتماع رباعي مصري - سوداني جديد احتضنته القاهرة برئاسة وزراء الخارجية والري بالبلدين، وسط توترات مع إثيوبيا غداة شكوى تقدمت بها الخرطوم ضد أديس أبابا.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس الجزائر مع وزير دفاع النيجر الشهر الماضي (الرئاسة الجزائرية)

من الانتشار العسكري إلى شحنات الوقود... الجزائر تعيد رسم حضورها في الساحل

شهدت التحركات الجزائرية باتجاه النيجر تطوراً لافتاً منذ مصادقة البرلمان الجزائري، الأسبوع الماضي، على إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى البلد المجاور.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

مساعٍ صينية مكثفة لـ«التهدئة» بين دول القرن الأفريقي

ضابط شرطة يسير أمام عَلَمي إثيوبيا وإريتريا قبل زيارة الرئيس الإريتري إلى أديس أبابا في يوليو 2018 (رويترز)
ضابط شرطة يسير أمام عَلَمي إثيوبيا وإريتريا قبل زيارة الرئيس الإريتري إلى أديس أبابا في يوليو 2018 (رويترز)
TT

مساعٍ صينية مكثفة لـ«التهدئة» بين دول القرن الأفريقي

ضابط شرطة يسير أمام عَلَمي إثيوبيا وإريتريا قبل زيارة الرئيس الإريتري إلى أديس أبابا في يوليو 2018 (رويترز)
ضابط شرطة يسير أمام عَلَمي إثيوبيا وإريتريا قبل زيارة الرئيس الإريتري إلى أديس أبابا في يوليو 2018 (رويترز)

تحركات صينية مكثفة لخفض التصعيد في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، مع زيارات يقوم بها حالياً أكثر من مبعوث صيني للمنطقة، تشمل إريتريا وإثيوبيا ومصر وجيبوتي.

تلك الجهود الصينية يراها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أنها تبلور وساطة قد تنجح في «تجميد الصراع» وليس تقديم تسوية نهائية.

واندلع تصعيد في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، بدأته إثيوبيا منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي مع إريتريا بقطع العلاقات الدبلوماسية، وتبادل طرد دبلوماسيين مع مصر، وصولاً إلى غلق قنصلية سودانية قبل أيام، وسط مخاوف من اندلاع حرب إثيوبية - إريترية، بسبب النزاع في إقليم تيغراي بعد اتهامات إثيوبية لأسمرة بـ«دعم التمرد».

وأعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينغ، في وقت سابق، أن الممثل الخاص للحكومة الصينية للشؤون الأفريقية ليو شيان فا سيزور إثيوبيا وجيبوتي ومصر خلال النصف الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، فيما سيزور المبعوث الخاص لوزارة الخارجية الصينية لشؤون القرن الأفريقي تشانغ تشون، إريتريا.

وبالفعل عقد ليو شيان فا اجتماعاً مع وزير الخارجية الإثيوبي جيديون تيموثيوس، وعبّر عن أمل بكين «في أن يهدأ الوضع في القرن الأفريقي في أقرب وقت ممكن»، مبدياً استعداد الصين «للعمل مع جميع الأطراف للاضطلاع بدور بنّاء في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة»، وفق بيان لـ«الخارجية الصينية»، الخميس.

ومساء الخميس، التقى رئيس إريتريا أسياس أفورقي، المبعوث الخاص الصيني لشؤون القرن الأفريقي، وركَّزت المحادثات الواسعة على العلاقات الثنائية والتطورات الجارية في المنطقة، فيما كرر المبعوث الصيني، موقف بكين «من أهمية احترام سيادة إريتريا وسلامة أراضيها»، حسب ما ذكره وزير الإعلام الإريتري يماني قبر مسقل عبر حسابه بمنصة «إكس».

ويرى الخبير الصيني في العلاقات الدولية، يحيى تشو شيوان، أن هذا التحرك «يعكس حرص الصين على القيام بدور بنّاء في تهدئة التوترات ومنع مزيد من التصعيد في منطقة القرن الأفريقي، في ظل تمتعها بعلاقات صداقة وتعاون مع كل من إثيوبيا وإريتريا، وهي تؤكد باستمرار احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وتدعو إلى معالجة الخلافات عبر الحوار والتشاور، بعيداً عن استخدام القوة أو التهديد بها».

ويعتقد أن «نجاح الجهود الدبلوماسية لا يتوقف على التحرك الصيني وحده الذي سيساعد في منع التصعيد، بل يعتمد بالدرجة الأولى على الإرادة السياسية لدى الأطراف المعنية واستعدادها للعودة إلى الحوار»، ويؤكد أن «مصر وجيبوتي دولتان مهمتان في هذه المعادلة، بحكم موقعهما الجغرافي ودورهما الإقليمي، ولذلك فإن التشاور معهما يُساعد على فهم مختلف الشواغل، وتعزيز الجهود الرامية إلى خفض التوترات».

ويرى المحلل السوداني المختص بالشأن الأفريقي محمد شمس الدين، أن «بكين تستشعر الخطر الاستراتيجي الذي قد ينجم عن أطماع إثيوبيا في الوصول إلى البحر الأحمر». ويلفت إلى أن «الصين تسعى إلى سد الفراغ الدبلوماسي الغربي الذي غاب بصورة لافتة عن قضايا منطقة القرن الأفريقي؛ حيث تراجع الدور الأميركي في أسمرة وفي أديس أبابا»، مشيراً إلى أن «بكين تسعى إلى تقديم نفسها بوصفها ضامناً أمنياً موثوقاً يحترم سيادة الدول، ولا يتدخل في شؤونها الداخلية».

ويتابع: «يتضح ذلك في حرصها على إيفاد مبعوثين للقاء القيادتين، في وقت متزامن لتأكيد وقوفها على مسافة واحدة من الطرفين ولعب دور ناقل الرسائل الموثوق سعياً منها لتخفيف حدة الاستقطاب».

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية في أديس أبابا يوليو 2018 (رويترز)

والتقى رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، الجمعة، رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف على هامش «القمة الثانية للأحزاب السياسية الأفريقية» التي تستضيفها أديس أبابا حالياً، وناقشا الحوكمة القارية والعمليات السياسية الشاملة وأولويات التنمية طويلة المدى وتعزيز قيادة أفريقيا والقضايا الرئيسية التي تُشكل مستقبل القارة، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الإثيوبية»، دون تفاصيل أكثر.

وأثارت إثيوبيا مخاوف أفريقية عقب إعلان تسلّم صفقة تضم مبدئياً 12 مقاتلة من طراز «سوخوي-35» من الجيل الرابع المطور «4++»، وقال رئيس وزراء إثيوبيا نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إنها تُعزز «قدرة إثيوبيا على الردع الاستراتيجي».

ويرى تشو شيوان، أن «الموقف الصيني يقوم على مبدأ أن الحلول يجب أن تنطلق من دول المنطقة نفسها، مع دعم دور الاتحاد الأفريقي والمنظمات الإقليمية»، متوقعاً أن «تكون الأولوية في المرحلة الحالية هي تهيئة الظروف للحوار، ووقف التصعيد، تمهيداً للتوصل إلى حل أشمل للأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر».

ووفق شمس الدين، فإن «بكين تتمتع بأوراق ضغط ومزايا تجعلها قادرة على إحداث اختراق لإنجاح هذه الوساطة المحفوفة بعدد من التحديات الإقليمية، وأبرز تلك الأوراق النفوذ والثقل الاقتصادي الواسع، كون طاولة الحوار الصينية أكثر قبولاً من المنابر الغربية»، على حد قوله.

ويرجح أن تنجح بكين في «تجميد الصراع» ومنع انزلاقه لمواجهة عسكرية مباشرة عبر إرساء قواعد اشتباك جديدة، لكنها «ستجد صعوبة بالغة في تحقيق تسوية نهائية تلبي الطموحات الجيوسياسية لإثيوبيا وإريتريا».


مُعلمو ليبيا يضيّقون الخناق على «الوحدة» برفض استئناف الدراسة

جانب من إضراب المعلمين فى تاجوراء (أرشيفية - حراك المعلمين)
جانب من إضراب المعلمين فى تاجوراء (أرشيفية - حراك المعلمين)
TT

مُعلمو ليبيا يضيّقون الخناق على «الوحدة» برفض استئناف الدراسة

جانب من إضراب المعلمين فى تاجوراء (أرشيفية - حراك المعلمين)
جانب من إضراب المعلمين فى تاجوراء (أرشيفية - حراك المعلمين)

ضيق مُعلمو ليبيا الخناق على حكومة الوحدة «المؤقتة» بالتلويح بـ«إضراب شامل» في جميع المدارس بعدما أعلن رئيس «حراك المعلمين»، أشرف الهادي، التراجع عن وعد سابق باستئناف الدراسة الأحد المقبل، وذلك إثر تصريحات لوزير المالية بحكومة الوحدة، راشد أبو غفة، أكد فيها «استحالة الوفاء حالياً بالفروقات المالية للمعلمين المقدرة بنحو 24 مليار دينار».

وفي مقابل تمسك «الحراك» والنقابة العامة للمعلمين بمواصلة الإضراب حتى تنفيذ المطالب، أعلنت مراقبات التربية والتعليم في عدد من البلديات، بينها صرمان ومرادة والزاوية المركز والعجيلات ورقدالين والزنتان وصبراتة، استئناف الدراسة ابتداءً من الأحد المقبل. ودعت المعلمين، مساء الخميس، إلى «العودة إلى مدارسهم، والطلاب إلى الالتحاق بمقاعد الدراسة»، مؤكدة «دعم حقوق المعلمين ومواصلة المطالبة بمستحقاتهم، مع التشديد على عدم جعل هذه المطالب على حساب استمرار العملية التعليمية».

وقفة احتجاجية للمعلمات في حي سوق الجمعة بطرابلس في سبتمبر الماضي (نقابة المعلمين في ليبيا)

وجاءت هذه الدعوات بالتزامن مع تفاهمات أُعلنت في تاجوراء، تضمنت العمل على «صرف الفروقات المالية المستحقة للمعلمين، ضمن ملحق راتب شهر أكتوبر»، ومنح الجهات المعنية مهلة ثلاثة أشهر لمعالجة ملف الجدول الموحد للرواتب. فيما أعلنت وزارة المالية إحالة 719 مليون دينار إلى وزارة التربية والتعليم، قيمة علاوة الحصة، على أن تتولى الوزارة توزيعها على مستحقيها.

لكن هذه التطورات لم تنجح في احتواء الأزمة، إذ أكدت نقابة «معلمي سوق الجمعة» في تصعيد موازٍ، الجمعة، «استمرار الاعتصام حتى صرف المستحقات وإيداعها في الحسابات المصرفية»، مشددة على أن «قرار تعليق الاعتصام أو استئنافه ينبغي أن يعبر عن موقف جماعي لا عن قرار فردي»، رافضة العودة إلى المدارس «قبل تنفيذ المطالب بصورة ملموسة».

وكان الهادي قد أعلن في وقت سابق التوصل إلى تفاهمات تسمح باستئناف الدراسة في تاجوراء، اعتباراً من الأحد، عقب التواصل مع رئيس مجلس النواب الصالحين عبد النبي، وبحضور بعض أعضاء المجلس، وموظفي التربية والتعليم وممثلين عن المعلمين.

وتضمنت التفاهمات، حسب ما أعلنه «الحراك»، العمل على صرف الفروقات المالية المستحقة للمعلمين، ضمن ملحق راتب شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ومهلة ثلاثة أشهر لتنفيذ الالتزامات، مع التلويح بخطوات تصعيدية، من بينها «الإضراب الشامل» في حال عدم الوفاء بها.

غير أن راشد أبو غفة أعلن مساء الخميس أن «الفروقات المالية التي تصل إلى نحو 24 مليار دينار، يتعذر الوفاء بها في الوقت الراهن».

وأظهرت تصريحاته، حسب تقدير الهادي، مساء الخميس، «عدم وجود التزام بتنفيذ الوعود التي حصل عليها المعلمون»، ما دفع الحراك إلى التراجع عن إعلان استئناف الدراسة، والعودة إلى خيار «الإضراب الشامل».

وأوضح أبو غفة أن «الوزارة ستحيل الأحد المقبل 719 مليون دينار إلى وزارة التربية والتعليم، تمثل قيمة علاوة الحصة للعام الدراسي 2026-2027 بالتزامن مع إحالة راتب شهر أكتوبر، على أن تتولى وزارة التعليم توزيع المبلغ على المستحقين، وفقاً للمعايير المعتمدة».

وفصل أبو غفة بين هذا المبلغ وملف الفروقات المالية، موضحاً أن قيمتها الإجمالية تصل إلى نحو 24 مليار دينار، وهو ما وصفه بـ«التزام مالي ضخم يتعذر الوفاء به حالياً في ظل الإمكانات الاقتصادية والمالية للدولة»، مشيراً إلى أن وزارة المالية أعدت مشروع قانون بشأن جدول موحد للرواتب، وأحالته إلى مجلس النواب لاستكمال الإجراءات التشريعية، معتبراً أن ذلك «يمثل خطوة لمعالجة الاختلالات وتحقيق العدالة في الأجور بين العاملين في القطاعات الحكومية».

عبد الحميد الدبيبة خلال زيارة سابقة لإحدى مدارس التعليم الابتدائي بالعاصمة (الوحدة)

كما دعا المعلمين إلى «إنهاء الإضراب والعودة إلى المدارس»، محذراً من أن «استمرار تعطيل الدراسة يضر بالطلاب، الذين فقدوا جزءاً كبيراً من وقتهم الدراسي»، وأكد أن «العودة إلى المدارس لا تعني التخلي عن المطالب، أو إعفاء الجهات المسؤولة من معالجتها».

في المقابل، أكدت النقابة العامة للمعلمين، مساء الخميس، استمرار الإضراب والاعتصام إلى حين الاستجابة للمطالب، كما رفضت استئناف الدراسة قبل تنفيذ الحقوق المالية والمهنية بصورة ملموسة. وقالت إن «المعلمين لا يرفضون العودة إلى المدارس، أو استئناف رسالتهم التعليمية، لكنهم يرفضون العودة إلى العمل دون تسوية حقوقهم»، محملة الجهات التشريعية والتنفيذية مسؤولية استمرار الأزمة.

وبدأت احتجاجات المعلمين في 13 سبتمبر (أيلول) الماضي بالتزامن مع الموعد المقرر لانطلاق العام الدراسي، عبر اعتصامات ووقفات أمام المدارس والمباني الحكومية في طرابلس ومناطق أخرى، للمطالبة بتسوية أوضاعهم المالية والوظيفية، وصرف الفروقات المتراكمة، ومعالجة الاختلالات في الرواتب.

وتطورت التحركات بعد نحو أسبوعين إلى إضراب مفتوح في المدارس الحكومية، بسبب عدم التوصل إلى حلول تلبي مطالب المعلمين، واتسع نطاق التعطيل ليشمل عدداً من المدن والبلديات.

وكانت حكومة «الوحدة» قد أعلنت في وقت سابق عن تفاهمات مع النقابة العامة للمعلمين، تضمنت «معالجة مطالب المعلمين»، لكن الخلاف بشأن آليات التنفيذ ومواعيده، وعدم وضوح الضمانات المتعلقة بصرف المستحقات، أبقى الاعتصام والإضراب قائمين.

وحسب مراقبين، «تضع أزمة المعلمين حكومة الوحدة الليبية أمام معادلة صعبة، بين مطالب بتسوية حقوق مالية يقول المعلمون إنها متراكمة منذ سنوات، والقيود المالية التي تتحدث عنها وزارة المالية، فيما يظل الطلاب الطرف الأكثر تأثراً باستمرار تعطيل الدراسة، وعدم استقرار المواقف بشأن موعد استئنافها».


لماذا لا تُقلل اكتشافات الغاز المصرية فجوة الاستهلاك؟

وزير البترول كريم بدوي خلال تفقد أحد حقول الغاز بـ«المتوسط» يونيو الماضي (وزارة البترول المصرية)
وزير البترول كريم بدوي خلال تفقد أحد حقول الغاز بـ«المتوسط» يونيو الماضي (وزارة البترول المصرية)
TT

لماذا لا تُقلل اكتشافات الغاز المصرية فجوة الاستهلاك؟

وزير البترول كريم بدوي خلال تفقد أحد حقول الغاز بـ«المتوسط» يونيو الماضي (وزارة البترول المصرية)
وزير البترول كريم بدوي خلال تفقد أحد حقول الغاز بـ«المتوسط» يونيو الماضي (وزارة البترول المصرية)

أثار تكرار الإعلان عن اكتشافات جديدة للغاز في مصر تساؤلات بشأن عدم انعكاس ذلك على تراجع فجوة الاستهلاك وزيادة الإنتاج المحلي، في وقت تشكو فيه الحكومة من ارتفاع تكلفة الاستيراد من الخارج، بالتزامن مع إقدامها على تسوية مديونيات الشركات العاملة في مصر لتنشيط جهود التنقيب عن الغاز الطبيعي وغيره من المنتجات البترولية.

وأعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية، الجمعة، عن تحقيق نتائج إيجابية من حفر البئر الاستكشافية «نسيم-1X» للغاز الطبيعي بمنطقة «امتياز طيبة» في البحر المتوسط، مشيرةً إلى أن أعمال الحفر والتقييم المبدئي كشفت عن «وجود طبقة حاملة للغاز الطبيعي ذات خصائص بتروفيزيقية متميزة، مع تقديرات أولية تُشير إلى وجود نحو 200 مليار قدم مكعبة من الغاز الطبيعي في المكمن».

وأظهرت نتائج التقييم المبدئي «وجود خصائص بتروفيزيقية متميزة في الصخور الحاملة للغاز، بسمك صافٍ للطبقة المنتجة يبلغ نحو 15 متراً بالعمق الرأسي الحقيقي»، وفق بيان لوزارة البترول المصرية.

وتقع البئر الجديدة بمنطقة «امتياز طيبة»، التي تستثمر فيها شركة «إيني» الإيطالية بصفتها المشغّل الرئيسي، بالشراكة مع شركة «وودسايد» الأسترالية، فيما نفّذت شركة «بتروبل»، القائمة بالعمليات، أعمال حفر البئر نيابة عن الشركاء.

وتعددت اكتشافات آبار الغاز الطبيعي خلال الأشهر الأخيرة، وكان أبرزها في أبريل (نيسان) الماضي، مع الإعلان عن اكتشاف حقل «دينيس غرب 1»، الذي حققته شركة «إيني» الإيطالية بمنطقة «امتياز تمساح» في البحر المتوسط، قبالة سواحل بورسعيد، وتُقدّر احتياطياته بنحو تريليوني قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، و130 مليون برميل من المكثفات.

لكن في الوقت ذاته، سجل إنتاج مصر من الغاز تراجعاً جديداً خلال مايو (أيار) الماضي، وسط ارتفاع الواردات والاستهلاك، حسب «قاعدة بيانات الطاقة المشتركة (جودي)».

وبلغ إنتاج مصر من الغاز الطبيعي 3.3 مليار متر مكعب خلال مايو الماضي، ليتراجع متوسط الإنتاج اليومي خلال الشهر إلى 3.74 مليار قدم مكعبة، بانخفاض نحو 1.2 في المائة عن أبريل، و7.5 في المائة على أساس سنوي.

وخلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي، تراجع إنتاج الغاز في مصر بنسبة 8 في المائة على أساس سنوي، في حين ارتفع الاستهلاك بنسبة 7.3 في المائة. كما زادت واردات مصر من الغاز بنسبة 7 في المائة خلال مايو الماضي مقارنة بأبريل، لتسجل 2.33 مليار متر مكعب، وفق تقرير «قاعدة بيانات الطاقة»، الصادر في يوليو (تموز) الماضي.

الحكومة المصرية تستهدف زيادة إنتاج الغاز الطبيعي في منطقة البحر المتوسط لتلبية احتياجات السوق المحلية (هيئة قناة السويس)

وفي إطار الإسراع بالاستفادة من نتائج الكشف الجديد، قالت وزارة البترول المصرية، في بيانها، إنه يجري «التخطيط لربط البئر بتسهيلات الإنتاج القائمة، من خلال تنفيذ خط لنقل الغاز بطول نحو 22 كيلومتراً، بما يُتيح الاستفادة من البنية التحتية المتاحة، ويختصر الوقت اللازم لوضع الكشف على خريطة الإنتاج، ويُسهم في دعم إنتاج مصر المحلي من الغاز الطبيعي».

وأكدت وزارة البترول أن هذا الكشف يأتي في ضوء «تنامي أنشطة البحث والاستكشاف بمناطق الامتياز»، مدعوماً بتحسن «مناخ الاستثمار في قطاع البترول والغاز»، وما تحقق من «تسوية مستحقات شركاء الاستثمار، بما يُعزز ثقة الشركات العالمية، ويشجع على ضخ مزيد من الاستثمارات وتكثيف أعمال البحث عن موارد جديدة من البترول والغاز».

ويرى أستاذ هندسة الطاقة والبترول بالجامعة الأميركية في القاهرة، الدكتور جمال القليوبي، أن عدم انعكاس اكتشافات الغاز الجديدة في مصر على معدلات الإنتاج، واستمرار فجوة الاستهلاك، يرجعان إلى أن هذه الاكتشافات تحتاج إلى وقت طويل قبل بدء تشغيلها.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «أي بئر بحرية تحتاج إلى نحو عام ونصف العام قبل دخولها مرحلة الإنتاج، إذ تتطلب عدداً من الأعمال الفنية، منها إنشاء الرصيف البحري وربطه بالبئر في قاع البحر، وإنشاء خط الضخ، إلى جانب عدد من التفاصيل الفنية والأعمال الإنشائية». وحسب القليوبي، فإن «دخول الآبار الموجودة في الصحراء حيّز الإنتاج يستغرق ما بين 3 و5 أشهر».

مصر تتوسع في شحنات الغاز المسال لتلبية الاحتياجات المحلية (هيئة قناة السويس)

وفي خطوة تهدف إلى تعزيز أنشطة البحث والاستكشاف وفتح آفاق جديدة للاستثمار في قطاع البترول والغاز، وقّعت وزارة البترول المصرية، الخميس، اتفاقية مع شركة «أرديسيز» لتنفيذ برنامج موسع للمسح السيزمي ثنائي الأبعاد في عدد من مناطق الامتياز بالصحراء الغربية، يُغطي مساحة تصل إلى 110 آلاف كيلومتر مربع، بما يُعادل نحو 11 في المائة من إجمالي مساحة جمهورية مصر العربية، حسب بيان الوزارة.

وفي يونيو (حزيران) الماضي، أعلنت الحكومة إنهاء ملف المستحقات المتأخرة لشركاء الاستثمار في إنتاج البترول والغاز بشكل كامل، بعدما بلغت نحو 6.1 مليار دولار في يونيو 2024. وقال وزير البترول، كريم بدوي، حينها، إن هذه الخطوة «تُمهد الطريق أمام مرحلة أكثر نشاطاً في أعمال البحث والاستكشاف وتنمية الحقول، والإسراع في تنفيذ المشروعات الإنتاجية».

ويعتقد الخبير الاقتصادي، الدكتور وائل النحاس، أن استمرار فجوة الاستهلاك يرجع إلى تباطؤ اكتشافات الغاز في مصر.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «تباطؤ اكتشافات الغاز يرجع إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج، إذ يتطلب دخول البئر مرحلة الإنتاج استثمارات كبيرة، ما كان يؤدي إلى تأجيل العمل على الاكتشافات الجديدة».

وأضاف أن «السعر العالمي للغاز يؤثر أيضاً في وتيرة الاكتشافات المحلية، إذ تكون تكلفة استيراد الغاز في بعض الفترات أقل من تكلفة إنتاجه محلياً».