مُني «الحزب الجمهوري» بقيادة الرئيس دونالد ترمب بهزيمة مدويّة في الانتخابات النصفية للكونغرس، عبر موجة زرقاء عالية، شبّهها مراقبون بأنها «تسونامي»، ساعدت الديمقراطيين على السيطرة بسهولة نسبياً على الغالبيتين في مجلسي النواب، والشيوخ، بالإضافة إلى تحقيق مكاسب غير متوقعة بين حكام الولايات، ومنها ما وصفت لعقود بأنها حمراء داكنة، من قلب الغرب الأوسط، إلى عمق الجنوب، وامتداداً نحو شرق البلاد، وغربها.
ولم تفلح الخرائط الانتخابية التي أعاد الجمهوريون رسمها في عدد من الولايات في حماية مقاعدهم، ولم تتوقف انتصارات الديمقراطيين عند حدود الدوائر والولايات المتأرجحة التي هيمنت على الحملة الانتخابية. بل امتدت إلى دوائر فاز بها ترمب بسهولة قبل عامين، وإلى ولايات مثل تكساس، حيث أنهت النتائج أكثر من ثلاثة عقود من احتكار الجمهوريين لمنصب الحاكم.
وسارع ترمب إلى الاعتراف بالنتائج، وتعهّد بالعمل مع الغالبية الجديدة. لكنه لوّح في الوقت نفسه بأن يتحول إلى «مستر فيتو»، في استعارة للقبٍ أُطلق على الملك الفرنسي لوي السادس عشر حين واجه «الجمعية الوطنية» خلال الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر.
4 أسباب
أرجع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس هزيمة الجمهوريين إلى حرب إيران، مؤكداً أن المشكلة لم تكن في ضعف إقبال الناخبين الجمهوريين، بل في تحوّل عدد كبير ممن صوّتوا لترمب وفانس عام 2024 إلى تأييد الديمقراطيين في انتخابات 2026. وأوضح أن بيانات المشاركة أظهرت إقبالاً جيداً، بل كان مرتفعاً في بعض الولايات، مستشهداً بفلوريدا، حيث تجاوز عدد الناخبين الجمهوريين الديمقراطيين بفارق 9 نقاط مئوية. وأقرّ بأن الرسائل الاقتصادية للحزب لم تكن حاسمة بما يكفي في الأسابيع الأخيرة من الحملة، لكنه شدّد على أن الحرب كانت السبب الرئيس للهزيمة.
ونقل فانس عن أحد استطلاعات الرأي أن الناخبين الذين تخلّوا عن الجمهوريين حدّدوا أربعة مطالب رئيسة للعودة إلى تأييد الحزب: إنهاء الحرب، والتركيز على تكاليف المعيشة، والتضخم، وإعطاء الأولوية لمبدأ «أميركا أولاً»، وتغيير طبيعة العلاقة مع إسرائيل. ورفض تحميل الهزيمة لقضايا أخرى، مثل سياسة الهجرة، معتبراً أن أي نقاش جاد بشأن مستقبل الحزب يجب أن يبدأ بالاعتراف بأن الحرب كانت السبب الأساسي لخسارة الانتخابات.
تجاوز التوقعات
وجاءت النتيجة الأهم بعد يوم الانتخابات الطويل باستعادة سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب، بعد أربع سنوات أمضوها في صفوف الأقلية.
وفيما توقعت وكالة «أسوشييتد برس» فوز «الحزب الديمقراطي» بأكثرية مريحة، أعلنت شبكات «سي بي إس نيوز» و«سي إن إن» و«فوكس نيوز» للتلفزيون توقعاتها الأربعاء، وقبل انتهاء عمليات الفرز، أن الديمقراطيين سيطروا على الغالبية بحصولهم على 231 مقعداً على الأقل، وهم يحتاجون إلى 218 مقعداً فقط للحصول على الأكثرية. ونال الجمهوريون 139 مقعداً. وبقيت عمليات الفرز متواصلة لمعرفة النتائج في المقاعد الـ65 المتبقية. وقبل الوصول إلى النتائج النهائية، انتزع الديمقراطيون 27 مقعداً من الجمهوريين. وأشارت تقديرات أولية لـ«سي بي إس» إلى أن الديمقراطيين قد يصلون إلى 259 مقعداً. غير أنها حذرت من أن الحجم الدقيق للغالبية الجديدة لن يتضح قبل انتهاء الفرز.

واللافت في هذه المكاسب ليس حجمها فحسب، بل جغرافيتها أيضاً. ففي الدائرة الخامسة بولاية إنديانا، هزم الديمقراطيون النائبة الجمهورية فيكتوريا سبارتز التي شغلت المقعد ثلاث دورات، وكان ترمب فاز في هذه الدائرة بفارق يقارب 17 نقطة مئوية عام 2024.
وفي أيوا، فاز الديمقراطيون بثلاثة من أصل أربعة مقاعد، وأنهوا بذلك السيطرة الجمهورية الكاملة في الولاية. وهزمت كريستينا بوهانان النائبة ماريانيت ميلر - ميكس في الدائرة الأولى، بعدما خسرت أمامها بفارق ضئيل قبل عامين. وتغلبت سارة ترون غاريوت على زاك نان في الدائرة الثالثة، بينما فازت ليندسي جيمس بالمقعد الشاغر في الدائرة الثانية.
وتكشف هذه النتائج أن المدّ الديمقراطي لم يقتصر على الضواحي التي كانت دائماً ساحة تنافس، بل وصل إلى مجتمعات ريفية، وعمالية. ويبدو أن الضائقة الاقتصادية والاستياء من الإدارة أضعفا ولاء هذه المجتمعات للجمهوريين.
رهان الترسيم
ومن أبرز عِبر هذه الانتخابات أن الجمهوريين لم يحققوا نتائج أفضل في الولايات التي أعادوا فيها ترسيم الدوائر الانتخابية لمصلحتهم. وكانت قيادات الحزب تراهن على أن الخرائط الجديدة -إلى جانب التقدم الذي أحرزه الحزب بين الناخبين من أصول لاتينية عام 2024- ستشكل حاجزاً يحمي أكثريته في الجنوب، والجنوب الغربي حتى في عام انتخابي صعب. لكن هذا الرهان سقط.

ففي تكساس، حقق الديمقراطيون مكاسب لافتة في الكونغرس رغم الخرائط التي رُسمت لتعزيز موقع الجمهوريين. وتشير النتائج إلى أن ناخبين مالوا نحو الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية السابقة عادوا وغيروا اتجاههم. وتغلب الديمقراطي بوبي بوليدو على النائبة الجمهورية مونيكا دي لا كروز. وتوحي هذه النتيجة بأن مكاسب الجمهوريين بين اللاتينيين لم تكن راسخة، وأن سياسات الهجرة وأسلوب تطبيقها -إلى جانب الضغوط المعيشية- تحولت إلى نقاط ضعف سياسية للحزب.
ولم يكن حال فلوريدا أفضل كثيراً، إذ فشلت هناك أيضاً جهود إعادة التقسيم في كبح التقدم الديمقراطي. وتبيّن هذه النتائج حدود الهندسة الانتخابية. فالخرائط المصممة لتوزيع الناخبين بما يضمن هوامش آمنة للحزب الحاكم تفقد فاعليتها حين يتحرك المزاج العام بقوة كافية. وعندها تتحول الدوائر التي رُسمت بهوامش ضيقة إلى ساحات مكشوفة أمام الموجة.
وامتد النمط نفسه إلى نورث كارولينا، وبنسلفانيا، وميشيغان، وأوهايو، وكنتاكي، وكولورادو، حيث صارت دوائر بدت مضمونة للجمهوريين ساحات تنافس حقيقية.
سابقة تاريخية
ويتوقع أن يتولى زعيم الأقلية الحالية في مجلس النواب حكيم جيفريز رئاسة المجلس الجديد في مطلع يناير (كانون الثاني) المقبل، ليصير أول رئيس أسود لمجلس النواب في التاريخ الأميركي.

وستمنح الأكثرية الجديدة الديمقراطيين رئاسة اللجان، والتحكم بجدول الأعمال التشريعي، وصلاحيات التحقيق، وإصدار مذكرات الاستدعاء. ويُتوقع أن تتركز رقابتهم على الإنفاق الحكومي، وحدود السلطة التنفيذية، وإنفاذ قوانين الهجرة، وإدارة الحرب مع إيران، وملفات الفساد. لكن ذلك لا يعني أنهم سيمرّرون برنامجهم التشريعي كاملاً، إذ يظل الفيتو الرئاسي حاجزاً يفرض التفاوض داخل نظام سياسي منقسم.
قلاع حمر
وإذا كانت نتائج مجلس النواب باهرة للديمقراطيين، فإن حظوظهم لم تكن أقل في سباقات حكام الولايات التي شكلت مقياساً لا يقل أهمية لعمق التحول. وأجريت هذه الانتخابات في 36 ولاية. وأظهرت نتائج أولية لموقع «إلكشن هاب» صباح الأربعاء فوز الديمقراطيين في 22 سباقاً مقابل 12 للجمهوريين، وبقي سباقان من دون حسم. وانتزع الديمقراطيون خمسة مناصب كانت مع الجمهوريين، فيما لم ينتزع الجمهوريون أي منصب جديد.

وكانت تكساس المفاجأة الكبرى، إذ ألحقت الديمقراطية جينا هينوجوسا هزيمة مدويّة للحاكم الجمهوري المخضرم غريغ أبوت بنسبة 52.8 في المائة مقابل 45.7 في المائة، منهية هيمنة جمهورية على المنصب استمرت منذ عام 1995. وبهذا الفوز تصبح أول حاكمة من أصول لاتينية للولاية. وتعكس النتيجة الثقل المتنامي للناخبين اللاتينيين، والشباب، والمدن الكبرى.
وفي جورجيا، فازت رئيسة بلدية أتلانتا السابقة كيشا لانس بوتومز على الجمهوري ريك جاكسون بنسبة 54.3 في المائة مقابل 45.7 في المائة، فصارت المرأة السوداء الأولى التي تحكم الولاية، في انتصار يعزز النفوذ المتصاعد للناخبين السود في الجنوب.
وفي أوهايو، التي انزاحت بثبات نحو الجمهوريين في الاستحقاقات الفيدرالية الأخيرة، تغلبت الديمقراطية آمي أكتون على المرشح الرئاسي السابق الملياردير فيفيك راماسوامي بنسبة 52.3 في المائة مقابل 44.4 في المائة. وفي أيوا، فاز روب ساند على الجمهوري زاك لان بنسبة 55.5 في المائة مقابل 44.5 في المائة، ليصبح أول حاكم ديمقراطي منتخب للولاية منذ عقدين.

وفي نيفادا، أطاح المدعي العام آرون فورد الحاكم الجمهوري جو لومباردو بنسبة 51.7 في المائة مقابل 44.1 في المائة، بعد حملة ركزت على غلاء المعيشة. وبذلك يصير أول حاكم أسود للولاية.
واحتفظ الديمقراطيون بمناصب مهمة. ففي ميشيغان، فازت جوسلين بنسون على جون جيمس بنسبة 54.4 في المائة مقابل 43.8 في المائة. وفي ويسكونسن، تغلب ديفيد كراولي على توم تيفاني بنسبة 54.1 في المائة مقابل 45.9 في المائة. كما فاز خافيير بيسيرا في كاليفورنيا، وجددت تينا كوتيك ولايتها في أوريغون، وكاتي هوبز في أريزونا.
في المقابل، صمد الجمهوريون في عدد من معاقلهم. ففي فلوريدا، فاز بايرون دونالدز، وهو مناصر قوي للرئيس ترمب، على ديفيد جولي بفارق ضئيل (50 في المائة مقابل 48.7 في المائة). واحتفظت كيلي أيوت بمنصبها في نيوهامشر، وتقدّم جيم بيلين في نبراسكا، وفاز تومي توبرفيل بمنصب حاكم ألاباما. أما في كانساس، فبقي السباق معلقاً، حيث تتقدم الديمقراطية سيندي هولشر بفارق ضئيل (50.3 في المائة مقابل 49.7 في المائة). وفي ألاسكا، يتصدر الديمقراطي جوناثان كريس - تومكينز الجولة الأولى من التصويت التفضيلي من دون أن يبلغ الأكثرية المطلقة.
استفتاء على ترمب؟
وتشير المعطيات إلى أن الاقتصاد كان المحرك الأول لهذه الموجة. وأظهر استطلاع لـ«أسوشييتد برس» إحباط الناخبين من مسار البلاد، وأن إخفاق الإدارة في الوفاء بوعودها بخفض الأسعار أضرّ بالمرشحين الجمهوريين. كما حضرت الحرب مع إيران، والفساد، وتركز السلطة في يد الرئيس ترمب. وقال نحو سبعة من كل عشرة ناخبين إن الكونغرس لا يبذل جهداً كافياً لكبح ترمب.

وكان ترمب دعا أنصاره مراراً إلى التصويت كما لو كان هو المرشح، محولاً الانتخابات إلى استفتاء على رئاسته. وبعد الهزيمة، رفض اعتبارها توبيخاً شخصياً، وأشاد بحملات الديمقراطيين، فيما ألقى باللائمة على مرشحي حزبه. ومع أن النظام السياسي في الولايات المتحدة يرجح أن تثير النتائج نقاشاً واسعاً حول مبدأ فصل السلطات، وتمكن ترمب من تعطيل الدور الرقابي الرئيس للكونغرس، فضلاً عن دور القضاء.
وانتقلت السيطرة على مجلس الشيوخ بدورها إلى الديمقراطيين. غير أن التداعيات المباشرة على الإدارة ستظهر أساساً في مجلس النواب، وفي عواصم الولايات التي حل فيها حكام ديمقراطيون محل جمهوريين.
وأدت انتصارات الديمقراطيين في تكساس وجورجيا وأيوا وأوهايو إلى إطلاق موجة تشكيك في متانة التحالف الذي بناه ترمب قبل عامين للوصول إلى البيت الأبيض.




