«حكايات من خزانة الوطن»... معرض يكرّس أرشيفاً بصرياً للروح المصرية

يستعيد مسيرة الفنان الراحل عز الدين نجيب

من لوحات المعرض (الشرق الأوسط)
من لوحات المعرض (الشرق الأوسط)
TT

«حكايات من خزانة الوطن»... معرض يكرّس أرشيفاً بصرياً للروح المصرية

من لوحات المعرض (الشرق الأوسط)
من لوحات المعرض (الشرق الأوسط)

تحت عنوان «حكايات من خزانة الوطن»، افتتح معرض استعادي للفنان والناقد التشكيلي المصري الراحل عز الدين نجيب، يضم أعمالاً فنية تكرس لأرشيف بصري للروح المصرية عبر مفردات مختلفة من ملامح البسطاء والأماكن المميزة مثل واحة سيوة وطبيعة البيوت والعادات والتقاليد المصرية وتنوع البيئة المصرية.

المعرض الذي ينظمه قطاع الفنون التشكيلية بقاعة «الباب سليم» بساحة دار الأوبرا المصرية يستمر حتى 7 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي ويضم 35 لوحة من أعمال الفنان التي تعكس رؤيته للشخصية المصرية بكل ما تنطوي عليه من تفرد وأصالة. ووفق منسقة المعرض، نسرين عز الدين نجيب ابنة الفنان الراحل، فالمعرض يعكس المرحلة الأخيرة من أعمال نجيب التي أنجزها بين 2005 و2018.

جانب من معرض عز الدين نجيب (قطاع الفنون التشكيلية)

وتضيف نسرين لـ«الشرق الأوسط»: «عنوان المعرض مستلهم من أسلوب الفنان الذي كان مهموماً دائماً بالوطن، سواء وهو يكتب أو يرسم كان مهموماً بمصر وأهلها، وأغلب اللوحات تعبر عن البيئة المصرية وحياة البسطاء، هذه هي السمة الغالبة على لوحات المعرض».

ويعدّ عز الدين نجيب (1940 - 2023) من أهم الفنانين ونقاد الفن التشكيلي المصري وهو من جيل الستينات واهتم كثيراً برسم مشاهد من الشارع المصري والبيئات المختلفة، كما كانت له كتابات أدبية في القصة والرواية، بالإضافة لشهرته الواسعة في نقد الفن التشكيلي، واهتمامه بالحرف التقليدية والتراثية التي أصدر عنها موسوعة كاملة مصورة.

ويقدم المعرض الاستعادي رؤية بصرية فريدة تعكس براعة الفنان الراحل في تحويل المرئي إلى حلم، والواقع إلى أسطورة رمزية تشكيلية تُخلّد ما كان مهددا بالاختفاء، ليصنع بذلك أرشيفا شعوريا وبصريا يستلهم الروح المصرية الخالصة وعمق هويتها.

ويصف نقيب الفنانين التشكيليين بمصر، النحات طارق الكومي، أعمال عز الدين نجيب ومعرضه الاستعادي الذي حضر افتتاحه بأنه «حالة بصرية فريدة من نوعها، وبعض الأعمال كانت مفاجأة للحضور والجمهور من محبي الفنون الجميلة حيث لم يتم عرضها من قبل».

الفنان محمود حامد رئيس قطاع الفنون التشكيلية ونسرين عز الدين نجيب خلال افتتاح المعرض (قطاع الفنون التشكيلية)

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «مثل هذا المعرض مهم جداً لاستعادة مراحل تجربة الفنان الكبير عز الدين نجيب، ومن المهم للطلبة ودارسي الفنون زيارة هذا المعرض لفهم مراحل التجربة الفنية للفنان الراحل، وأتمنى إقامة معرض متنقل لأعمال الفنان في مكتبات الثقافة الجماهيرية أو مكتبة القاهرة»، مشيراً إلى اهتمام الفنان الراحل بالهوية الوطنية والبيئات المصرية الساحرة مثل منازل سيوة وغيرها من الأماكن التي تعبر عن مصر.

ويأتي المعرض في هذا التوقيت تحية وفاء مستحقة لمسيرة إبداعية امتدت لأكثر من ستة عقود، جسد خلالها الراحل عز الدين نجيب حالة استثنائية فريدة في المشهد الثقافي المعاصر؛ فلم يقتصر دوره على بصمته الخاصة بصفته فناناً تشكيلياً، بل امتد ليكون مفكراً وناقداً غاص في جذور الهوية عبر مؤلفاته وموسوعاته، وأديباً أثرى المكتبة العربية بروايات مثل «نداء الواحة» و«أيام العز»، فضلاً عن «دوره الريادي بوصفه مؤسساً ميدانياً أرسى دعائم الثقافة الجماهيرية وتراث الحرف التقليدية»، وفق بيان لقطاع الفنون التشكيلية.

الفنان فريد فاضل بجوار بورتريه لعز الدين نجيب (قطاع الفنون التشكيلية)

ويرى الناقد التشكيلي المصري، هشام قنديل، أن الفنان الراحل عز الدين نجيب أبدع في تكوين مساحة، بل ساحة فنية كبرى لها لوحاتها وقصائدها مليئة بخيال مبدع وروح فياضة بثراء الأركان والأشكال كل علي حدة.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «اكتشفت مبكراً أن نجيب يتوحد أحياناً بالفن فيصعب التحاور البسيط معه لأنه يتوحد باللون حتى يخفي فيه آلامه وهمومه وما أكثرها في سنوات شبابه».

من لوحات عز الدين نجيب (الشرق الأوسط)

«فهو يتجول تارة في درجات الزرقة وأخرى في السواد حيث يختفي في المعتقل وثالثة في درجات البياض، وهو يتمسك بالفن ثابت كالشجر وكنخيل سيوة الذي عشقه ومن ثم لا تستميله شهرة أو بريق خادع، بل يظل في أعماله ومسيرته الفنية صامداً كالحجر لا يتبدل ولا يتغير»، مؤكداً أن معرضه الاستعادي يوضح أن «عز الدين نجيب سيظل قبضة من تراب مصر... عشق هائم كالسحاب وكارتحال الأزاهير في العطر واللون».


مقالات ذات صلة

«آرت بازل قطر» يعلن عن الفنانين والصالات المشاركة في دورته المقبلة

يوميات الشرق برحة مشيرب في الدوحة (آرت بازل)

«آرت بازل قطر» يعلن عن الفنانين والصالات المشاركة في دورته المقبلة

أعلن معرض «آرت بازل قطر» قائمة صالات العرض المشاركة في دورته الثانية التي ستقام في شهر يناير (كانون الثاني) من العام المقبل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق أغلب الأعمال وُلدت من مواد أُعيد تدويرها (وزارة الثقافة)

«ربع تون»... معرض فني جديد للفنان العراقي نصير شمّة

يقوم المعرض على إعادة توظيف نشارة الأخشاب وبقايا صناعة آلة العود، وتحويلها من وظيفتها التقليدية إلى تكوينات تشكيلية تنبض بالمقام والإيقاع.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق يهدي الفنان معرضه إلى الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة (الشرق الأوسط)

أحمد البحراني يستعيد ذاكرة الطفولة بـ«ضفاف الفرات»

كيف يمكن لقطعة خشب أنهت رحلتها في البحر أن تبدأ حياة جديدة؟ وأي ذاكرة تختبئ في طائر صغير، لا يحاكي الطبيعة بقدر ما يستعيد بيتاً بعيداً وطفولة لا تزال تسكن صاحبه

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق جانب من معرض «النزول إلى النهر» (الشرق الأوسط)

محمد عبلة يعيد اكتشاف «النهر» بالحركة الصاخبة والألوان

في معرضه «النزول إلى النهر» يعود الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة إلى نهر الطفولة الذي تشكلت على ضفافه ذاكرته البصرية.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق ستّ محاولات للاحتفاظ بأماكن لا يمكن اصطحابها (الشرق الأوسط)

جميل ملاعب: 50 عاماً بين السماء والأرض على جدران معرض

بيروت نقطة الانطلاق والعودة، لكنّ العودة في الرسم تختلف عن العودة الجغرافية...

فاطمة عبد الله (بيروت)

«مراكش السينمائي» يراهن على حكايات الصمود في مواجهة الحرب والمنفى

أحمد حلمي وهند صبري في مشهد من فيلم «أضعف خلقه» (إدارة المهرجان)
أحمد حلمي وهند صبري في مشهد من فيلم «أضعف خلقه» (إدارة المهرجان)
TT

«مراكش السينمائي» يراهن على حكايات الصمود في مواجهة الحرب والمنفى

أحمد حلمي وهند صبري في مشهد من فيلم «أضعف خلقه» (إدارة المهرجان)
أحمد حلمي وهند صبري في مشهد من فيلم «أضعف خلقه» (إدارة المهرجان)

يراهن «المهرجان الدولي للفيلم بمراكش» في المغرب، في دورته الـ23، على حكايات الصمود في مواجهة الحرب والمنفى، عبر اختيارات تتتبَّع أثر الأزمات الكبرى في تفاصيل الحياة اليومية، ويتوزع هذا الاهتمام بين أفلام تقترب من السكان العالقين تحت الحصار، وأخرى تلاحق أحلام اللاجئين وعلاقات الأسر التي فرقتها الهجرة.

ويجمع المهرجان، المقرر إقامته من 20 إلى 28 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، 76 فيلماً من 39 بلداً، بينها 10 أفلام تُعرض للمرة الأولى عالمياً، بينما استفاد 12 فيلماً من دعم «ورشات الأطلس»، برنامجه المخصص للصناعة السينمائية وتطوير المواهب، وفق بيان أصدره المهرجان الاثنين.

وتتوزع الاختيارات على المسابقة الرسمية والعروض الاحتفالية وأقسام «آفاق» و«القارة الحادية عشرة» و«بانوراما السينما المغربية» و«الجمهور الناشئ والأسرة»، إضافة إلى أفلام التكريمات.

ويبرز الحضور المصري مع اختيار فيلم «أضعف خلقه» للمخرج المصري عمر هلال، للعرض للمرة الأولى عالمياً ضمن العروض الاحتفالية. ويجمع الفيلم أحمد حلمي وهند صبري للمرة الأولى على الشاشة الكبيرة، إلى جانب محمود حافظ وكريم قاسم ومحمد رضوان وليلى عز العرب، في مغامرة تمزج الكوميديا السوداء بالتشويق، بإنتاج مشترك بين بريطانيا ومصر والسعودية.

ويمتد الحضور المصري إلى المسابقة الرسمية عبر فيلم «في ظلال القاهرة»، لراني وسالم مصالحة، الذي يشهد أيضاً عرضه العالمي الأول. وتدور أحداث الفيلم في قلب المجتمع القبطي المصري، ضمن عمل تشويقي حميمي يشارك في بطولته حسن مالك، وتارا عماد، وكامل الباشا، وحمزة العيلي، وجهاد حسام الدين، وكريم أدريانو.

ويضم قسم «آفاق» فيلم التشويق النفسي «خروج آمن» للمخرج المصري محمد حماد، فيما تشارك المخرجة المصرية الهولندية أشجان الهمص بفيلم «البرانية» في قسم «القارة الحادية عشرة». ويحتضن القسم الأخير أيضاً الوثائقي «إدوارد سعيد: بين عالمين» للمخرجة الدنماركية الأميركية مايكن بيرد.

وتضم المسابقة الرسمية 14 فيلماً طويلاً تمثل الأعمال الأولى أو الثانية لمخرجيها، وتتنافس على النجمة الذهبية أمام لجنة تحكيم ترأسها الممثلة الفرنسية ماريون كوتيار. وتكشف موضوعاتها عن انشغال جيل جديد من السينمائيين بعالم تتراجع فيه مساحات الأمان، وتترك فيه الحروب والأزمات الاقتصادية والتحولات الاجتماعية آثاراً عميقة في العلاقات والاختيارات الشخصية.

يعرض فيلم «وقائع زمن الحصار» ضمن الفعاليات (الشركة المنتجة)

ويقدم المخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب فيلم «وقائع زمن الحصار»، مقترباً من تفاصيل الحياة اليومية للسكان العالقين وسط الحرب.

ويمتد أثر العنف إلى الذاكرة ومحاولات الترميم في «بنيمانا»، للمخرجة الرواندية ماري كليمونتين دوسابيجامبو، الذي يتناول جبر الضرر بعد الإبادة الجماعية للتوتسي في رواندا.

وتحضر الهجرة من زوايا متعددة، تبدأ من مأساة العبور وتصل إلى الحياة التي تتشكل بعده. ففي «فتى الكونغو» للمخرج الكونغولي رافيكي فاريالا، يتطلع لاجئ شاب في جمهورية أفريقيا الوسطى إلى أن يصبح موسيقياً. ويمنح الحلم الفني الشخصية أفقاً خاصاً، ويفسح المجال أمام طموحها وقدرتها على تخيل المستقبل، بما يوسع تناول تجربة اللجوء لتشمل الرغبات التي تستمر رغم قسوة الظروف.

وفي «بيت الريح» للمخرج الكاميروني أوغوست برنار كويمو يانغو، ينتقل الاهتمام إلى أم تحاول الحفاظ على صلتها بأبنائها الذين رحلوا إلى أوروبا. وتتيح الحكاية الاقتراب من أثر الهجرة في الذين بقوا.

وتتقاطع الهجرة مع ظروف العمل في «توت الأرض» للمخرجة المغربية ليلى المراكشي، الذي يتناول حياة العاملات الموسميات في إسبانيا، ويُعرض ضمن العروض الاحتفالية. ويتسع حضور النساء مع فيلم «ورود مراكش» الذي تجمع فيه المخرجة الإيطالية جينيفرا إلكان بين فاني أردان ونسرين الراضي، في حكاية عن التضامن بين النساء صُوّرت في المغرب. بينما تقدم المخرجة اليمنية الاسكوتلندية سارة إسحاق، في «المحطة»، رؤية نسوية لعالم متخيل قاتم في اليمن.

ويجد الانهيار الاقتصادي موقعه في المسابقة عبر «غضب» للمخرج اللبناني رامي قديح، الذي ينطلق من عملية سطو على بنك في قلب الأزمة اللبنانية.

ويرى الناقد السعودي أحمد العياد أن اختيارات النسخة الجديدة من المهرجان تعكس اهتماماً بقيمة الأفلام وخصوصية تجاربها، والقدرة على استقطاب أعمال مهمة من دول وثقافات مختلفة، بما يمنح البرنامج تنوعاً ثرياً في الموضوعات وأساليب التعبير. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن «الجمع بين التجارب الأولى والأعمال الجديدة لمخرجين بارزين يخلق مساحة للتفاعل بين أجيال سينمائية متعددة، ويتيح للجمهور اكتشاف أصوات تمتلك رؤيتها الخاصة، وتقدم زوايا مختلفة لفهم التحولات التي يعيشها العالم».

ويلفت العياد إلى أن حضور حكايات الحرب والمنفى والهجرة يتكامل مع اهتمام البرنامج بالتفاصيل الإنسانية لهذه التجارب، من خلال شخصيات تحاول الحفاظ على أحلامها وعلاقاتها وقدرتها على الاستمرار، معتبراً أن قيمة هذا التوجه تتصل بتعدد المعالجات الفنية، ومنح كل تجربة فرصة للتعبير عن بيئتها وخصوصيتها.

Your Premium trial has ended


علي أصغري: «قليل من النور» يبحث سر التعلق بالحياة

صُوّرت بعض مشاهد الفيلم في تركيا بسبب ظروف الحرب (الشركة المنتجة)
صُوّرت بعض مشاهد الفيلم في تركيا بسبب ظروف الحرب (الشركة المنتجة)
TT

علي أصغري: «قليل من النور» يبحث سر التعلق بالحياة

صُوّرت بعض مشاهد الفيلم في تركيا بسبب ظروف الحرب (الشركة المنتجة)
صُوّرت بعض مشاهد الفيلم في تركيا بسبب ظروف الحرب (الشركة المنتجة)

قال المخرج الإيراني علي أصغري إنه وجد فكرة فيلمه «قليل من النور» (A Bit of Light) في مشاهد الحياة اليومية التي تستمر تحت القصف، حين يواصل الناس أعمالهم ورعاية أسرهم رغم الخوف والإرهاق، عادّاً أن هذا التجاور بين الحياة والموت دفعه إلى البحث عما يجعل الإنسان يتمسّك بوجوده.

وأضاف أصغري، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أن الفكرة بدأت خلال الحرب مع إسرائيل في يونيو (حزيران) 2025، حين تأثر بمشاهدة أشخاص يواصلون حياتهم في بلد يتعرّض للهجمات. وكان السؤال الذي يشغله هو ما الذي يربط هؤلاء بالحياة وسط ظروف تُثقلهم بالخوف، وكيف يمكن للسينما الاقتراب من قدرتهم على الاستمرار من خلال تجربة إنسان واحد.

وتبلورت الشخصية الرئيسية بعد أحاديث أجراها مع أشخاص من خلفيات اجتماعية مختلفة، بينهم طبيب تعامل مع مصابي أحداث يناير (كانون الثاني) في إيران. وقال إن الحديث معه منحه مدخلاً إلى الحكاية؛ فقد كانت لديه فكرة عن الحياة بجوار المأساة، لكنه احتاج إلى شخصية تتجسد فيها، فوجدها في طبيب يفكر في إنهاء حياته، فيما يظل معنياً بحياة الآخرين.

ويتتبع الفيلم رحلة الطبيب «آرش»، الذي يتعرض للاعتقال وتُغلق عيادته بسبب علاجه مصابين في الاحتجاجات، فيفقد ثقته بالمستقبل ويقرر إنهاء حياته. ويقضي يوماً في زيارة والدته وأشقائه استعداداً لغيابه، لكن لقاءاته معهم تعيد فتح ما ظن أنه حسمه، وتضعه أمام روابط ومسؤوليات يصعب الانفصال عنها بمجرد اتخاذ قرار.

وشهد «قليل من النور» عرضه العالمي الأول ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان «فينيسيا»، قبل أن يفوز بـ«نجمة الجونة البرونزية للأفلام الروائية الطويلة» في الدورة التاسعة من المهرجان المصري الذي اختتمت فعالياته أخيراً.

وأوضح أصغري أن «اختيار الطبيب ارتبط بكون الأطباء شهوداً مباشرين على ما جرى، في وقت جعل فيه انقطاع الإنترنت معرفة الأحداث أكثر صعوبة بالنسبة إلى الآخرين. فقد استقبلوا المصابين وشاهدوا القتلى، وتعاملوا مع آثار العنف عن قرب، وهو ما حمّلهم أعباء نفسية إلى جانب مسؤولياتهم المهنية. وأردت من خلال الشخصية تقديم تحية إليهم ورصد ما عانوه خلال تلك الفترة».

وتوقف عند المفارقة التي تحكم علاقة بطله بمهنته، فهو مسؤول عن إنقاذ الآخرين، لكنه يفقد الرغبة في مواصلة حياته، موضحاً أن «هذه المفارقة كانت مهمة في بناء الشخصية». وأكد أن قرارها لا يصدر عن سبب منفرد، وإنما عن تداخل ضغوط اجتماعية مع ما شهدته من أحداث وما تعرضت له من اعتقال وقمع، حتى تفقد قدرتها على تصور مستقبل يمكن احتماله.

المخرج الإيراني علي أصغري (الشركة المنتجة)

وبدأ اختيار أفراد العائلة بالممثل ميثاق زارع، الذي يعرفه أصغري ويقدّر تجربته المسرحية والسينمائية، قبل أن يضطر إلى تغيير بعض اختياراته بعد اندلاع الحرب وتعذّر انتقال عدد من الممثلين إلى تركيا، والاستعانة بآخرين للأدوار المساعدة.

وكشف أصغري عن أن الفريق بدأ التصوير قبل اندلاع الحرب بأيام، وكان يتوقع حدوث تصعيد، لكنه لم يكن يعرف متى سيقع. ومع بدء الهجمات، أصبح استمرار التصوير متعذراً لأسباب أمنية، فتوقف العمل، ثم نُقل تصوير المشاهد الداخلية إلى تركيا، في حين صُوّرت المشاهد الخارجية في إيران.

وعن انعكاس تجربته مع القيود المفروضة على صناعة الأفلام في شخصية الطبيب، قال أصغري إن العمل يتناول القيود، لكنه يعكس أيضاً حاجته الشخصية إلى استعادة الصلة بتفاصيل حياته اليومية، بعدما جعله الانشغال بأخبار الحروب والمآسي يغفل لحظات جميلة قريبة منه، مثل علاقته بأسرته ووالدته ومساعدة الآخرين.

وعن استجابة الجمهور، أبدى أصغري تأثره بالرسائل التي تلقاها من مصريين بعد عرض الفيلم في «الجونة»، مرجعاً تفاعلهم مع الحكاية إلى مساحات ثقافية مشتركة، خصوصاً ما يتعلق بمكانة الأسرة والأم، رغم اختلاف الظروف التي يعيشونها عن واقع شخصيات الفيلم.

أما خطوته المقبلة فقال إنه لا يعرف بعد طبيعة المشروع الذي سيعمل عليه أو مكان تصويره، لأن الظروف في إيران تتغير يومياً، وتجعل التخطيط للأشهر المقبلة أمراً صعباً. وأكد أن استمرار التهديد بالحرب يزيد هذا الغموض، ولذلك يحاول إنجاز أفلامه حين يشعر بأنه مستعد لها.


فرَق الصحة المصرية تستعين بـ«الباعة الجائلين» للإعلان عن حملة تطعيم

ممرضة مصرية تستعين بعربة «كارو» للوصول لقرية تستهدفها حملة التطعيم ضد الحصبة (وحدة طب الأسرة بالكفر الشرقي بكفر الشيخ)
ممرضة مصرية تستعين بعربة «كارو» للوصول لقرية تستهدفها حملة التطعيم ضد الحصبة (وحدة طب الأسرة بالكفر الشرقي بكفر الشيخ)
TT

فرَق الصحة المصرية تستعين بـ«الباعة الجائلين» للإعلان عن حملة تطعيم

ممرضة مصرية تستعين بعربة «كارو» للوصول لقرية تستهدفها حملة التطعيم ضد الحصبة (وحدة طب الأسرة بالكفر الشرقي بكفر الشيخ)
ممرضة مصرية تستعين بعربة «كارو» للوصول لقرية تستهدفها حملة التطعيم ضد الحصبة (وحدة طب الأسرة بالكفر الشرقي بكفر الشيخ)

شهدت الحملة القومية للتطعيم ضد الحصبة والحصبة الألمانية في مصر مشاهد غير مألوفة؛ حيث فضلت بعض الفرق الميدانية التابعة لوزارة الصحة في عدد من المحافظات الإعلان عن الحملة عبر العودة إلى أدوات تقليدية، من مكبرات صوت الباعة الجائلين إلى التنقل بالعربات «الكارو»، للوصول إلى أكبر عدد من الأهالي، وبلوغ المناطق المستهدفة في القرى، والأحياء السكنية.

وبدأت وزارة الصحة والسكان المصرية الحملة القومية المجانية للتطعيم ضد الحصبة والحصبة الألمانية يوم 25 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وتنتهي يوم 15 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، وتستهدف نحو 21 مليون طفل من عمر 9 شهور وحتى 10 سنوات، من المصريين وغير المصريين، لحمايتهم من المرض ومضاعفاته، ولتعزيز المناعة ضده.

وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي في مصر مقاطع فيديو ولقطات توثق بعضاً من الوقائع واللقطات التي شهدتها الحملة، وتشير إلى اللجوء إلى الأدوات التقليدية للإعلان عنها، كان أبرزها في محافظة البحيرة، حيث لجأ أحد مندوبي الإدارة الصحية بمدينة رشيد لاستخدام مكبر صوت مثبّت على «تروسيكل» يخص أحد الباعة الجائلين، لكي يعلن عن التطعيم ضد مرض الحصبة، وأهميته، ويحث المواطنين على التطعيم.

مراقب صحي بمدينة رشيد يستعين بمكبر صوت أحد الباعة الجائلين للترويج لحملة التطعيم (الإدارة الصحية برشيد)

وهو الأسلوب الذي لجأ إليه أيضاً مراقب صحي بمركز دكرنس بمحافظة الدقهلية، حيث استعان بميكروفون بائع متجول مثبت على سيارته النصف نقل، للإعلان عن انطلاق الحملة في أحد الشوارع الجانبية بالقرية، ويوجه رسالته للأهالي لحثهم على تطعيم أطفالهم، في محاولة للوصول لهم بالطريقة التقليدية البسيطة.

وفي السياق ذاته، تم تداول لقطات لإحدى الممرضات بوحدة طب الأسرة بالكفر الشرقي بمحافظة كفر الشيخ، خلال مشاركتها في أعمال التطعيم، وهي تستقل عربة «كارو» (يجرها حمار) برفقة مستلزمات التطعيم، لتسهيل الوصول إلى إحدى القرى المستهدفة، وهو المشهد الذي لقي تفاعلاً كبيراً، وثناء على بطلته.

وفي محافظات أخرى، لجأت مديريات الصحة لإذاعة التنبيهات الخاصة بمواعيد وأماكن وجود فرق التطعيم عبر ميكروفونات المساجد الكبرى، ومن خلال الرسائل التوعوية خلال خطب الجمعة، والدروس الدينية.

وترى الدكتورة سهير عثمان، أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة، أن الاستعانة بمكبرات الصوت والباعة الجائلين وعربات الكارو في الترويج للحملة يعكس جانباً لأحد أهم مبادئ الاتصال الجماهيري، وهو أن فاعلية الرسالة لا تتوقف على مضمونها فقط، بل ترتبط أيضاً باختيار الوسيلة الأكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور المستهدف.

وأوضحت، لـ«الشرق الأوسط»، أن الوسيلة الأحدث ليست بالضرورة الأكثر تأثيراً، إذ تظل النداءات المباشرة ومكبرات الصوت في القرى والمناطق الشعبية أكثر قدرة على جذب الانتباه، والوصول للمواطنين مقارنة بالمنشورات، والحملات الرقمية، معتبرة أن «ما جرى يمثل نموذجاً للاتصال المتوافق مع السياق الاجتماعي والثقافي للجمهور، وطبيعة البيئة التي يعيش فيها».

وتؤكد عثمان أن «إعلام الشارع» لا يزال يحتفظ بقدرة كبيرة على التأثير في السلوك، لأنه لا يقتصر على نقل المعلومات فقط، بل يسهم في خلق حالة من الانتباه، والتفاعل المباشر مع الرسالة الإعلامية، مشيرة إلى أن هذا النوع من التواصل يستمد قوته من حضوره داخل الحياة اليومية للناس، واعتماده على أدوات مألوفة في البيئة الاجتماعية.

وأكدت أن الاتصال الرقمي، رغم اتساع انتشاره، فإنه لا يمكن أن يكون بديلاً كاملاً للتواصل المباشر، خصوصاً في البيئات الشعبية، والريفية، التي لا يزال للاتصال الشفهي والعلاقات الاجتماعية فيها دور مؤثر في تداول المعلومات، وتشكيل السلوك.

أما الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية، فإنه يرى أن مشاهد استخدام مكبرات الصوت وعربات الكارو والتروسيكلات للإعلان عن الحملات والمبادرات المجتمعية تكشف عن حقيقة مهمة في علم الإدارة المحلية، وهي أن الإدارة الناجحة لا تقتصر على إصدار القرارات من المكاتب، أو نشر البيانات عبر المنصات الإلكترونية، وإنما تبدأ من فهم طبيعة السكان، وثقافتهم، وسلوكهم، واحتياجاتهم اليومية، والنزول إلى الشارع، والقرية، والحي، للتواصل معهم بصورة مباشرة.

جانب من فعاليات الحملة القومية للتطعيم ضد الحصبة والحصبة الألمانية بإحدى المدارس (مديرية الشؤون الصحية بكفر الشيخ)

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «استخدام مكبرات الصوت وعربات الكارو والتروسيكلات ليس عودة إلى الوراء، وإنما توظيف لوسائل بسيطة للوصول إلى أهداف تنموية حديثة، شريطة أن تكون جزءاً من منظومة متكاملة تجمع بين التكنولوجيا والتواصل الميداني»، مؤكداً أن «الإدارة التي تفهم المواطن تستطيع الوصول إليه، والإدارة التي تصل إليه تستطيع بناء الثقة معه، والثقة المجتمعية تمثل أحد أهم مقومات نجاح التنمية المحلية».

وأشار إلى أن هناك فجوة في الاتصال الحكومي لا تزال قائمة في بعض المناطق، حيث لا يتابع جميع المواطنين صفحات المحافظات، أو المواقع الإلكترونية، خصوصاً في القرى والمناطق الأكثر احتياجاً، وهو ما يجعل استخدام وسائل الاتصال التقليدية وسيلة مكملة للتكنولوجيا الحديثة، وليس بديلاً عنها.