رغم أنك لا تستطيع سماع دقاتها، فإن جسمك يمتلك ساعة داخلية خاصة به، تنظم العديد من وظائفه على مدار اليوم. وتُعرف التغيرات الجسدية والذهنية التي تتحكم فيها هذه الساعة باسم «الإيقاعات اليوماوية» (Circadian Rhythms)، وهي إيقاعات توجد لدى معظم الكائنات الحية، بما في ذلك الحيوانات والنباتات، وحتى بعض أنواع الجراثيم، وفقاً لموقع «ويب ميد».
وتؤثر هذه الإيقاعات في أنماط النوم، إلى جانب وظائف أخرى في الجسم، مثل إفراز الهرمونات ودرجة حرارة الجسم والعادات الغذائية. وعندما يختل انتظامها، فقد تترتب على ذلك مشكلات صحية؛ إذ ارتبط اضطرابها بحالات مختلفة، من بينها السكري والسمنة والاكتئاب.
وللحصول على نوم جيد وصحي، من المفيد فهم العوامل التي تساعد على الحفاظ على انتظام ساعتك البيولوجية، وتلك التي قد تتسبب في اضطراب إيقاعها.
كيف تعمل الإيقاعات اليوماوية؟
تتكون «الساعة الرئيسية» في جسمك من نحو 20 ألف خلية عصبية، تقع في جزء من الدماغ يُعرَف باسم «النواة فوق التصالبية» (Suprachiasmatic Nucleus)، داخل منطقة «تحت المهاد» (Hypothalamus).
وتتولى هذه البنية تنظيم الإيقاعات اليوماوية في الجسم. ورغم أن هذه الإيقاعات تتحدد بصورة أساسية بفعل الجينات وعوامل طبيعية أخرى داخل الجسم، فإن عوامل خارجية في البيئة المحيطة يمكن أن تؤثر فيها وتغيّر انتظامها.
ويُعدّ الضوء العامل الخارجي الأهم في ضبط هذه الساعة؛ إذ إن جسمك مهيأ بيولوجياً للنوم عندما يحل الظلام، والبقاء مستيقظاً عندما يسود الضوء.
وترتبط العينان بالساعة البيولوجية الرئيسية في الدماغ عبر مسارات عصبية مباشرة. فعندما يتلاشى ضوء النهار، ترسل العينان إشارات إلى الدماغ لزيادة إفراز هرمون «الميلاتونين»، الذي يساعد على الشعور بالنعاس.
أما عند شروق الشمس، فتصل إلى الدماغ إشارات تؤدي إلى خفض إفراز هذا الهرمون؛ ما يساعد الجسم على الاستيقاظ.
أنماط مختلفة من شخص إلى آخر
ربما لاحظت أنك تشعر بمزيد من النشاط واليقظة في أوقات معينة من اليوم، في حين تنخفض مستويات طاقتك في أوقات أخرى.
ويرتبط هذا الاختلاف بما يُعرف بـ«النمط الزمني» (Chronotype)، وهو النمط الذي يحدّد الأوقات التي تميل فيها إلى النوم والاستيقاظ، ويرتبط بإيقاعك اليوماوي.
وتختلف هذه الأنماط من شخص إلى آخر، رغم أنها قد تكون سمة متوارثة داخل العائلات.
وغالباً ما يندرج الأشخاص ضمن فئتين رئيسيتين:
الأشخاص الصباحيون (Early Birds):
إذا كنت تستيقظ بسهولة في الصباح، وتشعر بأن طاقتك تبلغ ذروتها في الساعات الأولى من اليوم، فمن المرجح أنك تنتمي إلى هذه الفئة.
وتشير بعض الأبحاث إلى أن الساعة البيولوجية لدى الأشخاص الصباحيين قد تعمل وفق دورة أقصر قليلاً من 24 ساعة.
الأشخاص المسائيون (Night Owls):
أما إذا كنت تميل إلى السهر حتى ساعات متأخرة، فقد تكون ساعتك البيولوجية تعمل وفق دورة أطول قليلاً من 24 ساعة، حسب بعض الأبحاث.
وفي هذه الحالة، قد تجد صعوبة في الاستيقاظ صباحاً والشعور باليقظة خلال الساعات الأولى من اليوم، في حين تبلغ مستويات طاقتك ذروتها في وقت متأخر، ربما قرابة الساعة الحادية عشرة ليلاً.
ومع ذلك، فإن نمطك الزمني ليس ثابتاً طوال حياتك؛ إذ تتغير الإيقاعات اليوماوية بصورة طبيعية مع التقدم في العمر.
فعلى سبيل المثال، تشهد الساعة البيولوجية تغيرات خلال مرحلة المراهقة؛ ما يدفع المراهقين إلى الرغبة في النوم في أوقات متأخرة، والحصول على ساعات نوم أطول مقارنة بالأطفال الأصغر سناً.
وقد تفرض عليك طبيعة عملك أو جدولك الدراسي الانتقال من النمط المسائي إلى النمط الصباحي.
ويمكنك محاولة تعديل إيقاعك اليوماوي بنفسك، لكن من الأفضل إجراء هذا التغيير تدريجياً. فعلى سبيل المثال، يمكنك محاولة الاستيقاظ قبل موعدك المعتاد بـ15 دقيقة كل صباح على مدار أسبوع.
ما الذي يؤدي إلى اضطراب الإيقاعات اليوماوية؟
يمكن لبعض التغيرات البسيطة في عاداتك اليومية أن تؤثر في انتظام ساعتك البيولوجية، ومن أبرزها:
1. النوم لساعات أطول من المعتاد
تعمل ساعتك البيولوجية بكفاءة أكبر عندما تلتزم بجدول نوم منتظم.
ومن الناحية المثالية، يُفضل الذهاب إلى النوم والاستيقاظ في أوقات متقاربة يومياً، بحيث لا يتجاوز الاختلاف نحو نصف ساعة، حتى خلال عطلات نهاية الأسبوع.
2. السفر عبر مناطق زمنية مختلفة
عندما تسافر إلى منطقة ذات توقيت مختلف، يمكنك بسهولة ضبط ساعتك اليدوية على التوقيت الجديد، لكن ساعتك البيولوجية لا تتكيف بالسرعة نفسها.
فقد تستمر في العمل وفق توقيت بلدك الأصلي؛ وهو ما يؤدي إلى الحالة المعروفة باسم «اضطراب الرحلات الجوية الطويلة» (Jet Lag).
وكلما زاد عدد المناطق الزمنية التي تعبرها خلال رحلتك، زاد احتمال شعورك باختلال التوازن بين مواعيد النوم والاستيقاظ.
ومع مرور الوقت، تتكيف ساعتك البيولوجية مع التوقيت الجديد، لكن هذه العملية قد تستغرق بضعة أيام.
3. استخدام الشاشات قبل النوم
يرسل التعرض للضوء إشارات إلى الدماغ بأن الوقت قد حان للاستيقاظ والبقاء في حالة يقظة، وينطبق ذلك أيضاً على الضوء الأزرق المنبعث من الأجهزة اللوحية والهواتف الذكية وأجهزة التلفاز.
وللحصول على نوم جيد ليلاً، يُنصح بالتوقف عن استخدام جميع الشاشات قبل موعد النوم بساعتين إلى ثلاث ساعات.
كما يمكن لمصادر الإضاءة الاصطناعية الأخرى أن تؤثر بالطريقة نفسها في ساعتك البيولوجية.
ولذلك؛ احرص على إطفاء أضواء الممرات، وإبعاد واجهة ساعة المنبّه عن مجال رؤيتك أثناء النوم.
وإذا كان الضوء المتسلل من خارج المنزل يزعجك، فيمكنك استخدام ستائر معتمة أو ارتداء قناع مخصص للعينين أثناء النوم.
