تتكاثف الجهود الدولية والمحلية في ليبيا لإنهاء حالة الانقسام القضائي باعتباره الركيزة الأساسية والشرط الأول لإنجاح العملية الانتخابية المرتقبة، واستعادة الاستقرار السياسي؛ إذ شهدت الساعات الأخيرة تحركات متوازية بين مسار أممي في العاصمة البريطانية لندن، وموقف قضائي حاسم ورافض للتشظي من الداخل الليبي.
وحذرت الجمعية الليبية لأعضاء الهيئات القضائية من أي عمليات «تسييس» للمؤسسة لحسابات جهوية، مؤكدة أن «احترام استقلال القضاء وتنفيذ أحكامه وقراراته دون استثناء هما الركيزتان الأساسيتان لدولة القانون»، مبرزة أن العبث بالمؤسسة القضائية لأسباب سياسية أو جغرافية «يُعد جريمة في حق العدالة».
وأبدت الجمعية رفضها المطلق لاستمرار «حالة انقسام السلطة القضائية»، وعدّت ذلك «خرقاً جسيماً لمبدأ وحدة العدالة الذي لا يمكن القبول به»، ورأت أن «احترام استقلال القضاء وتنفيذ أحكامه وقراراته كافة هما الركيزتان الأساسيتان لدولة القانون».

وتعود جذور هذا الانقسام إلى أكثر من ثلاثة أعوام، حينما أقر مجلس النواب حزمة قوانين، تتعلق بإعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء؛ وتضمنت تعديلات جوهرية ومنح البرلمان سلطة اختيار رئيس المجلس، إلى جانب استحداث محكمة دستورية مستقلة، وهي خطوات فجرت جدلاً واسعاً وطعناً في الأوساط السياسية والقضائية.
وسبق أن أعربت الأمم المتحدة، على لسان مبعوثتها هانا تيتيه، عن «قلق بالغ حيال التداعيات الخطيرة للانقسام المؤسسي على وحدة المنظومة القانونية في ليبيا»، وحذّرت خلال إحاطة سابقة أمام مجلس الأمن «من مخاطر صدور أحكام قضائية متضاربة، واتخاذ قرارات أحادية الجانب، تفضي إلى حالة من الفوضى التشريعية».
ونوهت تيتيه بأن هذا الوضع المنقسم «قد ينذر بظهور أنظمة قانونية موازية، تُقوّض ثقة المواطنين في سيادة القانون، وتلقي بظلال سلبيّة تهدد نجاح أي استحقاقات انتخابية مستقبلية».
وحرصاً على «طي صفحة الانقسام وتوحيد الرؤى»، دعت الجمعية إلى عقد «مؤتمر وحدة القضاء»، واقترحت أن يكون في مدينة سرت، لأنها تتوسط البلاد وترمز إلى وحدتها، ورأت أنه سيكون فرصة لالتقاء كبار رجال القضاء والمسؤولين القضائيين، والسلطات التشريعية واللجان المنبثقة عنها، وكل من يسعى حقاً إلى وحدة القضاء.
ورأت الجمعية أن المؤتمر قد يخرج بـ«ميثاق وحدة القضاء»، والتوافق حول مشروع قانون نظام قضاء نابع من داخل السلطة القضائية، مع عدم تجاهل أي جهود محلية أو دولية في هذا الصدد.
ومع التأكيد أن «تجاهل إرادة المؤسسة القضائية ومنتسبيها، وعدم إشراكها في أي قانون ينظمها يجعل كل المحاولات قاصرة ويجعلانها عرضة للتعثر والفشل»، واختتمت الجمعية الليبية لأعضاء الهيئات القضائية بيانها بالتأكيد على المضي قدماً وبثبات لحماية القضاء واستقلاله وضمان وحدته، بما يخدم مصلحة الوطن والمواطن، دون تفريق بين شرق وغرب.

وتعيش ليبيا وضعاً غير مسبوق، يلقي بظلاله على المؤسسة القضائية، إثر تنازع جهتين على إدارة المجلس الأعلى للقضاء؛ إذ تتمركز الأولى في طرابلس، وترتبط بالمحكمة العليا برئاسة عبد الله أبو رزيزة، فيما تعتمد الثانية، برئاسة مفتاح القوي، على دعم مجلس النواب، وتواصل عملها عقب إعلانها نقل بعض الإدارات التابعة للمجلس مؤقتاً إلى بنغازي، نتيجة أسباب أرجعتها إلى «القوة القاهرة».
وسعياً إلى إنهاء انقسام مؤسسة القضاء، التي ظلت موحدة إلى وقت قريب، عقد أعضاء اللجنة الليبية «4+4» في لندن، برئاسة الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا هانا تيتيه، اجتماعاً لمتابعة تنفيذ الاتفاق الموقع في نهاية أغسطس (آب) الماضي، واستكمال النقاشات حول القضايا والترتيبات الضرورية لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
وخلال الاجتماع شدد الحاضرون على «الأهمية البالغة التي يكتسيها توحيد السلطة القضائية في تنظيم انتخابات ناجحة ذات مصداقية، يقبل الجميع نتائجها»، مؤكدين الاحترام التام لحياد المؤسسة القضائية واستقلالها، وقرروا توسيع المشاورات مع مختلف مكونات أسرة القضاء للوصول إلى حلول تضمن اضطلاع مؤسسة قضائية موحدة بدورها في إنجاح العملية الانتخابية».
وانتهت اللجنة إلى التأكيد على مواصلة انخراطها مع كل الفاعلين السياسيين «لحشد الدعم لاتفاق 30 أغسطس من أجل الوصول إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية وفق ما تم الاتفاق عليه»، واتفقوا على الاجتماع مجدداً في غضون أسبوعين.
ويُمثل اتفاق «4+4»، الموقّع برعاية أممية بين ممثلين عن شرق ليبيا وغربها، خريطة طريق سياسية، تهدف إلى إنهاء الانسداد السياسي والتمهيد لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً.
وينص الاتفاق على حسم النقاط الخلافية في القوانين الانتخابية، بما فيها السماح لمزدوجي الجنسية والعسكريين بالترشح وفق ضوابط محددة، وإلغاء التلازم بين نواتج الانتخابات، بالإضافة إلى إعادة تشكيل مجلس إدارة جديد لمفوضية الانتخابات، والعمل على تشكيل حكومة موحدة تشرف على الاستحقاق الانتخابي.




