«تلقى اتصالاً من الاحتلال خيَّره بين قصفه مع أهله أو قتله وحيداً»... رواية واحدة تكررت في الآونة الأخيرة بقطاع غزة على لسان أهالي بعض نشطاء الفصائل الفلسطينية الذين قتلتهم إسرائيل في عمليات استهدفتهم استهدافاً مباشراً وهم يسيرون في شوارع صغيرة أو عامة، أو على أسطح منازل وبنايات سكنية أو حتى مراكز إيواء يعيشون بها مع أسرهم.
أحدث تلك الروايات كانت حول استهداف الشاب محمد البيوك، ظهر الأربعاء، من قِبل طائرة إسرائيلية مُسيَّرة وهو على سطح غرفة داخل مركز إيواء للنازحين وسط خان يونس بجنوب قطاع غزة، وذلك بعدما تلقى اتصالاً هاتفياً من ضابط في جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) يخيَّره بين قصفه مع أسرته أو الصعود للسطح لقتله وحيداً، فاختار المسار الأخير، وتم استهدافه بصاروخ صغير.
بعض أفراد عائلة البيوك الذين حاولت «الشرق الأوسط» التواصل معهم رفضوا التعقيب، في حين أكد آخرون صحة الرواية، ومن بينهم ابن إحدى خالات المستهدَف والذي كان حاضراً في المكان، مؤكداً إصابة خالته الأخرى بجروح خطيرة في أثناء ملاحقتها الشاب لمنعه من الخروج وحده بعد تلقيه الاتصال.
اضطرار إلى الانصياع
وفقاً لمصادر ميدانية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن هذه الحالة تكررت مرات عدة في الأشهر القليلة الماضية، مؤكدةً أنها حصلت مع نحو خمس حالات خلال الفترة الأخيرة.

وأشار أحد المصادر إلى أن بعض الشائعات تحدثت عن تكرار الأمر «كثيراً»، لكن بعد مراجعات أمنية تبين أنها ليست دقيقة؛ وإن كانت قد وقعت خمس حالات على الأقل من هذا النوع في الأشهر الثلاثة الماضية.
وقال المصدر إن من يتلقون مثل هذه الاتصالات من ضباط المخابرات الإسرائيلية يضطرون إلى الانصياع والابتعاد عن أُسرهم؛ حتى يجنّبوا أفرادها الموت، وعدَّ هذا دليلاً على أن إسرائيل تمارس الإعدام بشكل مباشر، وتعمل على ترويع النشطاء بمصير عوائلهم، كما فعلت بالعديد من الأسرى الذين كانت تتوعدهم بقتل أقاربهم إن هم امتنعوا عن تقديم معلومات أمنية خلال التحقيقات، في حين كانت تعرض على بعضهم صوراً لأبنائهم وأقاربهم بعد قتلهم للضغط عليهم نفسياً.
وصرَّح المصدر بأن جميع الحالات التي رُصدت كانت لنشطاء لهم علاقة بالعمل العسكري، أما القيادات الكبرى والميدانية البارزة فقد اُغتيلت خلال استهدافات عنيفة وبصواريخ ومُسيَّرت انتحارية عدة حتى لو كان ذلك على حساب إزهاق أرواح أعداد كبيرة من المدنيين.
«تبييض الصورة»
أجمعت المصادر على أن هذا الأسلوب «لا يعني أن الاحتلال رحيم بالفلسطينيين، أو أنه يعمل على تبييض وجهه أمام العالم»، مؤكدةً أن الكثير من عمليات القصف لا تزال تتسبب في قتل مدنيين من بينهم نساء وأطفال.

غير أنه يبدو أن إسرائيل تحاول تقليل ما تصفه بالخسائر الجانبية بسبب الانتقادات الدولية المستمرة لها، وفي ظل اتفاق مع الولايات المتحدة على ذلك، كما كشفت صحيفة «هآرتس» العبرية في مطلع سبتمبر (أيلول) الماضي.
وحسب الصحيفة، توصلت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تفاهم بشأن استخدام القوة في قطاع غزة، وقالت إن الإدارة الأميركية لا تتدخل في التحركات الإسرائيلية إلا في حالات استثنائية، وإن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يطالب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بكبح جماح قواته بغزة.
وأشارت «هآرتس» إلى أن الاهتمام الأميركي ينصبّ على حالات سقوط ضحايا مدنيين، والتي تراجعت نسبياً نتيجة استخدام طائرات مسيّرة تستهدف نشطاء «حماس» بقنابل وصواريخ صغيرة.
وعلَّق أحد المصادر الميدانية على تلك الأنباء قائلاً إنها غير دقيقة، مؤكداً أن غارات تسببت في الآونة الأخيرة في قتل مدنيين خلال محاولة اغتيال ناشط أو بسبب استمرار القصف العشوائي، مشيراً إلى غارة تسببت، الأربعاء، في مقتل مدنيين وموظفين وممثلين عن تجار بعد قصف نقطة تابعة لوزارات حكومية في جنوب مواصي خان يونس تعمل على متابعة حركة البضائع الواردة لغزة.
غارات واستهدافات
وفي سياق التصعيد الميداني، قُتل فلسطينيان في غارة إسرائيلية استهدفتهما داخل مركبة بمخيم المغازي وسط قطاع غزة، في حين أصيب آخر بجروح متوسطة إثر غارة في منطقة الصفطاوي غرب مخيم جباليا بشمال القطاع.

وقالت وكالة «شهاب» للأنباء: «وصل شهيدان وعدد من المصابين إلى مستشفى شهداء الأقصى، جراء الاستهداف الذي يأتي في سياق سلسلة من الخروقات المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار في مناطق متفرقة من القطاع».
كما أصيب عدد من الفلسطينيين في إطلاق نار وقصف مدفعي استهدف مناطق عدة من قطاع غزة، في حين أغارت طائرة مروحية فجراً بصاروخ على شقة سكنية خالية، كانت قد تعرضت للقصف سابقاً، في شارع يافا بشرق مدينة غزة، دون أن يسفر ذلك عن إصابات.
وذكرت وكالة «شهاب»: «شنّت القوات الإسرائيلية سلسلة من الهجمات في مناطق متفرقة من قطاع غزة، شملت إطلاق النار على خيام النازحين، وقصفاً مدفعياً، واستهداف شقة سكنية بطائرة مسيّرة، إلى جانب عمليات تجريف وإطلاق نار من الزوارق الحربية».





