مصر: اكتشافات أثرية بسقارة تفسّر ألغازاً بالدولة القديمة

العثور على مقبرة «سيد مدينة الكاب»

منطقة سقارة تضم العديد من المقابر الأثرية (وزارة السياحة والآثار)
منطقة سقارة تضم العديد من المقابر الأثرية (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: اكتشافات أثرية بسقارة تفسّر ألغازاً بالدولة القديمة

منطقة سقارة تضم العديد من المقابر الأثرية (وزارة السياحة والآثار)
منطقة سقارة تضم العديد من المقابر الأثرية (وزارة السياحة والآثار)

تمكنت الاكتشافات الأثرية المتتالية في منطقة سقارة (غرب القاهرة) من تفسير ألغاز بالحضارة المصرية القديمة ترتبط بمجتمع السادة والنبلاء والطقوس الدينية والجنائزية، وحضور النساء في الطقوس الجنائزية بطريقة لافتة.

وجدد الكشف الذي أعلنته البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار والعاملة بجبانة الملك مرنرع، هذه التفسيرات خصوصاً فيما يخص عمارة المصاطب الجنائزية والتخطيط المعماري لها، بالإضافة لإلقاء الضوء على ألقاب النبلاء في الدولة القديمة.

حيث كشفت البعثة عن مصطبة مشيدة من الطوب اللبِن، تضم عدداً من آبار الدفن، من بينها بئر تؤدي إلى حجرة دفن منقوشة تخص شخصاً يُدعى «وني»، حمل عدداً من الألقاب الإدارية والدينية الرفيعة خلال عصر الدولة القديمة، وذلك في أثناء أعمال الحفائر التي تجريها البعثة بالمنطقة الواقعة إلى الشمال الغربي من هرم الملك مرنرع.

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، أن هذا الكشف الأثري يمثل إضافة مهمة لسلسلة الاكتشافات الأثرية التي تشهدها منطقة سقارة، ويعكس ما تزخر به المواقع الأثرية المصرية من كنوز وشواهد تاريخية لا تزال تحمل الكثير من أسرار الحضارة المصرية القديمة.

وأضاف في بيان للوزارة، الاثنين، أن الوزارة تولي اهتماماً كبيراً بدعم أعمال البعثات الأثرية المصرية بما يسهم في الكشف عن المزيد من أسرار الحضارة المصرية القديمة، وإثراء المعرفة بتاريخها، والحفاظ على تراثها الحضاري للأجيال المقبلة.

وأوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، أن أهمية هذا الكشف تكمن فيما يقدمه من معلومات جديدة عن التخطيط المعماري للمصاطب الجنائزية خلال عصر الدولة القديمة، وطبيعة الممارسات الدينية والجنائزية المرتبطة بها، وإلقاء الضوء على المكانة الاجتماعية والإدارية التي تمتع بها صاحب المقبرة.

جانب من المقبرة المكتشفة في سقارة (وزارة السياحة والآثار)

وأضاف أن حجرة دفن «وني» تُعد من أبرز العناصر المعمارية المكتشفة بالمصطبة، حيث احتفظت نقوشها بحالة جيدة نسبياً؛ ما أتاح التعرف على اسم صاحبها وعدد من ألقابه الوظيفية والدينية، من بينها «العمدة»، و«كاهن سم»، و«مدير كل نقبة ملكية»، و«خازن مال بيت الشمال»، و«السمير الوحيد»، و«سيد مدينة الكاب»، وهي ألقاب تعكس تنوع المهام الإدارية والدينية التي اضطلع بها وصلته بمؤسسات الدولة الملكية خلال تلك الفترة.

ولفت رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع، إلى أن الحفائر أسفرت أيضاً عن اكتشاف حجرة مقبية تقع مباشرة أعلى حجرة دفن «وني»، عُثر بداخلها على عدد من اللقى الأثرية، من أبرزها تمثالان صغيران من الخشب في وضع تعبدي نادر، يمثلان إضافة مهمة لدراسة التجهيزات الجنائزية وطبيعة استخدام الوحدات المعمارية المختلفة داخل المصاطب المصرية القديمة.

مضيفاً في بيان الوزارة أنه تم العثور أيضاً داخل بئر دفن «وني» على مجموعة من الأدوات البرونزية التي يُرجح استخدامها في الأغراض الطبية، وهي من اللقى الأثرية النادرة نسبياً في السياقات الجنائزية، لافتاً إلى أن النقوش المسجلة داخل حجرة الدفن لم تتضمن ما يشير إلى أن صاحب المقبرة كان يحمل لقب طبيب؛ ما يجعل وجود هذه الأدوات داخل البئر من الجوانب المهمة التي تتطلب مزيداً من البحث والدراسة لتحديد طبيعة استخدامها وعلاقتها بصاحب المقبرة.

كما أسفرت أعمال البعثة عن اكتشاف باب وهمي يخص سيدة تُدعى «سخت نبتي»، حملت عدداً من الألقاب الدينية، من بينها لقب «كاهنة حتحور»، بما يقدم شواهد إضافية عن الأدوار الدينية للنساء خلال عصر الدولة القديمة.

وتسهم هذه النتائج في تقديم صورة أكثر وضوحاً عن الظروف الصحية والمعيشية خلال عصر الدولة القديمة، وتتكامل مع ما تم الكشف عنه من نقوش وعناصر معمارية ولقى أثرية لفهم جوانب مختلفة من حياة صاحب المقبرة ومكانته الاجتماعية.

وشهدت منطقة سقارة العديد من الاكتشافات الأثرية في الفترة الأخيرة من بينها الإعلان في سبتمبر (أيلول) الماضي عن اكتشاف مقبرة تاريخية ترجع إلى أواخر عصر الأسرة الخامسة في أثناء التنقيب بجبانة مارييت الواقعة شمال سقارة. وفي أغسطس (آب) الماضي كشفت أعمال الحفائر بجبانة البوباسطيون بسقارة عن مقبرة تعود إلى عصر الدولة القديمة، لصاحبها «سخنتيو-بتاح» إلى جانب منظومة من آبار الدفن. وكانت المنطقة قد شهدت قبل نحو 5 سنوات الكشف عن أكثر من 100 تابوت خشبي ملون مغلق بحالتهم الأولي داخل آبار للدفن، بالإضافة إلى أكثر من 40 تمثالاً خشبياً للإله بتاح سوكر بأجزاء مذهبة.

وقال الخبير الآثاري والمتخصص في علم المصريات أحمد عامر إن اكتشاف مقابر ومصاطب ترجع إلى عصر الدولة القديمة يكشف لنا أسراراً جديدة عن منطقة سقارة، وهي جزء من جبانة «منف»؛ حيث إنه لم يتم العثور بها على 10 في المائة من آثارها. والمكتشفات المتتالية بها توضح لنا الجانبين الاجتماعي والديني للشخصيات التي عاشت في عصر الدولة القديمة، ومكانتهم بها.

مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «معظم الاكتشافات الحالية بالمنطقة أشارت إلى حالتها الجيدة، نظراً لعدم الوصول إليها في الماضي والعبث بها؛ حيث إن الحياة الاجتماعية والدينية أصبحت تحتاج إلى الكثير من أعمال الحفائر بتعمق لفهم مزيد من الأسرار والألغاز بعصر الدولة القديمة وحياة كبار رجال الدولة بها في ذلك الوقت».

وتابع: «من خلال ما تم الكشف عنه بمقبرة (وني) رأينا كثرة الألقاب لصاحبها وهو ما يعني مكانته الرفيعة في الدولة القديمة، كما أن النقوش أظهرت ألقابه ومكانته في تلك الحقبة؛ لذلك سوف نرى في الفترات المقبلة اكتشافات أثرية هامة في هذه المنطقة تفك غموض أسرار عن الحياة الاجتماعية والدينية لم تكن معروفة من قبل».


مقالات ذات صلة

«أليكسو» تضم 3 مبانٍ مصرية عتيقة لسجل التراث العمراني

يوميات الشرق مبنى جمعية المهندسين بالقاهرة (وزارة الثقافة المصرية)

«أليكسو» تضم 3 مبانٍ مصرية عتيقة لسجل التراث العمراني

وافقت منظمة التربية والثقافة والعلوم (أليكسو) على تسجيل 3 مبانٍ ذات طابع معماري متميز بمصر ضمن سجل التراث المعماري والعمراني بالدول العربية.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق تابوت «شب إن حور» (إنستغرام)

متاحف اسكوتلندية تحجب مومياوات مصرية احتراماً لحرمة الموتى

حجبت متاحف في غلاسكو رفات مومياوات مصرية عن الجمهور، احتراماً لحرمة الموتى، وسط نقاش متجدد حول أخلاقيات عرض الأجساد البشرية في المتاحف.

«الشرق الأوسط» (غلاسكو)
يوميات الشرق متحف اللوفر يضم آلاف القطع الأثرية المصرية (فيسبوك)

احتجاجات باريس تجدد مطالبات استرداد الآثار المصرية

جددت الاحتجاجات التي تشهدها العاصمة الفرنسية مطالبات بحماية واسترداد الآثار المصرية الموجودة في اللوفر.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

بعد سنوات من الإهمال أوصلته لحالة من التدهور كادت تؤدي إلى ضياعه وتهدمه تماماً عاد مدفن الإمام ابن حجر العسقلاني للظهور بحلة تليق به بعد ترميمه.

حمدي عابدين (القاهرة )
يوميات الشرق وصف البروفسور هاكان أونيز حطام السفينة بأنه «كبسولة زمنية في قاع البحر» (صورة نشرها هاكان أونيز على إنستغرام)

«كبسولة زمنية في قاع البحر»... اكتشاف أقدم حطام سفينة بالعالم قبالة سواحل تركيا

اكتشف علماء آثار حطام سفينة قبالة سواحل تركيا يرجع تاريخها إلى ما بين 4400 و4700 عام أي للعصر البرونزي المبكر

«الشرق الأوسط» (أنقرة)

ديناصور عمره 125 مليون سنة يحمل اسم أب بريطاني

عظام من عصور سحيقة تحمل امتنان هذا العصر (رويترز)
عظام من عصور سحيقة تحمل امتنان هذا العصر (رويترز)
TT

ديناصور عمره 125 مليون سنة يحمل اسم أب بريطاني

عظام من عصور سحيقة تحمل امتنان هذا العصر (رويترز)
عظام من عصور سحيقة تحمل امتنان هذا العصر (رويترز)

أُطلق اسم أب من مقاطعة ساري البريطانية على جنس ونوع جديدين من الديناصورات. وسُمّي الديناصور «بالودوهادروس براودلوفي»، وهو من مجموعة «الإغوانودونتيات»، تكريماً للراحل ويل براودلوف، الذي كان يدير مصنعاً للطوب وقرميد الأسقف في إيورهيرست، حيث عُثر على الحفرية.

وتوفي براودلوف عن 35 عاماً، قبيل العثور على الحفرية عام 2001 وإهدائها إلى متحف التاريخ الطبيعي.

وقالت زوجته راشيل لإذاعة «بي بي سي» في ساري، إن موقع عمل زوجها، والد طفليهما، شهد على مدى سنوات اكتشاف بقايا ديناصورات. وأضافت: «كان مفتوناً بهذا الأمر إلى حد كبير»، موضحةً أن ويل كان يتفحّص الطين كلما أُزيلت طبقة منه من المحجر، بحثاً عمّا يشبه حفريات الديناصورات.

ووصفت راشيل تسمية الديناصور باسم ويل، الذي تدرّج في المناصب حتى أصبح مديراً للمصنع، بأنها تكريم «كبير».

وقالت: «إنه أمر مثير جداً. إنه إرث عظيم لزوجي يُخلّد ذكراه. نحن في غاية السعادة».

وتعود البقايا التي عُثر عليها في مصنع إيورهيرست إلى أحد «الإغوانودونتيات»، وهي مجموعة من الديناصورات تشتهر بمخالب إبهامها الشبيهة بالأشواك، وفق متحف التاريخ الطبيعي.

وأضاف المتحف أن «الإغوانودونتيات» المكتَشفة في جنوب إنجلترا كانت تُصنَّف تاريخياً على أنها تنتمي إما إلى «الإغوانودون» وإما إلى قريبه الأصغر حجماً «مانتيليسورس».

وإنما إعادة وصف مفصّلة للنوع الأخير، أجراها علماء متحف التاريخ الطبيعي عام 2023، أتاحت تحديد فروق رئيسية بين هذه الأنواع.

وأدّى ذلك إلى تسمية أنواع جديدة عدة من «الإغوانودونتيات» في السنوات الأخيرة، منها: «برايتستونيوس»، و«كومبتوناتوس»، و«إستيوراكيس» ذي الظهر الشراعي، وصولاً إلى «بالودوهادروس» حالياً.

وقال المتحف إن هذا الحيوان العاشب، الذي كان يسير على 4 قوائم، عاش قبل نحو 125 مليون سنة، خلال العصر الطباشيري المبكر.

وفي ذلك الوقت، كانت المستنقعات الموحلة تغطّي جنوب إنجلترا، وهو ما أسهم في اختيار اسم الديناصور، إذ تعني كلمة «بالوس» باللاتينية «المستنقع»، وفق المتحف.

ويبلغ طول «بالودوهادروس براودلوفي» نحو 5 أمتار، ويتراوح وزنه بين طن ونصف الطن وطنين تقريباً، ممّا جعله يضاهي وحيد القرن حجماً عند نفوقه.

لكن المتحف أوضح أن من المرجّح أن تكون الحفرية لديناصور يافع، لأن عظامه لم تكن مكتملة النمو، ممّا يعني أنه كان قادراً على بلوغ ضعف هذا الحجم.

وكان «بالودوهادروس» يعيش إلى جانب «باريونيكس ووكيري»، وهو ديناصور مفترس ضخم يسير على قدمين، اكتُشف في مصنع إيورهيرست عام 1983.


السويد تخشى أسرارها... وتحظر «تشات جي بي تي» و«كلود»

علم السويد (بكسلز)
علم السويد (بكسلز)
TT

السويد تخشى أسرارها... وتحظر «تشات جي بي تي» و«كلود»

علم السويد (بكسلز)
علم السويد (بكسلز)

تخيّل أن تكتب سراً من أسرار عملك في خانة سؤال، طلباً لمساعدة سريعة من الذكاء الاصطناعي، ثم تكتشف أن معلوماتك ربما خرجت من المكان الذي كان يفترض أن تبقى فيه. هذا الاحتمال، الذي قد لا يخطر على بال موظف يريد إنجاز مهمته في دقائق، أصبح مصدر قلق للحكومة السويدية، التي قررت حظر استخدام النسخ المتاحة عبر متصفحات الإنترنت من تطبيقي «تشات جي بي تي» و«كلود» على أجهزة العمل الحكومية.

المفارقة أن التكنولوجيا التي تعد بتسهيل العمل وتسريع إنجازه باتت تثير أسئلة محرجة داخل المؤسسات التي تسعى إلى الاستفادة منها: هل يمكن الوثوق بأداة ذكية عندما يتعلق الأمر بأسرار الدولة؟ وأين تنتهي المعلومات التي يشاركها الموظف معها؟

في السويد، لم يعد الأمر مجرد نقاش نظري. فمنذ 26 أكتوبر (تشرين الأول)، بات على الموظفين الالتزام بقيود جديدة، في خطوة لا تستهدف الذكاء الاصطناعي نفسه، بقدر ما تستهدف المخاطر التي قد تنشأ عندما تُستخدم أدواته من دون ضمانات أمنية واضحة، وفقاً لموقع «يورونيوز».

قد ينحرف وكيل الذكاء الاصطناعي بسبب طبيعة النموذج الاحتمالية أو نتيجة تلاعب خارجي بالمدخلات التي يعتمد عليها (شاترستوك)

بدأت المخاوف تتضح بعد مراجعة أجرتها السلطات السويدية لاستخدام هذه الأدوات لدى موظفي إدارة النقل، كشفت عن ممارسات وصفت بأنها إشكالية، فالموظف الذي يستعين بمساعد ذكي لتلخيص تقرير أو صياغة رسالة قد يُدخل، من دون انتباه، بيانات لا يجوز تداولها خارج المؤسسة. وما يبدو اختصاراً للوقت قد يتحول إلى مشكلة أمنية إذا لم تكن هناك ضمانات واضحة بشأن تخزين المعلومات ومعالجتها والجهات التي تستطيع الوصول إليها.

ويحذر ميكائيل فيتركرانتس، مدير التحول الرقمي في مكاتب الحكومة السويدية، من مخاطر استخدام أدوات تقنية خارج الأنظمة المعتمدة رسمياً، وهي ممارسة تُعرف باسم «تقنية المعلومات الظلية». وتكمن المشكلة في أن المؤسسة قد لا تعرف ما الذي يشاركه موظفوها مع تلك الخدمات، ولا كيف تُستخدم البيانات بعد إدخالها.

لكن السويد لا تطلب من موظفيها التخلي عن الذكاء الاصطناعي، بل تدعوهم إلى استخدام أدوات خضعت للفحص الأمني. ومن بينها «كوبايلوت»، مساعد شركة «مايكروسوفت»، الذي أصبح متاحاً بموجب اتفاقية أمنية مع الحكومة. أما استخدام «تشات جي بي تي» و«كلود»، فسيظل ممكناً لعدد محدود من الموظفين عبر منصة حكومية مخصصة للمساعدين المعتمدين.

وامتدت قيود مماثلة إلى مؤسسات سويدية أخرى، بينها مصلحة الضرائب والمجلس الوطني للرعاية المؤسسية، في مؤشر على أن المسألة لا تخص جهة واحدة، بل تتصل بكيفية التعامل مع التكنولوجيا الجديدة داخل القطاع العام.

وليست هذه المرة الأولى التي تتعامل فيها السويد بحذر مع أدوات الذكاء الاصطناعي الأجنبية، فقد سبق أن فرضت قيوداً على «ديب سيك» الصينية، وسط مخاوف تتعلق بالخصوصية وحماية البيانات. وتثير هذه الحالات أسئلة تتجاوز هوية الشركة المطورة، لتشمل مكان تخزين المعلومات، والقوانين التي تحكمها، ومدى قدرة المؤسسات على مراقبة استخدامها.

المفارقة أن الأدوات نفسها التي تعد بتوفير الوقت ورفع الإنتاجية قد تفرض على الحكومات وقتاً إضافياً للتدقيق والمراجعة. فليس كل ما يستطيع الموظف فعله بمساعدة الذكاء الاصطناعي مناسباً بالضرورة لبيئة العمل الرسمية.

وفي النهاية، لا يتعلق الأمر برفض التكنولوجيا، بل بمعرفة حدود استخدامها، فحين يكتب الموظف سؤالاً لمساعد ذكي، قد لا يعرف أين تنتهي كلماته، ولا من يمكن أن يطّلع عليها لاحقاً. ولهذا، بات السؤال الأهم بالنسبة إلى الحكومات ليس ما الذي يستطيع الذكاء الاصطناعي إنجازه، بل ما الذي ينبغي ألا نضعه بين يديه؟


مصر: «دعوات تشجير» القاهرة تعيد جدل إزالة الحدائق للواجهة

محافظة القاهرة زرعت آلاف الأشجار خلال الآونة الأخيرة (محافظة القاهرة)
محافظة القاهرة زرعت آلاف الأشجار خلال الآونة الأخيرة (محافظة القاهرة)
TT

مصر: «دعوات تشجير» القاهرة تعيد جدل إزالة الحدائق للواجهة

محافظة القاهرة زرعت آلاف الأشجار خلال الآونة الأخيرة (محافظة القاهرة)
محافظة القاهرة زرعت آلاف الأشجار خلال الآونة الأخيرة (محافظة القاهرة)

جدَّدت محافظة القاهرة دعوتها للمواطنين للمشاركة في تشجير العاصمة، وسط جدل بشأن إزالة الأشجار وتراجع المساحات الخضراء في الشوارع المصرية، وانتقادات للأجهزة المحلية بسبب قطع أشجار معمّرة خلال أعمال تطوير الطرق، وتساؤلات عن مدى قدرة المبادرات الجديدة على تعويض ما فقدته المدن من غطاء أخضر.

ودعت المحافظة، في بيان صدر الاثنين، المواطنين والشركات والبنوك والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني إلى المشاركة في جهود التشجير، مؤكدة أنها «مسؤولية مشتركة بين الأجهزة التنفيذية والمواطنين». كما أعلنت توفير أشجار من مشاتل هيئة نظافة وتجميل القاهرة بأسعار مخفَّضة تصل نسبة التخفيض فيها إلى 60 في المائة، وشجَّعت المواطنين على زراعتها أمام المنازل والمحلات التجارية.

وتشمل المبادرة تحديد مسافات تتراوح بين 4 و5 أمتار بين الأشجار، مع اختيار أنواع توفر ظلالاً واسعة ولا تستهلك كميات كبيرة من المياه، من بينها البونسيانا، واللبخ، والجاكراندا. كما تتضمن التوجه إلى استغلال بعض الأراضي والمساحات غير المستخدمة لإنشاء حدائق ومتنزهات.

دعوة محافظة القاهرة لزراعة الأشجار على منصات التواصل (محافظة القاهرة)

وتأتي دعوة محافظة القاهرة بعد أيام من طرح أزمة قطع الأشجار خلال فعاليات «منتدى مصر 2026»، الذي شهد توصيات بالإسراع في إدخال تعديلات على قانون البيئة، بما يتضمن تجريم قطع الأشجار بصورة عشوائية أو من دون ضوابط، إلى جانب وضع استراتيجية تنموية تستهدف مضاعفة الغطاء النباتي في المحافظات المصرية.

وكانت وزيرة التنمية المحلية والبيئة، منال عوض، قد أعلنت خلال مشاركتها في المنتدى زراعة 12 مليون شجرة ضمن المبادرة الرئاسية للتشجير، فيما أفادت تقارير باستعداد الوزارة لطرح تعديلات تشريعية على قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994، بهدف سد الثغرات المتعلقة بمواجهة عمليات قطع الأشجار.

وأثار بيان محافظة القاهرة تساؤلات لدى متابعين وناشطين بيئيين بشأن الضمانات اللازمة لحماية الأشجار المزروعة، والحيلولة دون إزالتها لاحقاً خلال تنفيذ مشروعات التطوير.

ووجَّه متابعون انتقادات حادة إلى مسؤولي المحليات، محمِّلين إياهم مسؤولية قطع الأشجار في الحدائق والجزر الخضراء على الطرق والشوارع خلال تنفيذ مشروعات التطوير، فضلاً عن إقامة الأكشاك والمطاعم في مساحات عامة كانت مخصصة للمناطق الخضراء.

وأثار قطع الأشجار المعمّرة في شارع جامعة الدول العربية بحي المهندسين في الجيزة، خلال الفترة الأخيرة، جدلاً واسعاً وانتقادات حادة، ما دفع مسؤولين إلى إعادة تشجير الشارع والتشديد على عدم قطع الأشجار مجدداً، مع تكثيف أعمال التشجير لتعويض الأشجار التي أُزيلت.

وانتقدت الناشطة البيئية المصرية مريم حامد غياب الضمانات الكفيلة بحماية الأشجار التي يزرعها المواطنون، معتبرة أن دعوة محافظة القاهرة إلى المشاركة في التشجير، رغم إيجابيتها، لا تعالج المشكلة الأساسية المتمثلة في إزالة الأشجار القائمة.

عمال يشاركون في غرس أشجار جديدة (محافظة القاهرة)

وقالت الناشطة البيئية لـ«الشرق الأوسط» إن «تجارب سابقة شهدت إزالة أشجار زرعها مواطنون ومتطوعون خلال أعمال صيانة الطرق وتطوير الشوارع»، متسائلة عن الضمانات التي تحول دون تكرار ذلك في إطار المبادرة الجديدة.

وأضافت أن «تشجيع المواطنين وأصحاب المحلات على التشجير يحتاج إلى آليات تنفيذ واضحة تضمن استدامة هذه الجهود»، مشيرة إلى أن المبادرة لا تعفي الجهات الحكومية من مسؤوليتها عن إزالة الأشجار المعمّرة.

ولفتت الناشطة البيئية إلى استمرار تضارب الاختصاصات بين المحافظات والأحياء وهيئات النظافة والتجميل والجهات المسؤولة عن الطرق، ما يصعّب على الناشطين البيئيين تحديد الجهة المسؤولة عن إزالة الأشجار أو مخاطبتها. ورأت أن ملف حماية الأشجار لا يزال يفتقر إلى وضوح المسؤوليات والضمانات الفعلية للحفاظ على الغطاء الأخضر.

من جانبه، حذّر الناشط البيئي المصري أحمد فتحي من أن دعوة المواطنين إلى زراعة الأشجار أمام منازلهم ومحلاتهم، من دون ضوابط واضحة، قد تؤدي إلى نتائج عكسية.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «تشجيع المواطنين على التشجير خطوة إيجابية، لكن ترك عملية الزراعة من دون تنظيم قد يؤدي إلى الفوضى، وربما يتسبب في مشكلات بيئية أكبر».

وأضاف أنه «من الضروري تحديد أنواع الأشجار التي يمكن للمواطنين زراعتها وفقاً لكود الزراعة المعتمد لدى وزارة التنمية المحلية والبيئة، مع وضع آلية واضحة للري والمتابعة، حتى لا نزرع أشجاراً اليوم ثم تموت غداً».

جانب من عمليات التشجير في شوارع القاهرة (محافظة القاهرة)

ولفت فتحي إلى «ضرورة الاستعانة بجهاز شؤون البيئة لتقديم المشورة بشأن اختيار أنواع الأشجار الأكثر ملاءمة للبيئة المحلية، مع مراعاة البصمة الكربونية»، موضحاً أن «الأهداف النبيلة للمبادرات المجتمعية قد تتحوَّل إلى مشكلات أكبر في غياب التنظيم».

وأكد أن المجتمع المدني يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في تنظيم جهود التشجير، والقيام بدور الوسيط بين الحكومة والقطاع الخاص والمواطنين، فضلاً عن متابعة تنفيذ المبادرة لضمان استدامتها وتحقيق أهدافها البيئية.

وكانت وزارة التنمية المحلية والبيئة قد وجّهت المحافظات، في سبتمبر (أيلول) الماضي، إلى رصد حالات قطع الأشجار أو اقتلاعها أو إتلافها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين، في إطار جهود الحفاظ على الغطاء النباتي.