تتصدر تداعيات حرب إسرائيلية محتملة على بيئة «حزب الله»، قائمة النقاشات داخل الحزب في ظل مخاوف من احتمال معاودة انخراطه عسكرياً إسناداً لإيران. ويبدو أن الضغوط الشعبية باتت «أكبر من أن يتمكن من احتوائها»، حسبما يقول خصومه، خصوصاً بعد التهديد الإسرائيلي بقصف الضاحية الجنوبية لبيروت، ودفع مليون شيعي نحو النزوح.
وتنامى الاحتقان في صفوف بيئة الحزب، بعد الجولة الأخيرة من الحرب التي أدت إلى اجتياح نحو 60 بلدة وقرية في الجنوب، وتدمير 20 بلدة أخرى، ما منع السكان من العودة إلى قراهم، واضطرارهم إلى النزوح والبدء بحياة جديدة، مهنياً وأكاديمياً، خارج مناطقهم.

3 أشهر من الاستعداد
رغم ذلك، أفاد مسؤولون أمنيون لبنانيون مطلعون على أنشطة «حزب الله» بأن الحزب قضى 3 أشهر يستعد لاحتمال استئناف الأعمال القتالية مع إسرائيل بعد أن تلقى تمويلاً نقدياً من إيران. ونقلت «رويترز» عن أحد المصادر، ومصدر آخر مقرب من «حزب الله»، أن «الجماعة تلقت عشرات الملايين من الدولارات من إيران للمساعدة في تعزيز قدراتها العسكرية». وذكر أحد هذين المصدرين و3 مسؤولين أمنيين آخرين مطلعين على عمليات الحزب أنه «يعمل على إعادة بناء هياكل القيادة والسيطرة التي انهارت خلال معارك حاسمة». وأفادت مصادر «رويترز» بأن الحزب لم يتمكن بعد من تجهيز مخزوناته أو قواته القتالية تجهيزاً كاملاً، لافتة إلى أن الحزب لا يزال يعيد التزود بالعتاد، معترفاً، هذا الشهر، بأن متفجرات ضبطتها السلطات اللبنانية تابعة له ومعدة للاستخدام ضد إسرائيل. وقال مسؤول في «حزب الله» ومصدر أمني لبناني لـ«رويترز» إن المتفجرات كانت مخصصة تحديداً لطائراته المسيّرة المتفجرة.
وذكر أحد المصادر اللبنانية و3 مسؤولين أمنيين أن الحزب سيحتاج أيضاً إلى إعادة بناء قدراته في القيادة والسيطرة بعد خسائره على جبهات رئيسية، منها بلدة بنت جبيل المتوترة وتلة علي الطاهر الاستراتيجية. وأشاروا إلى أن أسلوب «حزب الله» المتمثل في العمل بوحدات صغيرة، وترشيد استخدام الصواريخ المضادة للدبابات ترك بعض الوحدات معزولة على تلك الجبهات، وسط صعوبة في مواجهة أنظمة إسرائيل التي تدار عن بُعد، ومنها الطائرات المسيرة المسلحة والمركبات المسيّرة. ولم يقل «حزب الله» صراحة ما إذا كان سيشارك في حال اندلاع جولة جديدة من الأعمال القتالية، لكن مكتبه الإعلامي أفاد بأنه يخشى منح القادة الإسرائيليين أي مبرر للتصعيد في لبنان، لا سيما مع قلق الجماعة من تهجير أنصارها مجدداً.
تململ من النزوح
داخلياً، لم تنحصر مظاهر الاعتراض والمواقف الرافضة لأي انخراط في حرب جديدة، بالمحايدين أو خصوم الحزب، بل شملت أفراداً وعائلات تنتمي إلى الحزب نفسه. فمن يعبر في الضاحية الجنوبية لبيروت في الآونة الأخيرة، يتلمّس هذا الرفض العام لأي انخراط بالحرب، وتتنوع الأسباب بين من يرى أن الحرب «لم تعدل أي نتيجة في المرة الماضية، بل ضاعفت الأزمة، ووسّعت الاحتلال»، وبين من يرى أن الناس «تعبت من النزوح والخوف والعيش في مراكز إيواء مرة أخرى».
وتقول ندى (48 عاماً) التي تسكن في الضاحية الجنوبية لبيروت: «لسنا قادرين على النزوح مرة أخرى»، وذلك بعد اضطرارها وأطفالها للإقامة في مركز إيواء في بيروت لمدة 3 أشهر خلال الحرب الماضية.

نقاشات داخلية
خضع هذا الملف لنقاشات ضمن قيادة الحزب نفسه على مدى الأشهر الماضية. وقالت مصادر مطلعة إن «المشاورات الداخلية حول الرد على الاعتداءات الإسرائيلية وعمليات التفجير والنسف في الجنوب، لطالما أخذت بعين الاعتبار ردة الفعل الإسرائيلية، سواء في قصف الضاحية أو قصف البلدات الجنوبية الواقعة في العمق». وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»، إن «خلاصة تلك النقاشات الداخلية أفضت إلى أن التريث في الرد على الاعتداءات ليس ناتجاً عن ضعف في القدرة على الرد أو الإيلام، بل هو ناتج عن تداعيات الرد الإسرائيلي، وتجنب أي موجة نزوح جديدة». وأشارت المصادر إلى أن «هذا الملف، يتصدر الأولويات، ويحكم أي قرار بأي إجراء عسكري».
وعبّر مسؤول ملف الموارد والحدود في الحزب نواف الموسوي عن هذا التوجه، خلال مقابلة عبر منصة محلية بقوله رداً على سؤال: «في هذه الفترة تفضل المقاومة أن تجنب أهلها الوحشية الإسرائيلية». وأضاف الموسوي: «لم يسبق أن انخرط الحزب في الحرب السابقة، كي يشارك إلى جانب إيران أو إسنادها. كانت هناك فرصة في 2 مارس (آذار) الماضي، رأت فيها المقاومة مجالاً لتعديل ميزان القوى لإنهاء التغوّل الإسرائيلي. أما اليوم فلا يرى (حزب الله) أن هناك فرصة سانحة لتعديله».

قواعد اشتباك جديدة
بمعزل عن تبريرات الحزب للانخراط السابق أو احتمالات المشاركة مجدداً، يرى خصوم الحزب أن الحرب الأخيرة «خلقت تغييراً في مفهوم الردع، وأنتجت قواعد اشتباك جديدة غير معلنة». وتوضح مصادر شيعية معارضة للحزب في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن مفهوم الردع الجديد «يقوم على قصف إسرائيلي عنيف يجبر السكان على النزوح من الجنوب في حال أقيمت عملية عسكرية ضد القوات الإسرائيلية في المناطق اللبنانية المحتلة»، أما قواعد الاشتباك «فتتمثل في قصف الضاحية رداً على أي قصف لشمال إسرائيل أو عمقها»، لافتة إلى أن معادلة تحييد الضاحية أو بيروت عن القصف «ليست متصلة بالتوافقات الإيرانية - الأميركية فحسب، بل متصلة أيضاً بضغوط أميركية على إسرائيل لتجنب التأثير على المسار التفاوضي المباشر بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية».
ورأت المصادر أن «الضغوط المجتمعية على (حزب الله) في داخل بيئته، باتت محركاً لأي قرار بإجراء عسكري يتخذه الحزب، خصوصاً بعد انفكاك جزء كبير من بيئته عنه، نتيجة الحرب الأخيرة والتدابير التي تمنع وصول الأموال الإيرانية إليه».

هوّة عسكرية
يُضاف ذلك إلى الهوة بميزان القوة بين الحزب وإسرائيل، ويقول المصدر المعارض نفسه إن الحزب «لم يستطع عسكرياً، ترميم قدراته السابقة بعد الحرب الأخيرة، في ظل القيود التي فرضتها الدولة اللبنانية، كما أن الفارق بالقوة النارية وبالتكنولوجيا يقوّض أي فرصة لاستئناف الحرب لتحقيق معادلات جديدة في الميدان تؤدي إلى انسحاب إسرائيلي من الأراضي المحتلة، أو وقف الملاحقات، وهو واقع يتجاهله الحزب في تلاوته للتبريرات السياسية حول عدم الانخراط في أي حرب محتملة ضد إيران».










