كيف تسارع الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية؟

نصف البؤر أُنشئت منذ عام 2023 بعد عودة نتنياهو للسلطة

طريق النفق الذي يوصل القدس بمستوطنات ومناطق جنوب الضفة الغربية (الشرق الأوسط)
طريق النفق الذي يوصل القدس بمستوطنات ومناطق جنوب الضفة الغربية (الشرق الأوسط)
TT

كيف تسارع الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية؟

طريق النفق الذي يوصل القدس بمستوطنات ومناطق جنوب الضفة الغربية (الشرق الأوسط)
طريق النفق الذي يوصل القدس بمستوطنات ومناطق جنوب الضفة الغربية (الشرق الأوسط)

شهد الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة توسّعاً مستمراً منذ عام 1967 رغم الضغوط الدولية، لكنّ وتيرته تسارعت بشكل ملحوظ منذ عودة بنيامين نتنياهو إلى السلطة في عام 2022، وهو الذي يسعى للفوز بولاية جديدة في الانتخابات التشريعية المقررة الثلاثاء.

ويُظهِر تحليل أجرته «وكالة الصحافة الفرنسية»، استناداً إلى بيانات صادرة عن منظمة «السلام الآن» الإسرائيلية المناهضة للاستيطان، ومجموعة الأزمات الدولية، ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، أنّ قرابة نصف البؤر الاستيطانية الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، والتي تُعدّ كلها غير قانونية بموجب القانون الدولي، قد أُنشئت منذ عام 2023.

مع احتساب القدس الشرقية التي احتلّتها إسرائيل وضمّـتها، تحصي المنظمة أكثر من 550 موقعاً استيطانياً، نحو 150 مستوطنة أُقيمت بموافقة السلطات الإسرائيلية، في حين كانت البقية عند تأسيسها بؤراً استيطانية عشوائية.

وازداد عدد السكان الإسرائيليين هناك بنحو خمسين في المائة منذ عام 2012، في حين ارتفع عدد الفلسطينيين بنسبة ثلاثين في المائة، وفق مجموعة الأزمات الدولية.

ويعيش أكثر من ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية إلى جانب 500 ألف إسرائيلي، في ظل مناخ من العنف المتصاعد، ازدادت وتيرته مع اقتراب موعد الانتخابات.

وأمرت الحكومة الإسرائيلية بفرض «حظر دخول وخروج» إلى الأراضي الفلسطينية كافة يوم الانتخابات، عقب مقتل جنديين إسرائيليين في هجوم نفّذه مسلّحان فلسطينيان، الجمعة.

ازدياد المستوطنات العشوائية

منذ الهجمات غير المسبوقة التي شنّتها حركة «حماس» الفلسطينية في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 على جنوب إسرائيل، والتي أشعلت فتيل الحرب في قطاع غزة، تجلّى توسّع الاستيطان في الضفة الغربية عبر طفرة في إنشاء «البؤر الاستيطانية»، ولا سيما المَزارع منها.

ويتضاعف عدد البؤر الاستيطانية التي غالباً ما تتكوّن من مقطورات أو إنشاءات مؤقتة تشيّد من دون ترخيص من السلطات الإسرائيلية، بدفع من مستوطنين يثقون بأنه سيصار في نهاية المطاف إلى إضفاء شرعية على وجودها.

وفق منظمة «السلام الآن» غير الحكومية، تخطى عدد المَزارع والبؤر الاستيطانية الأخرى التي أُقيمت في الضفة الغربية منذ مطلع العام الحالي رقماً قياسياً تم تسجيله العام الماضي (نحو 90 بؤرة)، وهو ما يعادل قرابة ثلاثة أضعاف العدد المسجل في عام 2023.

وبدأت ظاهرة البؤر الاستيطانية منذ عام 1996، تزامناً مع وصول نتنياهو، زعيم حزب الليكود، أبرز أحزاب اليمين الإسرائيلي، إلى السلطة لأول مرة.

ومع تزايد أعدادها، تباطأت وتيرة إنشاء مستوطنات جديدة وفق النمط التقليدي.

وبدأ إنشاء المَزارع الاستيطانية عام 2012، حين كان نتنياهو على رأس السلطة للمرة الثانية؛ ليصبح بذلك المحرّك الرئيسي للتوسع الإسرائيلي في المنطقة (أكثر من ثلثي إجمالي التوسع منذ عام 2023).

وتتيح هذه المَزارع للإسرائيليين بسط سيطرتهم على مساحات شاسعة من الأراضي بعدد قليل من المستوطنين، وتعتمد إلى حد كبير على أنشطة تربية المواشي. وغالباً ما تهيمن على مساحات واسعة من الأراضي، غالباً ما تقع في شرق الضفّة الغربية، على امتداد نهر الأردن.

رجل يسير بالبؤرة الاستيطانية اليهودية في جفعات هاريل بالضفة الغربية الثلاثاء 14 فبراير 2023 (أ.ب)

توسّع بدفع من السلطات

شهد عدد تصاريح البناء التي أصدرتها السلطات الإسرائيلية ارتفاعاً كبيراً منذ عودة نتانياهو إلى السلطة، خصوصاً منذ السابع من أكتوبر 2023؛ إذ تجاوز 23 ألف تصريح في عام 2025، وهو ما يعادل أكثر من ثلاثة أضعاف العدد المسجل في عام 2012، حسب مجموعة الأزمات الدولية.

في خطوة تعكس التوسّع السريع للاستيطان، شهد عام الانتخابات الحالي إعادة افتتاح رسمية، بدفع من الحكومة، للمستوطنات الأربع الواقعة في شمال الضفة الغربية، والتي كانت قد أُخليت عام 2005 ضمن خطة «فك الارتباط» الأحادي الجانب التي أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك أرييل شارون، وشملت أيضاً قطاع غزة.

وقضت المدعية العامة الإسرائيلية أواخر الشهر الماضي بتأجيل الموعد النهائي لتقديم عروض البناء الخاصة بمشروع «إي وان» الاستيطاني المثير للجدل، والذي من شأنه فصل شمال الضفة الغربية المحتلة عن جنوبها، لما بعد الانتخابات.

وكان يفترض أن تنتهي فترة استدراج العروض لبناء أكثر من 1200 وحدة سكنية استيطانية في إطار المشروع، في المنطقة الواقعة بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم الإسرائيلية، قبل يوم الانتخابات.

وندّدت الأمم المتحدة ودول عدة، بينها فرنسا وبريطانيا بالمشروع، الذي من شأن تنفيذه أن يعزل القدس الشرقية، وغالبية سكانها من الفلسطينيين، نهائياً عن الضفة الغربية، ويسهِم أكثر في تقويض فرص قيام دولة فلسطينية مستقبلاً.

موجات كبيرة

منذ احتلال الضفة الغربية خلال الحرب العربية الإسرائيلية في يونيو (حزيران) 1967، تواصلت حركة الاستيطان في ظل الحكومات الإسرائيلية كافة، سواء أكانت من اليسار أو من اليمين.

وشكّلت مستوطنة كفار عتصيون، الواقعة جنوب القدس، أول مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية، سمحت بها حكومة حزب العمل في سبتمبر (أيلول) 1967.

وحصلت الموجة الكبرى الأولى للاستيطان في مطلع الثمانينات، في ظل حكومة اليمين برئاسة مناحيم بيغن، الذي سمح بإنشاء العديد من المستوطنات.

وكثّف المستوطنون إنشاء البؤر الاستيطانية غير القانونية بين عامَي 1998 و2002، ثم بين 2019 و2021، وإن كان بوتيرة أقل بكثير مما شهدته السنوات الأربع الأخيرة.

ويُشكّل عدد البؤر الاستيطانية التي تم تشييدها في الفترة الممتدة بين 2023 و2026 مرة ونصف مرة عدد ما تم استحداثه خلال الموجات الثلاث السابقة مجتمعة.


مقالات ذات صلة

«الرباعية» تدين هجمات الحوثيين على السعودية وتطالب بوقف التصعيد في اليمن

الخليج وزراء خارجية المجموعة الرباعية يناقشون في إسطنبول عدداً من القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك (واس) p-circle 00:26

«الرباعية» تدين هجمات الحوثيين على السعودية وتطالب بوقف التصعيد في اليمن

أدانت السعودية وتركيا ومصر وباكستان التصعيد الذي تمارسه الميليشيات الحوثية الإرهابية في اليمن، بما في ذلك هجماتها على المملكة واستهداف المدنيين والبنية التحتية.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
شؤون إقليمية لوحات إعلانية إلكترونية خاصة بالانتخابات تظهر كلاً من رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (د.ب.أ) p-circle

«الخوف دافعهم الأكبر»... ارتفاع التصويت بين فلسطينيي إسرائيل قد يهدد بقاء نتنياهو

تستعد إسرائيل لتنظيم انتخابات يوم الثلاثاء المقبل، ويبرز دور أصوات فلسطينيي الداخل، الذين يشكّلون نحو 20 في المائة من السكان.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف يتحدث أمام مجلس الأمن في نيويورك (الأمم المتحدة)

«حماس» ترفض انحياز ميلادينوف للرواية الإسرائيلية

رفضت حركة «حماس» الفلسطينية بشدة تبنّي ممثل «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف الرواية الإسرائيلية بشأن تعليق إدخال البضائع المخصصة للقطاع الخاص إلى غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مزرعة يديرها مستوطنون إسرائيليون بالقرب من قرية دوما الفلسطينية في الضفة الغربية (أ.ف.ب) p-circle

الصين تحث إسرائيل على وقف «البناء القسري» للمستوطنات بالضفة الغربية

قالت وزارة الخارجية الصينية، في بيان، إن الوزير وانغ يي أبلغ الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ بضرورة وقف «البناء القسري» للمستوطنات في الضفة الغربية والتراجع عنه.

«الشرق الأوسط» (بكين)
المشرق العربي مجموعة من المستوطنين خلال مهاجمتهم قاطفي الزيتون بقرية بيتا جنوب نابلس (أرشيفية-إ.ب.أ)

مستوطنون إسرائيليون يضرمون النار في مسجد بالضفة الغربية المحتلة

أضرم مستوطنون إسرائيليون النار، الأربعاء، في مسجد بالضفة الغربية المحتلة، وكتبوا شعارات على جدرانه الخارجية، وفق ما أفادت مصادر فلسطينية

«الشرق الأوسط» (مخماس (فلسطين))

العراق والأردن يبحثان تطوير المشروعات المشتركة

العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في عمّان 26 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)
العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في عمّان 26 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)
TT

العراق والأردن يبحثان تطوير المشروعات المشتركة

العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في عمّان 26 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)
العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في عمّان 26 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

أكد رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي، الاثنين، خلال لقائه في عمّان العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، أن هذه الزيارة تهدف إلى تقوية العلاقات التاريخية التي تجمع البلدين، وللتعبير عن حرص الحكومة العراقية على مواصلة تعزيز التعاون الثنائي، خصوصاً في المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، وتطوير المشروعات المشتركة في هذه المجالات.

وأضاف الزيدي أن العراق يمثل اليوم نقطة لقاء للجميع، ويعتمد على مبدأ التوازن وتحقيق المصالح المشتركة في علاقاته مع الدول الشقيقة والصديقة، داعياً إلى مواصلة الجهود الرامية لإنهاء الأزمات والتوترات في المنطقة، وإرساء دعائم الاستقرار فيها.

من جانبه، أكد العاهل الأردني حرص بلاده على تعزيز التعاون مع العراق على المستويات كافة، لا سيما السياسية والاقتصادية والتنموية، ودعم الأردن لدور العراق المحوري ومساعيه لفرض الأمن والاستقرار في المنطقة.

وحسب بيان للحكومة العراقية، جرى خلال اللقاء بحث العلاقات الثنائية بين البلدين، وسبل تعزيز التعاون المتبادل وفق الاتفاقات ومذكرات التفاهم الموقّعة بين البلدين، والتأكيد على ضرورة مواصلة التنسيق الثنائي، حيال مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، وبما يحقق مصالح البلدين والشعبين الشقيقين.

ووصل رئيس الحكومة العراقية إلى عمّان على رأس وفد وزاري كبير ضم نائب رئيس الحكومة لشؤون الطاقة محسن المندلاوي ووزراء الخارجية والنفط والكهرباء والصناعة ومدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة العراقية.

إنهاء تكليف حميد الشطري

على صعيد آخر، أنهى رئيس الوزراء العراقي، الاثنين، تكليف حميد الشطري من رئاسة جهاز المخابرات الوطني.

وسيتولى الزيدي إدارة جهاز المخابرات العراقي مؤقتاً لحين تكليف مدير جديد خلفاً للشطري.

ويتولى الشطري رئاسة جهاز المخابرات الوطني العراقي منذ 19 ديسمبر (كانون الأول) 2024، بعد تعيينه من قبل رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، خلفاً لرائد جوحي.

وُلد الشطري في محافظة ذي قار جنوب العراق، وتولى مناصب عدة منها مدير عام الاستخبارات ومكافحة الإرهاب في وزارة الداخلية العراقية في يناير (كانون الثاني) 2021. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، تم تعيينه معاوناً لرئيس جهاز الأمن الوطني، ثم رئيساً للجهاز حتى يوليو (تموز) 2023، حين نُقل إلى مستشارية الأمن القومي. وفي ديسمبر 2024، عُيّن الشطري رئيساً لجهاز المخابرات الوطني العراقي.


هل تكبح ضغوط بيئة «حزب الله» مشاركته بالحرب؟

دبابة إسرائيلية تنفذ مناورة داخل بلدة زوطر الشرقية المحتلة في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دبابة إسرائيلية تنفذ مناورة داخل بلدة زوطر الشرقية المحتلة في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

هل تكبح ضغوط بيئة «حزب الله» مشاركته بالحرب؟

دبابة إسرائيلية تنفذ مناورة داخل بلدة زوطر الشرقية المحتلة في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دبابة إسرائيلية تنفذ مناورة داخل بلدة زوطر الشرقية المحتلة في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

تتصدر تداعيات حرب إسرائيلية محتملة على بيئة «حزب الله»، قائمة النقاشات داخل الحزب في ظل مخاوف من احتمال معاودة انخراطه عسكرياً إسناداً لإيران. ويبدو أن الضغوط الشعبية باتت «أكبر من أن يتمكن من احتوائها»، حسبما يقول خصومه، خصوصاً بعد التهديد الإسرائيلي بقصف الضاحية الجنوبية لبيروت، ودفع مليون شيعي نحو النزوح.

وتنامى الاحتقان في صفوف بيئة الحزب، بعد الجولة الأخيرة من الحرب التي أدت إلى اجتياح نحو 60 بلدة وقرية في الجنوب، وتدمير 20 بلدة أخرى، ما منع السكان من العودة إلى قراهم، واضطرارهم إلى النزوح والبدء بحياة جديدة، مهنياً وأكاديمياً، خارج مناطقهم.

الفنانة التشكيلية لينا جوني تبحث بين الركام عن شظايا ذخيرة إسرائيلية استهدفت منزلاً في بلدة رومين في جنوب لبنان (أ.ب)

تململ من النزوح

لم تنحصر مظاهر الاعتراض والمواقف الرافضة لأي انخراط في حرب جديدة، بالمحايدين أو خصوم الحزب، بل شملت أفراداً وعائلات تنتمي إلى الحزب نفسه. فمن يعبر في الضاحية الجنوبية لبيروت في الآونة الأخيرة، يتلمّس هذا الرفض العام لأي انخراط بالحرب، وتتنوع الأسباب بين من يرى أن الحرب «لم تعدل أي نتيجة في المرة الماضية، بل ضاعفت الأزمة ووسّعت الاحتلال»، وبين من يرى أن الناس «تعبت من النزوح والخوف والعيش في مراكز إيواء مرة أخرى».

وتقول ندى (48 عاماً) التي تسكن في الضاحية الجنوبية لبيروت: «لسنا قادرين على النزوح مرة أخرى»، وذلك بعد اضطرارها وأطفالها للإقامة في مركز إيواء في بيروت لمدة ثلاثة أشهر خلال الحرب الماضية.

سيارات تمر بأبنية مدمرة قرب نقطة تفتيش للجيش اللبناني في بلدة كفرا بجنوب لبنان يوم 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

نقاشات داخلية

خضع هذا الملف لنقاشات ضمن قيادة الحزب نفسه على مدى الأشهر الماضية. وقالت مصادر مطلعة إن «المشاورات الداخلية حول الرد على الاعتداءات الإسرائيلية وعمليات التفجير والنسف في الجنوب، لطالما أخذت بعين الاعتبار ردة الفعل الإسرائيلية، سواء في قصف الضاحية أو قصف البلدات الجنوبية الواقعة في العمق». وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»، إن «خلاصة تلك النقاشات الداخلية أفضت إلى أن التريث في الرد على الاعتداءات ليس ناتجاً عن ضعف في القدرة على الرد أو الإيلام، بل هو ناتج عن تداعيات الرد الإسرائيلي، وتجنب أي موجة نزوح جديدة». وأشارت المصادر إلى أن «هذا الملف، يتصدر الأولويات، ويحكم أي قرار بأي إجراء عسكري».

وعبّر مسؤول ملف الموارد والحدود في الحزب نواف الموسوي عن هذا التوجه، خلال مقابلة عبر منصة محلية بقوله رداً على سؤال: «في هذه الفترة تفضل المقاومة أن تجنب أهلها الوحشية الإسرائيلية». وأضاف الموسوي: «لم يسبق أن انخرط الحزب في الحرب السابقة، كي يشارك إلى جانب إيران أو إسنادها. كانت هناك فرصة في 2 مارس (آذار) الماضي، رأت فيها المقاومة مجالاً لتعديل ميزان القوى لإنهاء التغوّل الإسرائيلي. أما اليوم فلا يرى (حزب الله) أن هناك فرصة سانحة لتعديله».

جندي إسرائيلي قرب ملجأ متحرك مغطى بصور مرشح يميني للانتخابات الإسرائيلية في كريات شمونة قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)

قواعد اشتباك جديدة

بمعزل عن تبريرات الحزب للانخراط السابق أو احتمالات المشاركة مجدداً، يرى خصوم الحزب أن الحرب الأخيرة «خلقت تغييراً في مفهوم الردع، وأنتجت قواعد اشتباك جديدة غير معلنة». وتوضح مصادر شيعية معارضة للحزب في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن مفهوم الردع الجديد «يقوم على قصف إسرائيلي عنيف يجبر السكان على النزوح من الجنوب في حال أقيمت عملية عسكرية ضد القوات الإسرائيلية في المناطق اللبنانية المحتلة»، أما قواعد الاشتباك «فتتمثل في قصف الضاحية رداً على أي قصف لشمال إسرائيل أو عمقها»، لافتة إلى أن معادلة تحييد الضاحية أو بيروت عن القصف «ليست متصلة بالتوافقات الإيرانية - الأميركية فحسب، بل متصلة أيضاً بضغوط أميركية على إسرائيل لتجنب التأثير على المسار التفاوضي المباشر بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية».

ورأت المصادر أن «الضغوط المجتمعية على (حزب الله) في داخل بيئته، باتت محركاً لأي قرار بإجراء عسكري يتخذه الحزب، خصوصاً بعد انفكاك جزء كبير من بيئته عنه، نتيجة الحرب الأخيرة والتدابير التي تمنع وصول الأموال الإيرانية إليه».

دورية راجلة للجيش الإسرائيلي في بلدة كفرشوبا جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)

هوّة عسكرية

يُضاف ذلك إلى الهوة بميزان القوة بين الحزب وإسرائيل، ويقول المصدر المعارض نفسه إن الحزب «لم يستطع عسكرياً، ترميم قدراته السابقة بعد الحرب الأخيرة، في ظل القيود التي فرضتها الدولة اللبنانية، كما أن الفارق بالقوة النارية وبالتكنولوجيا يقوّض أي فرصة لاستئناف الحرب لتحقيق معادلات جديدة في الميدان تؤدي إلى انسحاب إسرائيلي من الأراضي المحتلة، أو وقف الملاحقات، وهو واقع يتجاهله الحزب في تلاوته للتبريرات السياسية حول عدم الانخراط في أي حرب محتملة ضد إيران».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الأردن: عمليات أمنية نوعية حددت موقع الإرهابيين منفذي مجزرة الكنيسة ولحظة مداهمتهم

الأمن الأردني في حالة استعداد لاقتحام المبنى الذي لجأ إليه الإرهابيون مرتكبو مجزرة كنيسة الروم الأرثوذكس بقرية حمود في محافظة الكرك بالأردن (مديرية الأمن العام)
الأمن الأردني في حالة استعداد لاقتحام المبنى الذي لجأ إليه الإرهابيون مرتكبو مجزرة كنيسة الروم الأرثوذكس بقرية حمود في محافظة الكرك بالأردن (مديرية الأمن العام)
TT

الأردن: عمليات أمنية نوعية حددت موقع الإرهابيين منفذي مجزرة الكنيسة ولحظة مداهمتهم

الأمن الأردني في حالة استعداد لاقتحام المبنى الذي لجأ إليه الإرهابيون مرتكبو مجزرة كنيسة الروم الأرثوذكس بقرية حمود في محافظة الكرك بالأردن (مديرية الأمن العام)
الأمن الأردني في حالة استعداد لاقتحام المبنى الذي لجأ إليه الإرهابيون مرتكبو مجزرة كنيسة الروم الأرثوذكس بقرية حمود في محافظة الكرك بالأردن (مديرية الأمن العام)

نفذت القوات الأمنية الأردنية المختصة «عدداً كبيراً» من المداهمات في مواقع كان من المُحتمل وجود الإرهابيين الثلاثة، الذين نفذوا عملية «كنيسة حمود»، فيها، وساعد في ذلك حصر البيوت المهجورة في المناطق القريبة من منطقة حمود؛ وفق المصادر.

وكانت مجموعة إرهابية فتحت ظهر الجمعة النار من أسلحة أوتوماتيكية على مُعزّين موجودين في «كنيسة حمود»، وقت إقامة الجنّاز على روح أحد أبناء القرية. وتسببت الحادثة في استشهاد 9 مواطنين وإصابة العشرات.

وتحدثت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» عن أن عمليات استخباراتية وأمنية قادت إلى حصر نطاق مواقع البحث والتحري، وصولاً إلى تحديد مكان وجود الإرهابيين بدقة، بعد تحصنهم في أحد البيوت المهجورة بقرية جديّدة التي ينتمي إليها المنفذون، وهم شقيقان وأحد أبناء عمومتهما، مختارين مكاناً للاختباء لا يبعد سوى 5 دقائق عن موقع «كنيسة حمود».

انتماءات المجموعة

لم تُجب المصادر عن انتماءات منفذي العملية الإرهابية إن كانت لتنظيمات تكفيرية خارجيّة، أم إنّ العملية معزولة عن أي تنسيق مع جهات خارجية وعلى غرار عمليات «الذئاب المنفردة». وأشارت المصادر إلى أن منفذي العملية «كانوا ينوون تنفيذ مخططهم مساء الخميس حيث أقيمت احتفالات رسمية بالقرب من موقع الكنيسة. ومع فشل مخططهم في تلك الليلة، تحولت خططهم نحو استهداف المصلين في الكنيسة».

آثار الرصاص على المبنى الذي اختبأ فيه الإرهابيون الثلاثة قرب منطقة حمود في الكرك جنوب الأردن (مديرية الأمن العام)

وبعد مداهمة المنزل الذي تحصن فيه الإرهابيون، عثر فريق المداهمة الخاص على كميات من الأسلحة والعتاد، «يُعتقد أنها كانت ستستخدم في عمليات أخرى من قِبل المجموعة نفسها». ولا يستبعد خبراء في الحركات الإسلامية أنه تكون للمجموعة اتصالات مع أطراف محلية أخرى في الداخل.

مصادر «الشرق الأوسط» دعت إلى «التريث قبل تداول معلومات من شأنها الإضرار بمسار التحقيق مع منفذي العملية الذين ما زالوا قيد العلاج في المستشفيات مع دخول الرأس المدبر للعملية في غيبوبة بعد إصابة بليغة تلقاها خلال عمليات الاشتباك مع القوة الأمنية»، في حين ما زال المصابون الآخرون قيد العلاج والملاحظة ليتسنى بدء التحقيق معهم ضمن مسار قانوني، وإحالتهم إلى المحكمة صاحبة الاختصاص في قضايا الإرهاب؛ «محكمة أمن الدولة (قضاء عسكري)».

التهريب والتسلل من الحدود

شهدت مناطق حدودية أردنية نشاطاً ملحوظاً لجهة إحباط عمليات تهريب المخدرات والسلاح. ومن هنا يدعو خبراء استراتيجيون إلى «الربط بين طبيعة السلاح الذي يُضبط على الحدود والأسلحة المستخدمة من جانب الإرهابيين»، داعين إلى «دعم جهود الأجهزة الأمنية والعسكرية بمتطلبات التصدي لمحاولات العبث بالأمن الوطني الذي يتعرض لاستهداف من الجوار، بالإضافة إلى العبء المترتب على حماية الحدود الشمالية والشرقية من الجانب الأردني فقط».

منزل مهجور دون أضواء ولا حركة

وكانت مصادر أردنية أكدت أن منفذي عملية «كنيسة حمود»؛ الذين قُبض عليهم فجر الاثنين، كانوا متحصنين بمنزل مهجور في قرية جديّدة المتاخمة لقرية حمود؛ وهي مكان تنفيذ العملية الإرهابية التي راح ضحيتها 9 قتلى وعشرات المصابين من روّاد الكنيسة حيث كانوا يشاركون في واجب عزاء.

الأمن الأردني في حالة استعداد لاقتحام المبنى الذي لجأ إليه الإرهابيون مرتكبو مجزرة كنيسة الروم الأرثوذكس بقرية حمود في محافظة الكرك بالأردن (مديرية الأمن العام)

وأفادت مصادر «الشرق الأوسط» بأن «الإرهابيين تحصنوا في منزل مهجور لمدة 60 ساعة، واستطاعوا الاختباء والتخفي، حيث لم يشعر السكان المجاورون بأي حركة في المنزل المهجور الذي يبعد 6 كيلومترات عن قرية حمود».

وقالت المصادر نفسها إن «منفذي العملية الإرهابية شاهدوا من موقع تحصّنهم موكب تشييع جثامين ضحايا (كنيسة حمود) في أثناء مروره». وأضافت أن «المنفذين شقيقان وأحد أبناء عمومتهما».

ملاحقة المنفذين منذ اللحظات الأولى

مصادر أمنية مطلعة أكدت لـ«الشرق الأوسط» أن «عمليات التحري بدأت مبكراً، وكانت التقديرات تشير إلى احتمالات وجود الإرهابيين في مناطق محددة، وتباعاً جرى تقسيم مناطق البحث إلى مربعات، والانتباه جيداً لإبعاد المدنيين عن خطر أي اشتباك مسلح مع المنفذين. وهو ما وقع فعلاً. لكن الخطط الأمنية أسفرت عن تأمين المواطنين الموجودين بالقرب من موقع تَحصّن الإرهابيين، دون وقوع أي إصابات في صفوف القوة الأمنية أو بين المدنيين».

وعن تفاصيل عملية القبض على الإرهابيين الثلاثة، أوضحت المصادر أن العملية الأمنية استُخدمت فيها طائرات مسيّرة و«روبوتات» موجهة من بُعد، وأن «الإرهابيين أطلقوا خلالها النار من سطح المنزل المتحصنين به على طائرات (الدرون) لمنعها من تحديد موقعهم على الخرائط الجوية. وفي النهاية أدخلت الأجهزة الأمنية (روبوتات) إلى مكان المواجهة للتأكد من إصابة الأهداف».

العاهل الأردني الملك عبد ﷲ الثاني يعود أحد المصابين في المستشفى (الديوان الملكي الأردني)

آلاف المشيعين والمعزين

وشيّع آلاف الأردنيين، الأحد، 8 من القتلى الـ9 الذين سقطوا في الهجوم الإرهابي الذي استهدف يوم الجمعة الماضي الموجودين في «كنيسة حمود» بمحافظة الكرك جنوب البلاد، في ظل حضور شعبي ورسمي وتشديد على مبادئ العيش المشترك.

وجاء التشييع الحاشد بعد يومين من إطلاق مسلحين يُشتبه في أنهم «تكفيريون»، النار على روّاد الكنيسة؛ ما أسفر عن مقتل 9 منهم وجرح نحو 25 آخرين، مع دفن القتيل الـ9 يوم الاثنين في مقبرة «سحاب» جنوب عمّان، وفق ما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن عائلته.

وتُحذر قوى محسوبة على تيارات سياسية متعددة من «استمرار سياسات الاسترضاء في إغفال تطوير المناهج الدراسية، وإبقائها عند أساليب تعليم تقليدية؛ لا اتصال لها بالتربية المجتمعية وطبيعة التواصل بين فئات المجتمع، وقبول واحترام الآخر»، وذاك بعد تعليقات سلبية من رواد منصات التواصل الاجتماعي استدعت تدخل وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية منعاً للفتنة ووضع حد لمفتعليها.

وكان العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني حذّر مبكراً، في عام 2014 خلال افتتاح واحدة من الدورات البرلمانية، بأن «واجبنا الديني والإنساني التصدي بكل حزم وقوة لكل من يحاول إشعال الحروب الطائفية أو المذهبية وتشويه صورة الإسلام والمسلمين».

ولفت الملك عبد الله الثاني حينها إلى أن الحرب على «هذه التنظيمات الإرهابية وعلى هذا الفكر المتطرف هي حربنا»، وأنه لا بد من «الدفاع عن أنفسنا وعن الإسلام وقيم التسامح والاعتدال، ومحاربة التطرف والإرهاب»، وشدد على أن «كل من يؤيد هذا الفكر التكفيري المتطرف أو يحاول تبريره فهو عدوٌ للإسلام وعدوٌ للوطن وكل القيم الإنسانية النبيلة»، مشيراً إلى أن «هذه التنظيمات تشن حربها على الإسلام والمسلمين قبل غيرهم».