تضخم إنفاق حكومتي ليبيا يفاقم الضغوط على «المصرف المركزي»

بعثة الأمم المتحدة شددت على «ضرورة الحفاظ على استقلالية»

واجهة المصرف المركزي بطرابلس (رويترز)
واجهة المصرف المركزي بطرابلس (رويترز)
TT

تضخم إنفاق حكومتي ليبيا يفاقم الضغوط على «المصرف المركزي»

واجهة المصرف المركزي بطرابلس (رويترز)
واجهة المصرف المركزي بطرابلس (رويترز)

لا يبدو أن تغيير قيادة مصرف ليبيا المركزي بات كافياً لإنهاء الضغوط، التي تلاحق إدارته بسبب تضخم الإنفاق الحكومي، وفق خبراء رأوا في ذلك «انعكاساً لوضع متأزم في بلد يعاني انقساماً سياسياً وحكومياً منذ أكثر من عقد، وتتنازع فيه سلطات الشرق والغرب إدارة الموارد العامة، وتحديد أولويات صرفها».

فمن ناجي عيسى، محافظ المركزي، الذي قُبلت استقالته من قبل مجلس النواب، الأسبوع الماضي، إلى سلفه الصديق الكبير الذي غادر منصبه قبل عامين، كان القاسم المشترك هو شكاوى القائمين على المصرف من ضغوط اتساع النفقات الحكومية، وتأثيرها في الاستقرار النقدي والمالي، في وقت تتواصل فيه المطالب بتمويل زيادات في الرواتب، ونفقات حكومية لا تتناسب بالضرورة مع الإيرادات المتاحة.

محافظ مصرف ليبيا المركزي السابق ناجي عيسى خلال مشاركته في اجتماع محافظي المجموعة الأفريقية في تايلاند الشهر الحالي (صفحة المصرف)

وفي مؤشر على المخاطر التي يثيرها استمرار الإنفاق المتزايد، أعادت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا التأكيد على «ضرورة الحفاظ على استقلالية مصرف ليبيا المركزي»، وذلك في بيان، مساء الجمعة، تعليقاً على قبول استقالة ناجي عيسى، وتكليف فوزي بوخزام بقيادة «المصرف».

وذهبت البعثة الأممية إلى التحذير من أن «استمرار الضغوط الرامية إلى تمويل الإنفاق العام المتزايد قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على سعر الصرف، وتأجيج التضخم، وتسريع استنزاف الاحتياطيات، بما يفاقم الأوضاع الاقتصادية، ويرفع احتمالات الاضطرابات الاجتماعية».

* سوء تسيير

بحسب الخبير الاقتصادي خالد الزنتوتي، فإن تضخم الإنفاق الحكومي يعكس «سوء الإدارة والتنافس على اقتسام الغنيمة بين مختلف الأطراف»، في ظل الانقسام السياسي والصراع على السلطة والموارد.

وبحسب الزنتوتي، الرئيس السابق لشركة «الاستثمارات الخارجية والمحفظة طويلة المدى» (حكومية)، فإن المحافظ الجديد للمصرف المركزي سيواجه المعضلة نفسها ما دام الانقسام مستمراً، مرجحاً أن «تقود محاولات الإصلاح إلى مواجهة مع القوى المستفيدة من الوضع القائم، بما قد يعرّض المحافظ لضغوط تنتهي باستقالته، أو إقالته إذا رفض مسايرة السياسات الإنفاقية للحكومتين».

محافظ المصرف المركزي الليبي المكلف من مجلس النواب فوزي بوخزام (صفحات ليبية)

وتكشف البيانات الرسمية عن اتساع فاتورة الإنفاق العام، فقد بلغ إجمالي الإنفاق المعلن خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 نحو 88.6 مليار دينار، مقابل 86.3 مليار دينار خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وذلك بزيادة تقارب 2.4 مليار دينار.

(السعر الرسمي للدولار نحو 6.40 دينار، و10.06 دينار في السوق السوداء).

وبموازاة ذلك، بلغ الإنفاق الموازي للحكومتين نحو 69 مليار دينار، أو ما يعادل 10.9 مليار دولار، خلال الفترة الممتدة من بداية العام حتى نهاية يوليو (تموز) الماضي، وفق أرقام رسمية.

والملاحظ أن قضية تضخم الإنفاق الحكومي كانت حاضرة في الخلافات، التي سبقت مغادرة عيسى منصبه. ووفق مصادر مقربة منه سبق أن تحدثت إلى «الشرق الأوسط»، فقد اشترط المحافظ السابق قبل نحو شهرين للعدول عن استقالته، وقف قرارات الزيادات الأخيرة في الرواتب التي أقرتها جهات حكومية، بسبب عدم تناسبها مع الإيرادات العامة، وما تفرضه من أعباء إضافية على المالية العامة.

ويبدو أن الاتفاق المالي الموحد، الذي وُقّع في أبريل (نيسان) 2026 برعاية أميركية، لم يكن كافياً حتى الآن لتبديد تلك الاعتراضات. وبحسب المصادر نفسها، كان التباطؤ في تنفيذ الاتفاق أحد مصادر شكوى عيسى، وأسباب تقديم استقالته.

* ورطة الإفراط في الإنفاق

يرى الخبير الاقتصادي عبد الحميد الفضيل أن مشاورات ناجي عيسى مع صندوق النقد الدولي، في وقت سابق من الشهر الحالي قبيل استقالته، كشفت عن «حقائق صادمة بشأن التوسع المفرط في الإنفاق العام من جانب الحكومتين». وأشار إلى أن المشاورات عكست غياب أفق قريب لتوحيد الإنفاق، بالتزامن مع تراجع إيرادات النفط بفعل تضخم فاتورة المحروقات، وتصدير النفط خارج القنوات الرسمية، وعدم امتثال بعض المصارف التجارية لتعليمات المصرف المركزي، فضلاً عن تراجع استقلالية المؤسسة النقدية.

ورأى الفضيل في منشور عبر «فيسبوك» أن هذه المعطيات تضع المصرف المركزي أمام قدرة محدودة للغاية على كبح استنزاف الاحتياطيات، في ظل ضغوط يمارسها نافذون في شرق البلاد وغربها للحصول على مزيد من الأموال خارج الأطر الرسمية، وبمستويات تتجاوز بكثير قدرة الاقتصاد الليبي على استيعابها.

محافظ المصرف المركزي الليبي الأسبق الصديق الكبير خلال مشاركته في أحد لقاءات تجمع سياسي بطرابلس في يوليو الماضي (تجمع الرؤية الوطنية)

وللتذكير، فإن شكاوى تضخم الإنفاق الحكومي لم تقتصر على عيسى؛ إذ سبق أن اعترض المحافظ الأسبق الصديق الكبير في فبراير (شباط) 2024 على تضخم النفقات الحكومية، مشيراً في خطابات إلى رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة إلى بلوغها 420 مليار دينار خلال 3 سنوات.

وقبل أشهر من مغادرة منصبه، كشف الكبير أن معظم الإنفاق وُجّه إلى الاستهلاك على حساب التنمية، محذراً من تفاقم العجز إذا استمرت السياسات المالية نفسها. وتزامنت تحذيراته مع تداول الدينار عند 7.26 دينار للدولار في السوق الموازية، مقابل 4.77 دينار رسمياً، بينما كان ينظر إليه حينها على أنه قفزة في أسعار الصرف.

ويرى الزنتوتي أن المحافظ الجديد سيكون أمام خيارين: أولهما القبول بالواقع القائم، بما قد يتيح له البقاء في منصبه سنوات طويلة، «إلى أن تفلس الدولة»، والثاني محاولة إصلاح السياسات المالية، وتحمل تبعات الاصطدام بالأطراف المستفيدة من استمرارها، موضحاً أن الأزمة مرشحة للاستمرار في المدى القريب حتى في حال توحيد الحكومتين.


مقالات ذات صلة

محادثات أنقرة تختبر فرص توحيد المؤسسة العسكرية في ليبيا

شمال افريقيا اجتماع سابق بين الزوبي وصدام حفتر بحضور وزير الدفاع التركي (وكالة أنباء الأناضول)

محادثات أنقرة تختبر فرص توحيد المؤسسة العسكرية في ليبيا

تختبر المحادثات الجارية في أنقرة بين ممثلي القوتين العسكريتين الرئيستين في شرق ليبيا وغربها فرص «توحيد الجيش» وسط أنباء عن تباينات في الرؤى.

خالد محمود (القاهرة )
شؤون إقليمية وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب) p-circle

تركيا تقول إن إعادة توحيد شرق ليبيا وغربها «باتت وشيكة»

رأى وزير الخارجية التركي، الجمعة، أن الوقت حان لإعادة توحيد الإدارتَين المتنافستَين في شرق ليبيا وغربها، ملمّحاً إلى إمكان صدور إعلان في هذا الشأن في وقت قريب.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
شمال افريقيا لقاء وزير الخارجية المصري ونظيره التركي في إسطنبول الجمعة (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

التنسيق المصري - التركي لم يمنع بروز الخلاف حول «مذكرة التفاهم البحرية» مع ليبيا

مشاورات مصرية - تركية، الجمعة، بشأن أوضاع المنطقة، تطرقت إلى الخلافات بشأن مذكرة التفاهم البحرية بين طرابلس وأنقرة والتي أقرها البرلمان الليبي، وقوبلت برفض مصري

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)

اختصاصات «الوحدة» الليبية في ملف الصحة تُصعّد غضب الأطباء

صعّدت مذكرة حكومية لتنظيم الاختصاصات الإدارية للخدمات الصحية في ليبيا من انتقادات الأطباء بالتزامن مع دعوات إلى وقفة احتجاجية في طرابلس الاثنين المقبل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا أشجار متساقطة جراء الأمطار بالعاصمة الليبية طرابلس في وقت سابق الشهر الحالي (الهلال الأحمر الليبي)

ليبيا تستنفر جهودها لتفادي تداعيات أمطار غزيرة محتملة

رفعت السلطات الليبية درجة الاستنفار تحسباً لتقلبات جوية يُتوقع أن تؤثر على مناطق واسعة من البلاد، ابتداءً من الجمعة وحتى الأربعاء المقبل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

غوتيريش في مصر... حراك أممي بشأن أزمات المنطقة

الرئيس السيسي خلال لقاء سابق مع غوتيريش على هامش «قمة بريكس» في الهند سبتمبر الماضي (الرئاسة المصرية)
الرئيس السيسي خلال لقاء سابق مع غوتيريش على هامش «قمة بريكس» في الهند سبتمبر الماضي (الرئاسة المصرية)
TT

غوتيريش في مصر... حراك أممي بشأن أزمات المنطقة

الرئيس السيسي خلال لقاء سابق مع غوتيريش على هامش «قمة بريكس» في الهند سبتمبر الماضي (الرئاسة المصرية)
الرئيس السيسي خلال لقاء سابق مع غوتيريش على هامش «قمة بريكس» في الهند سبتمبر الماضي (الرئاسة المصرية)

بدأ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، زيارة إلى القاهرة، السبت، على أمل أن تسهم في حل أزمات المنطقة، وهو يلملم أوراق مغادرته قريباً بعد أعوام حافلة بالتحديات، لا سيما حرب غزة.

وتضمنت الزيارة لقاءات مع مسؤولين مصريين وزيارة للجامعة العربية «ضمن حراك أممي يبحث عن حل لأزمات المنطقة انطلاقاً من أهمية دور مصر ومكانتها واتصالاتها»، بحسب تقديرات مساعد وزير الخارجية الأسبق وعضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير رخا أحمد حسن في حديث لـ«الشرق الأوسط».

وسيترك غوتيريش منصبه رسمياً في 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، بعد أن أمضى ولايتين متتاليتين مدة كل منهما 5 سنوات، بدأت الأولى في يناير (كانون الثاني) 2017... وسيتسلم الأمين العام العاشر الجديد للمنظمة مهامه رسمياً في الأول من يناير 2027.

رسالة أممية

وقال غوتيريش عبر حسابه بمنصة «إكس»، السبت: «وصلت للتو إلى مصر، وفي ظل تصاعد الصراعات، أحمل معي رسالة مفادها أننا بحاجة إلى وقف توسع الحرب، وحماية المدنيين، وتهيئة المجال السياسي للدبلوماسية والسلام».

وأضاف: «علينا معالجة أوجه عدم المساواة التي تقسم المجتمعات، ووقف الصراعات التي تضاعف المعاناة الإنسانية وتدفع عالماً يعاني بالفعل من عدم المساواة إلى مزيد من الانقسام».

وعن سبب زيارته لمصر، قال غوتيريش في مؤتمر صحافي، الخميس، في نيويورك، إن «مصر بلد مهم في أي منظور لحل الأزمة في الشرق الأوسط، خصوصاً في مجال الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني»، منتقداً ما تفعله إسرائيل في قطاع غزة والضفة الغربية، وفق ما نقله الموقع الإخباري «أخبار الأمم المتحدة» الأممي.

وأشار إلى أن «مصر هي أيضاً واحدة من وسطاء حل الصراع الذي اندلع بين الولايات المتحدة وإيران»، لافتاً إلى أنه «سيناقش أيضاً مع المسؤولين المصريين الأوضاع في الدول المجاورة ومنها السودان وليبيا»، وأكد ثقته بأن الزيارة «ستكون مثمرة للغاية».

وأضاف: «يجب أن يتوقف القتال في كل مكان، كما يجب احترام القانون الدولي، وحماية المدنيين، وصون حقوق وحريات الملاحة الدولية، وإتاحة المجال للدبلوماسية كي تنجح»، مؤكداً أن رسالته ستكون واضحة: «علينا وقف توسع الحرب، وحماية المدنيين، وتوفير المساحة السياسية اللازمة للدبلوماسية والسلام».

وقال مكتب الأمم المتحدة في مصر، في بيان، إن الزيارة «تأتي في وقت تشتد الحاجة أكثر من أي وقت مضى، إلى التضامن والعمل الجماعي»، مضيفاً: «تظل مصر شريكاً حيوياً للأمم المتحدة، حيث تسهم بفاعلية في تعزيز السلام، والتنمية المستدامة، والعمل الإنساني، ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة».

لقاء بين السيسي وغوتيريش على هامش قمة «أفريقيا - فرنسا» في نيروبي (الرئاسة المصرية)

وتزامنت زيارة غوتيريش مع «يوم الأمم المتحدة»، الموافق 24 أكتوبر (تشرين الأول)، وهو ذكرى دخول ميثاق المنظمة الدولية حيز التنفيذ، وسيشارك في فعاليات إحياء تلك الذكرى بالقاهرة، ويلتقي الرئيس عبد الفتاح السيسي، ووزير الخارجية بدر عبد العاطي، كما يعقد لقاءً مع نبيل فهمي الأمين العام لجامعة الدول العربية.

وأكد مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير رخا أحمد حسن في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة «تحمل دلالات بالغة الأهمية، وتجسد تقديراً دولياً رفيعاً للدور المحوري الذي تضطلع به القاهرة في دعم الاستقرار الإقليمي وإدارة الأزمات في الشرق الأوسط».

وأوضح رخا أن الزيارة «تعكس اعترافاً أممياً بجهود مصر المستمرة في تسوية النزاعات»، مشيراً إلى الدور الإنساني والإغاثي البارز الذي تقوم به الدولة المصرية تجاه القضية الفلسطينية وقطاع غزة، باعتبار مصر المنفذ الأساسي لتقديم المساعدات الإنسانية واستقبال الجرحى، في مقابل العراقيل المستمرة التي تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيلي.

وأشار إلى «أن التحركات المصرية لا تقتصر على الملف الفلسطيني فحسب، بل تمتد لتشمل جهود الوساطة الحثيثة لاحتواء التصعيد الإقليمي، لا سيما في السودان وليبيا، إلى جانب التعاون المستمر مع المبعوثين الأمميين لإيجاد حلول سلمية مستدامة تحافظ على وحدة الدول العربية وسلامة أراضيها، وهذا شيء مهم للحراك الأممي بالمنطقة».

وأضاف «أن السياسة المصرية ترتكز على ثوابت واضحة تحترم قواعد القانون الدولي، وتدعم آليات العمل متعدد الطرف؛ ما يجعل من القاهرة ركيزة أساسية للأمن والسلم الإقليميين والدوليين، وشريكاً موثوقاً به للمجتمع الدولي في مواجهة التحديات الإنسانية والسياسية الراهنة».


محادثات أنقرة تختبر فرص توحيد المؤسسة العسكرية في ليبيا

اجتماع سابق بين الزوبي وصدام حفتر بحضور وزير الدفاع التركي (وكالة أنباء الأناضول)
اجتماع سابق بين الزوبي وصدام حفتر بحضور وزير الدفاع التركي (وكالة أنباء الأناضول)
TT

محادثات أنقرة تختبر فرص توحيد المؤسسة العسكرية في ليبيا

اجتماع سابق بين الزوبي وصدام حفتر بحضور وزير الدفاع التركي (وكالة أنباء الأناضول)
اجتماع سابق بين الزوبي وصدام حفتر بحضور وزير الدفاع التركي (وكالة أنباء الأناضول)

تختبر المحادثات الجارية في أنقرة بين ممثلي القوتين العسكريتين الرئيستين في شرق ليبيا وغربها فرص «توحيد الجيش»، وسط أنباء عن تباينات بشأن «طبيعة الترتيبات المقترحة وحدودها، وخلافات داخل المجلس الرئاسي حول صلاحيات إدارة هذا الملف».

وتفتح المحادثات، التي بدأت (الجمعة) بين وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة»، عبدالسلام الزوبي، ونائب القائد العام للجيش الوطني الفريق صدام حفتر، مساراً جديداً في محاولات تجاوز الانقسام العسكري، وسط تحركات تركية لتقريب المؤسستين العسكريتين في الشرق والغرب، ومبادرة أميركية يقودها مستشار الرئيس دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، لإعادة ترتيب السلطة التنفيذية في البلاد.

المشير خليفة حفتر القائد العام للجيش الوطني (إعلام القيادة العامة)

ووسط تكتم رسمي بالغ عن فحوى اللقاء، تتحدث مصادر ليبية عن أن «المحادثات تركز على الجوانب الفنية والعسكرية المتعلقة بإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، وتطرح طبيعة المشاركين فيها وتوقيتها تساؤلات بشأن علاقتها بالمسار السياسي الأوسع، واحتمال أن تصبح التفاهمات العسكرية مدخلاً لإعادة توزيع النفوذ بين المعسكرين».

وبحسب تقارير محلية، فقد تناولت المحادثات التي جرت في العاصمة التركية، برعاية أنقرة، ترتيبات للتنسيق العسكري، من بينها إنشاء غرفة قيادة مشتركة تمثل الطرفين، وتشكيل قوة عسكرية مشتركة تبدأ مهامها في المنطقة الجنوبية.

كما تحدثت تقارير عن مقترحات أوسع لإعادة تنظيم القيادة العسكرية، وتوحيد بعض الهياكل الإدارية والمالية، من دون إعلان رسمي مشترك يؤكد الاتفاق على هذه الترتيبات أو اعتمادها نهائياً.

واكتفى صدام حفتر، في تصريح بالقول (الجمعة)، إن «ليبيا أكبر من خلافاتنا، وأعزّ من أن تبقى رهينة انقساماتنا».

المنفي وإردوغان في لقاء احتضنته نيويورك في سبتمبر الماضي (د.ب.أ)

وفي مؤشر على الرهان التركي على تحقيق تقدم في هذا الملف، اعتبر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، أن الظروف أصبحت مهيأة لتوحيد شرق ليبيا وغربها بصورة دائمة، وقال (الجمعة)، إن «الهياكل العسكرية في الجانبين ينبغي أن تندمج في جيش وطني موحد»، معرباً عن أمله في صدور إعلان بهذا الشأن في المستقبل القريب.

وكان الزوبي وصدام حفتر قد التقيا في مناسبات سابقة، برعاية تركية أو أميركية، من بينها لقاء في إسطنبول خلال مايو (أيار) الماضي، في سياق اتصالات تستهدف تقريب وجهات النظر بين القوى العسكرية المتنافسة.

وتسعى أنقرة، التي ترتبط بعلاقات عسكرية وسياسية وثيقة مع سلطات غرب ليبيا، إلى تعزيز قنوات التواصل مع معسكر الشرق أيضاً، بما يتيح لها لعب دور في تقريب وجهات النظر بين الطرفين، مع الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في ليبيا وشرق المتوسط.

ويأتي ذلك بعد أيام من مصادقة مجلس النواب الليبي على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا لعام 2019، في تطور يعزز أهمية العلاقات بين أنقرة والسلطات الموجودة في شرق ليبيا.

وفي تطور يعكس حساسية الملف داخل المؤسسات الليبية، وجَّه رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي (الجمعة)، بصفته القائد الأعلى للجيش، تعليمات إلى الزوبى ورئيس أركان قوات حكومة الوحدة صلاح النمروش بـ«عدم إبرام اتفاقات أو مذكرات تفاهم تتعلق بترتيبات توحيد المؤسسة العسكرية قبل الحصول على الاعتماد المسبق، مع التشديد على التنسيق مع اللجنة العسكرية المشتركة (5+5)، وعرض المقترحات على وزير الدفاع أولاً».

وكشفت هذه الخطوة عن عمق الخلافات داخل المجلس الرئاسي نفسه، بعدما اعترض موسى الكوني، نائب المنفي، على مخاطبته للزوبي بصفته القائد الأعلى للجيش، مؤكداً أن «المراسلة لم تصدر بقرار جماعي من المجلس»، وأنها «جاءت دون استشارة أعضائه».

رئيس حكومة الوحدة الوطنية في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)

واستند الكوني في رسالته إلى الزوبي إلى أن الكتاب المتعلق بترتيبات توحيد المؤسسة العسكرية لم يتم عرضه على المجلس الرئاسي، ولم تصدر بشأنه موافقة جماعية، مؤكداً تأييده للجهود التي يبذلها الزوبي لتوحيد الجيش، وأهمية التنسيق مع اللجنة العسكرية المشتركة «5+5» والجهات المختصة.

ويكشف الخلاف عن التباين حول إدارة ملف توحيد المؤسسة العسكرية وحدود صلاحيات المنفي، في وقت يفترض فيه أن يشكل المجلس الرئاسي مظلة توافقية بين الأطراف الليبية.

ولا يبدو هذا التباين معزولاً عن خلافات أوسع بشأن إدارة الملفات السياسية والأمنية، ما يطرح تساؤلات حول قدرة المجلس الرئاسي على لعب دور في مسألة توحيد هذه المؤسسة.

وتتجاوز أهمية اجتماع أنقرة إمكانية التوصل إلى تفاهمات عسكرية محدودة، كونه يأتي في وقت تتواصل فيه الجهود الأميركية لإعادة ترتيب السلطة التنفيذية، وسط تحركات إقليمية تستهدف توسيع قنوات الاتصال بين الأطراف الليبية المتنافسة.

وطبقاً لمراقبين ليبيين، يمثل الاجتماع اختباراً بشأن إمكانية تحويل التنسيق بين الشرق والغرب إلى خطوة فعلية نحو توحيد المؤسسة العسكرية، ومدى ارتباط هذه الخطوة بالتفاهمات السياسية المطروحة بشأن مستقبل السلطة في ليبيا.

وتكمن المعضلة في أن توحيد الجيش لا يقتصر على التوصل إلى تفاهمات بين شخصيات عسكرية بارزة، بل يتطلب بناء مؤسسة تخضع لقواعد موحدة في القيادة والتمويل والمساءلة، وتحظى بقبول الأطراف المعنية لإنهاء الانقسام.

وقد تؤسس «جولة أنقرة» في حال نجاحها، بحسب مراقبين لـ«قيادة عسكرية موحدة تخضع لمرجعية مؤسسية واضحة، وتحسم قضية السلطة على الجيش».


الجزائر تدرس توسيع انخراطها العسكري في النيجر

الرئيس الجزائري مستقبلاً وفداً عسكرياً نيجرياً بقيادة وزير الدفاع في 21 أكتوبر الجاري (الرئاسة)
الرئيس الجزائري مستقبلاً وفداً عسكرياً نيجرياً بقيادة وزير الدفاع في 21 أكتوبر الجاري (الرئاسة)
TT

الجزائر تدرس توسيع انخراطها العسكري في النيجر

الرئيس الجزائري مستقبلاً وفداً عسكرياً نيجرياً بقيادة وزير الدفاع في 21 أكتوبر الجاري (الرئاسة)
الرئيس الجزائري مستقبلاً وفداً عسكرياً نيجرياً بقيادة وزير الدفاع في 21 أكتوبر الجاري (الرئاسة)

تتداول الأوساط السياسية والإعلامية في الجزائر، منذ الخميس، أنباء عن استعداد البرلمان الجزائري لمنح الرئيس عبد المجيد تبون تفويضاً، بوصفه وزير الدفاع، يسمح بإرسال وحدات من الجيش إلى النيجر، في إطار تحرك عسكري محتمل يستهدف مجموعات مسلحة، يُشتبه في سعيها إلى الإطاحة برئيس البلاد عبد الرحمن تياني، بما قد يشكله ذلك من تهديد للأمن القومي الجزائري، في ظل الحدود الممتدة لآلاف الكيلومترات، التي تربط الجزائر بجيرانها في منطقة الساحل.

تلقّى أعضاء «المجلس الشعبي الوطني»، (الغرفة البرلمانية السفلى)، في 22 من الشهر الحالي، رسالة تدعوهم إلى حضور دورة استثنائية مقررة غداً (الأحد)، الساعة العاشرة صباحاً. ولم يتضمن الاستدعاء أي جدول أعمال. كما تلقّى أعضاء «مجلس الأمة»، (غرفة البرلمان العليا)، الاستدعاء نفسه، لعقد اجتماع بعد ظهر اليوم ذاته، من دون توضيح سبب الاجتماع.

وحسب مصادر برلمانية، سيخصَّص الاجتماعان لمنح الجيش تفويضاً يسمح له بالتدخل خارج الأراضي الجزائرية، تطبيقاً للفقرة الثانية من المادة 91 من الدستور الجزائري، التي تنص على أن رئيس الجمهورية يملك صلاحية اتخاذ قرار «إرسال وحدات الجيش الوطني الشعبي إلى الخارج، بعد موافقة أغلبية ثلثي أعضاء كل غرفة من غرفتي البرلمان».

رئيس النيجر مصافحاً نظيره الجزائري منتصف فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

ترتيبات الحسم العسكري

تشير جميع المعطيات، وفقاً مصادر سياسية، إلى احتمال تنفيذ ضربات جوية دقيقة خلال الأيام المقبلة، بواسطة سلاح الجو الجزائري، تستهدف مصالح أجنبية في النيجر، أو جماعات يُزعم أن أطرافاً أجنبية تموّلها. ويأتي ذلك في وقت تمتلك فيه الجزائر بالفعل قوة عسكرية في نيامي، منذ أغسطس (آب) الماضي، حيث أرسلت قوة إلى الجارة الجنوبية لصد محاولة انقلاب ضد الرئيس عبد الرحمن تشياني.

ويزداد هذا الاحتمال ترجيحاً، وفق المصادر نفسها، بالنظر إلى الزيارتين اللتين قادتا وزير الدفاع النيجري ساليفو ماودي إلى الجزائر. الأولى كانت في 13 من الشهر الجاري، والثانية الأربعاء الماضي، حيث استقبله الرئيس تبون، كما أجرى مباحثات مع رئيس أركان الجيش الفريق أول سعيد شنقريحة، الذي صرح بأن جيش بلاده «مستعد لدراسة أي مقترح نيجري، من شأنه تعزيز التعاون العسكري والأمني، خدمة لمصالح بلدينا العليا».

انتشار الجيش الجزائري بالقرب من الحدود مع النيجر (صحف جزائرية)

من جهته، أشاد وزير دفاع النيجر بـ«مستوى التنسيق متعدد الأبعاد بين جيشي البلدين الشقيقين». وتوجت زيارته باتفاق «يؤطر مجال التعاون العسكري بين البلدين»، حسب بيان لوزارة الدفاع الجزائرية، دون تقديم أي تفاصيل.

وقبيل هذه الزيارة بيوم واحد، كان الرئيس عبد المجيد تبون قد عقد اجتماعاً للمجلس الأعلى للأمن حضره كبار المسؤولين الحكوميين، من دون أن تكشف رئاسة الجمهورية عن مضمونه.

وحول موضوع التئام غرفتي البرلمان في جلستين، كتب المتحدث باسم وزارة الخارجية الجزائرية، السفير عمار بلاني، منشوراً على حسابه في الإعلام الاجتماعي، السبت، قال فيه: «إذا كانت الجلستان البرلمانيتان ستُخصّصان للموافقة على تدخل عسكري خارج الحدود، فإن ذلك قد يفتح المجال أمام وجود جزائري أكثر تنظيماً ووضوحاً في النيجر. ومن شأن قرار كهذا أن يعكس تصوراً أوسع للأمن القومي، إذ لن تعود حماية الحدود وحدها كافية إذا كان سقوط دولة مجاورة قد يعرّض المصالح الوطنية، والبنى التحتية للطاقة والشراكات الاقتصادية والنفوذ الإقليمي، للخطر».

وأكد بلاني أن النيجر «قد تتحول في هذه الحالة إلى شريك ذي أولوية في إطار تعاون عسكري معزّز، من دون أن يعني ذلك، بطبيعة الحال، إقامة دائمة للقوات الجزائرية على أراضي هذا البلد».

خيارات الردع

يذهب عبد المنعم بن حمدة، قيادي الحزب الإسلامي حركة مجتمع السلم، بعيداً في التحليل، إذ ذكر في منشور أن «بعض المعطيات تشير إلى احتمال منح النيجر الجزائر حق استخدام قاعدة ماداما العسكرية، التي سبق أن استخدمتها القوات الفرنسية منذ عام 2014، قبل انسحابها منها في يوليو (تموز) 2019).

طائرة تابعة لسلاح الجو الجزائري (وزارة الدفاع)

ووفق بن حمدة: «تقع القاعدة في منطقة استراتيجية حساسة شمال النيجر، على بُعد نحو 95 كيلومتراً بخط مستقيم من أقرب نقطة على الحدود الليبية، بالقرب من المجال الصحراوي المتصل بفزّان والعمق الاستراتيجي للجنوب الليبي، فضلاً عن موقعها الذي يتيح الإشراف على نطاق جغرافي قريب من الحدود التشادية».

وتأتي هذه التطورات امتداداً منطقياً لتصريحات أدلى بها عبد المجيد تبون مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، حين أشار إلى أن الجزائر «سترد من الآن فصاعداً على محاولات زعزعة استقرار أحد بلدان المنطقة، ولن يقتصر ردها على الكلام».

كواليس «سوخوي 30»

ظهرت إحدى أولى الإشارات إلى هذا التوجه الجديد في أواخر أغسطس (آب) الماضي، مع إرسال أربع طائرات مقاتلة من طراز «سوخوي 30-إس» إلى نيامي، مرفقة بكامل التجهيزات والتسليح اللازمين لإحباط محاولة للإطاحة بالسلطة الحاكمة في النيجر. وقد اعتبرت السلطات الجزائرية تلك المحاولة تحدياً للجزائر، التي كانت قد استقبلت رئيس الوزراء النيجري محمد لمين زينه، قبل ذلك.

رئيس الجزائر مع وزير دفاع النيجر (الرئاسة)

وصرح الرئيس تبون بهذا الخصوص، خلال مقابلة بثها التلفزيون العمومي مطلع أكتوبر: «كان رئيس الوزراء النيجري موجوداً في الجزائر، وفي الوقت نفسه كانت هناك محاولة انقلاب جارية في النيجر. ماذا يعني هذا؟ هل هو استفزاز للجزائر؟ وأنا أيضاً سأرسل طائرات، وسأقف في مواجهتكم نداً لند، لأن هناك من لم يعد يعرف حدود اللياقة والاحترام».

واستُشفّ من تصريحاته أن جهة خارجية قد تكون وراء محاولة الانقلاب في النيجر، في إطار ما يراه استهدافاً مزدوجاً، يتمثل في الإطاحة بالرئيس عبد الرحمن تياني، الذي تربطه بالجزائر علاقات وثيقة ويُنظر إليه على أنه حليف لها، والعمل في الوقت ذاته على زعزعة الاستقرار داخل الجزائر، بالنظر إلى الحدود الطويلة التي تجمع البلدين.

رئيس أركان الجيش الجزائري في لقاء سابق مع وزير الدفاع النيجري (وزارة الدفاع الجزائرية)

غير أن الرئيس الجزائري لم يكشف عن هوية الجهة، التي ألمح إلى احتمال تورطها في هذه المحاولة، التي تأتي في سياق أمني مضطرب تعيشه النيجر، البلد الذي شهد محاولات انقلابية سابقة، ويصنف ضمن أفقر دول العالم.