بدا رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، حريصاً مراهناً على أهمية الانضباط العسكري والتنسيق بين الميليشيات في غرب البلاد، خلال لقاء مع عدد من قادتها في الزاوية، تناول سبل تعزيز الاستقرار وتنظيم عمل التشكيلات المختلفة، في مدينة تشهد بين حين وآخر توترات أمنية متقطعة.
غير أن قدرة الحكومة على ترجمة هذه التوجهات إلى استقرار مستدام تظل مرهونة بمدى التزام التشكيلات المسلحة بالتعليمات الرسمية، في ظل خلافات بين بعض قادتها وتباين الولاءات، بحسب محللين، وهي عوامل تجعل ضبط المشهد الأمني في الزاوية تحدياً يتجاوز مجرد التنسيق بين القيادات العسكرية والأمنية.

وبرز هذا التوجه خلال لقاء عقده الدبيبة، مساء الأربعاء، مع قادة مجموعات مسلحة ومسؤولين أمنيين وعسكريين، في اجتماع خصصته الحكومة لبحث الأوضاع الأمنية والعسكرية في الزاوية والمنطقة الغربية، وسط مساعٍ لاحتواء التوترات، وتعزيز التنسيق بين التشكيلات المختلفة.
واكتسب الاجتماع أهمية بسبب مستوى الحضور السياسي والعسكري الوازن، وحرص الدبيبة خلال اللقاء على تأكيد ضرورة الالتزام بالتسلسل القيادي والضوابط العسكرية، ومنع أي تحركات ميدانية خارج التعليمات الرسمية، إلى جانب تعزيز التنسيق بين القيادات الأمنية والعسكرية، بما يحد من التوترات ويعزز قدرة المؤسسات المختصة على ضبط الأوضاع في المنطقة الغربية، مؤكداً ضرورة «تنسيق الجهود بين مختلف الوحدات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وتنظيم عملها بما يضمن الانضباط والالتزام بالتعليمات الصادرة عن الجهات المختصة، وتوحيد الجهود للحفاظ على الأمن العام».
غير أن هذه التوجهات تواجه اختباراً ميدانياً في الزاوية، الغارقة في الفوضى منذ انهيار نظام العقيد معمر القذافي 2011، حيث شهدت اشتباكات متقطعة على مدى سنوات بين مجموعات مسلحة متعددة الولاءات (حضرت اللقاء مع الدبيبة)، ولطالما أثارت سخطاً متراكماً لدى السكان، وأبرزت هشاشة الترتيبات الأمنية في المدينة.
ويبدي محللون تفاؤلاً حذراً في إمكانية تحقيق تهدئة نسبية خلال الفترة المقبلة. وقال المحلل السياسي الليبي، حسام الدين العبدلي، إن المدينة قد تشهد استقراراً نسبياً خلال الأيام المقبلة، في ظل سعي المجموعات المسلحة إلى رأب الخلافات بين عدد من قادتها.
وبحسب العبدلي، الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن حكومة الوحدة تتعامل مع الملف انطلاقاً من مقاربة تقوم على أن الأطراف التي يصعب تحييدها بالقوة يمكن التفاوض معها واحتواء خلافاتها، مشيراً إلى أن حكومة «الوحدة الوطنية» تمتلك قنوات تواصل واسعة مع التشكيلات المسلحة، وتمكنت من تسوية خلافاتها مع أطراف كانت على خصومة معها سابقاً.
ولفت العبدلي إلى إدراك الدبيبة أن ملف التوترات المتكررة والعالقة في المدينة الاستراتيجية يسرع تحركاته، أخذاً في الاعتبار أن استقرار الزاوية يرتبط بأمن العاصمة طرابلس، بالنظر إلى موقعها بوصفها البوابة الغربية للعاصمة.
وتكتسب الزاوية، التي يبلغ عدد سكانها نحو 351 ألف نسمة، وفق أرقام رسمية، أهمية استراتيجية بسبب وقوعها على الطريق الساحلي غرب طرابلس، واحتضانها لأكبر مصفاة نفطية في البلاد، فضلاً عن موقعها ضمن محور أمني يمتد من جنزور إلى زوارة، ما يجعل استقرارها مؤثراً في أمن المنطقة الغربية.
ورغم التحرك الحكومي فإن تقديرات بحثية، أبرزها المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية، ترى أن مساعي ضبط المشهد تواجه عقبات بنيوية، واصفةً في تقديرات بحثية سابقة واقع المجموعات المسلحة بأنه «شبكة معقدة»، في ظل نشاط تشكيلات خارج السيطرة الفعلية للدولة، رغم تبعية عدد منها لمؤسسات رسمية.

وتظهر هذه التبعية، وفق المركز، في الرتب العسكرية والأرقام التنظيمية والمقار الرسمية، لكنها لا تعني بالضرورة خضوع التشكيلات لسلطة الدولة الفعلية، خصوصاً أن علاقاتها البينية تتسم بالتنافس الحاد ومحاولات التصفية المتبادلة بين أطرافها.
ويشير المركز إلى أن غياب فصيل قادر على فرض سيطرة شاملة يبقي المشهد الأمني في الزاوية عرضة للتقلب، ويجعل التفاهمات بين المجموعات المسلحة قابلة للتبدل، بما يعقّد فرص بناء ترتيبات أمنية مستقرة ومستدامة في المدينة.
ومع ذلك تبدو استعادة الاستقرار في الزاوية «ضرورة ملحة بعد سنوات من تدهور الأوضاع الأمنية»، وفق العبدلي، الذي رجح أن تسعى الحكومة إلى إيجاد إطار يجمع الأجهزة الأمنية والمجموعات المسلحة، بما يعزز التنسيق ويحد من التوترات.
وانتهي العبدلي إلى أن تحقيق هذا الهدف يتطلب جهوداً أكبر لضمان التزام المجموعات المسلحة بقواعد الانضباط والتسلسل القيادي، معتبراً أن عدم الالتزام بهذه القواعد يعرقل توحيد الجهود الأمنية، ويحد من قدرة المؤسسات الرسمية على منع التوترات.


