محادثات ليبية لبحث جهود توحيد المؤسسة العسكرية

في إطار الجهود الرامية لإنهاء الانقسام المؤسسي

المشير خليفة حفتر ونجله ونائبه صدام خلال إحياء الذكرى الثانية عشرة لدخول الجيش إلى بنغازي (إعلام القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر ونجله ونائبه صدام خلال إحياء الذكرى الثانية عشرة لدخول الجيش إلى بنغازي (إعلام القيادة العامة)
TT

محادثات ليبية لبحث جهود توحيد المؤسسة العسكرية

المشير خليفة حفتر ونجله ونائبه صدام خلال إحياء الذكرى الثانية عشرة لدخول الجيش إلى بنغازي (إعلام القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر ونجله ونائبه صدام خلال إحياء الذكرى الثانية عشرة لدخول الجيش إلى بنغازي (إعلام القيادة العامة)

تتواصل في العاصمة التونسية، اليوم السبت، لليوم الثاني، محادثات ليبية تستهدف توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية، في إطار الجهود الرامية إلى إنهاء الانقسام العسكري والمؤسسي، المستمر منذ أكثر من عقد بين قوات «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر في شرق البلاد، وتشكيلات عسكرية وأمنية مرتبطة بالسلطات القائمة في غربها.

وتكتسب المحادثات، المنعقدة تحت اسم «اللجنة الوطنية لتوحيد المؤسسة العسكرية والأمنية في ليبيا»، والتي انطلقت الجمعة، أهمية في ظل اتساع نطاق المشاركة، التي تضم ممثلين عن بعثة الأمم المتحدة، واللجنة العسكرية المشتركة «5+5».

كما أن نقاشات هذا الحوار تكتسب زخماً أوسع في ظل مشاركة أعضاء في مجلسي النواب والأعلى للدولة، إلى جانب ممثلين عن المسار الأمني ضمن «الحوار المهيكل»، وعدد من المؤسسات المدنية، بحسب قيادي عسكري يشارك في اللقاء وتقارير محلية.

ستيفاني خوري (أ.ف.ب)

وشهدت الأسابيع الأخيرة تحركات متجددة لتعزيز التنسيق بين الجانبين؛ إذ استضافت مدينة سرت اجتماعات عسكرية، شارك فيها مسؤولون من الشرق والغرب، بينهم رئيس الأركان صلاح الدين النمروش وخالد حفتر، إلى جانب أعضاء من اللجنة العسكرية المشتركة «5+5»، وآلية «3+3»، وبمشاركة ستيفاني خوري، نائبة الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية.

واتفق المشاركون في أحد هذه الاجتماعات على تنظيم تمرين ميداني مشترك في جنوب ليبيا، وعقد اجتماعات شهرية لرؤساء الأركان النوعية بهدف تعزيز التنسيق، وتوسيع التعاون بين الوحدات العسكرية.

عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني (المجلس الرئاسي)

وفي تحرك موازٍ، بحث عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني، بصفته القائد الأعلى للجيش، مع أعضاء اللجنة العسكرية المشتركة «5+5» عن المنطقة الغربية، مستجدات الأوضاع الأمنية والعسكرية والخطوات المطلوبة لتوحيد المؤسسة العسكرية، وشدد الكوني على ضرورة بناء مؤسسة عسكرية موحدة على أسس مهنية ووطنية.

المشير خليفة حفتر ونجله ونائبه صدام خلال إحياء الذكرى الثانية عشرة لدخول الجيش إلى بنغازي (إعلام القيادة العامة)

ويُعد توحيد المؤسسة العسكرية أحد الملفات الرئيسية المرتبطة بإنهاء المرحلة الانتقالية، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية، لكن هذا المسار يواجه خلافات بشأن القيادة الموحدة، وإعادة هيكلة القوات، ودمج التشكيلات المسلحة، وحدود العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية.

وكان اتفاق الصخيرات، الذي أُبرم برعاية الأمم المتحدة عام 2015، قد وضع إطاراً لتسوية الأزمة السياسية، لكنه لم ينهِ الانقسام بين مراكز السلطة المتنافسة، ولم يسفر عن توحيد المؤسسة العسكرية.

على صعيد آخر، أحيا «الجيش الوطني» الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، مساء الجمعة، الذكرى الثانية عشرة لدخول قواته مدينة بنغازي في 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2014، في محطة بارزة من عملية «الكرامة»، التي أطلقها حفتر لمواجهة الجماعات المتطرفة في شرق البلاد.

وخلال عرض عسكري نظمته إدارة القوات الخاصة «الصاعقة والمظلات» في بنغازي، وصف حفتر أحداث ذلك اليوم بأنها محطة مفصلية في مواجهة الإرهاب، مشيداً بمساندة أهالي المدينة للقوات المسلحة، وبالتضحيات التي قدمها ضباط وجنود القوات الخاصة خلال المعارك.

عناصر من القوات الخاصة الليبية خلال إحياء ذكرى دخول الجيش إلى مدينة بنغازي الجمعة (إعلام القيادة العامة)

كما أثنى حفتر على جهود نائبه ونجله صدام في تطوير قدرات القوات الخاصة وتعزيز جاهزيتها. ومن جانبه، أشاد صدام بمستوى الانضباط والاستعداد القتالي لعناصرها، وقال في منشور عبر «فيسبوك» إن القيادة العامة تعمل على تطوير قدراتها القتالية والتقنية، ومنظومات التدريب والتأهيل، في إطار رؤية 2030 لتحديث المؤسسة العسكرية.

وشهدت بنغازي، ثاني أكبر المدن الليبية، مواجهات دامية بين قوات موالية لحفتر وجماعات مسلحة، في ظل اضطرابات أمنية أعقبت الإطاحة بنظام معمر القذافي عام 2011، واتسمت بعمليات اغتيال وتفجيرات وصراع على النفوذ.

وأطلق حفتر عملية «الكرامة» في مايو (أيار) 2014، قبل أن تدخل قواته بنغازي في أكتوبر من العام نفسه، وتسيطر على مواقع رئيسية، بينها معسكر كتيبة 17 فبراير (شباط)، وسط اشتباكات عنيفة. واستمرت المعارك في المدينة لسنوات، وخلفت قتلى وجرحى ونازحين ودماراً واسعاً، إلى أن أعلن حفتر في يوليو (تموز) 2017 استعادة السيطرة عليها بالكامل.

وتحتفي السلطات في شرق ليبيا بهذه الذكرى، باعتبارها محطة في قتال الجماعات المتطرفة، وترسيخ نفوذ القيادة العامة، مع إبراز دور القوات الخاصة في العمليات العسكرية.


مقالات ذات صلة

جدل إيرادات النفط يتصاعد في ليبيا وسط مطالبات بـ«تحقيق مستقل»

شمال افريقيا رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان (الصفحة الرسمية للمؤسسة)

جدل إيرادات النفط يتصاعد في ليبيا وسط مطالبات بـ«تحقيق مستقل»

يثير التباين في الأرقام المعلنة لإيرادات النفط الليبي جدلاً متصاعداً بين «مصرف ليبيا المركزي» و«المؤسسة الوطنية للنفط».

علاء حموده
شمال افريقيا جانب من إعادة الإعمار الذي شهدته مدينة بنغازي بعد دحر الإرهاب (القيادة العامة للجيش الوطني)

بنغازي بعد 12 عاماً على مواجهة «داعش»... رحلة التعافي من الحرب

بعد 12 عاماً على اندلاع «معركة الكرامة»، تستعيد بنغازي ذكرى المواجهات مع التنظيمات الإرهابية، وما شهدته من دمار طال مناطق واسعة، قبل أن تنطلق في مسار الإعمار.

جمال جوهر
شمال افريقيا جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا في نيويورك الأربعاء الماضي (البعثة الأممية)

تلويح أميركا بالعقوبات يختبر فرص التسوية السياسية في ليبيا

يختبر التلويح الأميركي بفرض عقوبات على «معرقلي» العملية السياسية في ليبيا مدى استعداد واشنطن للانتقال من التحذير إلى الفعل، وسط خلافات متصاعدة بشأن اتفاق «4+4».

علاء حموده
شمال افريقيا وقفة احتجاجية أمام مراقبة التربية والتعليم في تاجوراء بغرب ليبيا نهاية سبتمبر الماضي (حراك المعلمين)

«قانون التظاهر» في غرب ليبيا... تنظيم للاحتجاج أم أداة لتقييده؟

أعاد تحذير أمني بالعاصمة الليبية من تنظيم مظاهرات دون إخطار مسبق الجدل حول حدود الحق في الاحتجاج.

جاكلين زاهر
شمال افريقيا عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية (الوحدة)

ليبيا تهدد بتعليق مفاوضات ترسيم الحدود البحرية مع اليونان

حذرت ليبيا اليونان من احتمال تعليق المفاوضات الثنائية لترسيم الحدود البحرية، احتجاجاً على خطط أثينا إجراء عمليات مسح واستكشاف للنفط والغاز.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

جدل إيرادات النفط يتصاعد في ليبيا وسط مطالبات بـ«تحقيق مستقل»

رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان (الصفحة الرسمية للمؤسسة)
رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان (الصفحة الرسمية للمؤسسة)
TT

جدل إيرادات النفط يتصاعد في ليبيا وسط مطالبات بـ«تحقيق مستقل»

رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان (الصفحة الرسمية للمؤسسة)
رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان (الصفحة الرسمية للمؤسسة)

يثير التباين في الأرقام المعلنة لإيرادات النفط الليبي جدلاً متصاعداً بين «مصرف ليبيا المركزي» و«المؤسسة الوطنية للنفط»، بعدما ظهرت فجوة تُقدّر بمئات الملايين من الدولارات بين الأرقام المعلنة من جانب المؤسستَيْن الاقتصاديتَيْن السياديتَيْن، قبل أن يقدم ديوان المحاسبة تفسيراً محاسبياً للفارق، لكن دون حسم جميع التساؤلات المتعلقة بسلامة الإجراءات.

هذا التباين في أرقام الإيرادات النفطية أثار موجة ارتباك واسعة منذ نهاية الأسبوع الماضي، واستمر حتى السبت، حسب متابعين، وسط تساؤلات عن إدارة المورد الرئيسي لمالية الدولة، التي تعتمد على النفط في تمويل نحو 82 في المائة من إنفاقها العام، فيما يبلغ الإنتاج نحو 1.4 مليون برميل يومياً، وفق الأرقام المتداولة.

حقل الشرارة النفطي (وكالة الأنباء الليبية)

أزمة تضارب البيانات

جاءت تحذيرات اقتصاديين وخبراء واضحة من أن تضارب البيانات «يمسّ ثقة الليبيين بإدارة ثروتهم»، وهي رؤية الخبير المصرفي نعمان البوري في منشور عبر صفحته على موقع «فيسبوك»، الجمعة.

غير أن الرئيسة السابقة لقسم التعاقدات في «المؤسسة الوطنية للنفط»، نجوى البشتي، ذهبت إلى اعتبار أن السجال الحاصل لا ينبغي اختزاله في اختلاف الأرقام، بل يستوجب فحص الإجراءات المنظمة للإيرادات، بما يشمل الخصومات والتسويات والمقاصات، وفق ما ذكرت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، السبت.

محافظ مصرف ليبيا المركزي محمد ناجي عيسى خلال مشاركته في الجلسة العامة للاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين الجمعة (الصفحة الرسمية للمركزي)

ومنذ سنوات، تُورَّد العائدات الدولارية لمبيعات النفط الليبي إلى حسابات المؤسسة الوطنية للنفط، قبل تحويلها إلى حساب سيادي تابع للمصرف المركزي في المصرف الليبي الخارجي، الذي يتولى إدارة الإيرادات العامة وتوفير التمويل اللازم للإنفاق الحكومي، فيما لم تستبعد نجوى البشتي أن يكون «هناك خلل في المصرف الليبي الخارجي»، حسب رؤيتها.

وبدأ السجال قبل أيام، وتحديداً في 14 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، عندما أعلن المصرف المركزي أن إيرادات النفط التي وصلت إلى حساباته منذ بداية الشهر بلغت 361 مليون دولار، في وقت أعلنت فيه المؤسسة الوطنية للنفط أرقاماً أعلى بكثير للمبالغ المحالة إلى الحساب السيادي لدى المصرف الليبي الخارجي، بلغت نحو 1.448 مليار دولار خلال الفترة نفسها، وهو ما أثار تساؤلات بشأن أسباب الفارق بين الرقمَيْن، والبالغ أكثر من مليار دولار.

واجهة البنك المركزي في طرابلس (رويترز)

ودخل ديوان المحاسبة، أكبر جهاز رقابي في البلاد، على خط هذا السجال، مساء الجمعة، قائلاً إن «إجمالي الإيرادات المحصلة في حسابات المؤسسة لدى المصرف الليبي الخارجي بلغ نحو 1.448 مليار دولار، خُصّص منها 864.57 مليون دولار لحساب المحروقات، مقابل تحويلات إلى المصرف المركزي بلغت 577.41 مليون دولار».

لكن هذا التدخل الرقابي لم يحسم بمفرده جميع الأسئلة المتعلقة بالتعاقدات والتوريدات، ولا مدى الالتزام بالإجراءات المعتمدة في إدارة الأموال المخصصة لاستيراد الوقود.

وشددت نجوى البشتي على ضرورة فتح تحقيق مستقل من مكتب النائب العام الليبي، الصديق الصور، للتحقق من سلامة الإجراءات ومدى توافقها مع التشريعات وقواعد إدارة الإيرادات العامة، ورأت أن النفط بوصفه المورد الأساسي للخزانة الليبية، لا ينبغي أن يكون موضع سجال بين المؤسسات، وأن تحديد المسؤوليات يجب أن يستند إلى المستندات والبيانات المالية.

الرؤية السابقة أيضاً يتبناها البوري، الذي دعا إلى نشر حسابات موثّقة لإيرادات النفط، وإخضاعها لتدقيق مستقل ومساءلة المسؤولين عن أي مخالفات.

عبء دعم الوقود

لا تقتصر التساؤلات على الفروق المحاسبية بين المؤسستَين، بل تمتد إلى ملف الوقود المدعوم، الذي يمثّل عبئاً مالياً على الدولة، وسط اتهامات محلية ودولية بتهريبه على نطاق واسع، بما يثير تساؤلات بشأن تكلفة الدعم، وآليات توزيعه، وحجم الخسائر التي تتكبّدها الخزانة العامة.

ومن منظور اقتصاديين، ومن بينهم الأكاديمي وأستاذ الاقتصاد الليبي عبد الحميد الفضيل، فإن التضارب بين هذه البيانات يكشف عن «خلاف عميق بين المؤسستَيْن بدأ يطفو على السطح الآن، وأن حجم الفساد كبير جداً في ملف المحروقات»، وفق ما قال عبر حسابه في «فيسبوك»، الجمعة.

الصديق الصور (مكتب النائب العام)

وسبق أن كشفت المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه عن أن «ما يتراوح بين 30 و50 في المائة من واردات الوقود المدعوم في البلاد يُفقد بسبب التهريب، بقيمة تتراوح بين 2.4 و4.4 مليار دولار»، حسب ما أوردته في إحاطتها أمام مجلس الأمن الأسبوع الماضي.

وتشير تقديرات أممية إلى أن دعم الوقود يفرض عبئاً مالياً متزايداً على الدولة، في وقت تحقّق فيه عمليات التهريب أرباحاً كبيرة للمتورطين فيها، وتتسبب في خسائر للخزانة العامة، ونقص في الإمدادات يعاني منه المواطنون والمؤسسات الحيوية، ما يُعيد ملف إدارة عائدات النفط إلى دائرة المساءلة والرقابة.


هل تصبح «الحرب في السودان» مساراً جديداً للتصعيد بين مصر وإثيوبيا؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان في العلمين خلال أكتوبر الحالي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان في العلمين خلال أكتوبر الحالي (الرئاسة المصرية)
TT

هل تصبح «الحرب في السودان» مساراً جديداً للتصعيد بين مصر وإثيوبيا؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان في العلمين خلال أكتوبر الحالي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان في العلمين خلال أكتوبر الحالي (الرئاسة المصرية)

تلميحات متبادلة بين مصر وإثيوبيا، شهدتها جلسة بمجلس الأمن بشأن الحرب المندلعة في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023، وسط خلافات مستمرة بين القاهرة وأديس أبابا بسبب ملفي «سد النهضة» و«المنفذ البحري».

وتتباين آراء مختصين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» حول إمكانية أن تصبح «الحرب في السودان» مساراً جديداً للتصعيد بين مصر وإثيوبيا. ويرون أن الأمر «يتوقف على مدى انخراط الجانبين في هذا الملف وتطوراته على الأرض».

ومنذ بداية الحرب في السودان، تقف مصر داعمة للمؤسسات الشرعية بالسودان، على رأسها الجيش السوداني، وترفض تحركات الميليشيا، وتدعو إلى «ضرورة وقف الحرب والبدء في عملية سياسية شاملة تجمع مختلف مكونات المجتمع»، مقابل اتهامات من الخرطوم لأديس أبابا بـ«دعم قوات الدعم السريع».

وفي الجلسة التي أقيمت، الجمعة، دعا مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة إيهاب عوض إلى «عدم تغاضي المجتمع الدولي ومجلس الأمن عن التعامل الجاد مع الأدلة والشواهد التي تشير إلى تورط دولة مجاورة للسودان في إشعال الصراع»، وحث على «توجيه تحذير مباشر إليها لوقف تأجيج النزاع وتعريض المدنيين والمنشآت المدنية للخطر».

وأدان الانتهاكات التي ترتكبها «قوات الدعم السريع»، ودعا إلى محاسبة المسؤولين عنها والتصدي للشبكات التي تسهم في تأجيج الحرب، وفق إعلام محلي.

بالمقابل، قال مندوب إثيوبيا الدائم لدى الأمم المتحدة تيفيرا دريبو، إن «بلاده تحترم سيادة السودان ووحدة أراضيه واستقلاله السياسي»، مؤكداً أن «بلاده تحتفظ بأدلة بشأن أسلحة تهرب إلى إثيوبيا»، دون تفاصيل أكثر.

وأعرب دريبو عن قلق بلاده إزاء تقارير إعلامية قال إنها «تفيد بانخراط دولة مجاورة للسودان بصورة مباشرة في الحرب، بما في ذلك عبر إطلاق الطائرات المسيرة، فضلاً عن تقارير بشأن ضربات جوية وقصف مدفعي من دولة مجاورة تسببا في مقتل مدنيين داخل الأراضي السودانية».

غير أن مندوب السودان الحارث إدريس اتهم أديس أبابا، قائلاً إن «الجيش السوداني أسقط طائرة مسيرة إثيوبية في 30 مايو (أيار) الماضي بمنطقة خور الذهب الحدودية»، مضيفاً أنها «كانت تقوم بتصوير مواقع وطرق داخل الأراضي السودانية على عمق 45 كيلومتراً».

وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، اتهم رئيس أركان الجيش السوداني الفريق أول ياسر العطا، إثيوبيا بالسعي إلى استغلال الحرب في بلاده للتوسع داخل الأراضي السودانية والسيطرة على مناطق حدودية، وربط بين اتهامات الخرطوم السابقة لأديس أبابا بدعم «قوات الدعم السريع» وما وصفه بمخطط إثيوبي للوصول إلى البحر الأحمر.

المحلل السوداني المتخصص في الشؤون الأفريقية، عبد المنعم أبو إدريس، يقول إنه «منذ بداية الحرب في السودان وهي ساحة تنافس، حيث تدعم إثيوبيا (الدعم السريع) بينما تساند مصر الجيش؛ لكن هذا التنافس كان يجري دون الإفصاح عنه بصورة علنية، إلا أنه يبدو أن مداخلات مندوبي الدولتين في مجلس الأمن عبرت علنية عن موقفي العاصمتين، ما سيجعل هذا التنافس يمضي خطوة إلى الأمام».

وأكد أبو إدريس أنه «في حال تطورت الأوضاع في المنطقة وصار التنافس أكثر حدة بين القوتين فسيستخدم كل منهما ما لديه من أدوات، وفي حال سارت التطورات في منطقة النيل الأزرق جنوب شرقي السودان والتي تجري فيها مواجهات عسكرية كبيرة بين الجيش السوداني و(الدعم السريع)، قد تضطر مصر إلى اتخاذ خطوات أكبر في الصراع السوداني»، بحسب رأيه.

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان خلال لقاء سابق مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في أغسطس 2019 (رويترز)

في المقابل، يرى الباحث الإثيوبي في الشؤون الأفريقية، موسى شيخو، أن «القاهرة تسعى إلى توجيه القرار السياسي والأمني السوداني بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، الأمر الذي يثير مخاوف من تقليص استقلالية القرار السوداني وتحويل السودان إلى امتداد للسياسة المصرية»، وفق رأيه.

وبحسب شيخو، «يمكن تفسير التحركات الإثيوبية باعتبارها استجابة دفاعية للنفوذ المصري المتزايد في السودان، وليست بالضرورة سعياً إلى توسيع الصراع أو التدخل في الشؤون السودانية، فضلاً عن أنها ترتبط بحسابات أديس أبابا في حماية حدودها الغربية، وأمن سد النهضة، ومنع استخدام الأراضي السودانية ضمن ترتيبات إقليمية تستهدف مصالحها».

كما يرى أن «محاولة احتكار التأثير على القرار السوداني، بدلاً من احترام استقلاليته، قد تدفع إثيوبيا إلى اتخاذ إجراءات سياسية وأمنية لحماية مصالحها»، لافتاً إلى أنه «لا يتمثل جوهر التنافس في رغبة إثيوبيا في مزاحمة مصر داخل السودان، بل في رفض تحويل السودان إلى أداة في الصراع الإقليمي، ويبقى احترام السيادة السودانية واستقلال قرارها أساساً لأي استقرار مستدام».

لكن نائب «المجلس المصري للشؤون الأفريقية» السفير صلاح حليمة يؤكد أن «الموقف المصري تجاه السودان ثابت لا حياد فيه، ويقوم على أساس راسخ استهدف دوماً الحفاظ على وحدة السودان وسلامته الإقليمية ومؤسساته الوطنية، ورفض أي تدخلات خارجية في شؤونه الداخلية أو محاولات تفتيته».

ويشير إلى وجود شراكة استراتيجية متكاملة تربط البلدين في المجالات الأمنية، والعسكرية، والسياسية والاقتصادية، معتبراً أن أمن السودان واستقراره يمثلان «خطاً أحمر» بالنسبة للقاهرة.

ويحذر حليمة من «الدور الإثيوبي السلبي والمتواطئ في الأزمة السودانية، متمثلاً في تقديم تسهيلات عسكرية، وتدريبات، ودعم لوجيستي لـ(قوات الدعم السريع)، وهو ما أسفر عن انتهاكات جسيمة وجرائم حرب ضد الإنسانية»، وفق قوله.

ويضيف أن «الأمن القومي لكل من مصر والسودان يمثل وجهين لعملة واحدة، والقاهرة لن تتردد في الالتزام بخطوطها الحمراء لحماية أمنها القومي».

كما يلفت حليمة إلى أن «استمرار النهج الإثيوبي الأحادي في زعزعة أمن القرن الأفريقي، والبحر الأحمر، وتجاهل المواثيق الدولية، فضلاً عن مساعيها للوصول إلى منافذ بحرية عبر سياسات الصدام مع دول الجوار مثل الصومال وإريتريا، يضع المنطقة على حافة مواجهة شاملة، إذا لم تتراجع أديس أبابا عن سياساتها».


انفجارات تهز الخرطوم... وتصعيد بالمسيّرات في دارفور وكردفان

صورة وزعها الجيش السوداني لقصف استهدف مراكز قيادة «الدعم السريع» في نيالا (فيسبوك)
صورة وزعها الجيش السوداني لقصف استهدف مراكز قيادة «الدعم السريع» في نيالا (فيسبوك)
TT

انفجارات تهز الخرطوم... وتصعيد بالمسيّرات في دارفور وكردفان

صورة وزعها الجيش السوداني لقصف استهدف مراكز قيادة «الدعم السريع» في نيالا (فيسبوك)
صورة وزعها الجيش السوداني لقصف استهدف مراكز قيادة «الدعم السريع» في نيالا (فيسبوك)

هزّت انفجارات قوية العاصمة السودانية الخرطوم، السبت، وسط أنباء عن تصاعد أعمدة الدخان من محيط منشأة عسكرية شمال مدينة بحري، من دون أن تتضح أسبابها، بالتزامن مع تصاعد حرب المسيّرات بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في إقليمَي دارفور وكردفان، وسقوط عشرات القتلى والجرحى في هجمات استهدفت مناطق مدنية.

وأفاد شهود عيان بسماع دوي انفجارات في مناطق متفرقة من ولاية الخرطوم، مشيرين إلى تصاعد أعمدة الدخان من محيط سلاح الأسلحة التابع للجيش السوداني في منطقة الكدرو، شمال بحري. ولم يصدر تعليق رسمي فوري بشأن الحادث، فيما تداولت منصات التواصل الاجتماعي روايات عن احتمال تعرض الموقع لهجوم بطائرة مسيّرة، من دون توفر تأكيد مستقل لهذه المعلومات. وفي غرب البلاد، أعلن الجيش السوداني تنفيذ غارات جوية مكثفة على مواقع عسكرية ومراكز قيادة تابعة لـ«قوات الدعم السريع» في مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، قال إنها أسفرت عن مقتل العشرات من عناصرها وتدمير عدد من مراكز القيادة.

وقال مكتب المتحدث الرسمي باسم الجيش، في بيان صدر الجمعة - السبت، إن القوات الجوية نفذت «ضربات مركزة» على تمركزات «الدعم السريع» في المدينة، مؤكداً استمرار العمليات ضد تجمعاتها ومراكز قيادتها. وأكد الجيش أنه سيواصل استهداف تجمعات «الدعم السريع» ومراكز قيادتها، ونشر على صفحته في «فيسبوك» صوراً قال إنها توثق غارات استهدفت ثلاثة مواقع تابعة للقوات في المدينة.

صورة وزعها الجيش السوداني لقصف استهدف مراكز قيادة «الدعم السريع» في نيالا (فيسبوك)

وتتخذ «قوات الدعم السريع» مدينة نيالا مقراً لحكومتها الموازية، ما يجعل استهداف مراكز القيادة فيها تطوراً لافتاً في المواجهة العسكرية بين الطرفين.

وكانت «قوات الدعم السريع» قد كثفت، خلال الأشهر الماضية، استخدام المسيّرات البعيدة المدى لاستهداف مواقع عسكرية ومطارات ومنشآت تابعة للجيش، بما في ذلك مواقع في العاصمة الخرطوم.

اتهامات متبادلة

وتبادل الطرفان المتحاربان الاتهامات باستهداف المدنيين، واتهم تحالف «تأسيس»، الموالي لـ«قوات الدعم السريع»، الجيش السوداني بشن غارات جوية استهدفت سوقاً للمواشي في مدينة نيالا، الجمعة. ونقلت مصادر محلية وشهود عيان حصيلة أولية تفيد بمقتل أكثر من 30 شخصاً وإصابة عشرات آخرين من جراء القصف، من دون توفر تأكيد مستقل لأعداد الضحايا أو ملابسات الهجوم.

وتثير هذه الاتهامات مخاوف متزايدة بشأن اتساع نطاق الضربات الجوية لتشمل الأسواق والتجمعات المدنية، في ظل صعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة والتحقق من الحصائل المعلنة. وفي تطور موازٍ، أعلنت الشركة السودانية للموارد المعدنية، وهي مؤسسة حكومية، تعرض سوق منجم باجون لتعدين الذهب في ولاية جنوب كردفان لهجوم بطائرات مسيّرة، الجمعة، اتهمت «قوات الدعم السريع» بتنفيذه.

وقالت الشركة، في بيان نشرته على «فيسبوك»، إن الهجوم تسبب في أضرار مادية جسيمة، مشيرة إلى أن التقارير الأولية لم تسجل وقوع قتلى أو مصابين. وأضافت أنها تتابع تداعيات الهجوم بالتنسيق مع الجهات المختصة، لحصر الخسائر وتقييم الأضرار التي لحقت بالسوق.

وتشهد ولاية جنوب كردفان تصاعداً في المواجهات البرية والهجمات بالمسيّرات، بالتزامن مع سعي طرفي الحرب إلى تعزيز مواقعهما العسكرية والسيطرة على مناطق استراتيجية.

المسيّرات تحصد المدنيين

ويأتي التصعيد الأخير بعد أيام من غارات استهدفت مناطق للتعدين الأهلي في أقصى شمال السودان، قرب الحدود المصرية، وسط تقارير عن سقوط عشرات الضحايا، ما أعاد تسليط الضوء على المخاطر التي تواجه العاملين في قطاع التعدين التقليدي.

وخلال الأشهر الماضية، تحولت المسيّرات الاستراتيجية والانتحارية إلى إحدى أبرز أدوات القتال في الحرب السودانية، مع اعتماد الطرفين المتزايد عليها لضرب أهداف بعيدة عن خطوط المواجهة المباشرة.

وامتدت الهجمات إلى مناطق مدنية في دارفور وكردفان، حيث تعرضت أسواق ومستشفيات ومدارس ومنشآت خدمية للقصف، وسط تحذيرات أممية متكررة من ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين.

ووثقت الأمم المتحدة هجمات عديدة بالمسيّرات أسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من المدنيين خلال الأشهر الماضية، في مؤشر إلى تفاقم التداعيات الإنسانية للحرب واتساع دائرة المناطق المعرضة للقصف.