شكّلت جدران شوارع بيروت وأزقّتها شاهداً صامتاً على حقب مختلفة عاشتها العاصمة. وقد يكون اللبناني المقيم واكب التحوّلات التي رسمتها الأحداث على ملامحها، ولكن ماذا عن المغترب الذي يعود إلى وطنه محاولاً استعادة صلته بالمدينة؟ يبحث بين طبقات جدرانها عن آثار الزمن، علّه يستدرك شيئاً مما فاته، فتبدو جدران المدينة أمامه أجساداً تترنّح بين الماضي والحاضر، مثقلة بندوب أحداث متعاقبة.
من هذه الصورة تنطلق الفنانة التشكيلية سارة الشعار في معرضها «داخل الخارج» الذي افتُتح في 9 أكتوبر (تشرين الأول) ويستمر حتى 30 منه، في غاليري «آرت 56» في الجميزة. فقد هاجرت من لبنان في سنّ مبكرة إلى منطقة الكاريبي، وعندما عادت شعرت بغربة تفصلها عن عاصمته. فقرّرت أن تنسج علاقة جديدة مع المدينة، مستخرجة من جدرانها المتصدّعة ما أخفاه عنها الزمن. ولترجمة رؤيتها، لجأت إلى تقنية في الرسم تقوم على المزج بين الشمع والزيت.

وتشرح سارة الشعار، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «للشمع ميزات خاصة، إذ تتراكم طبقاته تلقائياً. وعندما يرغب المرء في اكتشاف الصورة التي يغطّيها، يلجأ إلى خدش هذه الطبقات والتنقيب عمّا تحتها. وهذه هي الصورة التي رغبت في استحضارها في تعاملي مع جدران العاصمة. فكلّما مررت بمحاذاتها، كنت ألحظ التشقّقات التي تسكنها. فأقترب منها لأكمل ما بدأته عوامل الطبيعة، وأكتشف صوراً مطمورة بعد إزاحة طبقات الطلاء عنها».
تبني سارة الشعار لوحاتها بطبقات متعاقبة من الطلاء الممزوج بالشمع، ثم تكشط أجزاء منها، فتُظهر ما يكمن تحتها. وتحاكي هذه العملية تشقّق الجدران وتقشّرها، من دون السعي إلى استنساخها.
تتنقّل بفرشاتها بين جدران متصدّعة، لكنها لا تزال منتصبة، فتستحضر مناظر طبيعية تُرى من الأعلى، وأراضي مجزّأة، وخرائط متآكلة تبدو كأنها بشرة لجدران أنهكها الزمن. وتكمن الحكاية في المسافة الفاصلة بين الداخل والخارج، وفي ما يتوارى خلف الظاهر.
وتفتح عناوين لوحاتها المجال أمام قراءات تتداخل فيها الذاكرة مع المكان، والندوب مع محاولات الترميم. فمن «احتفظت التربة بندوبها» و«صارت أصواتنا ناراً»، إلى «انهيار السطح» و«يمسك الماء بالرمال» و«تحت أطلال صامتة»، تنسج الفنانة حكايات عن أرض لا تنسى ما مرّ بها. وبين ما تكشفه اللوحات وما تحجبه، تترك للمشاهد حرية التنقيب عمّا بقي من الذاكرة وما يمكن أن يولد من جديد.

وعن ألوانها الصارخة حيناً والدافئة حيناً آخر، توضح: «ساعدتني الألوان في بناء طبقات اللوحة لتتألّق بمظهر يخبرنا عن حالات معيّنة. وبين الأزرق الداكن والفاتح، والأحمر الناري والبرتقالي والبنفسجي والأبيض والزيتي، فتحت نوافذ للنور كي لا تختنق محتويات اللوحة بمشهد بصري واحد. فتداخلت المساحات وتناثرت بينها أجزاء من أشكال لصور وُلدت مباشرة أثناء الرسم».
وتؤكد سارة الشعار أنها أرادت ترك مساحة واسعة للمشاهد ليكتشف موضوع اللوحة وفق رؤيته، وتتابع: «في النهاية، ما أترجمه يتعلّق بالذاكرة الجماعية لدى اللبنانيين، وكلّ واحد منّا يرى الأمور من منظار مختلف. وهذه الفكرة بالذات حفّزتني على إدخال عنصرَي الغموض والمفاجأة في أعمالي، هرباً من مساحات مكرّرة وتقليدية تطالعنا في أعمال كثيرة».






