«الوكلاء الأذكياء» المارقون... ثمن «سباق تسلح محموم» في مجال الذكاء الاصطناعي

ضغوط هائلة لتوسيع قدراتها على حساب ممارسات الأمن والسلامة

«الوكلاء الأذكياء» المارقون... ثمن «سباق تسلح محموم» في مجال الذكاء الاصطناعي
TT

«الوكلاء الأذكياء» المارقون... ثمن «سباق تسلح محموم» في مجال الذكاء الاصطناعي

«الوكلاء الأذكياء» المارقون... ثمن «سباق تسلح محموم» في مجال الذكاء الاصطناعي

صدر يوم الجمعة الماضي تقريرٌ جديدٌ عن وكلاء الذكاء الاصطناعي الخارجين عن السيطرة، ولا يسعني إلا أن أتساءل، مجدداً، عما إذا كانت مختبرات الذكاء الاصطناعي الكبرى تستسلم لضغوط هائلة لتوسيع قدرات نماذجها وتحسينها على حساب ممارسات الأمن والسلامة المسؤولة.

بين الخسارة من تباطؤ التطوير... وتكلفة العواقب الخطيرة

تخوض مختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة عالمياً مجالاً عالي المخاطر وعالي العوائد، إذ يمتلك الذكاء الاصطناعي التوليدي القدرة على إحداث تحول جذري في الحوسبة الشخصية والتجارية. لكن تطوير هذه الأنظمة وتشغيلها يتطلب كميات هائلة من قوة الحوسبة المكلفة مثل إنشاء مراكز البيانات الجديدة. ولذا فإن تكلفة التباطؤ أو التخلف عن الركب باهظة... وكذلك تكلفة العواقب المحتملة الناجمة عن التحرك بسرعة كبيرة.

ونظراً لمحدودية ما تنشره شركتا «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك»، وهما شركتان خاصتان، فليس هناك سبيل لمعرفة ما إذا كانتا تستثمران الوقت والمال وقوة الحوسبة الكافية في أنظمة السلامة الخاصة بهما. ومع ذلك، دفعت الحوادث الأمنية التي وقعت خلال الأشهر القليلة الماضية كلاً من «أوبن أيه آي» و«أنثروبيك» إلى تعليق إجراءات الاختبار الاعتيادية ريثما يتم سد الثغرات في أنظمة الأمن ومراقبة البرامج الآلية.

تطبيق «كلود» يخترق ويتجاوز

وكشفت «أنثروبيك» يوم الجمعة الماضي، أن نماذج «كلود» التابعة لها قد اتخذت سلسلة من الإجراءات غير المقصودة وغير المصرح بها، التي تورطت في بعضها منظمات خارجية. فخلال عمليات التقييم والاستخدام الداخلي، استغلت البرامج الآلية ثغرات أمنية في خوادم جهات خارجية، وتجاوزت القيود المفروضة على الوصول إلى البيانات. كما قدمت استمارات حكومية حقيقية لم يكن من المفترض أن تقدمها، بل وأرسلت بلاغاً كاذباً عن جريمة قتل إلى شرطة فيلادلفيا. ولم توضح الشركة ما إذا كانت هذه الحوادث قد وقعت بسبب وصول البرامج الآلية إلى الإنترنت دون إذن (كما حدث في حوادث تم الإبلاغ عنها سابقاً)، لكنها قامت منذ ذلك الحين بتعطيل الوصول المباشر إلى الإنترنت لجميع عمليات تقييم النماذج الداخلية.

وكانت «أنثروبيك» ذكرت في تقرير صدر في يوليو (تموز) الماضي أن نماذج من «كلود» التابعة لها قد اخترقت أنظمة ثلاث شركات خلال اختبارات الأمن السيبراني، بعد أن منح شريك تدريب تابع لجهة خارجية هذه النماذج إمكانية الوصول إلى الإنترنت عن غير قصد.

وكلاء «أوبن إيه آي» ليسوا أفضل حالاً

ويبدو ذلك مألوفاً، لأن وكلاء «أوبن إيه آي» انخرطوا في سلوك مماثل في وقت سابق من هذا العام، حيث تمكنوا من الهروب من بيئات الاختبار الخاصة بهم، والوصول إلى الإنترنت، والتسلل إلى خوادم خارجية، بل إن الوكلاء سيطروا على جزء من بنية التقييم الخاصة بـ«أوبن إيه آي».

ولم يكتشف الباحثون في الشركتين معظم هذا النشاط إلا بعد وقوعه. وفي كلتا الحالتين، تم تشجيع الوكلاء على المثابرة عند مواجهة مهام صعبة، وفي بعض الأحيان كانوا يجدون طرقاً للالتفاف على القيود بدلاً من قبول الفشل. لكن يبدو أن الباحثين افتقروا إلى أنظمة أمنية ومراقبة كافية لاكتشاف أو منع بعض التصرفات غير المقصودة للوكلاء.

كسب الاستثمارات

وتكافح الشركات التي تبني أقوى أنظمة الذكاء الاصطناعي في العالم للسيطرة على ابتكاراتها، بينما تواجه في الوقت نفسه ضغوطاً هائلة لجعل تلك الأنظمة أكثر قوة.

وتنعكس الوعود التي تقدمها شركات مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» في تقييماتها العالية (للنماذج الذكية)، ويجب عليها إقناع المستثمرين بوضع رهانات كبيرة عليها بناءً على وعد بأن إيراداتها وأرباحها المستقبلية ستبرر تلك التقييمات. يُعدّ هذا الأمر بالغ الأهمية الآن، إذ يتطلع كلٌّ من الشركتين إلى طرح أسهمها للاكتتاب العام، على الأرجح خلال العام المقبل.

إنّ أفضل طريقةٍ أمام هذه المختبرات للحفاظ على نموّ إيراداتها هي الحفاظ على عملائها الحاليين وجذب عملاء جدد، ويتحقق ذلك من خلال إصدار نماذج أكثر كفاءةً باستمرار وبأسرع وقتٍ ممكن. وهذا يُحفّزها على مواصلة الإنفاق بكثافة على البحث والحوسبة، حتى وإن لم تكن هذه المختبرات مربحةً في الوقت الراهن. ويتضح ذلك جلياً في أحدث بيانات الشركتين.

ذكرت «أنثروبيك» في نشرة اكتتابها العام أنّ إيراداتها تُقدّر بنحو 4.6 مليار دولار، بينما تُنفق 7.3 مليار دولار على الحوسبة والبنية التحتية، وتُقدّر خسائرها التشغيلية بنحو 8.06 مليار دولار. كانت الإيرادات تنمو بوتيرةٍ سريعة، لكنّ تكلفة تطوير وتقديم الذكاء الاصطناعي كانت تنمو بالتوازي معها. وفي مايو (أيار) الماضي، أعلنت «أنثروبيك» عن جولة تمويل جديدة بقيمة 65 مليار دولار، بتقييمٍ بعد التمويل بلغ 965 مليار دولار.

أما بيانات «أوبن إيه آي»، وإن لم تكن مطابقةً تماماً، فتُشير إلى وضعٍ مشابه. إذ تُظهر وثائق مُسرّبة أن الشركة حققت إيرادات بقيمة 13.07 مليار دولار في عام 2025، لكنها تكبّدت تكاليف ونفقات إجمالية بلغت 34 مليار دولار، مما أسفر عن خسارة تشغيلية قدرها 20.92 مليار دولار. وبلغ إنفاقها على البحث والتطوير وحده 19.18 مليار دولار، متجاوزاً إيراداتها. وفي مارس(آذار)، أعلنت «أوبن إيه آي» أنها جمعت 122 مليار دولار إضافية من رأس المال المُلتزم به، بقيمة سوقية بعد التمويل بلغت 852 مليار دولار.

طموحات تجارية لا تبالي بالسلامة

قد يؤدي السعي لتحقيق الأرباح إلى خلق حافز لتهميش السلامة والتوافق واعتبارهما نوعاً من المخاطرة السلبية التي يجب «إدارتها».

في شركة «أوبن إيه آي»، برز التوتر بين التزامات السلامة والطموحات التجارية مراراً وتكراراً. ففي عام 2023، أقال مجلس إدارة الشركة الرئيس التنفيذي سام ألتمان، مشيراً إلى أنه لم يكن صريحاً باستمرار مع أعضاء المجلس. وقالت هيلين تونر، العضوة السابقة في مجلس الإدارة، إن أحد الأمور التي لم يكن ألتمان صادقاً بشأنها هو تفاصيل ممارسات السلامة في الشركة. وفي الواقع، كان أحد أسباب تدهور علاقة ألتمان بمجلس الإدارة هو خلافه مع تونر حول بحث نشرته ينتقد نهج السلامة في «أوبن إيه آي».

«ثقافة السلامة» تراجعت لصالح تطوير منتجات جديدة

لم تقتصر هذه المخاوف على قاعة مجلس الإدارة فحسب، فبعد أن حلت «أوبن إيه آي» فريق Superalignment في عام 2024، كتب الباحث جان ليك الذي شارك في قيادة الفريق، أن ثقافة السلامة وعملياتها في «أوبن إيه آي» قد تراجعت لصالح تطوير منتجات جديدة.

وفي الآونة الأخيرة قامت شركة «أوبن إيه آي» بفصل ثلاثة من باحثيها في مجال السلامة - توميك كورباك، وميكيتا باليسني، وجاسمين وانغ - بتهمة «سوء التعامل مع معلومات حساسة خاصة بالشركة». وفي رسالة وُجّهت إليهم بعد إنهاء خدماتهم، حثّ الثلاثة شركة «أوبن إيه آي» على التوقف عن تقليل إمكانية مراقبة نماذجها من خلال إخفاء تسلسل تفكير النموذج عن المستخدمين وباحثي السلامة، وهو ما أقرّ به كبير علماء الشركة جاكوب باتشوكي، بأنه قد يُحسّن أداء النموذج. وكتب كورباك وباليسني ووانغ: «طالما أننا نعتمد على إمكانية المراقبة من أجل السلامة، فلا ينبغي لشركة «أوبن إيه آي» وغيرها من الشركات الرائدة المضي قدماً في تطويرات تُقلّل من إمكانية المراقبة».

انحسار الالتزام بالسلامة تحت ضغط المنافسة

وتُقدّم شركة «أنثروبيك» مثالاً مختلفاً (وربما أكثر دلالة) على كيفية تأثير ضغط المنافسة على التزامات الشركة بالسلامة. فقد ذكرت مجلة «وايرد» Wired، بعد إجراء مقابلات مع العديد من موظفي «أنثروبيك» السابقين، أن الشركة تسعى للبقاء في طليعة سباق الذكاء الاصطناعي لكي تتمكن من إنشاء نظام سلامة قوي قد يؤثر على منظومة الذكاء الاصطناعي بأكملها.

وفي سياسة التوسع المسؤول الأصلية لشركة «أنثروبيك»، تعهدت الشركة بعدم تطوير أو نشر أنظمة متقدمة معينة إذا لم تتمكن من تطبيق تدابير أمان كافية. ولكن في فبراير (شباط) 2026، سحبت «أنثروبيك» هذا الالتزام القاطع من سياستها، موضحةً أنها لا تستطيع الالتزام بوقف التطوير لأنها لا تستطيع الاعتماد على قيام منافسيها بالمثل.

فشل السلطات التشريعية في إصدار الضوابط القانونية

هذه مشكلة قد يحلها وجود جهة تنظيمية قوية. ولكن في الوقت الراهن، فشل الكونغرس في سن تشريعات فعّالة لتنظيم تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، واكتفت الإدارة الحالية بمطالبة مختبرات الذكاء الاصطناعي بتنظيم نفسها.

لا ينبغي لقطاع الذكاء الاصطناعي والجمهور أن يقعا في فخ اعتبار حوادث البرامج الضارة أمراً روتينياً دون أن تثير أي قلق. فقد تكون هذه الحوادث نتيجة مؤسفة وخطيرة لهيكل الحوافز الذي يدفع حالياً التوسع الهائل في مجال الذكاء الاصطناعي بأقصى سرعة.

* مجلة «فاست كومباني».


مقالات ذات صلة

لقاحات تتحدّى الحرارة… هل يحرّرها الذكاء الاصطناعي من الثلاجات؟

علوم تجهيزات للنقل المبرّد لتخزين اللقاحات

لقاحات تتحدّى الحرارة… هل يحرّرها الذكاء الاصطناعي من الثلاجات؟

أثبتت قدرتها على تحفيز المناعة لدى حيوانات مختبرية

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
تكنولوجيا شعار شركة «أنثروبيك» (رويترز)

عبر «تكاثر ذاتي»... تحذير من تسلّل نماذج الذكاء الاصطناعي إلى الأجهزة الذكية

حذَّرت شركة «أنثروبيك» من أن بعض نماذج الذكاء الاصطناعي التابعة لها قد تصبح قريباً «قادرة على التكاثر الذاتي».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد رسم بياني لمؤشر «داكس» الألماني ببورصة فرنكفورت (رويترز)

الأسهم الأوروبية تستعيد بعض خسائرها السابقة بدعم من نتائج «إيه إس إم إل» القوية

ارتفعت الأسهم الأوروبية بشكل طفيف، الأربعاء، مستعيدة بعض خسائر الجلسة السابقة، بعدما عززت النتائج القوية لشركة «إيه إس إم إل» قطاع التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ كامالا هاريس (أ.ف.ب-أرشيفية)

هاريس تحذر من انحسار فرص اتخاذ إجراءات وقائية بشأن الذكاء الاصطناعي

دعت نائبة الرئيس الأميركي السابقة كامالا هاريس، اليوم الأربعاء، الدول وشركات التكنولوجيا إلى اتخاذ إجراءات وقائية عاجلة فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي

«الشرق الأوسط» (سيول)
تكنولوجيا براد سميث رئيس شركة «مايكروسوفت» يلقي كلمة في بروكسل ببلجيكا يوم 30 أبريل 2025 (رويترز)

رئيس «مايكروسوفت» يدعو إلى معايير سلامة للحد من مخاطر الذكاء الاصطناعي

دعا رئيس «مايكروسوفت» براد سميث الحكومات وشركات التكنولوجيا إلى وضع معايير فعالة لسلامة الذكاء الاصطناعي، وإلزام الشركات بالإبلاغ عن الحوادث.

«الشرق الأوسط» (دبلن)

عبر «تكاثر ذاتي»... تحذير من تسلّل نماذج الذكاء الاصطناعي إلى الأجهزة الذكية

شعار شركة «أنثروبيك» (رويترز)
شعار شركة «أنثروبيك» (رويترز)
TT

عبر «تكاثر ذاتي»... تحذير من تسلّل نماذج الذكاء الاصطناعي إلى الأجهزة الذكية

شعار شركة «أنثروبيك» (رويترز)
شعار شركة «أنثروبيك» (رويترز)

حذَّرت شركة «أنثروبيك» من أن بعض نماذج الذكاء الاصطناعي التابعة لها قد تصبح قريباً «قادرة على التكاثر الذاتي»، وتجد طرقاً للتسلل إلى الأجهزة المتصلة بالإنترنت، مثل الثلاجات الذكية والمكانس الكهربائية الآلية.

وقالت الشركة إنه بمجرد حدوث ذلك، قد تتمكن النماذج من تشغيل نفسها داخل هذه الأجهزة من دون الحاجة إلى مراكز البيانات. وسيمثل هذا التكاثر الذاتي فقداناً كبيراً للسيطرة على نموذج ذكاء اصطناعي منفلت.

وكتب باحثون في «أنثروبيك»، في تقرير صدر أمس (الاثنين)، أن «إيقاف نموذج قادر على التكاثر الذاتي كهذا سيكون أمراً صعباً؛ إذ لا توجد نقطة مركزية يمكن إيقافه عندها»، وفق صحيفة «الغارديان» البريطانية.

وقالت الشركة إن هذه «الديدان المدعومة بالذكاء الاصطناعي»، وهي نوع من البرمجيات الخبيثة المستقلة، قد تصبح قادرة على اكتساب هذه الإمكانات خلال «أشهر». وبمجرد أن تصل أنظمة الذكاء الاصطناعي المنفلتة إلى القدرة على اختراق الأجهزة الذكية، يمكنها الانتشار عبر الشبكات مع تفادي اكتشافها.

وفي أسوأ السيناريوهات، قالت «أنثروبيك» إن ديدان مختلفة مدعومة بالذكاء الاصطناعي قد «تتجمع» لمهاجمة أجهزة الحاسوب.

وكتب الباحثون: «ينبغي أن نهدف إلى تعزيز حماية أنظمتنا، لجعل انتشار هذه النماذج القادرة على التكاثر الذاتي أمراً صعباً، ولكن علينا أيضاً الاستعداد للتعامل مع عالم تصبح فيه هذه النماذج واقعاً مستمراً».

ويأتي تقرير «أنثروبيك» الجديد في وقت بلغت فيه المخاوف المتعلقة بسلامة الذكاء الاصطناعي ذروتها. وخلال الأشهر القليلة الماضية، توالت التقارير الصادرة عن شركات الذكاء الاصطناعي، بما فيها «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي»، التي أفادت بأن وكلاءها قادرون على التصرف بشكل مستقل واختراق شركات أخرى وجهات حكومية.

ودفعت هذه المعلومات الباحثين والمشرِّعين والمسؤولين التنفيذيين، ومن بينهم الرئيس التنفيذي لـ«أنثروبيك» داريو أمودي، والرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي» سام ألتمان، إلى الدعوة لإبطاء وتيرة تطور هذه الصناعة الناشئة، وفرض مزيد من الضوابط عليها. وعلى الرغم من ذلك، واصلت الشركتان تطوير نماذج جديدة وإطلاقها بالوتيرة نفسها.

وأعدَّ التقرير فريق «ريد تيم» المتخصص في اختبار الأنظمة المتقدمة لدى «أنثروبيك»، والمكلف بإخضاع أنظمة الذكاء الاصطناعي لاختبارات مكثفة للكشف عن نقاط ضعفها. ويتمثل هدف الفريق في استكشاف قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي التابعة للشركة. وفي سيناريو ديدان الذكاء الاصطناعي القادرة على التكاثر الذاتي، طلب الباحثون من الوكيل اختراق أجهزة متصلة بالإنترنت.

ووجد الباحثون أن التكاثر الذاتي للذكاء الاصطناعي لن يكون مرجحاً إلا باستخدام نماذج أصغر حجماً، وأن المنازل والشركات الصغيرة ستكون على الأرجح الأهداف الأولى لهذه الهجمات. وتشمل الأجهزة التي حددتها «أنثروبيك» بوصفها عرضة للخطر أفراناً ذكية وأجهزة تلفزيون ذكية وجزازات عشب آلية وكاميرات مراقبة ووحدات لعقد مؤتمرات الفيديو، وجميعها مزودة بشرائح صغيرة مدمجة للذكاء الاصطناعي.

وخلص الباحثون إلى أن الشكل الذي قد يتخذه التكاثر الذاتي للذكاء الاصطناعي لا يزال غير واضح. وقالوا إنه قد يكون نموذجاً بطيئاً يشبه «العفن الغروي الرقمي»، أو نموذجاً يحتال على الأشخاص للحصول على أرصدة حوسبة، أو «نموذجاً سيبرانياً قوياً» يخترق بسرعة منشآت كبيرة مثل مراكز البيانات.

وبغض النظر عن ذلك، قال باحثو «أنثروبيك» إنهم يتوقعون مستقبلاً «تعج فيه الأجهزة بمختلف أنواعها بوكلاء ذكاء اصطناعي يعملون عليها، بما في ذلك أجهزة لا تخضع لسيطرة البشر».


رئيس «مايكروسوفت» يدعو إلى معايير سلامة للحد من مخاطر الذكاء الاصطناعي

براد سميث رئيس شركة «مايكروسوفت» يلقي كلمة في بروكسل ببلجيكا يوم 30 أبريل 2025 (رويترز)
براد سميث رئيس شركة «مايكروسوفت» يلقي كلمة في بروكسل ببلجيكا يوم 30 أبريل 2025 (رويترز)
TT

رئيس «مايكروسوفت» يدعو إلى معايير سلامة للحد من مخاطر الذكاء الاصطناعي

براد سميث رئيس شركة «مايكروسوفت» يلقي كلمة في بروكسل ببلجيكا يوم 30 أبريل 2025 (رويترز)
براد سميث رئيس شركة «مايكروسوفت» يلقي كلمة في بروكسل ببلجيكا يوم 30 أبريل 2025 (رويترز)

دعا رئيس شركة «مايكروسوفت» براد سميث، الثلاثاء، الحكومات وشركات التكنولوجيا إلى «التحرّك فوراً» لوضع معايير «حقيقية وفعالة للسلامة» للحد من المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وقال سميث في تصريحات للصحافيين عشية قمة دولية حول الذكاء الاصطناعي في دبلن: «الذكاء الاصطناعي بحاجة إلى ما تحتاج إليه جميع الأشياء من حولنا... معايير سلامة حقيقية وفعالة وقادرة على كسب ثقة المستخدمين»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وخلال الأشهر الأخيرة، كشفت شركات أميركية رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» عن سلسلة حوادث تمكنت فيها نماذج قيد التطوير من تجاوز إجراءات احتوائها والوصول إلى الإنترنت، ثم اختراق مواقع إلكترونية؛ ما زاد الدعوات إلى ضرورة منع خروج هذه النماذج عن السيطرة.

وأضاف سميث: «تحتاج الشركات في هذا القطاع حالياً إلى اتخاذ خطوات إضافية لمواجهة مشكلات السلامة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي»، مشيراً إلى أنه «بات على الحكومات أيضاً اتخاذ مزيد من الإجراءات».

وعرض مقترحات الشركة لتعزيز معايير السلامة في مختلف قطاعات التكنولوجيا، والتي تشمل تزويد وكلاء الذكاء الاصطناعي ﺑ«فرامل سلامة»، يمكن للمستخدم تفعيلها لدى قوع أي حادث.

كما دعا سميث إلى إلزام الشركات المزوّدة لخدمات الذكاء الاصطناعي بالإبلاغ عن الحوادث، متابعاً: «في حال تعرّض شركة لاختراق أمني أسفر عن فقدان بيانات الزبائن، تكون ملزمة بإبلاغهم. يجب أن ينطبق المنطق نفسه على الأشخاص الذين يتضررون من وكلاء الذكاء الاصطناعي»، مشدداً على ضرورة إلزام هذه الشركات قانوناً بالإبلاغ عن الحوادث.

إضافة إلى ذلك، حث رئيس «مايكروسوفت» على إخضاع نماذج الذكاء الاصطناعي إلى اختبارات وعمليات تقييم أشد صرامة قبل إطلاقها للمستخدمين.

وإلى جانب سميث، كان عدد من قادة الشركات في مجال الذكاء الاصطناعي قد دعوا إلى زيادة اليقظة حيال هذه التكنولوجيا. ومن بين هؤلاء، تعهّد داريو أمودي، المدير التنفيذي لشركة «أنثروبيك» المطوّرة لنموذج «كلود»، بإبطاء الوتيرة عند الضرورة لضمان أمان الإصدارات الجديدة.


«SandboxAQ» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية أمام فرصة لتحويل الذكاء الاصطناعي إلى صناعات قابلة للتصدير

تستخدم «SandboxAQ» الذكاء الاصطناعي مع «أرامكو» لفحص أكثر من مليون محفّز كيميائي واختيار نحو 10 مرشحين للاختبارات المخبرية (أدوبي)
تستخدم «SandboxAQ» الذكاء الاصطناعي مع «أرامكو» لفحص أكثر من مليون محفّز كيميائي واختيار نحو 10 مرشحين للاختبارات المخبرية (أدوبي)
TT

«SandboxAQ» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية أمام فرصة لتحويل الذكاء الاصطناعي إلى صناعات قابلة للتصدير

تستخدم «SandboxAQ» الذكاء الاصطناعي مع «أرامكو» لفحص أكثر من مليون محفّز كيميائي واختيار نحو 10 مرشحين للاختبارات المخبرية (أدوبي)
تستخدم «SandboxAQ» الذكاء الاصطناعي مع «أرامكو» لفحص أكثر من مليون محفّز كيميائي واختيار نحو 10 مرشحين للاختبارات المخبرية (أدوبي)

تتجه تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاعات الصناعية نحو مرحلة تتجاوز أتمتة المهام وتحليل البيانات، لتشمل اكتشاف مواد جديدة وتطوير منتجات وتقنيات قابلة للتسويق. ويبرز هذا التحول في السعودية من خلال تعاون شركة «SandboxAQ» مع «أرامكو»، الذي يستخدم نماذج ذكاء اصطناعي متخصصة لفحص أكثر من مليون مادة محفّزة محتملة، واختيار نحو عشرة مرشحين فقط للانتقال إلى الاختبارات المخبرية.

ويعكس هذا التطبيق توجهاً نحو استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي والعمليات الصناعية، بدلاً من الاقتصار على إنتاج النصوص والصور وتحسين المهام المكتبية. فمن خلال دراسة خصائص المواد والتنبؤ بسلوكها، يمكن تقليص عدد التجارب المطلوبة للوصول إلى نتائج قابلة للاستخدام الصناعي، بما ينعكس على الوقت والتكاليف المرتبطة بالتطوير.

وبالنسبة إلى السعودية التي تستثمر في مراكز البيانات والبنية التحتية والقدرات الحاسوبية، يطرح هذا التوجه سؤالاً اقتصادياً يتعلق بكيفية تحويل تلك الاستثمارات إلى تقنيات ومِلكية فكرية تطورها المؤسسات المحلية وتستفيد من عوائدها.

يرى جاك هيداري، الرئيس التنفيذي لشركة «SandboxAQ»، في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، أن المرحلة المقبلة تتطلب ربط القدرة الحاسوبية بالبيانات الصناعية والبحث العلمي واحتياجات القطاعات الاقتصادية، بحيث تصبح المملكة منتجاً للتكنولوجيا ومصدّراً لها، وليست مجرد سوق لاستخدامها.

جاك هيداري الرئيس التنفيذي لـ«SandboxAQ» (الشركة)

ماذا يحدث داخل «أرامكو»؟

يعتمد التعاون بين «SandboxAQ» و«أرامكو» على استخدام نوع من الذكاء الاصطناعي المتخصص في المسائل العلمية والصناعية، تطلق عليه الشركة اسم «النماذج الكمية الكبيرة» (LQMs).

وتختلف هذه النماذج عن أدوات الذكاء الاصطناعي الشائعة التي يستخدمها الأفراد لكتابة الرسائل أو تلخيص المستندات؛ إذ يمكنها التعامل مع قوانين الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا للتنبؤ بسلوك المواد والجزيئات، حتى في الحالات التي لا تتوافر عنها بيانات تجريبية سابقة.

ويقول هيداري إن شركته تستخدم هذه التقنية مع «أرامكو» في مجالين رئيسيين؛ أولهما محاكاة حركة السوائل والغازات داخل العمليات الصناعية، وثانيهما البحث عن محفزات كيميائية جديدة.

وفي المجال الأول، يستطيع المهندسون استخدام الذكاء الاصطناعي لاختبار ظروف تشغيل مختلفة وفهم تأثير المتغيرات على أداء المنشآت، بدلاً من الاعتماد فقط على عمليات محاكاة تقليدية قد تستغرق وقتاً طويلاً وتصبح مكلفة عند زيادة عدد السيناريوهات. أما المجال الثاني، فيتعلق بالمحفزات المستخدمة في الصناعات البتروكيماوية، وهي مواد تساعد على إتمام التفاعلات الكيميائية بكفاءة أكبر.

ويوضح هيداري أن الشركة تستخدم نموذجاً متخصصاً لفحص أكثر من مليون محفّز محتمل، ثم تحديد نحو عشرةٍ فقط للانتقال إلى الاختبارات المخبرية.

ويؤكد أن الهدف ليس الاستغناء عن المختبرات والعلماء، بل تقليل التجارب غير المجدية وتوجيه الموارد نحو المواد الأكثر احتمالاً لتحقيق النتائج المطلوبة، بما يخفض الوقت والتكلفة والمخاطر المرتبطة بتطوير المحفزات الصناعية.

من الاستثمار في الحوسبة إلى امتلاك التكنولوجيا

وفق هيداري، يمنح امتلاك مراكز البيانات والقدرة على تشغيل النماذج المتقدمة المملكة أساساً مهماً، لكنه لا يضمن وحده إنشاء صناعات جديدة أو تحقيق عوائد اقتصادية مستدامة. ويشير إلى أن أكثر من 80 في المائة من الاقتصاد، وفق تقديره، يقوم على بيانات وعلاقات كمية يمكن الاستفادة منها في تطوير تطبيقات متخصصة، خصوصاً في قطاعات الطاقة والكيميائيات والتعدين والصحة والخدمات المالية والنقل.

ويرى أن المملكة تمتلك مقومات مهمة في هذه المجالات، تشمل البيانات الصناعية الخاصة بمؤسساتها الكبرى، والقدرة على إجراء الأبحاث، ورأس المال اللازم للانتقال من التجارب إلى الإنتاج.

لكنه يقول إن تحويل هذه المقومات إلى قيمة اقتصادية يحتاج إلى برامج بحث مرتبطة باحتياجات السوق، وإتاحة بيانات عالية الجودة ضمن الأطر المناسبة، وتمويل الاختبارات والتوسع الصناعي.

كما يمنح المؤسسات الكبرى دوراً يتجاوز شراء الحلول الجاهزة، إذ يمكن لشركات مثل «أرامكو» أن تصبح شريكاً في اختبار التقنيات الجديدة وأحد أوائل العملاء الذين يستخدمونها تجارياً.

ولا تقتصر الفرص على قطاع الطاقة، إذ تعمل «SandboxAQ» على تطبيقات تشمل تطوير مواد للبطاريات والسبائك المعدنية، والبحث عن بدائل لبعض المركبات الكيميائية الضارة، وتصميم مغانط لا تعتمد على العناصر الأرضية النادرة.

وفي الرعاية الصحية، يمكن لهذه النماذج المساعدة في تحديد أهداف جديدة للأدوية وتصميم جزيئات وتحسين وسائل التشخيص، بينما تشمل الاستخدامات المحتملة في الخدمات المالية بناء المحافظ الاستثمارية وإدارة السيولة واختبارات الضغط وتحليل المخاطر. ويفيد هيداري بأن المعيار الأهم خلال السنوات الخمس المقبلة سيكون قدرة هذه القطاعات على إنتاج إيرادات وبراءات اختراع وشركات جديدة، وليس الاكتفاء بقياس عدد المهام المكتبية التي جرى تحويلها إلى عمليات آلية.

تُحذر الشركة من مخاطر الحوسبة الكمية على التشفير الحالي وتطور تقنيات ملاحة بديلة تعمل عند اضطراب إشارات الأقمار الاصطناعية (غيتي)

فرصة سعودية في صناعة الرقائق

من المجالات التي يلفت إليها هيداري صناعة أشباه الموصلات، التي تدخل في تصنيع المعالجات والرقائق المستخدمة في الهواتف والحواسيب ومراكز البيانات والسيارات. ورغم الاهتمام العالمي بإنشاء مصانع متقدمة لإنتاج الرقائق، يرى أن الفرصة الأكثر واقعية للسعودية قد تبدأ من صناعة المواد والكيميائيات التي تعتمد عليها هذه المصانع.

وتشارك «SandboxAQ» في أعمال تتعلق بالمواد الحيوية لصناعة أشباه الموصلات، ضمن برنامج حكومي أميركي بقيمة 500 مليون دولار، وهو ما يتيح للشركة خبرات في تطوير مواد تدخل في سلاسل إنتاج الرقائق. ويشير هيداري إلى أن تصنيع أشباه الموصلات يتطلب مواد شديدة التخصص، تشمل الغازات فائقة النقاء والمواد الكيميائية والمغانط وأنظمة تخزين الطاقة.

ويمكن للذكاء الاصطناعي المتخصص المساعدة في تطوير بدائل لبعض المواد الضارة المستخدمة في التصنيع، وتحسين المواد التي تعتمد عليها المصانع، والبحث عن خيارات تقلل الاعتماد على مصادر توريد محدودة.

ويرى أن خبرة السعودية في الصناعات الكيميائية والبتروكيماوية، إلى جانب موارد الطاقة والبنية الصناعية ورأس المال، يمكن أن توفر نقطة انطلاق لتطوير مواد جديدة واختبارها محلياً، قبل العمل مع المصنعين العالميين لتأهيلها للاستخدام التجاري. وبذلك، لا يشترط أن تبدأ مساهمة المملكة في صناعة أشباه الموصلات بإنتاج الرقائق نفسها، بل يمكن أن تشمل تزويد مصانعها بالمواد والتقنيات المتقدمة، وامتلاك حقوق الملكية الفكرية المرتبطة بها.

أدوية بملكية محلية

في قطاع التكنولوجيا الحيوية، يستشهد جاك هيداري بتعاون «SandboxAQ» مع شركة «ممتلكات» البحرينية، الذي يستهدف تطوير أصول في مجال الأدوية والتكنولوجيا الحيوية تكون للمؤسسات المحلية حقوق ملكية فيها. ويرى أن نموذجاً مماثلاً يمكن تطبيقه في السعودية، لكنه يشدد على ضرورة ألا تقتصر الشراكات على استخدام منصة تكنولوجية أجنبية لإجراء الأبحاث. ويصرح بأن القيمة الاقتصادية في تطوير الأدوية لا تكمن فقط في اكتشاف جزيء جديد، بل تشمل البيانات العلمية الناتجة عن التجارب، وبراءات الاختراع، والخبرات اللازمة لمواصلة تطوير المنتج. ولذلك، ينبغي أن تحصل المؤسسات المحلية على حصة واضحة في الأصول الناتجة، وأن تشارك في قرارات التطوير والعوائد التجارية المستقبلية. كما يفرّق بين ملكية الشركة التقنية لمنصتها الأساسية وبين حقوق الشركاء المحليين في الاكتشافات والبيانات التي تنتج عن استخدام تلك المنصة. ويلفت إلى أهمية بناء فرق علمية محلية تستطيع إجراء الاختبارات وتحليل النتائج وتطوير المرشحين الدوائيين، بما يسمح بتراكم المعرفة داخل المملكة وتحويل الأبحاث إلى أصول قابلة للتسويق.

هل يصبح تشفير اليوم غير آمن مستقبلاً؟

بعيداً عن التطبيقات الصناعية والصحية، يحذر هيداري من تحدٍّ آخر يرتبط بتطور الحوسبة الكمية وتأثيرها المحتمل على أمن المعلومات. وتكمن المشكلة في احتمال تمكن حواسيب كمية متقدمة مستقبلاً من كسر بعض وسائل التشفير المستخدمة اليوم لحماية البيانات الحساسة. ويذكر أسلوباً يُعرف باسم «احصد الآن وفك التشفير لاحقاً»، حيث يمكن للمهاجمين جمع بيانات مشفرة في الوقت الحاضر والاحتفاظ بها إلى حين توافر تقنيات تستطيع فك تشفيرها. وقد تشمل هذه البيانات سجلات العملاء والمعاملات المالية والمعلومات الجيولوجية وتصاميم المنشآت الصناعية والاتصالات الحكومية الحساسة.

ويقول هيداري إن بعض الخبراء يعتقدون أن الحواسيب الكمية القادرة على اختراق معايير تشفير مستخدمة حالياً قد تصبح متاحة في وقت مبكر يصل إلى عام 2029، لكنه يطرح ذلك بوصفه احتمالاً وليس موعداً مؤكداً.

كما يستشهد بأمر تنفيذي أصدره البيت الأبيض في يونيو (حزيران) 2026 بشأن الانتقال إلى التشفير المقاوم للحوسبة الكمية، بوصفه مؤشراً إلى انتقال الاستعداد لهذه المخاطر من التخطيط إلى التنفيذ. وفي المنطقة، ينوه إلى تجربة البحرين، حيث تعمل شركته ضمن برنامج وطني يجري توسيعه ليشمل أكثر من 60 بيئة وزارية، بهدف وضع إطار موحد لإدارة المخاطر المرتبطة بالتشفير. ويرى أن الدرس الأهم للسعودية هو ضرورة التعامل مع حماية المعلومات من التهديدات الكمية بوصفها مسألة تتعلق بالبنية التحتية الوطنية، وليس مجموعة مشروعات منفصلة داخل المؤسسات.

يمكن للذكاء الاصطناعي المتخصص تسريع تطوير الأدوية والمواد المتقدمة مع تمكين المؤسسات السعودية من امتلاك الاكتشافات وعوائدها التجارية (أدوبي)

دور طائرات الملاحة

يمتد استخدام الذكاء الاصطناعي لدى «SandboxAQ» إلى مجال الملاحة، من خلال نظام «AQNav» الذي يستخدم المجال المغناطيسي للأرض للمساعدة في تحديد موقع الطائرات عندما تتعرض إشارات الأقمار الاصطناعية للتشويش أو التلاعب.

وتقول الشركة إن النظام أكمل أكثر من 450 ساعة طيران وعشرات الآلاف من الأميال عبر تسع منصات جوية مختلفة، شملت طائرات صغيرة وطائرات رجال أعمال ومسيّرات عسكرية وطائرات نقل. ووفق هيداري، أظهرت اختبارات استمرت خمسة أشهر مع إحدى وحدات «إيرباص» قدرة النظام على تحقيق متطلبات الدقة المرتبطة بالطيران، فيما أثبت خلال اختبار مع القوات الجوية الأميركية عام 2024 إمكان استخدامه مصدراً أساسياً للملاحة.

ومن التطورات الجديدة إطلاق نسخة برمجية يمكن دمجها مع أنظمة الملاحة الموجودة في الطائرات دون الحاجة إلى تركيب أجهزة إضافية. كما اختبرت الشركة النظام أخيراً على طائرة مسيّرة هجومية أحادية الاتجاه.

ويربط هيداري أهمية هذه التقنية بالسعودية في ظل توسع قطاع الطيران والخدمات اللوجستية، وأهمية الممرات البحرية، والاستثمار في الأنظمة الذاتية وتحديث القدرات الدفاعية.

ويصرح بأن اضطراب إشارات تحديد المواقع أصبح تحدياً متزايداً في مناطق مختلفة، من بينها الخليج، مما يزيد الحاجة إلى وسائل ملاحة مكملة تستطيع الاستمرار في العمل عندما تصبح الإشارات الفضائية غير موثوقة. ولا تقتصر الاستخدامات المحتملة على الطيران، إذ يرى أن النقل البحري يمكن أن يستفيد أيضاً من تطوير وسائل ملاحة تقلل الاعتماد الكامل على الأقمار الاصطناعية، خصوصاً في الموانئ والممرات الاستراتيجية.

اختبار 2030

رغم اختلاف مجالات الكيمياء والأدوية والرقائق وأمن المعلومات والملاحة، يجمع جاك هيداري بينها من زاوية اقتصادية واحدة: القدرة على تحويل البحث العلمي والذكاء الاصطناعي إلى تقنيات تمتلك المؤسسات حقوق تطويرها وتسويقها.

ويرى أن السعودية تستطيع بناء هذا المسار بالاستفادة من بياناتها الصناعية ومؤسساتها الكبرى ورأس مالها وقدراتها البحثية، شرط أن يرتبط الاستثمار في الذكاء الاصطناعي بمشروعات لها أهداف تجارية واضحة. وعندما سُئل عن المعيار الذي سيستخدمه للحكم على نجاح المملكة في الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030، لم يركز على حجم مراكز البيانات أو أعداد النماذج المستخدمة. بل رأى أن الإنجاز الأهم سيكون في قدرة المملكة على تطوير ملكية فكرية جديدة في الكيميائيات وعلوم الحياة والمواد المتقدمة، ثم ترخيص تلك الابتكارات وتسويقها عالمياً، بما يوفر مصادر إيرادات جديدة للاقتصاد السعودي.

وبالنسبة إلى هيداري، لن يكون الاختبار النهائي هو مقدار القدرة الحاسوبية التي بنتها السعودية، بل ما إذا كانت تلك القدرة قد أنتجت مواد وتقنيات وأدوية وبراءات اختراع تمتلكها المملكة وتستطيع تصديرها إلى الأسواق العالمية.