تحديات كبرى تواجه الحكومة الموريتانية الجديدة

تغييرات في وزارات سيادية وخروج وزراء مخضرمين

الأمينة العامة لرئاسة الجمهورية عيساتا با يحيى تعلن عن تشكيلة الحكومة الجديدة مساء السبت (الرئاسة الموريتانية)
الأمينة العامة لرئاسة الجمهورية عيساتا با يحيى تعلن عن تشكيلة الحكومة الجديدة مساء السبت (الرئاسة الموريتانية)
TT

تحديات كبرى تواجه الحكومة الموريتانية الجديدة

الأمينة العامة لرئاسة الجمهورية عيساتا با يحيى تعلن عن تشكيلة الحكومة الجديدة مساء السبت (الرئاسة الموريتانية)
الأمينة العامة لرئاسة الجمهورية عيساتا با يحيى تعلن عن تشكيلة الحكومة الجديدة مساء السبت (الرئاسة الموريتانية)

أعلنت الرئاسة الموريتانية، مساء السبت، تشكيلة حكومية جديدة يقودها الوزير الأول المختار ولد أجاي، بعد أقل من 24 ساعة على إعادة تكليفه إثر استقالة حكومته، ليتقلد التشكيل الجديد مهامَّ ثقالاً ربما كان أبرزها في قطاع الطاقة.

وتلت الأمينة العامة لرئاسة الجمهورية، عيساتا با يحيى، بالقصر الرئاسي، مرسوماً بتعيين 29 عضواً، بينهم وزير منتدب، فيما احتفظ 17 وزيراً بحقائبهم، وانتقل ثلاثة إلى قطاعات أخرى، وخرج نحو عشرة وزراء.

وجاءت الخطوة غداة تسلُّم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تقرير لجنة التحقيق في حريقي محطتي الكهرباء اللذين أغرقا أحياء من نواكشوط في الظلام لأيام.

خروج مخضرمين

كان أبرز ما حملته التشكيلة مغادرة عدد من الوزراء المخضرمين الذين رافقوا ولد الغزواني في جميع حكوماته منذ وصوله إلى الحكم عام 2019، وهو ما بررته مصادر مقربة من السلطة ببلوغ هؤلاء الوزراء سن التقاعد، مع توجه الرئيس نحو تجسيد وعده الانتخابي بتمكين الشباب.

وكان أبرز من غادروا الحكومة وزير الدفاع حننه ولد سيدي، الذي ظل في منصبه سبع سنوات منذ بداية عهد الغزواني؛ وهو لواء متقاعد في الجيش سبق أن تقلد مهام عسكرية بارزة، وأحد المقربين من الرئيس، حتى إن اسمه يُطرح ضمن الأسماء المرشحة للرئاسة عام 2029.

كما غادر الحكومة وزير الداخلية محمد أحمد ولد محمد الأمين، وهو واحد من أقرب الوزراء إلى ولد الغزواني، حيث ينتميان إلى المحيط الاجتماعي نفسه، وتربطهما علاقة شخصية قوية.

وسبق أن تولى ولد محمد الأمين وزارة الداخلية بين عامي 2005 و2007. وبعد وصول ولد الغزواني إلى الحكم عينه مديراً لديوانه، قبل أن يسند إليه حقيبة الداخلية عام 2022.

ويُقدم ولد محمد الأمين من طرف بعض الأوساط السياسية على أنه قد يكون مرشح ولد الغزواني لرئاسيات 2029.

وغادر الحكومة أيضاً مولاي ولد محمد لغظف، بعد أن كان يشغل منصب الوزير الأمين العام لرئاسة الجمهورية، وهو الذي تولى قيادة الحكومة إبان حكم الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز في الفترة من 2008 حتى 2014، ومنذ ذلك الوقت ظل وزيراً شبه دائم في رئاسة الجمهورية، ويُطرح اسمه دوماً كمرشح للرئاسة.

ويوصف الوزراء الثلاثة بأنهم أركان نظام ولد الغزواني، بالإضافة إلى وزير الخارجية محمد سالم ولد مرزوك، الذي حافظ على منصبه في الحكومة الجديدة رغم بلوغه سن التقاعد، وهو ما فسرته مصادر بأنه أستاذ جامعي وباحث، وهو أيضاً من الأسماء المطروحة كمرشح محتمل للرئاسة.

المأمورية الثالثة

ووصف الصحافي الموريتاني الهيبة ولد الشيخ سيداتي الحكومة الجديدة بأنها «حكومة المأمورية الثالثة»، في إشارة إلى المطالب التي رفعها عدد من السياسيين بضرورة تعديل الدستور لفتح باب الترشح لولاية رئاسية ثالثة أمام ولد الغزواني، حيث إن الدستور الحالي يمنع ذلك.

وكتب ولد الشيخ سيداتي في منشور على «فيسبوك» أن من أبرز سمات الحكومة الجديدة أنه «أزيح عنها كل شخص له رأي أو تحفظ، أحرى أن يكون له طموح يتعارض معها».

وأضاف: «أبرز المغادرين، من دون شك، هما الثابتان في حكومات غزواني، وزيرا الدفاع والداخلية. أحدهما حافظ على منصبه رغم تتابع أكثر من عشرة تعديلات حكومية في عهد غزواني، والثاني يعد من ركائز النظام».

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة الموريتانية)

وتولى ولد الغزواني مقاليد الحكم لأول مرة في مستهل أغسطس (آب) 2019، ثم أعيد انتخابه لولاية رئاسية ثانية إثر فوزه في انتخابات يوليو (تموز) 2024، لتمتد ولايته الحالية حتى عام 2029.

تحديات في الأفق

تتسلم الحكومة الجديدة ملفات ثقيلة، من أبرزها ملف الطاقة الذي أُسند إلى محمد ولد عبد الفتاح، المفوض السامي لـ«منظمة استثمار نهر السنغال»، حيث تنتهي مهمته هناك في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وسبق أن شغل منصب وزير الطاقة ما بين 2016 و2020، ويملك خبرة كبيرة في القطاع.

وتنتظر ولد عبد الفتاح مشاكل كبيرة، حيث يتسلم الوزارة بعد تحقيق في حرائق محطات الكهرباء بنواكشوط، ومع ضرورة تنفيذ 14 إجراءً تصحيحياً أوصت بها لجنة التحقيق، ووعدٍ بإضافة نحو 300 ميغاواط قبل نهاية العام من توسعة محطة نواكشوط ومحطة هجينة بقدرة 220 ميغاواط، علماً بأن القدرة المضمونة لهذه المحطة 60 ميغاواط.

وفيما يتعلق بأسعار الوقود، رفعت اللجنة الوطنية للمحروقات الأسعار أربع مرات في ثلاثة أشهر تقريباً بسبب حرب إيران، فارتفع البنزين والمازوت نحو 27 في المائة. وتعهد الوزير الأول بمنع زيادة جديدة، فيما طُرحت مناقصة لتموين السوق ستة أشهر تبدأ في ديسمبر (كانون الأول).

ويبلغ معدل التضخم 8.9 في المائة، وأنهت بعثة صندوق النقد الدولي زيارتها في 18 سبتمبر (أيلول) من دون اتفاق تمويل.


مقالات ذات صلة

تمدد إسرائيل في «أرض الصومال»... ما خيارات مقديشو؟

شمال افريقيا السفير الإسرائيلي خلال تقديم أوراق اعتماده لرئيس إقليم «أرض الصومال» (الخارجية الإسرائيلية)

تمدد إسرائيل في «أرض الصومال»... ما خيارات مقديشو؟

تحركات إسرائيلية للتموضع في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي مع تسليم أول سفير أوراق اعتماده في هرغيسا، في خطوة تعزز حضور تل أبيب بالقرن الأفريقي

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا جانب من الجولة الثالثة لمشاورات آلية (2+2) الاثنين لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

مصر تلوح باتفاقية الدفاع المشترك لعدم تجاوز «الخطوط الحمراء» في السودان

اجتماع رباعي مصري - سوداني جديد احتضنته القاهرة برئاسة وزراء الخارجية والري بالبلدين، وسط توترات مع إثيوبيا غداة شكوى تقدمت بها الخرطوم ضد أديس أبابا.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس الجزائر مع وزير دفاع النيجر الشهر الماضي (الرئاسة الجزائرية)

من الانتشار العسكري إلى شحنات الوقود... الجزائر تعيد رسم حضورها في الساحل

شهدت التحركات الجزائرية باتجاه النيجر تطوراً لافتاً منذ مصادقة البرلمان الجزائري، الأسبوع الماضي، على إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى البلد المجاور.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الاقتصاد غينيا واحدة من الدول الرئيسية المنتجة للذهب في أفريقيا (إكس)

غينيا تفتتح أول مصفاة للذهب

افتتحت غينيا أول مصفاة للذهب في كوناكري بعد أشهر قليلة من إعلانها حظر تصدير الذهب الخام وفرض معالجته داخل الأراضي الغينية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا رئيس الوزراء الإثيوبي أثناء تسلّم طائرات مقاتلة من طراز «سو-35» من الجيل الرابع (صفحته على «إكس») p-circle 02:12

صفقة السلاح الإثيوبية-الروسية... كيف تتغير حسابات القوة بـ«القرن الأفريقي»؟

في 28 أكتوبر قال آبي أحمد خلال زيارة لموسكو لحضور قمة روسية-أفريقية إن إثيوبيا تسلّمت الدفعة الأولى المكونة من 12 مقاتلة من طراز «سوخوي-35» من الجيل الرابع.

محمد محمود (القاهرة )

تمدد إسرائيل في «أرض الصومال»... ما خيارات مقديشو؟

السفير الإسرائيلي خلال تقديم أوراق اعتماده لرئيس إقليم «أرض الصومال» (الخارجية الإسرائيلية)
السفير الإسرائيلي خلال تقديم أوراق اعتماده لرئيس إقليم «أرض الصومال» (الخارجية الإسرائيلية)
TT

تمدد إسرائيل في «أرض الصومال»... ما خيارات مقديشو؟

السفير الإسرائيلي خلال تقديم أوراق اعتماده لرئيس إقليم «أرض الصومال» (الخارجية الإسرائيلية)
السفير الإسرائيلي خلال تقديم أوراق اعتماده لرئيس إقليم «أرض الصومال» (الخارجية الإسرائيلية)

تحركات إسرائيلية للتموضع في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي مع تسليم أول سفير أوراق اعتماده في هرغيسا، في خطوة تعزز حضور تل أبيب بالقرن الأفريقي، وتضع مقديشو أمام تحديات سياسية ودبلوماسية وأمنية للحفاظ على وحدة أراضيها، ومواجهة تداعيات هذا التمدد.

ولاقت الخطوة إدانات عربية، واعتبرها الصومال «انتهاكاً لسيادته». وأكد أنه «يحتفظ بحق اتخاذ إجراءات للحفاظ على سيادة بلاده»... وبحسب خبراء في الشؤون الأفريقية تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن «الخيارات محدودة، وأبرزها التحرك الدبلوماسي الدولي المدعوم عربياً، وتوحيد الجبهة الداخلية».

وحذر الخبراء من أن «أي تحركات عسكرية صومالية ستفاقم الأمر، وقد تستدعي أطرافاً أخرى للدخول، وتزيد التوترات في منطقة القرن الأفريقي».

وقدّم مايكل لوتيم أوراق اعتماده سفيراً لإسرائيل لدى «أرض الصومال» إلى رئيس الإقليم الانفصالي عبد الرحمن محمد عبد الله (عرو)، الأحد الماضي، في القصر الرئاسي بمدينة هرغيسا.

وبحسب موقع «i24NEWS» العبري، فقد تضمن حفل تقديم أوراق الاعتماد وضع حجر الأساس لسفارة إسرائيلية مستقبلية في عاصمة الإقليم. فيما قال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إن «إسرائيل عازمة على تطوير وتعزيز علاقاتها مع أرض الصومال».

وأكد سفير الصومال لدى مصر علي عبدي أواري، الاثنين، رفض بلاده القاطع لما أقدمت عليه إسرائيل من اعتماد سفير لها في إقليم «أرض الصومال»، موضحاً في بيان حينها أن بلاده «ستواصل التمسك بحقوقها السيادية الكاملة، والدفاع عن وحدتها الوطنية، وسلامة أراضيها بكافة الوسائل الدبلوماسية والقانونية المشروعة، ولن تقبل بأي محاولات لفرض أمر واقع ينتقص من سيادتها، أو يمس وحدة شعبها، وأرضها».

كما أعربت وزارة الخارجية الصومالية أيضاً عن رفضها القاطع لتلك الخطوة، داعية إسرائيل إلى «التراجع عن هذه الخطوات»، والالتزام بمبادئ القانون الدولي، واحترام سيادة جمهورية الصومال الفيدرالية، ووحدة أراضيها.

وأكدت وزارة الخارجية أن الحكومة الصومالية «تحتفظ بحقها في اتخاذ ما تراه مناسباً من إجراءات دبلوماسية، وسياسية، وقانونية»، دفاعاً عن سيادة البلاد، ووحدتها، وسلامة أراضيها، دون توضيح تلك المواقف.

حول خيارات مقديشو، يرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن «الخيار الأكثر فاعلية يتمثل في الجمع بين التحرك القانوني والدبلوماسي الدولي، وتوحيد الجبهة الداخلية، وتعزيز مؤسسات الدولة، وبناء شراكات إقليمية ودولية تستند إلى المصالح المشتركة، واحترام القانون الدولي».

ودعا إلى ضرورة أن تتجنب الحكومة الصومالية أي ردود فعل عسكرية أو أمنية «غير محسوبة»، مشدداً على أن «تحويل الخلاف إلى مواجهة مفتوحة قد يفتح المجال أمام أطراف إقليمية ودولية لاستغلال الانقسامات الصومالية، وتعقيد الأزمة بصورة أكبر».

في المقابل يعتقد الخبير في الشؤون الأفريقية عبد المنعم أبو إدريس أن «الصومال ليس في يده أدوات للحد من تنامي الوجود الإسرائيلي في المنطقة بعد أن وصل سفيرها إلى هرغيسا»، لافتاً إلى أن «وحدة أراضي الصومال أصبحت حلماً بعيد المنال بعد أن بدأ (أرض الصومال) في الحصول على الاعتراف به».

سفير إسرائيل مع رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي (الخارجية الإسرائيلية)

ولا يزال الموقف العربي داعماً لمقديشو في مسار الرفض، وأدان الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي «التحرك الإسرائيلي لاعتماد سفير، واعتزام فتح سفارة بأرض الصومال»، محذراً في بيان الاثنين «من تقسيم الصومال، واستغلال خلافات أبنائه لتعزيز النفوذ العسكري والسياسي الإسرائيلي قبالة خليج عدن».

وسبق أن أعلن مجلس الجامعة العربية عن «رفض وإدانة الخطوات الإسرائيلية الرامية إلى تقسيم الصومال».

وتستطيع الجامعة العربية بحسب كلني «تعزيز موقف مقديشو سياسياً، ودبلوماسياً، وتنسيق تحركات الدول الأعضاء لدى الأمم المتحدة، والمؤسسات الدولية، خصوصاً أن القضية ترتبط بأمن البحر الأحمر، وخليج عدن، فضلاً عن انعكاساتها المحتملة على المصالح العربية في المنطقة».

ويمثل الاتحاد الأفريقي، وفق كلني، «أحد أهم الأطراف التي يمكن للصومال التعويل عليها، بالنظر إلى تمسك المنظمة تاريخياً بمبدأ احترام الحدود الموروثة عند الاستقلال خشية أن يؤدي فتح الباب أمام الاعترافات الأحادية إلى تشجيع نزعات انفصالية أخرى في القارة».

وتبرز كذلك أهمية الدور المصري، والسعودي، والتركي، والجيبوتي -إلى جانب الدول الأفريقية المجاورة- في دعم الاستقرار الإقليمي، واحترام وحدة الأراضي الصومالية، إضافة إلى أن الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يمكن أن تؤدي أدواراً مؤثرة في منع تحول هذا التطور إلى مصدر جديد للتنافس الأمني والعسكري في المنطقة، بحسب كلني.

لكن أبو إدريس يعتقد أنه «يمكن أن تتحرك الجامعة العربية لدعم مقديشو، رغم أن تأثير تحركاتها سيكون محدوداً»، ويحذر من أن «تنامي الوجود الإسرائيلي سيزيد من حدة التنافس في المنطقة الحساسة التي تتحكم في ممرات مائية مهمة، ما يفتح الباب أمام توترات جديدة».


«النواب» الليبي يدعو لخطة شاملة لـ«الإصلاح الاقتصادي»

عبد النبي متحدثاً خلال اللقاء التشاوري بمجلس النواب حول الأزمة الاقتصادية الأربعاء (من فيديو بثه المجلس)
عبد النبي متحدثاً خلال اللقاء التشاوري بمجلس النواب حول الأزمة الاقتصادية الأربعاء (من فيديو بثه المجلس)
TT

«النواب» الليبي يدعو لخطة شاملة لـ«الإصلاح الاقتصادي»

عبد النبي متحدثاً خلال اللقاء التشاوري بمجلس النواب حول الأزمة الاقتصادية الأربعاء (من فيديو بثه المجلس)
عبد النبي متحدثاً خلال اللقاء التشاوري بمجلس النواب حول الأزمة الاقتصادية الأربعاء (من فيديو بثه المجلس)

خلال لقاء تشاوري في مجلس النواب الليبي حول الأزمة الاقتصادية بالبلاد، دعا رئيس المجلس، الصالحين عبد النبي، إلى «إعداد خطة وطنية شاملة للإصلاح الاقتصادي والمالي، تتجاوز المعالجات المؤقتة، وتعزيز الإنتاج المحلي».

وقال عبد النبي خلال اللقاء الذي استضافه مجلس النواب في مدينة بنغازي، الأربعاء، مع خبراء ومتخصصين في المجالات الاقتصادية والمالية، إن المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من تشخيص المشكلات، وتبادل وجهات النظر إلى «مرحلة العمل الجاد والمسؤول»، داعياً إلى وضع حلول تستند إلى أسس علمية ومهنية، والاستفادة من الخبرات والكفاءات الوطنية.

وطالب عبد النبي في الاجتماع، الذي تم تنسيقه مع مجلس التخطيط الوطني، وبحضور محافظ مصرف ليبيا المركزي فوزي أبو خزام، بتشكيل فرق عمل ولجان مشتركة من الخبراء لإعداد تصورات عملية في أسرع وقت، على أن تتضمن مخرجاتها إجراءات قابلة للتنفيذ والمتابعة، مع تحديد الجهات المسؤولة عن كل إجراء والجداول الزمنية اللازمة لإنجازه.

عبد الحميد الدبيبة رئيس الحكومة المؤقتة (الوحدة)

ورسم عبد النبي صورة قاتمة للأوضاع المعيشية والاقتصادية للمواطنين، وحدد ترشيد الإنفاق العام وتعزيز الانضباط المالي، وتوجيه الموارد نحو الأولويات الوطنية ضمن أبرز محاور الإصلاح، إلى جانب تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط وتنمية القطاعات الإنتاجية.

وفي إطار ضبط الاستيراد، دعا رئيس مجلس النواب إلى تحديد موازنة استيرادية ضمن الميزانية العامة للدولة، بسقف مالي محدد لا تتجاوزه الاعتمادات المصرفية، مع توجيهها إلى الاحتياجات الفعلية للبلاد، وفي مقدمتها الغذاء والدواء، والأعلاف والمواد الداخلة في التصنيع، ومراجعة أوجه الاستيراد الأخرى، واستبعاد السلع غير الضرورية والترفيهية من أولويات التمويل.

كما شدد على ضرورة دعم المصانع الوطنية، وتوفير المواد الخام ومستلزمات الإنتاج، وتوجيه الاعتمادات إلى المصانع، التي تمارس نشاطاً إنتاجياً حقيقياً، مع مراعاة احتياجات القطاع الصناعي عند إعداد الموازنات الاستيرادية، بما يساعد على زيادة الإنتاج المحلي وتلبية احتياجات السوق.

وفي ملف دعم المحروقات، طالب عبد النبي بإعداد دراسة متكاملة لإعادة تنظيم الدعم، ووضع آليات تضمن استفادة المواطنين المستحقين منه، وحصر الانتفاع به في الفئات المستهدفة، بما يحقق الأهداف التي خُصصت من أجلها موارد الدولة، ويسهم في تحسين إدارة الإنفاق العام.

كما طالب المسؤول نفسه بمعالجة التشوهات في سوق الصرف، وتعزيز الثقة بالقطاع المصرفي، وتحسين بيئة الاستثمار ودعم القطاع الخاص، وخلق فرص عمل مستدامة، إلى جانب تعزيز الشفافية والحوكمة والرقابة على إدارة المال العام.

وتأتي هذه التحركات امتداداً لمواقف عبد النبي خلال جلسة مجلس النواب في سبها، الاثنين الماضي، حين أعلن أن «ميزانية العام المقبل ستكون موحدة، وتشمل الأبواب المقررة قانوناً، مع تخصيص الباب الأول للمرتبات فقط، وإلغاء البنود الأخرى منه، وتخصيص الباب الرابع للدعم والاحتياجات الضرورية».

وأعرب عبد النبي، الأربعاء، عن أمله في أن يسفر اللقاء التشاوري عن رؤية اقتصادية موحدة، وتوصيات ناجزة تشكل أساساً لخطة إصلاح شاملة قابلة للتنفيذ والمتابعة، مؤكداً أن ليبيا تمتلك من الموارد والإمكانات والكفاءات ما يؤهلها لبناء اقتصاد قوي ومستدام.

دعوات البرلمان تأتي وسط استمرار الضغوط على الدينار الليبي وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين (أ.ف.ب)

وتأتي هذه الدعوات وسط استمرار الضغوط على الدينار الليبي، وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، وتصاعد الجدل بشأن حجم الإنفاق العام وتوزيع الإيرادات النفطية والرقابة على المؤسسات المالية.

ورغم أن «توحيد الميزانية» يمثل خطوة مهمة نحو معالجة الانقسام المالي والمؤسسي، فإن تنفيذ الإصلاحات المطروحة يظل مرتبطاً بالتوافق بين الأطراف الليبية على إدارة الإيرادات والإنفاق، وضمان استقلال المؤسسات المالية والشفافية والمساءلة، ومنع ازدواجية الصرف، في ظل استمرار الانقسام الراهن في البلاد، بحسب مراقبين.


الجزائر: انطلاق سباق «المحليات» وسط جدل حول «النزاهة»

اجتماع أطر سلطة الانتخابات للتحضير للاقتراع المرتقب (السلطة)
اجتماع أطر سلطة الانتخابات للتحضير للاقتراع المرتقب (السلطة)
TT

الجزائر: انطلاق سباق «المحليات» وسط جدل حول «النزاهة»

اجتماع أطر سلطة الانتخابات للتحضير للاقتراع المرتقب (السلطة)
اجتماع أطر سلطة الانتخابات للتحضير للاقتراع المرتقب (السلطة)

تتنافس الأحزاب الجزائرية، بدءاً من الخميس ولمدة 21 يوماً، على أصوات 23 مليون ناخب، في حملة الانتخابات المحلية، المقررة يوم 28 من الشهر الحالي، وسط مخاوف من عزوف واسع عن صناديق الاقتراع، عقب المقاطعة الكبيرة التي شهدتها الانتخابات البرلمانية، التي جرت في 2 يوليو (تموز) الماضي، حيث سُجلت نسبة تصويت لم تتجاوز 21 في المائة.

رئيس سلطة الانتخابات (السلطة)

مع انطلاق حملة الانتخابات المحلية، أظهرت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات»، في بيان، حرصاً على تذكير جميع مترشحي الأحزاب السياسية وقوائم المستقلين -ومختلف الفاعلين، والمتدخلين في العملية الانتخابية- بالقواعد والأحكام المنظمة للحملة الانتخابية، لافتة إلى أنه «لا يجوز لأي كان، وبأي وسيلة كانت، أو بأي شكل من الأشكال، القيام بحملة انتخابية خارج الفترة المحددة».

وفي تأكيدها على ضرورة الالتزام بالأحكام القانونية، المتعلقة بأخلاقيات الحملة الانتخابية، وتصرفات المترشحين، شددت «السلطة الوطنية» على ضرورة «الامتناع عن إلقاء أي خطاب يدعو إلى الكراهية، أو ممارسة أي شكل من أشكال التمييز»، مضيفة أن «استعمال اللغات الأجنبية خلال الحملة الانتخابية ممنوع»، في إشارة ضمناً إلى حظر استعمال اللغة الفرنسية أساساً، في سياق توجيه سياسي عام يجري تطبيقه منذ اندلاع الأزمة الدبلوماسية مع باريس في 2024، ويتمثل في محو لغة موليير من التداول في الشركات، والإدارات، وفي حملات الدعاية الانتخابية.

قائمة مرشحي «التجمع الديمقراطي» في بلدية بشرق البلاد (إعلام حزبي)

* ضوابط صارمة

ذكّرت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» بأنه «يُمنع استخدام ممتلكات أو وسائل أي شخص معنوي، سواء كان عاماً أو خاصاً، أو أي مؤسسة، أو هيئة عمومية، لأغراض الدعاية الانتخابية. كما يُمنع لأغراض الدعاية الانتخابية استخدام دور العبادة، والمؤسسات والإدارات العمومية، فضلاً عن مؤسسات التربية والتعليم والتكوين، مهما كانت طبيعتها، أو الجهة التي تتبع لها، بأي شكل من الأشكال».

وتابع البيان موضحاً أن «الاستخدام المسيء لرموز الدولة ممنوع، كما يتعين على كل مترشح الامتناع عن أي إيماءة، أو موقف، أو تصرف، أو سلوك آخر يتسم بالعنف، أو عدم النزاهة، أو الإهانة، أو الحط من الكرامة، أو مخالفة القانون، أو الأخلاق، مع الحرص على السير الحسن للحملة الانتخابية».

وفيما يتعلق بوسائل الإعلام والإشهار الانتخابي، واستخدام الممتلكات والفضاءات العمومية في الحملة الانتخابية، أوضح البيان ذاته أن وسائل الإعلام السمعية البصرية المرخص لها بالمشاركة في تغطية الحملة الانتخابية «ملزمة بضمان التوزيع العادل لوقت البث بين المترشحين».

تجمع لقياديي ومناضلي حركة «البناء الوطني» (إعلام حزبي)

كما شددت الهيئة المكلفة دستورياً بتنظيم الانتخابات على ضرورة احترام «حظر نشر وبث استطلاعات الرأي المتعلقة بنوايا تصويت الناخبين، خلال الاثنتين والسبعين ساعة السابقة لتاريخ الاقتراع»، مؤكدة أنه يتم تخصيص مساحات عمومية مخصصة لتعليق قوائم الترشح بشكل عادل داخل الدوائر الانتخابية، وأن «أي شكل آخر من أشكال الإشهار خارج الأماكن المخصصة لهذا الغرض ممنوع».

واعتمدت معظم الأحزاب السياسية في انتقاء مرشحيها للانتخابات المحلية على مجموعة من المعايير، أبرزها الكفاءة العلمية، والمهنية، والنزاهة، والخبرة في التسيير المحلي، إلى جانب القدرة على تمثيل المواطنين، والاستجابة لانشغالاتهم.

* شكاوى من قرارات الإقصاء

صرح قياديون في حزب «جبهة التحرير الوطني» (القوة الأولى في المجالس المحلية) للصحافة في مرحلة إعداد القوائم أنهم أولوا عناية كبيرة للكفاءة، والخبرة، والالتزام الحزبي، مع تخفيض شرط الأقدمية المطلوبة للترشح من خمس سنوات إلى سنتين، بهدف فتح المجال أمام الشباب، وتعزيز مشاركة النساء، حسبهم.

أمين عام «التجمع الوطني الديمقراطي» في حملة مبكرة للمحليات (إعلام حزبي)

أما «التجمع الوطني الديمقراطي» (القوة السياسية الثانية)، فقد اعتمد، وفق تصريحات أمينه العام، على المستوى الأكاديمي، والخبرة في تسيير الجماعات المحلية، إلى جانب مصداقية المترشحين، وشعبيتهم، فيما ركزت «حركة البناء الوطني» على الكفاءة في تسيير الشؤون العامة، والإلمام بالتسيير المالي، والحضور وسط المجتمع المحلي، حيث تضم قوائمها 50 في المائة من الشباب، و15 في المائة من النساء، كما يمثل المترشحون دون تجربة سياسية سابقة نصف قوائمها، حسب تصريحات رئيس الحزب عبد القادر بن قرينة.

في المقابل، تباينت مواقف أحزاب المعارضة بشأن الاستحقاق الانتخابي، إذ أعلن حزب «العمال»، بقيادة لويزة حنون، مشاركته في الانتخابات، مع انتقاد قرارات سلطة الانتخابات رفض العديد من ملفات الترشح، بدعوى «شبهة فساد مالي»، والمطالبة بضمان حق الترشح، واحترام الحقوق الدستورية.

وتعكس هذه المواقف تركيز الأحزاب على استقطاب الكفاءات، وتجديد قوائم الترشح، وإشراك الشباب، والنساء، مقابل استمرار الجدل بشأن شروط الترشح، وضمانات المنافسة الانتخابية.

السكرتير الأول لجبهة «القوى الاشتراكية» (إعلام حزبي)

من جهتها، انتقدت جبهة «القوى الاشتراكية»، بقيادة يوسف أوشيش، ما وصفته بـ«إقصاء واسع وتعسفي» لعدد كبير من مترشحيها، مطالبة بمراجعة قرارات رفض ملفات الترشح، وضمان نزاهة المنافسة الانتخابية.

أما «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»، بقيادة عثمان معزوز، فقد شدد على ضرورة ضمان شفافية الانتخابات، وحياد الإدارة، والمساواة بين الأحزاب، منتقداً ما اعتبره غموضاً في الإجراءات، وتجاوزات في تطبيق القانون الانتخابي، كما دعا إلى توفير ضمانات حقيقية لاستعادة ثقة المواطنين في العملية الانتخابية.