كيف حوّل صاحب نوبل في الفيزياء جليد القطب الجنوبي مرصداً فضائياً؟

أصبح قادراً على رصد نيوترينوات عالية الطاقة قادمة من أعماق الكون

جسيمات النيوترينوات تفتح نافذة جديدة على أسرار الكون (الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم)
جسيمات النيوترينوات تفتح نافذة جديدة على أسرار الكون (الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم)
TT

كيف حوّل صاحب نوبل في الفيزياء جليد القطب الجنوبي مرصداً فضائياً؟

جسيمات النيوترينوات تفتح نافذة جديدة على أسرار الكون (الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم)
جسيمات النيوترينوات تفتح نافذة جديدة على أسرار الكون (الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم)

أسس العالم البلجيكي فرانسيس هالزن، الفائز بجائزة نوبل في الفيزياء لعام 2026، نوعاً جديداً من علم الفلك، بعدما طرح فكرة استخدام جليد القطب الجنوبي لرصد جسيمات شديدة المراوغة تُعرف باسم «النيوترينوات». وأفضت فكرته، التي طرحها لأول مرة عام 1988، إلى إنشاء «مرصد آيس كيوب للنيوترينوات»، الذي أصبح قادراً على رصد نيوترينوات عالية الطاقة قادمة من أعماق الكون.

وهالزن، وهو أستاذ في جامعة ويسكونسن-ماديسون بالولايات المتحدة، كان مهتماً منذ بداية مسيرته بفيزياء الجسيمات، لكنه أدرك أن الجسيمات القادمة من الفضاء يمكن أن تكشف أسراراً لا تستطيع المختبرات على الأرض الوصول إليها. وقال بعد فوزه بالجائزة إنه فوجئ بمدى نجاح فكرته، مضيفاً: «يجب أن أؤكد مدى حظي. فعندما بدأنا هذا المشروع، أدرك الجميع أن الفكرة قد تكون جيدة، لكن قلة قليلة اعتقدت أنها ستنجح، بمن في ذلك أنا».

النيوترينوات... رسائل من الكون

النيوترينوات جسيمات دون الذرية منتشرة على نطاق واسع في الكون، لا تحمل شحنة كهربائية، وتكاد تكون كتلتها معدومة، كما أنها تتفاعل مع المادة بصورة ضعيفة للغاية. ولهذا تستطيع مليارات منها المرور عبر الأرض وأجسامنا من دون أن نشعر بها. وتنتج الشمس أعداداً هائلة منها، إذ يمر في كل ثانية نحو 65 مليار نيوترين عبر مساحة تعادل حجم ظفر إصبع الإنسان.

لكن بعض هذه الجسيمات يأتي من مناطق بعيدة جداً في الفضاء، ويحمل معلومات عن أكثر البيئات الكونية تطرفاً والعمليات الأعلى طاقة في الكون. وعندما يتمكن العلماء من رصدها، يمكنهم تتبع اتجاه وصولها والاستدلال على مصادرها، ودراسة الظروف العنيفة التي أنتجتها.

فكرة بدأت في الثمانينات

أدرك هالزن في ثمانينات القرن الماضي أن جليد القارة القطبية الجنوبية يمكن أن يكون مادة مثالية لبناء مرصد ضخم للنيوترينوات. فعندما يصطدم نيوترينو بنواة ذرية داخل الجليد، قد ينتج جسيم مشحون سريع الحركة يصدر ومضة ضوئية يمكن لأجهزة استشعار خاصة التقاطها.

وفي عام 1988، طرح هالزن تصوره لإنشاء مرصد داخل جليد القطب الجنوبي، مستفيداً من حجمه الهائل وشفافيته في الأعماق، فضلاً عن انخفاض مستويات المواد المشعة وغياب الكائنات الحية التي يمكن أن تسبب تشويشاً في عمليات الرصد. وعلى الرغم من البيئة القاسية التي كان على الباحثين العمل فيها، فإن الموقع البعيد عن مصادر التداخل والاهتزازات، بما فيها الزلازل، وفر ظروفاً مناسبة للمشروع.

وبعد سنوات، بدأ اختبار الفكرة من خلال مرصد أولي حمل اسم «أماندا». وأظهرت التجارب أن الجليد يصبح شديد النقاء والشفافية على أعماق تتجاوز 1400 متر، بما يسمح للضوء الناتج عن تفاعلات النيوترينوات بالانتقال لمسافة تصل إلى نحو 300 متر. لكن «أماندا» لم يكن كبيراً بما يكفي لرصد العدد المطلوب من النيوترينوات العالية الطاقة، لذلك بدأ تطوير مرصد «آيس كيوب»، الذي يغطي كيلومتراً مكعباً من الجليد ويضم 5160 جهاز استشعار ضوئياً موزعة على 86 كابلاً، واكتمل بحجمه الكامل عام 2011.

كيف يلتقط «آيس كيوب» النيوترينوات؟

يبحث «آيس كيوب» عن النيوترينوات ذات الطاقات العالية جداً، التي تنتج عن عمليات عنيفة تجري على مسافات هائلة خارج نظامنا الشمسي، مثل تلك المرتبطة بالنجوم المنفجرة والبيئات المحيطة بالثقوب السوداء العملاقة.

ومعظم النيوترينوات تمر مباشرة عبر الجليد، لكن بعضها يتفاعل من حين إلى آخر مع نواة ذرة، منتجاً جسيمات مشحونة سريعة الحركة. وفي أثناء مرور هذه الجسيمات عبر الجليد، تطلق ومضة ضوئية يمكن لأجهزة الاستشعار الحساسة التقاطها. ومن خلال نمط الضوء وتوقيت ظهوره، يستطيع العلماء تقدير اتجاه وصول النيوترينو وتتبع مصدره في الكون.

وتتميز النيوترينوات بميزة أخرى مهمة؛ فهي لا تحمل شحنة كهربائية، ولذلك لا تنحرف مساراتها بفعل المجالات المغناطيسية في أثناء رحلتها عبر الفضاء، بخلاف البروتونات المشحونة. كما أنها نادراً ما تتفاعل مع المادة، ما يسمح لها باختراق مناطق كثيفة قد لا يستطيع الضوء عبورها بسهولة. ولهذا ينظر إليها العلماء باعتبارها «رسائل» فلكية تحمل معلومات مباشرة تقريباً عن الأماكن التي نشأت فيها.

إعلان فوز فرانسيس هالزن بجائزة نوبل في الفيزياء لعام 2026 في الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم باستوكهولم (أ.ف.ب)

أول دليل على النيوترينوات الكونية

لم يكن العثور على هذه الإشارات سهلاً، إذ يسجل «آيس كيوب» أيضاً أعداداً ضخمة من الجسيمات الناتجة عن الأشعة الكونية التي تدخل الغلاف الجوي للأرض، تتجاوز 100 مليون جسيم يومياً. وسط هذا الكم الهائل من البيانات، تبدو النيوترينوات القادمة من أعماق الكون كإشارات نادرة يصعب فصلها عن الخلفية.

وفي عام 2013، أعلن فريق «آيس كيوب» أول دليل على رصد نيوترينوات كونية عالية الطاقة. وبعد نحو عامين، جمع الباحثون بيانات كافية لتأكيد الاكتشاف، لتبدأ مرحلة جديدة من علم فلك النيوترينوات. وبعد ذلك تمكن العلماء من تحديد أول مصدر كوني للنيوترينوات، على بعد نحو 3.7 مليار سنة ضوئية.

وقال البروفسور مارك بيرس، رئيس لجنة نوبل للفيزياء، إن هالزن قاد فريقاً دولياً من الباحثين والمهندسين قدم «أداة علمية رائعة»، مضيفاً أن «مثابرته ورؤيته العلمية مهدتا الطريق أمام نوع جديد من علم الفلك».

نافذة جديدة على الكون

بدأ العلماء منذ ستينات القرن الماضي استخدام النيوترينوات لدراسة الشمس، ثم رصدوا عام 1987 نيوترينوات مرتبطة بانفجار نجم في سحابة ماجلان الكبرى، ما أثبت قدرة هذه الجسيمات على نقل معلومات عن أحداث كونية بعيدة. لكن «آيس كيوب» نقل هذا المجال إلى مستوى جديد، من خلال إتاحة البحث عن النيوترينوات ذات الطاقات الأعلى وتحديد مصادرها المحتملة.

ومن بين هذه المصادر المجرة النشطة «NGC 1068»، التي رُصدت 79 نيوترينوات من اتجاهها، وإن كانت الأدلة لا تزال غير كافية لتأكيدها بصورة قاطعة مصدراً لهذه الجسيمات. كما رصد الباحثون نيوترينوات عالية الطاقة قادمة من مجرة درب التبانة، ويرجح أنها تنتج عندما تصطدم الأشعة الكونية بالذرات الموجودة في الغاز الرقيق بين النجوم.

ورحب الدكتور باتريك دن، من إمبريال كوليدج لندن، بمنح الجائزة لهالزن، وقال إن رصد النيوترينوات القادمة من مصادر فيزيائية فلكية «يفتح نافذة جديدة» على الكون، مشبهاً ذلك باللحظة التي وجّه فيها غاليليو التلسكوب لأول مرة نحو النجوم، بحسب صحيفة «الغارديان» البريطانية.

وبفضل جهود هالزن تحوّل جليد القطب الجنوبي من بيئة متجمدة ونائية إلى مرصد ضخم للكون، وأصبح النيوترينو أداة جديدة لدراسة أكثر مناطق الفضاء عنفاً وغموضاً.

وقالت لجنة نوبل إن مرصد «آيس كيوب» سيرتقي بعلم فلك النيوترينوات إلى مستوى جديد، من خلال توفير معلومات عن ظواهر كونية تحجبها سحب الغبار وأجرام فضائية بعيدة مثل الثقوب السوداء.


مقالات ذات صلة

كائنات فضائية على قمر زحل؟

يوميات الشرق ثمة أماكن لا تبدو صالحة لشيء... إلا للمفاجأة (ناسا)

كائنات فضائية على قمر زحل؟

أظهرت تجارب جديدة أنّ كائنات دقيقة تستطيع العيش في ظروف تحاكي البيئة الموجودة على إنسيلادوس، أحد أقمار زحل...

«الشرق الأوسط» (لندن)
تكنولوجيا انطلق صاروخ «ستارشيب» العملاق من تكساس يوم الاثنين في رحلة تجريبية هي الأكثر طموحاً للشركة حتى الآن حيث قام بأول محاولة للوصول إلى مدار الأرض (أ.ب)

«ستارشيب» يطلق أقمار «ستارلينك» في أول ظهور للصاروخ العملاق بالمدار (فيديو)

وصل الصاروخ ستارشيب العملاق التابع لشركة «سبيس إكس» إلى المدار للمرة الأولى أمس (الاثنين)، ونشر أقمار ستارلينك الجديدة، محققاً بذلك إنجازاً كبيراً.

«الشرق الأوسط» (ستاربيس (تكساس))
تكنولوجيا شعار شركة «غوغل» المصمم خصّيصاً لافتتاح مركز «غوغل» الجديد للذكاء الاصطناعي في برلين - ألمانيا 5 مارس 2026 (رويترز)

«غوغل» ستطلق قمراً اصطناعياً لتقييم أداء رقائق الذكاء الاصطناعي في الفضاء

أعلنت شركة «غوغل»، اليوم (الخميس)، أنها ستطلق قمراً اصطناعياً تجريبياً لتقييم كيفية أداء رقائق الذكاء الاصطناعي الخاصة بها في الفضاء.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
علوم محطة الفضاء الدولية (رويترز) p-circle

«ناسا» توسع تعاقدها مع «سبيس إكس» لنقل مزيد من الرواد لمحطة الفضاء

أعلنت إدارة الطيران والفضاء الأميركية، الجمعة، أنها منحت شركة «سبيس إكس» عقداً بقيمة 946 مليون دولار لإرسال 3 بعثات إضافية من الرواد إلى محطة الفضاء الدولية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق الوجبة هائلة وما بعدها يعبُر المجرّة (مختبر التواصل العلمي)

على مائدة الثقوب السوداء... النجوم وجبة و«التجشّؤ» نفاثات

الثقوب السوداء أجسام ذات كثافة فائقة، لدرجة أنّ جاذبيتها تصير، في لحظة ما، أقوى من أن تسمح للضوء أو المادة بالإفلات منها...

«الشرق الأوسط» (لندن)

لخدمة مشروع القاعدة الدائمة على القمر... «ناسا» تعتزم شراء كمية من الصواريخ

مبنى تجميع المركبات في مركز كينيدي للفضاء بولاية فلوريدا حيث يجري تجميع مكونات صاروخ «نظام الإطلاق الفضائي» التابع لوكالة «ناسا» والمخصص لمهمة «أرتيمس 3» (إ.ب.أ)
مبنى تجميع المركبات في مركز كينيدي للفضاء بولاية فلوريدا حيث يجري تجميع مكونات صاروخ «نظام الإطلاق الفضائي» التابع لوكالة «ناسا» والمخصص لمهمة «أرتيمس 3» (إ.ب.أ)
TT

لخدمة مشروع القاعدة الدائمة على القمر... «ناسا» تعتزم شراء كمية من الصواريخ

مبنى تجميع المركبات في مركز كينيدي للفضاء بولاية فلوريدا حيث يجري تجميع مكونات صاروخ «نظام الإطلاق الفضائي» التابع لوكالة «ناسا» والمخصص لمهمة «أرتيمس 3» (إ.ب.أ)
مبنى تجميع المركبات في مركز كينيدي للفضاء بولاية فلوريدا حيث يجري تجميع مكونات صاروخ «نظام الإطلاق الفضائي» التابع لوكالة «ناسا» والمخصص لمهمة «أرتيمس 3» (إ.ب.أ)

تستعد وكالة الفضاء والطيران (ناسا) الأميركية للإعلان عن صفقة ضخمة لشراء صواريخ فضاء لصالح مشروع بناء قاعدة دائمة على سطح القمر بتكلفة تبلغ 30 مليار دولار، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وذكرت وكالة «بلومبرغ» للأنباء أن الاستراتيجية الجديدة لوكالة «ناسا» تأتي في الوقت الذي تعاني فيه صناعة الفضاء من نقص في الصواريخ، في ظل زيادة الطلب عليها. لكن الوكالة تأمل في تجاوز عنق الزجاجة بالنسبة للصواريخ، من خلال شراء مجموعة متنوعة منها، بما يتيح خيارات مختلفة لتوصيل شحناتها إلى سطح القمر.

ونقلت «بلومبرغ» عن كارلوس جارسيا جالان، مدير برنامج قاعدة القمر في وكالة «ناسا»، قوله في مقابلة: «نقيم الأمور مثل قيام (ناسا) بشراء كمية من الصواريخ التي يمكن أن تخدم كل احتياجات قاعدتنا القمرية... قد نعلن في المستقبل القريب عن المجموعة الأول من حزمة المشتريات» المستهدفة.

ويذكر أن المرحلة الأولى من مشروع إقامة قاعدة دائمة لاستضافة مجموعة من البشر للعمل والحياة على سطح القمر بدأت بالفعل، حيث تخطط وكالة «ناسا» لإرسال مركبات هبوط وروبوتات جوالة لاستكشاف مواقع وموارد القمر خلال 2028. لكن الوكالة ستحتاج إلى صواريخ فضاء أكبر في 2029 لإرسال معدة تزن 60 طناً إلى سطح القمر لإقامة أنظمة الطاقة، والمساكن وغيرها من البنية التحتية اللازمة لإقامة البشر على سطح القمر بصورة دائمة.

لكن الوكالة تواجه في هذه المرحلة الثانية الأكثر طموحاً مشكلة، حيث تتابع تباطؤ نشاط صاروخ الفضاء «فالكون 9» التابع لشركة الفضاء وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الأميركية «سبيس إكس»، وهو الصاروخ الأكثر استخداماً في الولايات المتحدة والعالم.

وفي وقت سابق، ذكرت «سبيس إكس» أنها بدأت رفض طلبات مشغلي الأقمار الاصطناعية الراغبين في حجز رحلات على متن هذا الصاروخ الأساسي لما بعد عام 2028. ومن شأن غياب هذا الصاروخ ونظيره الأكبر حجماً «فالكون الثقيل» عن السوق أن يسبب مشاكل لخطط «ناسا» الرامية إلى إنشاء قاعدة على سطح القمر.

وفي هذا الصدد، قال غارسيا - غالان: «ندرك المشكلة المقبلة مبكراً، فنحن ندركها الآن. لقد تحلت (سبيس إكس) بالشفافية بشأن خططها، ما أتاح لنا خيار البحث عن بدائل، وهو ما قمنا به بالفعل».


اكتشاف أول صورة لفنار الإسكندرية يُبرز آثار مصر الغارقة

الخاتم المكتشف وعليه نقش للفنار القديم (وزارة السياحة والآثار)
الخاتم المكتشف وعليه نقش للفنار القديم (وزارة السياحة والآثار)
TT

اكتشاف أول صورة لفنار الإسكندرية يُبرز آثار مصر الغارقة

الخاتم المكتشف وعليه نقش للفنار القديم (وزارة السياحة والآثار)
الخاتم المكتشف وعليه نقش للفنار القديم (وزارة السياحة والآثار)

سلَّط اكتشاف خاتم برونزي منقوش عليه صورة لفنار الإسكندرية، يُعدّ الأول من نوعه، الضوء على الآثار الغارقة في مصر، وما قد تضمه من اكتشافات تضيف جوانب وأبعاداً جديدة إلى فهم التاريخ المصري القديم.

وأسفرت أعمال حفائر البعثة الأثرية المشتركة بين المعهد الأوروبي للآثار البحرية والإدارة العامة للآثار الغارقة بالمجلس الأعلى للآثار، في منطقة الميناء الشرقي بمحافظة الإسكندرية، عن اكتشاف الخاتم، إلى جانب عدد من اللقى الأثرية الفخارية والزجاجية.

وأعرب وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، عن تقديره للجهود المبذولة في أعمال الحفائر بالمواقع الأثرية المغمورة بمياه البحر المتوسط، وما يصاحبها من أعمال التسجيل والتوثيق الأثري، التي تتطلب خبرات فنية وميدانية متخصصة.

وأشار، في بيان للوزارة، إلى «أهمية ما يتم الكشف عنه من آثار بهذه المواقع، لما تسهم به في إثراء المعرفة بتاريخ الإسكندرية وإلقاء مزيد من الضوء على جوانب مختلفة من تاريخها وحضارتها عبر العصور».

إحدى القطع الأثرية المكتشفة في الإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)

وأوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، أن البعثة نجحت، منذ أيام، في الكشف عن خاتم ختم برونزي يحمل نقشاً يصوّر فنار الإسكندرية القديم، في هيئة تشبه صوره المعروفة على بعض العملات المؤرَّخة بالقرن الثاني الميلادي. وعُثر على الخاتم في موقع جزيرة أنتيرودس الملكية، أحد أحياء الإسكندرية الملكية القديمة ضمن منطقة «بورتوس ماجنوس».

وأكد أن هذه هي المرة الأولى التي يُعثر فيها على صورة للفنار منقوشة على خاتم ختم، مما قد يشير إلى أن قصر أنتيرودس، الذي شاهده ووصفه المؤرخ والجغرافي سترابو خلال زيارته لمصر بين عامَي 29 و25 قبل الميلاد، ربما استمر استخدامه حتى القرن الثاني الميلادي لأغراض إدارية، قد يكون من بينها ما يرتبط بإدارة الفنار.

ولفت مدير المعهد الأوروبي للآثار البحرية ورئيس بعثة الحفائر، فرانك جوديو، إلى أن الدراسات والأعمال التي نفّذتها البعثة أسفرت عن العديد من النتائج العلمية والأثرية المهمة.

وأضاف، حسب البيان، أن «اللقى الأثرية المكتشفة خلال الموسم الحالي تضمنت مجموعة من البقايا الفخارية التي تؤرَّخ لفترات زمنية مختلفة، تمتد من القرن الرابع قبل الميلاد حتى القرن الرابع الميلادي، من بينها أدوات للاستخدام اليومي، وأوانٍ للمائدة، وعدد من الأمفورات والأواني والقنينات والمسارج، إلى جانب بقايا أوانٍ زجاجية».

اكتشاف قطع جديدة من الآثار الغارقة في الإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)

ومن المقرر أن تعقب انتهاء أعمال الموسم الحالي بالميناء الشرقي أعمالُ حفائر جديدة للبعثة في موقع خليج أبو قير.

ويرى عالم الآثار المصرية ومدير متحف الآثار في مكتبة الإسكندرية، الدكتور حسين عبد البصير، أن العثور على «خاتم برونزي يحمل تمثيلاً نادراً لفنار الإسكندرية مسألة مهمة علمياً، خصوصاً أن الفنار معروف من تمثيلات أثرية أقدم، أهمها صورته على العملات السكندرية في العصر الروماني، كما توجد له تمثيلات أخرى على أحجار منقوشة وأختام ومواد أثرية مختلفة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «القيمة العلمية لخاتم الختم البرونزي المكتشف تتحدد بأربعة عناصر أساسية: أولاً، إثبات أن النقش يمثّل الفنار بالفعل وليس مبنى آخر؛ ثانياً، تحديد تاريخ الخاتم بدقة؛ ثالثاً، توثيق السياق الأثري الذي عُثر فيه عليه؛ ورابعاً، مقارنة عناصر النقش بالتمثيلات المعروفة للفنار».

اكتشافات جديدة ضمن الآثار الغارقة (وزارة السياحة والآثار)

وتابع أنه «إذا أكدت الدراسة الأثرية هذه العناصر، يصبح الاكتشاف مهماً للغاية، خصوصاً إذا كان النقش يقدّم تفصيلاً معمارياً جديداً أو يمثّل الفنار في سياق مختلف عن العملات».

وتزخر مدينة الإسكندرية بالآثار الغارقة في مواقع عدة، من بينها الميناء الشرقي وخليج أبو قير وخليج المعمورة والشاطبي وقلعة قايتباي. وتُعدّ منطقة الميناء الشرقي من أهم مناطق الآثار الغارقة؛ إذ كان الميناء الملكي للعاصمة القديمة التي أسّسها الإسكندر الأكبر، وحملت اسمه، وأصبحت من أعظم مدن العالم القديم. وقد أُقيمت معارض عديدة للآثار الغارقة داخل مصر وخارجها.


اكتشاف سلالة منقرضة من الأبقار في سيبيريا

فريق البحث يجري أعمال التنقيب عن بقايا الحيوان المنقرض في كهف دينيسوفا جنوب سيبيريا (جامعة ستوكهولم)
فريق البحث يجري أعمال التنقيب عن بقايا الحيوان المنقرض في كهف دينيسوفا جنوب سيبيريا (جامعة ستوكهولم)
TT

اكتشاف سلالة منقرضة من الأبقار في سيبيريا

فريق البحث يجري أعمال التنقيب عن بقايا الحيوان المنقرض في كهف دينيسوفا جنوب سيبيريا (جامعة ستوكهولم)
فريق البحث يجري أعمال التنقيب عن بقايا الحيوان المنقرض في كهف دينيسوفا جنوب سيبيريا (جامعة ستوكهولم)

كشفت دراسة دولية عن سلالة منقرضة من الأبقار لم تكن معروفة من قبل، عاشت في جنوب سيبيريا خلال العصر الجليدي، واستمر وجودها في المنطقة حتى نحو 27 ألف عام مضت.

وجاء الاكتشاف بعد تحليل الحمض النووي القديم لبقايا عظمية صغيرة عُثر عليها في كهف دينيسوفا ومواقع أخرى في جنوب سيبيريا، ونُشرت النتائج، الاثنين، في دورية «Current Biology».

وتمكّن باحثون من مركز علم الجينوم القديم التابع لجامعة ستوكهولم والمتحف السويدي للتاريخ الطبيعي، بالتعاون مع باحثين من جامعة كاليفورنيا في سانتا كروز وجامعة فيينا، من استخراج 20 جينوماً قديماً تغطي فترة زمنية تمتد لنحو 200 ألف عام.

ورغم أن كثيراً من شظايا العظام لم تكن تحمل خصائص واضحة تسمح بتحديد نوع الحيوان، أظهرت مقارنة الجينومات بجينومات أنواع الأبقار الأخرى أنها تنتمي إلى سلالة لم تكن معروفة سابقاً، وكانت قريبة تطورياً من الياك الحديث، وهو حيوان من فصيلة الأبقار يتميز بجسم قوي وفراء كثيف يساعده على تحمّل البرودة الشديدة. ويعيش الياك البري حالياً في المرتفعات العالية من هضبة التبت وآسيا الوسطى، بينما يُستخدم الياك المستأنس منذ آلاف السنين في مناطق جبلية عدة للحليب واللحوم والنقل.

وقدّر الباحثون أن هذه السلالة المكتشفة بدأت في الانفصال عن أسلاف الياك قبل نحو 400 ألف عام، وأصبحت منفصلة عنه بشكل كامل تقريباً قبل نحو 250 ألف عام. ويرجّح العلماء أن فترة دافئة بشكل ملحوظ شهدتها المنطقة في ذلك الوقت ربما أدت إلى عزل مجموعات من الحيوانات بعضها عن بعض، ما أتاح لها التطور بصورة مستقلة.

وكشفت البيانات الجينية أيضاً عن تغيّر في أعداد هذه الحيوانات خلال فترة دافئة قبل نحو 120 ألف عام، تمثّل في إحلال مجموعة سكانية محل أخرى وانخفاض التنوع الجيني. ويرى الباحثون أن ارتفاع درجات الحرارة ربما أثّر في هذا النوع المتكيّف مع المناخ البارد.

ولم يجد الفريق أدلة تُذكر على حدوث تزاوج بين هذه السلالة المنقرضة وأنواع أخرى من الأبقار التي عاشت في المنطقة، مثل حيوان بيسون السهوب والثور البري، السلف البري المنقرض للأبقار المستأنسة.

وتعود أحدث عينة حلّلها الباحثون إلى نحو 27 ألف عام، ما يشير إلى أن السلالة ظلت موجودة حتى ذلك الوقت على الأقل، قبل أن تنقرض في مرحلة لاحقة. ولا يزال توقيت انقراضها وأسبابه غير معروفين بدقة.

ووفق الباحثين، يضيف الاكتشاف دليلاً جديداً على أن منطقة ألتاي وجنوب سيبيريا كانتا موطناً لتنوع حيوي كبير خلال العصور الجليدية، وربما شكّلتا «نقطة ساخنة للتنوع الحيوي وملاذاً» للأنواع في فترات التغير المناخي، على غرار ما أظهره اكتشاف «الدينيسوفان»، وهم مجموعة من البشر القدماء، بعدما عُثر على حفرية واحدة في المنطقة عام 2010 قادت إلى التعرّف إلى هذه المجموعة البشرية القديمة.

ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن تحليل الحمض النووي وحده لا يكفي لتصنيف السلالة رسمياً بوصفها نوعاً جديداً وإطلاق اسم علمي عليها، إذ يعتزمون مقارنة نتائجهم ببقايا شبيهة بالياك عُثر عليها سابقاً في المنطقة، لتحديد ما إذا كانت تنتمي إلى السلالة نفسها.