من التراث المصري العريق والمتنوع، استلهمت المصممة المصرية هاجر نبيل أحدث مجموعاتها في مجال الحُلي. مجموعة بعنوان «نبض كيميت» تبدو فيها مصر القديمة حاضرة في قلب القطعة نفسها؛ تجدها مرة في عين حورس، وتعثر عليها في زهرة اللوتس، أو في قلادة ملكية تستعيد أجواء عرش توت عنخ آمون، وهلمّ جرّاً.
ولا تتوقف الحكاية عند حدود المعابد والجداريات؛ ففي المجموعة أيضاً نلمح النخلة النوبية، والنجمة، والمولد الشعبي، وحتى صدى أغنيات أم كلثوم. وهكذا لا تبدو الهوية المصرية في المجموعة مرتبطة بزمن واحد؛ فهي تمتد من مصر القديمة إلى التراث النوبي والشعبي، وصولاً إلى ذاكرة الأغنية المصرية.

وتعكس هذه التشكيلة الألوان الزاهية التي تميز الفن والمجوهرات المصرية القديمة، في حين يمنح التوازن الدقيق بين مختلف الخامات والأحجار الكريمة ذات الألوان الصادحة كل قطعة شخصية قوية وفريدة.
تقول هاجر نبيل إنها تحاول فيها أن تروي حكاية حضارة لا تكف عن إعادة تقديم نفسها عبر العصور، وربما تحاول هنا أيضاً أن تفسر سر التعلق بها. وقد جعلت دراستها الأكاديمية لتاريخ الفن المصري القديم، وحصولها على الدكتوراه في هذا المجال، علاقتها بالرموز أكثر تعقيداً من مجرد الانبهار بأشكالها.
فالمصري القديم، في رؤيتها، لم يكن يترك تفصيلاً بلا معنى؛ فالعين، والزهرة، والطائر، والهندسة، واللون، لكل منها مكان في منظومة أكبر.

ومن هنا جاءت مجموعة «نبض كيميت» محاولةً لإعادة كتابة تلك اللغة من خلال مفردات امرأة تعيش اليوم. تقول هاجر نبيل لـ«الشرق الأوسط»: «تنطلق مجموعتي من العمق الروحي والحضاري للتاريخ المصري، ومن تفاصيل الفن القديم، من دون نقل الرموز كما هي؛ حيث أعيدت كتابتها بلغة بصرية حديثة».
ومن بين القطع التي تستوقف العين، تصميم يستلهم عرش توت عنخ آمون وقلادته الملكية، يأتي كأنه ذاكرة بعيدة أُعيد ترتيبها؛ يستحضر الجزء العلوي منه القلادة الملكية، في حين تتوزع على بقية القطعة مفردات من الفن المصري القديم. ويستعيد العقيق الأحمر والأخضر، والصدف الأبيض، والمينا الملونة، شيئاً من بريق خزائن الملوك.
عين حورس

وفي مكان آخر من المجموعة، تستقر «عين حورس»... العين التي عرفها المصري القديم رمزاً للحماية والشفاء واستعادة التوازن، تتحول هنا إلى بروش صغير، إلا أن كثافة الرمز تجعله يبدو أكبر من حجمه. في وسط التصميم تتربع العين، في حين يحيط بها إطار هندسي دقيق، وتتخلل التفاصيل ألوان المينا الزرقاء، ويمنح النحاس المطلي بالذهب عيار 21 القطعة بريقها، فيما يظل الرمز هو البطل الحقيقي.
ومن عالم الآلهة المصرية يأتي حورس، مستلهماً هيئته من أحد التوابيت الأثرية؛ إنه ذلك الصقر الذي ارتبط بالسماء والقوة والحماية، ويظهر في المجموعة بصورة تمنحها حضوراً ملكياً واضحاً، سيما أن المصممة تستخرج من الرمز إحساسه، ثم تضعه في تصميم معاصر.
اللوتس

وفي تصميمات اللوتس تبدو الزهرة كأنها تستعيد شيئاً من علاقتها القديمة بالنيل، كما تستعيد في تفاصيلها أجواء الحُلي التي ارتبطت بالملكات في مصر القديمة.
وتعدّ هاجر نبيل قطع الحلي التي تأتي تحت هذا الاسم تذكيراً دائماً بقوة المرأة وجاذبيتها التي لا تقاوم: «ربما لا يوجد رمز مصري أكثر قدرة منها على عبور الزمن؛ هي زهرة ارتبطت بالتجدد والنقاء، وظلت حاضرة في الفن المصري القديم، ونراها تعود اليوم إلى الحُلي في تكوينات أكثر نعومة، وبجوارها يظهر البردي، فيما يضيف اللازورد والألوان الغنية عمقاً إلى التصميم».
النوبة

ولا تنتهي مصر التي تعرفها هاجر نبيل عند حدود كيميت القديمة، فالنخلة النوبية تأخذ مكانها في سلسلة تزين العنق، وتظهر فيها النخلة مثبتة في الأرض، في حين تتجه النجمة إلى أعلى، في ثنائية بسيطة تقول كثيراً عن الإنسان الذي لا يتخلى عن حلمه.
وتأتي السلسلة من النحاس المطلي بالذهب عيار 21، وتتزين بالصدف الأبيض وأحجار الزركون، لتصبح الفكرة نفسها جزءاً من جمال التصميم.
أم كلثوم

ثم تصل هاجر نبيل إلى زمن أقرب، تستعيد فيه أم كلثوم في أغنيتها «قربك نعيم الروح» بكل ما تختزنه من إحساس القرب والدفء والفن الجميل. في هذه القطع يظهر الهلال والنجوم في التصميم، يضيئان ذكرى قديمة.
ومن بين أكثر القطع اقتراباً من الذاكرة الشعبية، يأتي الحلق المستوحى من «المراجيح» في المولد؛ حيث تتحول إلى خطوط انسيابية داخل تصميم حديث.
في كل تصميم تخاطب المصممة امرأة تعرف ماذا تريد، وتحب أن ترتدي قطعة لها شخصية، لا قطعة تُشبه عشرات القطع الأخرى.
تخاطب كل من يشدُّه سحر الحضارة المصرية وإرثها، لكن دائماً في صياغات معاصرة تنبض بالألوان.
















