الانتخابات المغربية تعيد رسم الخريطة الحزبية في البرلمان

الصدارة لـ«الأصالة والمعاصرة»... وعودة قوية لـ«العدالة والتنمية»

فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
TT

الانتخابات المغربية تعيد رسم الخريطة الحزبية في البرلمان

فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)

أفرزت الانتخابات التشريعية المغربية، التي جرت أمس (الأربعاء)، خريطة حزبية جديدة أعادت ترتيب مراكز القوة داخل مجلس النواب، مع صعود حزب «الأصالة والمعاصرة» إلى المرتبة الأولى، وتراجع «التجمع الوطني للأحرار والاستقلال» مقارنة بنتائج انتخابات 2021، مقابل عودة قوية لحزب «العدالة والتنمية» إلى واجهة المشهد البرلماني.

وجاء الإعلان عن النتائج من قبل عبد الوالي لفتيت وزير الداخلية فجر اليوم (الخميس) بعد ساعات من إغلاق مكاتب التصويت، وبدء عمليات الفرز، في انتخابات تنافس فيها 28 حزباً وتحالفاً سياسياً على 395 مقعداً بمجلس النواب. وكان عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية قد بلغ 15801162 ناخباً، فيما بلغت نسبة المشاركة الوطنية 38.02 في المائة، مقابل 50.35 في المائة في انتخابات 2021.

أعضاء في حزب «العدالة والتنمية» يحتفلون بعد إعلان النتائج الأولية في الرباط أمس (إ.ب.أ)

وأظهرت النتائج حصول «الأصالة والمعاصرة» على 97 مقعداً، متقدماً إلى صدارة مجلس النواب، يليه «التجمع الوطني للأحرار» بـ66 مقعداً، ثم «الاستقلال» بـ65، فيما حل «العدالة والتنمية» رابعاً بـ54 مقعداً. وحصل «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» على 26 مقعداً، و«الحركة الشعبية» على 29، و«التقدم والاشتراكية» على 19، و«الاتحاد الدستوري» على 17، فيما نال «تجمع اليسار» 8 مقاعد، و«جبهة القوى الديمقراطية» 8، و«جبهة الإنصاف» مقعدين، و«الوحدة والديمقراطية» مقعداً واحداً.

وتكشف المقارنة مع انتخابات 2021 عن تحول واضح في ترتيب القوى الأربع الكبرى. فقد كان «الوطني للأحرار» في الصدارة آنذاك بـ102 مقعد، متبوعاً بـ«الأصالة والمعاصرة» بـ87، و«الاستقلال» بـ81، بينما لم يحصل «العدالة والتنمية» إلا على 13 مقعداً.

تغير الصدارة

أبرز التحولات في انتخابات 2026 تتمثل في انتقال «الأصالة والمعاصرة» (البام PAM) من 87 إلى 97 مقعداً، بزيادة عشرة مقاعد، في الوقت الذي فقد فيه «الوطني للأحرار» 36 مقعداً، منتقلاً من 102 إلى 66.

مركز اقتراع في الصويرة خلال الانتخابات التي شهدت إقبالاً متدنياً من الناخبين (د.ب.أ)

أما «الاستقلال» الذي كان ثالث قوة برلمانية في 2021 بـ81 مقعداً، فقد تراجع إلى 65، بخسارة 16 مقعداً، لكنه حافظ على موقعه ضمن القوى الثلاث الأولى.

وبذلك تغير ترتيب الأحزاب الثلاثة التي تصدرت انتخابات 2021 بصورة لافتة، فـ«الأحرار» انتقل من المرتبة الأولى إلى الثانية، و«البام» من الثانية إلى الأولى، بينما بقي «الاستقلال» في المرتبة الثالثة مع انخفاض وزنه البرلماني.

ولا تعني هذه التحولات، في حد ذاتها، انتقال أصوات محددة من حزب إلى آخر، إذ إن عدد المقاعد يتأثر بالمنافسة في الدوائر، وبنسب المشاركة، وبطريقة توزيع المقاعد، ولذلك تعكس الأرقام تغيراً في المخرجات البرلمانية أكثر مما تثبت وحدها مصادر التحول في سلوك الناخبين.

عودة قوية لـ«العدالة والتنمية»

أكثر التحولات حدة مقارنة بنتائج 2021 سجلها «العدالة والتنمية» الذي ارتفع من 13 مقعداً إلى 54، أي بزيادة 41 مقعداً، ليعود بذلك إلى المراكز الأربعة الأولى بعد أن كان قد تراجع إلى المرتبة الثامنة في الانتخابات السابقة.

وتكتسب هذه العودة دلالتها بالنظر إلى المسار الذي قطعه الحزب خلال العقد الأخير. ففي انتخابات 2016 حصل على 125 مقعداً، قبل أن ينهار إلى 13 في انتخابات 2021، التي أفرزت في المقابل صعود «الوطني للأحرار» إلى الصدارة بـ102 مقعد. وتظهر نتيجة 2026 استعادة الحزب جزءاً كبيراً من حضوره البرلماني السابق، وإن بقي رصيده دون مستواه في 2016.

مغربي يدلي بصوته في مركز اقتراع بالرباط الأربعاء (إ.ب.أ)

وتعيد هذه النتيجة «العدالة والتنمية» إلى قلب المنافسة البرلمانية، بعدما كانت المسافة بينه وبين القوى الثلاث الأولى في انتخابات 2021 واسعة للغاية. ففي تلك الانتخابات كان الفارق بين «الاستقلال» صاحب المركز الثالث، والعدالة والتنمية أكثر من ستين مقعداً، بينما تقلص الفارق في 2026 إلى 11 مقعداً بين الحزبين.

خريطة جديدة بالقوى الكبرى نفسها

رغم حجم التحولات في ترتيب الأحزاب، تكشف مقارنة أكثر تجريداً عن مفارقة أخرى، فالقوى الأربع الأولى في انتخابات 2026 هي نفسها التي كانت تتصدر المشهد في 2021، وهي «الأصالة والمعاصرة» و«الوطني للأحرار» و«الاستقلال» و«العدالة والتنمية».

كما أن مجموع مقاعد هذه الأحزاب الأربعة لم يتغير عملياً إلا بمقعد واحد، إذ انتقل من 283 مقعداً في 2021 إلى 282 مقعداً في 2026. لكن توزيع القوة داخل هذه المجموعة تغير جذرياً. فقد خسر «الأحرار» 36 مقعداً، و«الاستقلال» 16، بينما كسب «الأصالة والمعاصرة» 10، و«العدالة والتنمية» 41.

وتقدم هذه الأرقام قراءة مختلفة عن فكرة التحول الكامل في الخريطة الحزبية، فالذي تغير أساساً هو موازين القوة داخل مجموعة الأحزاب الكبرى. وفي الوقت نفسه، حققت بعض القوى الأصغر تقدماً، أبرزها «تجمع اليسار» الذي انتقل من مقعد واحد في 2021 إلى 8 مقاعد، و«جبهة القوى الديمقراطية» التي ارتفعت من 3 إلى 8 مقاعد، بينما تراجعت قوى أخرى مثل «الاتحاد الاشتراكي»، و«التقدم والاشتراكية»، و«الاتحاد الدستوري».

انتخابات بمشاركة قليلة

تأتي إعادة ترتيب موازين القوى في سياق انتخابي اتسم بتراجع المشاركة. فقد بلغت النسبة الوطنية 38.02 في المائة مقارنة بـ50.35 في المائة في انتخابات 2021، أي بانخفاض يتجاوز 12 في المائة. وكانت وزارة الداخلية قد أعلنت أن الاقتراع جرى في ظروف عادية في مختلف جهات المملكة، مع تسجيل بعض الحالات المحدودة والاستثنائية في عدد من مكاتب التصويت.

صحافيون يتابعون الأمين العام لـ«العدالة والتنمية» سعيد بن كيران وهو يعلق على النتائج الأولية للانتخابات في الرباط الأربعاء (إ.ب.أ)

ويمنح انخفاض المشاركة بعداً إضافياً لقراءة النتائج، لكنه لا يسمح وحده باستنتاج أن تراجع الإقبال كان سبباً مباشراً في صعود حزب بعينه، أو تراجع حزب آخر. فالنتيجة الانتخابية تتشكل أيضا من توزيع الأصوات على الدوائر، وعدد المرشحين، وقوة المنافسة المحلية، وآليات احتساب المقاعد.

وهكذا لا تبدو انتخابات 2026 مجرد استمرار مباشر للخريطة التي أفرزتها صناديق 2021. فهي أبقت القوى الحزبية الأربع نفسها في مقدمة المشهد، لكنها غيرت ترتيبها وأوزانها بصورة ملموسة: صعود «البام» إلى الصدارة، وتراجع «الأحرار»، و«الاستقلال»، وعودة «العدالة والتنمية» إلى موقع متقدم.

التحالفات الممكنة

وبينما تبدأ الأحزاب في قراءة نتائجها، وتحديد مواقعها داخل الأغلبية والمعارضة، تظل كل صيغ التحالف مفتوحة نظرياً، في ظل عدم امتلاك أي حزب -منفرداً- الأغلبية المطلقة البالغة 198 مقعداً.

غير أن إعادة إنتاج تحالف ثلاثي يجمع «الأصالة والمعاصرة» و«الوطني للأحرار» و«الاستقلال» تبدو أقل ترجيحاً من الناحية السياسية، بالنظر إلى الانتقادات التي رافقت تجربة الأغلبية السابقة، ولا سيما ما ارتبط بضعف المعارضة، وتشتتها، مقابل تمتع أحزاب الأغلبية بهيمنة عددية وسياسية واسعة داخل البرلمان.

وقد يدفع تغير موازين القوى داخل الأحزاب الكبرى وعودة «العدالة والتنمية» بقوة إلى إعادة صياغة معادلة الأغلبية، سواء عبر تحالفات بين بعض القوى المتصدرة، أو من خلال توسيعها لتشمل أحزاباً أخرى، فيما ستظل طبيعة المعارضة الجديدة مرتبطة بدورها بالتركيبة التي ستستقر عليها الأغلبية المقبلة.

اسمان مطروحان لقيادة الحكومة

ومنذ ما قبل انطلاق الاقتراع وحتى نهاية الحملة الانتخابية، برز اسمان داخل «الأصالة والمعاصرة» في النقاش غير الرسمي حول رئاسة الحكومة المقبلة، هما: فوزي لقجع، وفاطمة الزهراء المنصوري، بما يعكس أيضاً التحول الذي طرأ على موقع الحزب داخل الخريطة السياسية منذ تأسيسه سنة 2008 بمبادرة من فؤاد علي الهمة، الذي كان آنذاك وزيراً منتدباً في الداخلية قبل أن يصبح مستشاراً للملك، والذي ارتبط اسم الحزب في بداياته بمواجهة صعود «العدالة والتنمية».

ويأتي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الاتحاد المغربي لكرة القدم، في مقدمة الأسماء المتداولة، خصوصاً بعد انضمامه رسمياً إلى «الأصالة والمعاصرة» في 25 يوليو (تموز) الماضي، ودخوله مكتبه السياسي، في خطوة أعطت وزناً سياسياً لشخصية ارتبط حضورها العام بإدارة المالية العمومية، وبالنجاحات التي حققها المنتخب المغربي لكرة القدم، كما يرأس لجنة المغرب 2030 المكلفة بالتحضير للمونديال المشترك مع إسبانيا والبرتغال.

أما الاسم الثاني فهو فاطمة الزهراء المنصوري، عمدة مراكش، ووزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة منذ 2021، والتي تتولى منذ 2024 قيادة الأمانة العامة الجماعية لـ«الأصالة والمعاصرة». ويمنح طرح اسمها في هذا السياق بعداً إضافياً للنقاش، إذ ستكون في حال اختيارها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في المغرب.


مقالات ذات صلة

حزب الأصالة والمعاصرة يتصدر نتائج الانتخابات التشريعية في المغرب

شمال افريقيا مركز اقتراع خلال الانتخابات التشريعية في الرباط (ا.ب)

حزب الأصالة والمعاصرة يتصدر نتائج الانتخابات التشريعية في المغرب

أدلى الناخبون في المغرب بأصواتهم، في انتخابات برلمانية ستحدد شكل الحكومة التي ستشرف على المراحل النهائية لخطة تبلغ 20 مليار دولار استعدادا لكأس العالم 2030.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شمال افريقيا مغربيات خلال تسجيل أسمائهن قبيل الإدلاء بأصواتهن في الرباط يوم الأربعاء (إ.ب.أ)

المغاربة يدلون بأصواتهم في انتخابات تحدد شكل الحكومة

 أدلى الناخبون في المغرب بأصواتهم، الأربعاء، في انتخابات برلمانية ستحدد شكل الحكومة المقبلة التي ستشرف على مشروعات تهدف إلى معالجة قضايا الشباب.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
رياضة عربية النجم الدولي المغربي أشرف حكيمي (أ.ف.ب)

إحالة أشرف حكيمي للمحاكمة الجنائية بتهمة الاغتصاب

أيّدت محكمة النقض، الأربعاء، قرار إحالة النجم الدولي المغربي أشرف حكيمي إلى المحاكمة بتهمة الاغتصاب.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا حملة نسائية لحزب الاستقلال في سلا الجديدة بالقرب من الرباط (رويترز)

المغاربة يصوتون في انتخابات تحدد شكل الحكومة قبل «كأس العالم 2030»

يُصوّت الناخبون في المغرب، اليوم (الأربعاء)، في انتخابات ستحدد شكل الحكومة التي ستشرف على استعدادات كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
رياضة عربية لاعب الوسط المغربي الشاب إلياس هويرة (نادي كوبنهاغن)

أياكس يواجه منافسة شرسة على ضم الموهبة المغربية إلياس هويرة

 أبدى نادي أياكس اهتماما بالتعاقد مع لاعب خط الوسط المغربي الموهوب إلياس هويرة، الذي يحظى باهتمام العديد من الأندية الأوروبية الكبرى.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)

أمطار وسيول تضرب مدناً ليبية وتودي بحياة 3 أشخاص

غرق سيارة تقل أسرة ليبية من 3 أفراد في وادي زقار جنوب سوكنة (صفحات ليبية مقربة من أسرة الضحايا)
غرق سيارة تقل أسرة ليبية من 3 أفراد في وادي زقار جنوب سوكنة (صفحات ليبية مقربة من أسرة الضحايا)
TT

أمطار وسيول تضرب مدناً ليبية وتودي بحياة 3 أشخاص

غرق سيارة تقل أسرة ليبية من 3 أفراد في وادي زقار جنوب سوكنة (صفحات ليبية مقربة من أسرة الضحايا)
غرق سيارة تقل أسرة ليبية من 3 أفراد في وادي زقار جنوب سوكنة (صفحات ليبية مقربة من أسرة الضحايا)

أودت أمطار غزيرة تحوّلت إلى سيول جارفة في مناطق تمتد من جنوب ليبيا إلى وسطها، بحياة 3 أشخاص من أسرة واحدة، بينهم طفلة، وسط مخاوف من تفاقم الأوضاع، وتحذيرات من استمرار التقلبات الجوية.

واجتاحت السيول، خلال الساعات الماضية، المناطق الواقعة بين غيلان وبراك الشاطئ والجفرة، كما ارتفع منسوب المياه في عدد من الأودية والمسارات، ما أدّى إلى تعذر الحركة، وإغلاق طرق تربط بين مناطق جنوبية عدة.

ونشر المركز الوطني للأرصاد الجوية عبر حسابه الرسمي على منصة «فيسبوك» الخميس، مشاهد مصورة توثق اندفاع السيول في أرجاء بلدة درج، غرب ليبيا، محذراً من استمرار هطول الأمطار الرعدية على مناطق الشمال الغربي والجنوب بشدة تتراوح بين المتوسطة والغزيرة، ما يرفع احتمالية تدفق السيول وجريان الأودية في عدة مناطق.

وأفادت وسائل إعلام محلية بأن فرق الإنقاذ تمركزت في مناطق غيلان و«الـ25» وبوابة الفات (مفرق سوكنة) والجفرة؛ للتعامل مع تداعيات السيول وتقديم المساعدة للعالقين.

كما تحدّثت صفحات محلية عن وفاة المواطن عمر بركة وزوجته وابنته، إثر غرق سيارتهم في سيول وادي زقار جنوب سوكنة جنوب ليبيا، في حين نعت شخصيات اجتماعية وسياسية الضحايا، مشيرة إلى أن الأسرة تنحدر من منطقة غيلان.

وقالت الدكتورة رانيا الصيد، العضو المؤسس لـ«التجمع السياسي الوطني فزان»: «أنعى أهلي وإخوتي ضحايا السيول الجارفة في غيلان وبراك الشاطئ والجفرة؛ 3 أرواح من بيت واحد، من بينهم طفلة بريئة لم تكتمل ضحكتها بعد، جرفها السيل كما يجرف كل مرة أحلامنا البسيطة».

وانتهت رانيا الصيد قائلة في تصريح صحافي: «نحن في فزان، نفرح بالمطر ثم نبكيه، لأنه يكشف هشاشة حالنا، وانعدام قدراتنا في مواجهة التقصير».

وأعادت السيول المبكرة إلى الواجهة المخاوف المرتبطة بضعف البنية التحتية وشبكات تصريف المياه في مناطق الجنوب، خصوصاً مع تكرار تأثر بعض الطرق والأودية بالتقلبات الجوية الموسمية، ودائماً ما تعمق السيول الجارفة مدن ليبية، لا سيما في الجنوب، أزمة المواطنين هناك.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتابع فيه الجهات المعنية تطورات الحالة الجوية، وسط دعوات إلى توخي الحذر وتجنب مجاري السيول والأودية، لا سيما مع التحذيرات من احتمال استمرار هطول الأمطار في بعض المناطق.


الجزائر: أرصدة شقيق بوتفليقة تعيد جدل «الأموال المنهوبة» للواجهة

سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة (الشرق الأوسط)
سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة (الشرق الأوسط)
TT

الجزائر: أرصدة شقيق بوتفليقة تعيد جدل «الأموال المنهوبة» للواجهة

سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة (الشرق الأوسط)
سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة (الشرق الأوسط)

بينما يبدي كبار المسؤولين الجزائريين تفاؤلاً متزايداً إزاء التعاون السويسري في مسعى استعادة أصول مهرّبة إلى بنوكها، نقلت مجلة «لوبوان» الفرنسية عن مسؤول سويسري رفيع المستوى قوله إن القضاء في بلاده لا يزال بصدد التحقق مما إذا كانت هذه الأصول ناتجة عن عائدات فساد.

واستقبل رئيس «مجلس الأمة» الجزائري (الرجل الثاني في الدولة وفق الدستور)، عزوز ناصري، سفيرة سويسرا لدى الجزائر، ماريون ويشلت كروبسكي، في 21 سبتمبر (أيلول) الحالي. وخلال اللقاء الذي تطرق لعلاقات الصداقة والتعاون القضائي المشترك، أعلن ناصري عن «استعادة أكثر من 110 ملايين دولار من الأموال المنهوبة والمجمّدة في سويسرا». ومع غياب التفاصيل، قوبل الإعلان باحتفاء محلي باعتباره ترجمة لوعود الرئيس عبد المجيد تبون باستعادة أموال حقبة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة.

وزير العدل والشرطة السويسري خلال لقائه بنظيره الجزائري في 30 يونيو 2025 (وزارة العدل الجزائرية)

لم يكن عزوز ناصري أول مسؤول جزائري يتحدث عن إعادة سويسرا لهذه الثروة المخفية في حسابات مصرفية. ففي أبريل (نيسان) الماضي، أعلن تبون ووزير الخارجية أحمد عطاف أن الجزائر ستستعيد أكثر من 110 ملايين دولار من الأموال المختلسة والمجمّدة لدى الاتحاد السويسري. وتأتي عملية الإعادة هذه نتيجة اتفاقية التعاون القضائي التي تربط البلدين، والتي سمحت للقضاة الجزائريين بتوجيه 33 إنابة قضائية إلى نظرائهم السويسريين. وكان عطاف قد أوضح آنذاك أن 20 ملفاً تمت دراستها وقبولها، وأن أربعة ملفات أخرى تمت معالجتها بصورة نهائية.

لغز الملايين المعلّقة

وأكدت مجلة «لوبوان» الصادرة الخميس أنها تواصلت مع وزارة العدل السويسرية، فقدمت لها رواية للوقائع لا تتطابق مع رواية السلطات الجزائرية. ونقلت عن ليليان مارتان من المكتب الفيدرالي للعدل أن «سويسرا تدعم الجزائر في جهودها لمكافحة الفساد، وستعيد الأصول في أقرب وقت ممكن بمجرد إثبات مصدرها غير المشروع». وبحسب المسؤولة السويسرية، فإن المكتب لا يستطيع الإدلاء بمزيد من المعلومات بشأن الموضوع ما دامت «الإجراءات لا تزال جارية».

ووفق النشرة الدورية الفرنسية، يُفهم تصريح المسؤولة السويسرية بأن «الأمر لم يصل بعد إلى مرحلة تسلّم الأموال فعلياً». وتساءلت عن «الإجراءات القضائية التي باشرتها الجزائر في سويسرا، ومن هم الأشخاص الذين حُددت أسماؤهم في هذه الملفات التي كانت موضوع إنابات قضائية»،

وكتب مقال «لوبوان» الصحافي المحقق الجزائري فريد عليلات، المقيم بفرنسا، والممنوع من دخول الجزائر منذ عامين، بسبب مقالاته التي تعدّها السلطات «مناوئة». وجاء في المقال أن أبرز المستهدفين بهذه العمليات الرامية إلى استعادة الأموال، سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس السابق ومستشاره، الذي يقضي حكماً بالسجن لمدة 12 عاماً بتهمة الفساد في سجن بأطراف الصحراء الشاسعة، على بعد 630 كيلومتراً من الجزائر العاصمة.

فندق في برشلونة استعادته الجزائر بعد أن كان مملوكاً لرجل أعمال متهم بالفساد (صحف جزائرية)

وأفادت «لوبوان» بأن القضاء السويسري نقل في صيف 2023 إلى الجزائر، عبر القنوات الدبلوماسية، وثائق تتعلق بحساب لسعيد بوتفليقة في جنيف، تتضمن معلومات عن عدة تحويلات مالية تلقاها هذا الحساب، ولا سيما من منطقة الخليج وآسيا، بقيمة إجمالية تتجاوز 30 مليون دولار. ولم تنفِ الجزائر ولا سويسرا هذه المعلومات، حسب المجلة، في حين ظل المعنيّ بالأمر ينفي امتلاكه أصولاً في الخارج.

وأشارت المجلة الفرنسية إلى أن «إرسال وثائق مصرفية تخص أحد الأوليغارشيين شيء، وإعادة الأموال الموجودة في تلك الحسابات شيء آخر تماماً». وتابعت: «لكي توافق سويسرا على إعادة ملايين سعيد بوتفليقة يتعين على القضاة الجزائريين إثبات، من دون أدنى شك، أن مصدر هذه الأموال غير مشروع، أو أنها ناتجة عن غسل أموال، أو عن وقائع اختلاس وفساد مثبتة».

تحديات استرداد الأصول المنهوبة

وأشارت المجلة إلى أن ذلك ينطبق على الوزير السابق للصناعة عبد السلام بوشوارب، الذي يملك أموالاً في سويسرا يُشتبه في أن مصدرها غير مشروع، من بينها 1.7 مليون يورو جُمّدت في حسابه بناءً على طلب الجزائر، وتُربط بعقد لبناء سد مع شركة تركية يُعتقد أنه تضمن رشى بقيمة 11.5 مليون يورو. وقد رفض المكتب الفيدرالي السويسري للعدل في يوليو (تموز) 2023 طعن محاميه في قرار التجميد، في حين لا يزال غير واضح ما إذا كان المبلغ يدخل ضمن الـ110 ملايين دولار التي أعلنت الجزائر استعادتها، حسب «لوبوان».

وزير الصناعة السابق عبد السلام بوشوارب (الشرق الأوسط)

ومنذ الإطاحة بحكم عبد العزيز بوتفليقة في 2 أبريل 2019، على خلفية الحراك الشعبي الذي انطلق في فبراير (شباط) من العام نفسه، أطلقت السلطات الجزائرية حملة قضائية واسعة ضد الفساد طالت مسؤولين ورجال أعمال بارزين. وكان استرجاع الأموال والأصول المنهوبة في الخارج من أبرز وعود الرئيس عبد المجيد تبون، الذي أعلن في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 استعادة أصول وأموال بقيمة 30 مليار دولار. كما أُعيد إدماج عدد من الممتلكات المسترجعة، بينها شركات ومصانع، في الاقتصاد الوطني تحت إدارة مؤسسات عمومية.

كما كثفت الجزائر مساعيها القضائية لدى دول يُعتقد أن أموالاً مهربة إليها، سواء عبر إيداعها في حسابات مصرفية أو استثمارها في العقارات. وتبرز سويسرا، إلى جانب إسبانيا، ضمن أبرز الدول التي أعلنت الجزائر استعادة أموال أو أصول منها، في حين سبق لمدريد أن سلمتها فندقاً فاخراً في برشلونة كان مملوكاً لرجل الأعمال علي حداد الذي أُدين في قضايا فساد. ولا يزال الحجم الإجمالي للأموال التي يُعتقد أنها هُرّبت خلال عهد بوتفليقة غير معروف رسمياً.


المطالبات المصرية بـ«الانتقال سريعاً» إلى التعافي المبكر في غزة تواجه تحديات

وزير الخارجية المصري يستضيف مائدة مستديرة حول التعافي المبكر في غزة على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة الخميس (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
وزير الخارجية المصري يستضيف مائدة مستديرة حول التعافي المبكر في غزة على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة الخميس (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
TT

المطالبات المصرية بـ«الانتقال سريعاً» إلى التعافي المبكر في غزة تواجه تحديات

وزير الخارجية المصري يستضيف مائدة مستديرة حول التعافي المبكر في غزة على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة الخميس (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
وزير الخارجية المصري يستضيف مائدة مستديرة حول التعافي المبكر في غزة على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة الخميس (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

مطالبات مصرية ببدء مسار التعافي المبكر والإعمار في القطاع تزداد وتيرتها مع النقص الكبير في الغذاء والدواء في قطاع غزة مع استمرار العدوان الإسرائيلي، رغم اتفاق وقف إطلاق النار في القطاع أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

تلك المطالب التي رفعتها مصر في اجتماع دولي في نيويورك برئاسة مشتركة بين مصر وألمانيا وفرنسا والمفوضية الأوروبية، تهدف إلى جعل التعافي المبكر جزءاً من عملية تنفيذ خطة السلام وليس مرحلة مؤجلة إلى ما بعد الانتهاء من جميع الملفات السياسية والأمنية، حسب دبلوماسي مصري سابق لـ«الشرق الأوسط».

ويرى مسؤول طبي فلسطيني في قطاع غزة تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أن تلك المطالب تأتي استمراراً لجهود مصرية مقدَّرة لكنها تواجه على أرض الواقع تحديات عديدة بسبب تعنت إسرائيل، داعياً المجتمع الدولي للضغط على تل أبيب لوقف تلك الانتهاكات.

وأفادت وزارة الخارجية المصرية، في بيان الخميس، بأن بعثة بلادها الدائمة لدى الأمم المتحدة في نيويورك، استضافت المائدة المستديرة رفيعة المستوى حول التعافي المبكر في قطاع غزة تحت عنوان «من شرم الشيخ إلى المرحلة الثانية: ترسيخ السلام والتعافي المبكر»، مشيرةً إلى أنها عُقدت برئاسة مشتركة بين مصر وألمانيا وفرنسا والمفوضية الأوروبية.

وشهد اللقاء «التباحث حول الأوضاع المأساوية في قطاع غزة وسبل ضمان نفاذ المساعدات الإنسانية والإغاثية بصورة آمنة ومستدامة ودون عوائق، فضلاً عن ضرورة الإسراع في إطلاق جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وبما يوفر سبل العيش الكريم للشعب الفلسطيني».

ميدانياً، قال نائب مدير عام الرعاية الأولية للصحة العامة في وزارة الصحة بقطاع غزة الدكتور رامي العبادلة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «التعافي المبكر يواجه عديداً من التحديات؛ أبرزها النقص الحاد في المساعدات الإنسانية؛ وتشمل الغذاء، والدواء، والمأوى الصالح للسكن، بخلاف عدم إعادة إعمار البنية التحتية من شبكات مياه وصرف صحي وكهرباء وطرق واتصالات، وعدم إنشاء تجمعات سكانية من كرفانات أو بيوت متنقلة متوفر بها بنية تحتية، فضلاً عن عدم إعادة إعمار المستشفيات والمراكز الصحية من خلال ترميم المستشفيات التي يمكن إعادة تشغيلها، وبناء بديل المدمَّر، وعدم إعادة بناء وترميم المدارس والجامعات».

شاب يشرب الماء من وعاء خلال تجميع الأنقاض من مبنى دُمِّر خلال حرب إسرائيل على غزة (أ.ف.ب)

وأشار العبادلة إلى أنه في ظل منع الاحتلال دخول الخيام أو البيوت المتنقلة أو مواد البناء أو قطع غيار للأجهزة أو معدات ثقيلة لفتح الطرق لرفع الركام، ستستمر المعاناة، مؤكداً أن الاحتلال هدفه الرئيسي ألا تكون في غزة حياة ضمن مخطط للتهجير القسري، ولكن عبر أسلوب منع أساسيات احتياجات الإنسان سواء من الغذاء والسكن والتعليم والصحة.

ودعا المجتمع الدولي للضغط على الاحتلال لإدخال مقومات الحياة الأساسية لتمكّن السكان من العيش، وعدم التعامل مع القوانين الدولية بازدواجية في المعايير، مؤكداً أن القانون الدولي واحد وليس فيه تأويل، وأن ضرب الاحتلال بكل القوانين عرض الحائط يحوِّل العالم إلى غابة، وأن الجميع سيعاني مستقبلاً.

وعن الجهود المصرية، أوضح المسؤول الطبي الفلسطيني أن «مصر مشكورة على الجهود التي تبذلها على الصعد كافة، لكن المشكلة في استمرار الاحتلال الشبيه بالسرطان في تخطيه كل الخطوط الحمراء».

وخلال المائدة المستديرة، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، «أهمية الانتقال سريعاً من الاستجابة الإنسانية الطارئة إلى التعافي المبكر وإعادة الإعمار، كون ذلك التزاماً لا يمكن تأخيره»، موضحاً أن «الأولوية تتمثل في ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، ورفع العراقيل الإسرائيلية ذات الصلة».

وشارك في الاجتماع الدولي، وزيرة التنمية الألمانية ريم العبالي-رادوفان، ووزيرة خارجية فرنسا إيلينور كاروا، ودوبرافكا شويتسا المفوضة الأوروبية لشؤون المتوسط، بمشاركة رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى، عبر الوسائل الافتراضية، بخلاف وزير خارجية النرويج إسبن إيدي، ونظيره في إندونيسيا سوجيونو، ووزراء التعاون الدولي لبريطانيا وقطر والإمارات، ومسؤولين أمميين بينهم ألكسندر دي كرو مدير برنامج الأمم المتحدة الانمائي، وتوم فليتشر وكيل السكرتير العام للشؤون الإنسانية، وراميز الأكباروف نائب المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط.

جانب من المائدة المستديرة حول التعافي المبكر في غزة على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

كما ضم الاجتماع ممثلي مجلس السلام واللجنة الوطنية لإدارة غزة، وعدداً من كبار المسؤولين من باكستان وتركيا واليابان، وإيطاليا، وإسبانيا، وعدداً من الدول الأوروبية، حسب بيان للخارجية، الخميس.

ويرى مساعد وزير الخارجية الأسبق محمد حجازي، أن أهمية التحرك المصري تكمن في طرح التعافي المبكر بوصفه جزءاً من عملية تنفيذ خطة السلام وليس مرحلة مؤجلة إلى ما بعد الانتهاء من جميع الملفات السياسية والأمنية، موضحاً أن توفير الغذاء والدواء والمياه والكهرباء والمأوى والخدمات الأساسية للفلسطينيين يمثل شرطاً ضرورياً لترسيخ وقف إطلاق النار وتهيئة البيئة اللازمة للانتقال إلى إعادة الإعمار.

صبي يحمل قطعة من الخرسانة خلال تجميع الأنقاض من مبنى مدمَّر في غزة (أ.ف.ب)

وأضاف حجازي أن مصر تمتلك، بحكم موقعها الجغرافي ودورها في الاتصالات مع مختلف الأطراف، قدرة مهمة على الربط بين الأمم المتحدة والدول المانحة والمؤسسات الدولية والأطراف الفلسطينية والإسرائيلية، بما يسمح بتحويل التوافق الدولي حول ضرورة استمرار المساعدات إلى آليات عملية ومستدامة تضمن وصولها إلى سكان القطاع دون عوائق، مشيراً إلى أن نجاح هذا المسار يتطلب التزام جميع الأطراف، وبصفة خاصة إزالة القيود التي تعوِّق النفاذ الإنساني.

وأشار إلى أن المائدة المستديرة اكتسبت أهمية إضافية من اتساع المشاركة الدولية فيها، بما شمل ألمانيا وفرنسا والمفوضية الأوروبية ودولاً عربية وأوروبية وآسيوية، إلى جانب الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية، معتبراً أن هذا الحشد يمكن أن يشكل قاعدة دولية لحشد التمويل والخبرات وتنسيق جهود إعادة الإعمار، شريطة وجود آلية واضحة للتمويل والتنفيذ والرقابة.

ورغم تلك الجهود المصرية الأوروبية الغربية، يؤكد حجازي أن «نجاح المرحلة المقبلة سيتوقف على قدرة المجتمع الدولي على الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة عملية التعافي والسلام رغم عراقيل إسرائيل».