مصر تؤكد اتخاذ جميع «التدابير» لحماية حقوقها المائية

جددت رفض الإجراءات الأحادية في حوض النيل الشرقي

وزيرا الخارجية المصريان بدر عبد العاطي والري هاني سويلم خلال لقاء تنسيقي الثلاثاء (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)
وزيرا الخارجية المصريان بدر عبد العاطي والري هاني سويلم خلال لقاء تنسيقي الثلاثاء (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)
TT

مصر تؤكد اتخاذ جميع «التدابير» لحماية حقوقها المائية

وزيرا الخارجية المصريان بدر عبد العاطي والري هاني سويلم خلال لقاء تنسيقي الثلاثاء (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)
وزيرا الخارجية المصريان بدر عبد العاطي والري هاني سويلم خلال لقاء تنسيقي الثلاثاء (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

شددت مصر على اتخاذ جميع «التدابير» اللازمة لحماية حقوقها المائية، كما جددت رفضها الإجراءات الأحادية في حوض النيل الشرقي.

وخلال لقاء «تنسيقي» بين وزيري الخارجية بدر عبد العاطي والموارد المائية والري هاني سويلم، الثلاثاء، أكد الوزيران أن مصر «سوف تتخذ جميع التدابير المكفولة لها بموجب القانون الدولي لحماية حقوقها ومقدرات شعبها الوجودية».

وبحث الوزيران سبل تعزيز العلاقات المصرية مع دول حوض النيل، ودفع برامج التعاون التنموي، وتوسيع نطاق المشروعات والبرامج المصرية الموجهة لدعم التنمية والأمن المائي بالقارة الأفريقية، إلى جانب تنسيق المواقف والتحركات المصرية إزاء قضايا المياه على المستويين الإقليمي والدولي.

وأكدا في بيان مشترك أورده مجلس الوزراء أن الحفاظ على الأمن المائي المصري «لا يتعارض مع تطلعات الأشقاء إلى التنمية»، وأن نهر النيل «مورد مائي مشترك يتعين إدارته وفقاً للقانون الدولي، لا سيما مبدأ عدم الإضرار ووجوب التعاون من خلال الإخطار المسبق والتشاور والتوافق».

والخلاف قائم بين القاهرة وأديس أبابا بسبب نزاع ممتد لنحو 15 عاماً بشأن مشروع «سد النهضة» الذي أنشأته إثيوبيا على رافد نهر النيل الشرقي، وتخشى مصر أن يؤثر على حصتها المائية.

وتصاعدت في الآونة الأخيرة حدة التوترات بين البلدين، التي برزت في تصريحات إعلامية متبادلة، كان أحدثها دعوة وزير المياه الإثيوبي السابق، شيفيراو جارسو، حكومة بلاده إلى مطالبة مصر بتعويض عن استخدامها مياه نهر النيل.

مصر تشدد على اتخاذ كل التدابير لحماية حقوقها المائية (صفحة وزارة الري على فيسبوك)

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، رخا أحمد حسن، أن التنسيق بين وزارتي الخارجية والري «يهدف إلى الدمج بين الجانبين الفني والدبلوماسي والسياسي في التعاطي مع أزمة سد النهضة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «إلمام الدبلوماسيين بالجوانب الفنية لأزمة السد يُساهم في توضيح رؤية القاهرة، ومواجهة المغالطات الإثيوبية بأن السد لن يؤثر على مصر والسودان».

وأضاف: «التصعيد الإعلامي الإثيوبي يأتي من قبيل الدعاية والمغالطات، ويهدف إلى التغطية على أزمات الداخل».

وأكد وزيرا الخارجية والري المصريان في البيان المشترك، الثلاثاء، أن السياسة الخارجية المصرية في دول حوض النيل «تتأسس على التعاون والتنمية وتحقيق المصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة»، وأن الموقف المصري «ينطلق من إيمان راسخ بأن تحقيق الأمن المائي والتنمية أهداف متكاملة وليست متعارضة»، وأن الموارد المائية العابرة للحدود «ينبغي أن تكون مجالاً للتعاون والتكامل بين الشعوب من خلال الالتزام بالقانون الدولي».

وقال أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، طارق فهمي، إن بيان وزيري الخارجية والري يأتي للتأكيد على المحددات الأساسية للموقف المصري تجاه «سد النهضة»، وعدم تغير خطاب القاهرة تجاه الأزمة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «البيان المشترك ينطوي على بلورة لإعادة بناء الموقف المصري والتأكيد عليه، ويحمل رسائل رادعة للجانب الإثيوبي»، مفادها أنه في ظل مناخ جديد إقليمياً ودولياً فإن مصر «لن تقبل سياسة الأمر الواقع لبناء سدود أخرى».

وقد تشهد الفترة المقبلة، بحسب فهمي، «رسائل مصرية سياسية أخرى، ليس بالضرورة عسكرية، لكنها ستضغط على أديس أبابا وستشكل ردعاً مبكراً يشمل غلق ملف إنشاء سدود أخرى»، مشيراً إلى أن الخطاب المصري «قد يتغير خلال الفترة المقبلة».

سد النهضة الإثيوبي (رويترز)

وشهد اللقاء التنسيقي بين وزيري الخارجية والري استعراضاً لموقف مشروعات التعاون المصرية في دول حوض النيل، لا سيما مشروعات السدود، التي كان أحدثها مشروع «سد جوليوس نيريري» العملاق في تنزانيا.

وأكد عبد العاطي وسويلم على التطور المتواصل في آليات التمويل التنموي المصري بدول حوض النيل، وفي مقدمتها «الآلية التمويلية» التي أطلقتها مصر بمخصصات مبدئية تبلغ 100 مليون دولار لدراسة وتنفيذ المشروعات بما فيها السدود في دول حوض النيل الجنوبي وفقاً لأولويات تلك الدول، إضافة إلى أنشطة «الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية»، و«المبادرة المصرية لتنمية دول حوض النيل» في بناء القدرات وتعزيز المهارات وتنفيذ مذكرات التفاهم الثنائية بين مصر ودول حوض النيل.


مقالات ذات صلة

هل تصبح «الحرب في السودان» مساراً جديداً للتصعيد بين مصر وإثيوبيا؟

شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان في العلمين خلال أكتوبر الحالي (الرئاسة المصرية)

هل تصبح «الحرب في السودان» مساراً جديداً للتصعيد بين مصر وإثيوبيا؟

تلميحات متبادلة بين مصر وإثيوبيا، شهدتها جلسة بمجلس الأمن بشأن الحرب المندلعة في السودان منذ أبريل 2023.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا مؤسسة «موديز» ترفع التصنيف الائتماني لمصر   (الشرق الأوسط)

لماذا لا تنعكس التصنيفات الإيجابية للاقتصاد المصري على وضع الجنيه؟

أثارت تصنيفات إيجابية بشأن الاقتصاد المصري تساؤلات حول انعكاس ذلك على وضع العملة الرسمية (الجنيه) التي تشهد تراجعاً أمام الدولار الأميركي.

عصام فضل (القاهرة )
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)

السيسي يؤكد: 2030 نهاية فترة حكمي... وتجهيز أحد أقاربي للرئاسة «مرفوض»

جدد الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، تأكيده أن نهاية فترة رئاسته «أمر محسوم» في عام 2030، وشدد مجدداً على عدم تعديل الدستور، نافياً تجهيز أحد أقاربه لحكم مصر.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شؤون إقليمية جانب من تدريبات «نسور الحضارة 2026» بين القاهرة وبكين في أغسطس الماضي (موقع وزارة الدفاع المصرية)

قلق إسرائيلي من «قوة» الجيش المصري رغم إعلان السيسي «التمسك بالسلام»

السبت ركزت منصة «ناتسيف نت» الإسرائيلية على التقارير الصادرة عن شبكات الإعلام الصينية والدولية حول المناورات الجوية الأخيرة بين مصر والصين «نسور الحضارة 2026».

هشام المياني (القاهرة )
العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)

السيسي يؤكد استعداد مصر لتنفيذ أي تدخل تطلبه السعودية لحماية أمنها

في إطار جهود مصر لوقف التصعيد في المنطقة طالب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، السبت، البرلمان بعقد جلسة طارئة لتفويضه في أي تدخل تطلبه السعودية.

فتحية الدخاخني (القاهرة)

«الوحدة» الليبية تعوّل على مشاركة «البلديات» بالمسار الأممي

وزير الحكم المحلي المكلف في حكومة «الوحدة» محمد بن غلبون ونائبة مبعوثة الأمم المتحدة ستيفاني خوري خلال لقاء في طرابلس الخميس (وزارة الحكم المحلي)
وزير الحكم المحلي المكلف في حكومة «الوحدة» محمد بن غلبون ونائبة مبعوثة الأمم المتحدة ستيفاني خوري خلال لقاء في طرابلس الخميس (وزارة الحكم المحلي)
TT

«الوحدة» الليبية تعوّل على مشاركة «البلديات» بالمسار الأممي

وزير الحكم المحلي المكلف في حكومة «الوحدة» محمد بن غلبون ونائبة مبعوثة الأمم المتحدة ستيفاني خوري خلال لقاء في طرابلس الخميس (وزارة الحكم المحلي)
وزير الحكم المحلي المكلف في حكومة «الوحدة» محمد بن غلبون ونائبة مبعوثة الأمم المتحدة ستيفاني خوري خلال لقاء في طرابلس الخميس (وزارة الحكم المحلي)

تعوّل حكومة «الوحدة الوطنية» (المؤقتة) في غرب ليبيا على إشراك عمداء البلديات ومجالسها المنتخبة في العملية السياسية، التي ترعاها الأمم المتحدة، في وقت تبحث فيه البعثة الأممية توسيع قاعدة المشاركة الوطنية في لجنة الاجتماع المصغر «4+4»، بهدف التوصل لتوافق أوسع بشأن قوانين تمهد للانتخابات، وتفضي لتوحيد السلطة التنفيذية.

بدا ذلك على نحو واضح ضمن محادثات وزير الحكم المحلي المكلف في حكومة «الوحدة» محمد بن غلبون مع نائبة مبعوثة الأمم المتحدة ستيفاني خوري، حول مستجدات العملية السياسية، وآليات تعزيز مشاركة البلديات في المسار الأممي، خلال لقاء عُقد الخميس الماضي، وفق بيانَين للبعثة والحكومة الليبية السبت.

واستعرضت خوري خلال اللقاء تطورات «خريطة الطريق» السياسية، التي تيسّرها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، إلى جانب ما تحقق في إطار اتفاق الاجتماع المصغر. وشدد بن غلبون على أهمية دفع العملية السياسية قدماً من خلال إشراك عمداء البلديات ومجالسها المنتخبة، مؤكداً ضرورة دعم النساء اللواتي يتولين رئاسة المجالس البلدية أو عضويتها.

وقوبل طلب حكومة «الوحدة» بترحيب من جانب المسؤولة الأممية لـ«العمل مع المسؤولين المنتخبين على المستوى المحلي»، واتفق الجانبان على مواصلة التواصل، واستكشاف فرص تعزيز التعاون، خصوصاً في المبادرات التنموية، وضمان مشاركة البلديات بصورة فاعلة وذات معنى في العملية السياسية.

وبحسب بيان الحكومة الليبية في طرابلس، فقد تناول اللقاء أيضاً عقد اجتماعات مع البلديات لاطلاعها على مستجدات المسار السياسي، والجهود الأممية، ومناقشة الآليات التي يمكن من خلالها تعزيز مساهمتها في هذه العملية. كما بحث الطرفان تنسيق الاستفادة من الدعم الدولي عبر اللجنة الوطنية العليا، المعنية بتنظيم هذا الدعم وتنسيقه، بما يساعد على توحيد الجهود وربطها بالأولويات الوطنية.

ويأتي هذا التحرك في وقت تتجه فيه البعثة الأممية إلى بحث صيغ أوسع للتمثيل السياسي، بعدما أكدت المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن الأربعاء الماضي، استمرار المشاورات مع أعضاء لجنة «4+4» خلال أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، بشأن الخطوات المقبلة، ومن بينها خيار إنشاء آلية وطنية واسعة التمثيل، استناداً إلى المادة الخامسة من الاتفاق، وبالتشاور مع مجلس الأمن.

المبعوثة الأممية متحدثة خلال جلسة مجلس الأمن بشأن ليبيا الأربعاء الماضي (لقطة من تسجيل مصور)

وتنص المادة الخامسة على اعتماد الاتفاق وطنياً من خلال آلية واسعة التمثيل، تكفي لإضفاء صفة الوثيقة الدستورية عليه، ودولياً عبر مجلس الأمن، بما يضمن التزام الأطراف بأحكامه إذا تعذر على مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة الموافقة على الاتفاق بصيغته الموقعة خلال شهر من تاريخ توقيعه.

ويفتح هذا المسار الباب أمام توسيع دائرة المشاركين في العملية السياسية، بدلاً من حصرها في الأطراف المنخرطة في الترتيبات القائمة، وتحديداً «الجيش الوطني» في شرق البلاد، وحكومة «الوحدة» في غربها، وإن كان نجاحه سيظل مرتبطاً بمدى التوافق على آلية التمثيل وصلاحياتها، وقدرة المشاركين على التوصل إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ.

وفي ليبيا، التي لم تشهد انتخابات تشريعية منذ عام 2014، تبرز أهمية المجالس البلدية باعتبارها الأجسام الوحيدة المنتخبة في بلد يعاني انقساماً سياسياً وعسكرياً منذ سنوات، علماً بأنه تم انتخاب ممثلين لنحو 119 بلدية في انتخابات عُقدت بين نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 وفبراير (شباط) 2026.

من حملة الانتخابات البلدية السابقة (مفوضية الانتخابات)

غير أن مراقبين يرون أن تحديات صعبة تواجه توسيع المشاركة المحلية في ليبيا؛ إذ لا يقتصر الأمر على تحديد الأطراف التي ستشارك في أي آلية وطنية جديدة، بل يمتد إلى ضمان قدرة ممثلي البلديات على التواصل، والعمل بعيداً عن التجاذبات بين السلطات المتنافسة.

ويلقي المشهد الليبي المنقسم بظلاله على عمل البلديات ومجالسها المنتخبة؛ إذ يخضع بعضها لسلطة حكومة «الوحدة» في غرب البلاد برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والأخرى تتعامل مع الحكومة المكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، والتي تسيطر على شرق البلاد وأجزاء واسعة من جنوبها، وتحظى بدعم «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

وسبق أن أفادت تقارير محلية، الشهر الماضي، بإيقاف عدد من عمداء البلديات بقرار من السلطات، عقب تواصلهم مع مسؤولين في طرابلس. وهي «قيود» أثارت قلق المبعوثة الأممية هانا تيتيه في إحاطتها أمام مجلس الأمن الأربعاء الماضي. غير أن المبعوثة الأممية عادت ورحبت بما ورد عن إعادة بعض العمداء إلى أعمالهم، وأشارت إلى توقع إلغاء قرارات الإيقاف بحق الباقين، ووجّهت رسالة واضحة إلى جميع الأطراف بضرورة «ضمان تمكين المسؤولين المنتخبين محلياً من أداء مهامهم وخدمة مجتمعاتهم من دون تدخل».


جدل إيرادات النفط يتصاعد في ليبيا وسط مطالبات بـ«تحقيق مستقل»

رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان (الصفحة الرسمية للمؤسسة)
رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان (الصفحة الرسمية للمؤسسة)
TT

جدل إيرادات النفط يتصاعد في ليبيا وسط مطالبات بـ«تحقيق مستقل»

رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان (الصفحة الرسمية للمؤسسة)
رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان (الصفحة الرسمية للمؤسسة)

يثير التباين في الأرقام المعلنة لإيرادات النفط الليبي جدلاً متصاعداً بين «مصرف ليبيا المركزي» و«المؤسسة الوطنية للنفط»، بعدما ظهرت فجوة تُقدّر بمئات الملايين من الدولارات بين الأرقام المعلنة من جانب المؤسستَيْن الاقتصاديتَيْن السياديتَيْن، قبل أن يقدم ديوان المحاسبة تفسيراً محاسبياً للفارق، لكن دون حسم جميع التساؤلات المتعلقة بسلامة الإجراءات.

هذا التباين في أرقام الإيرادات النفطية أثار موجة ارتباك واسعة منذ نهاية الأسبوع الماضي، واستمر حتى السبت، حسب متابعين، وسط تساؤلات عن إدارة المورد الرئيسي لمالية الدولة، التي تعتمد على النفط في تمويل نحو 82 في المائة من إنفاقها العام، فيما يبلغ الإنتاج نحو 1.4 مليون برميل يومياً، وفق الأرقام المتداولة.

حقل الشرارة النفطي (وكالة الأنباء الليبية)

أزمة تضارب البيانات

جاءت تحذيرات اقتصاديين وخبراء واضحة من أن تضارب البيانات «يمسّ ثقة الليبيين بإدارة ثروتهم»، وهي رؤية الخبير المصرفي نعمان البوري في منشور عبر صفحته على موقع «فيسبوك»، الجمعة.

غير أن الرئيسة السابقة لقسم التعاقدات في «المؤسسة الوطنية للنفط»، نجوى البشتي، ذهبت إلى اعتبار أن السجال الحاصل لا ينبغي اختزاله في اختلاف الأرقام، بل يستوجب فحص الإجراءات المنظمة للإيرادات، بما يشمل الخصومات والتسويات والمقاصات، وفق ما ذكرت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، السبت.

محافظ مصرف ليبيا المركزي محمد ناجي عيسى خلال مشاركته في الجلسة العامة للاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين الجمعة (الصفحة الرسمية للمركزي)

ومنذ سنوات، تُورَّد العائدات الدولارية لمبيعات النفط الليبي إلى حسابات المؤسسة الوطنية للنفط، قبل تحويلها إلى حساب سيادي تابع للمصرف المركزي في المصرف الليبي الخارجي، الذي يتولى إدارة الإيرادات العامة وتوفير التمويل اللازم للإنفاق الحكومي، فيما لم تستبعد نجوى البشتي أن يكون «هناك خلل في المصرف الليبي الخارجي»، حسب رؤيتها.

وبدأ السجال قبل أيام، وتحديداً في 14 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، عندما أعلن المصرف المركزي أن إيرادات النفط التي وصلت إلى حساباته منذ بداية الشهر بلغت 361 مليون دولار، في وقت أعلنت فيه المؤسسة الوطنية للنفط أرقاماً أعلى بكثير للمبالغ المحالة إلى الحساب السيادي لدى المصرف الليبي الخارجي، بلغت نحو 1.448 مليار دولار خلال الفترة نفسها، وهو ما أثار تساؤلات بشأن أسباب الفارق بين الرقمَيْن، والبالغ أكثر من مليار دولار.

واجهة البنك المركزي في طرابلس (رويترز)

ودخل ديوان المحاسبة، أكبر جهاز رقابي في البلاد، على خط هذا السجال، مساء الجمعة، قائلاً إن «إجمالي الإيرادات المحصلة في حسابات المؤسسة لدى المصرف الليبي الخارجي بلغ نحو 1.448 مليار دولار، خُصّص منها 864.57 مليون دولار لحساب المحروقات، مقابل تحويلات إلى المصرف المركزي بلغت 577.41 مليون دولار».

لكن هذا التدخل الرقابي لم يحسم بمفرده جميع الأسئلة المتعلقة بالتعاقدات والتوريدات، ولا مدى الالتزام بالإجراءات المعتمدة في إدارة الأموال المخصصة لاستيراد الوقود.

وشددت نجوى البشتي على ضرورة فتح تحقيق مستقل من مكتب النائب العام الليبي، الصديق الصور، للتحقق من سلامة الإجراءات ومدى توافقها مع التشريعات وقواعد إدارة الإيرادات العامة، ورأت أن النفط بوصفه المورد الأساسي للخزانة الليبية، لا ينبغي أن يكون موضع سجال بين المؤسسات، وأن تحديد المسؤوليات يجب أن يستند إلى المستندات والبيانات المالية.

الرؤية السابقة أيضاً يتبناها البوري، الذي دعا إلى نشر حسابات موثّقة لإيرادات النفط، وإخضاعها لتدقيق مستقل ومساءلة المسؤولين عن أي مخالفات.

عبء دعم الوقود

لا تقتصر التساؤلات على الفروق المحاسبية بين المؤسستَين، بل تمتد إلى ملف الوقود المدعوم، الذي يمثّل عبئاً مالياً على الدولة، وسط اتهامات محلية ودولية بتهريبه على نطاق واسع، بما يثير تساؤلات بشأن تكلفة الدعم، وآليات توزيعه، وحجم الخسائر التي تتكبّدها الخزانة العامة.

ومن منظور اقتصاديين، ومن بينهم الأكاديمي وأستاذ الاقتصاد الليبي عبد الحميد الفضيل، فإن التضارب بين هذه البيانات يكشف عن «خلاف عميق بين المؤسستَيْن بدأ يطفو على السطح الآن، وأن حجم الفساد كبير جداً في ملف المحروقات»، وفق ما قال عبر حسابه في «فيسبوك»، الجمعة.

الصديق الصور (مكتب النائب العام)

وسبق أن كشفت المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه عن أن «ما يتراوح بين 30 و50 في المائة من واردات الوقود المدعوم في البلاد يُفقد بسبب التهريب، بقيمة تتراوح بين 2.4 و4.4 مليار دولار»، حسب ما أوردته في إحاطتها أمام مجلس الأمن الأسبوع الماضي.

وتشير تقديرات أممية إلى أن دعم الوقود يفرض عبئاً مالياً متزايداً على الدولة، في وقت تحقّق فيه عمليات التهريب أرباحاً كبيرة للمتورطين فيها، وتتسبب في خسائر للخزانة العامة، ونقص في الإمدادات يعاني منه المواطنون والمؤسسات الحيوية، ما يُعيد ملف إدارة عائدات النفط إلى دائرة المساءلة والرقابة.


هل تصبح «الحرب في السودان» مساراً جديداً للتصعيد بين مصر وإثيوبيا؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان في العلمين خلال أكتوبر الحالي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان في العلمين خلال أكتوبر الحالي (الرئاسة المصرية)
TT

هل تصبح «الحرب في السودان» مساراً جديداً للتصعيد بين مصر وإثيوبيا؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان في العلمين خلال أكتوبر الحالي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان في العلمين خلال أكتوبر الحالي (الرئاسة المصرية)

تلميحات متبادلة بين مصر وإثيوبيا، شهدتها جلسة بمجلس الأمن بشأن الحرب المندلعة في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023، وسط خلافات مستمرة بين القاهرة وأديس أبابا بسبب ملفي «سد النهضة» و«المنفذ البحري».

وتتباين آراء مختصين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» حول إمكانية أن تصبح «الحرب في السودان» مساراً جديداً للتصعيد بين مصر وإثيوبيا. ويرون أن الأمر «يتوقف على مدى انخراط الجانبين في هذا الملف وتطوراته على الأرض».

ومنذ بداية الحرب في السودان، تقف مصر داعمة للمؤسسات الشرعية بالسودان، على رأسها الجيش السوداني، وترفض تحركات الميليشيا، وتدعو إلى «ضرورة وقف الحرب والبدء في عملية سياسية شاملة تجمع مختلف مكونات المجتمع»، مقابل اتهامات من الخرطوم لأديس أبابا بـ«دعم قوات الدعم السريع».

وفي الجلسة التي أقيمت، الجمعة، دعا مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة إيهاب عوض إلى «عدم تغاضي المجتمع الدولي ومجلس الأمن عن التعامل الجاد مع الأدلة والشواهد التي تشير إلى تورط دولة مجاورة للسودان في إشعال الصراع»، وحث على «توجيه تحذير مباشر إليها لوقف تأجيج النزاع وتعريض المدنيين والمنشآت المدنية للخطر».

وأدان الانتهاكات التي ترتكبها «قوات الدعم السريع»، ودعا إلى محاسبة المسؤولين عنها والتصدي للشبكات التي تسهم في تأجيج الحرب، وفق إعلام محلي.

بالمقابل، قال مندوب إثيوبيا الدائم لدى الأمم المتحدة تيفيرا دريبو، إن «بلاده تحترم سيادة السودان ووحدة أراضيه واستقلاله السياسي»، مؤكداً أن «بلاده تحتفظ بأدلة بشأن أسلحة تهرب إلى إثيوبيا»، دون تفاصيل أكثر.

وأعرب دريبو عن قلق بلاده إزاء تقارير إعلامية قال إنها «تفيد بانخراط دولة مجاورة للسودان بصورة مباشرة في الحرب، بما في ذلك عبر إطلاق الطائرات المسيرة، فضلاً عن تقارير بشأن ضربات جوية وقصف مدفعي من دولة مجاورة تسببا في مقتل مدنيين داخل الأراضي السودانية».

غير أن مندوب السودان الحارث إدريس اتهم أديس أبابا، قائلاً إن «الجيش السوداني أسقط طائرة مسيرة إثيوبية في 30 مايو (أيار) الماضي بمنطقة خور الذهب الحدودية»، مضيفاً أنها «كانت تقوم بتصوير مواقع وطرق داخل الأراضي السودانية على عمق 45 كيلومتراً».

وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، اتهم رئيس أركان الجيش السوداني الفريق أول ياسر العطا، إثيوبيا بالسعي إلى استغلال الحرب في بلاده للتوسع داخل الأراضي السودانية والسيطرة على مناطق حدودية، وربط بين اتهامات الخرطوم السابقة لأديس أبابا بدعم «قوات الدعم السريع» وما وصفه بمخطط إثيوبي للوصول إلى البحر الأحمر.

المحلل السوداني المتخصص في الشؤون الأفريقية، عبد المنعم أبو إدريس، يقول إنه «منذ بداية الحرب في السودان وهي ساحة تنافس، حيث تدعم إثيوبيا (الدعم السريع) بينما تساند مصر الجيش؛ لكن هذا التنافس كان يجري دون الإفصاح عنه بصورة علنية، إلا أنه يبدو أن مداخلات مندوبي الدولتين في مجلس الأمن عبرت علنية عن موقفي العاصمتين، ما سيجعل هذا التنافس يمضي خطوة إلى الأمام».

وأكد أبو إدريس أنه «في حال تطورت الأوضاع في المنطقة وصار التنافس أكثر حدة بين القوتين فسيستخدم كل منهما ما لديه من أدوات، وفي حال سارت التطورات في منطقة النيل الأزرق جنوب شرقي السودان والتي تجري فيها مواجهات عسكرية كبيرة بين الجيش السوداني و(الدعم السريع)، قد تضطر مصر إلى اتخاذ خطوات أكبر في الصراع السوداني»، بحسب رأيه.

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان خلال لقاء سابق مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في أغسطس 2019 (رويترز)

في المقابل، يرى الباحث الإثيوبي في الشؤون الأفريقية، موسى شيخو، أن «القاهرة تسعى إلى توجيه القرار السياسي والأمني السوداني بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، الأمر الذي يثير مخاوف من تقليص استقلالية القرار السوداني وتحويل السودان إلى امتداد للسياسة المصرية»، وفق رأيه.

وبحسب شيخو، «يمكن تفسير التحركات الإثيوبية باعتبارها استجابة دفاعية للنفوذ المصري المتزايد في السودان، وليست بالضرورة سعياً إلى توسيع الصراع أو التدخل في الشؤون السودانية، فضلاً عن أنها ترتبط بحسابات أديس أبابا في حماية حدودها الغربية، وأمن سد النهضة، ومنع استخدام الأراضي السودانية ضمن ترتيبات إقليمية تستهدف مصالحها».

كما يرى أن «محاولة احتكار التأثير على القرار السوداني، بدلاً من احترام استقلاليته، قد تدفع إثيوبيا إلى اتخاذ إجراءات سياسية وأمنية لحماية مصالحها»، لافتاً إلى أنه «لا يتمثل جوهر التنافس في رغبة إثيوبيا في مزاحمة مصر داخل السودان، بل في رفض تحويل السودان إلى أداة في الصراع الإقليمي، ويبقى احترام السيادة السودانية واستقلال قرارها أساساً لأي استقرار مستدام».

لكن نائب «المجلس المصري للشؤون الأفريقية» السفير صلاح حليمة يؤكد أن «الموقف المصري تجاه السودان ثابت لا حياد فيه، ويقوم على أساس راسخ استهدف دوماً الحفاظ على وحدة السودان وسلامته الإقليمية ومؤسساته الوطنية، ورفض أي تدخلات خارجية في شؤونه الداخلية أو محاولات تفتيته».

ويشير إلى وجود شراكة استراتيجية متكاملة تربط البلدين في المجالات الأمنية، والعسكرية، والسياسية والاقتصادية، معتبراً أن أمن السودان واستقراره يمثلان «خطاً أحمر» بالنسبة للقاهرة.

ويحذر حليمة من «الدور الإثيوبي السلبي والمتواطئ في الأزمة السودانية، متمثلاً في تقديم تسهيلات عسكرية، وتدريبات، ودعم لوجيستي لـ(قوات الدعم السريع)، وهو ما أسفر عن انتهاكات جسيمة وجرائم حرب ضد الإنسانية»، وفق قوله.

ويضيف أن «الأمن القومي لكل من مصر والسودان يمثل وجهين لعملة واحدة، والقاهرة لن تتردد في الالتزام بخطوطها الحمراء لحماية أمنها القومي».

كما يلفت حليمة إلى أن «استمرار النهج الإثيوبي الأحادي في زعزعة أمن القرن الأفريقي، والبحر الأحمر، وتجاهل المواثيق الدولية، فضلاً عن مساعيها للوصول إلى منافذ بحرية عبر سياسات الصدام مع دول الجوار مثل الصومال وإريتريا، يضع المنطقة على حافة مواجهة شاملة، إذا لم تتراجع أديس أبابا عن سياساتها».