ماذا قال رفاق القذافي عن اختفاء موسى الصدر؟

روايات للهوني وجلود وشلقم والتريكي والمسماري

الإمام موسى الصدر (أرشيفية)
الإمام موسى الصدر (أرشيفية)
TT

ماذا قال رفاق القذافي عن اختفاء موسى الصدر؟

الإمام موسى الصدر (أرشيفية)
الإمام موسى الصدر (أرشيفية)

رغم مرور خمسة عشر عاماً على سقوط نظام معمر القذافي، لم تتضح بعد خيوط اختفاء الإمام موسى الصدر، رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، خلال زيارة إلى ليبيا في 31 أغسطس (آب) 1978. كان برفقة الصدر في الزيارة الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين، ولم يُعثر على أي أثر للثلاثة. وحتى الساعة، لم تنشر الأجهزة اللبنانية حصيلة الاتصالات التي أجرتها مع القوى التي أدارت ليبيا بعد سقوط القذافي عام 2011. كان موضوع اختفاء الإمام الصدر بين المواضيع التي كنت أُثيرها مع المسؤولين الليبيين في حواراتي معهم عن القذافي وعهده وارتكاباته. وأُورد هنا شهادات سمعتها منهم.

العقيد معمر القذافي (أرشيفية - رويترز)

عبد المنعم الهوني... تصفية طيّار القذافي

بعد «الفاتح من سبتمبر (أيلول)» 1969، تاريخ الانقلاب الذي قاد القذافي إلى السلطة، تولى عبد المنعم الهوني مناصب عدة. كان عضواً في مجلس الثورة وتولى إدارة المخابرات، وكذلك حقيبتا الداخلية والخارجية. سألت الهوني عن قضية الزعيم الشيعي اللبناني، فأجاب: «واضح أن الإمام الصدر تعرّض للتصفية. هذه القصة يقينية وهي قناعة كل الليبيين الذين التقيتهم. سأكشف لك عن مسألة. كان عديلي طياراً يقود طائرة القذافي واسمه نجم الدين اليازجي وكان برتبة مقدم. بعد فترة وجيزة من اختفاء الإمام الصدر تعرّض عديلي للتصفية. أفراد الأسرة قالوا إن لاغتياله علاقة بقصة الصدر فهو تولى نقل جثة الإمام لدفنها في جنوب ليبيا في منطقة سبها. ويقول الأقارب إن معرفته بقصة موسى الصدر دفعت الأجهزة الليبية إلى قتله لإخفاء السر، وهي مسائل تحدث في مثل هذا النوع من الجرائم».

جلود: الخميني اكتفى بطلب توضيح

عبد السلام جلود: فاتحت العقيد بالموضوع فقال: أتتهمني؟

بعد أيام من انتصار «الثورة الإيرانية» في 1979، زار وفد ليبي برئاسة «الرجل الثاني» في النظام، عبد السلام جلود، طهران للتهنئة، والتقى الإمام الخميني. سألت جلود إن كان الخميني تطرّق في اللقاء إلى موضوع اختفاء الصدر، فأجاب: «نعم. تمنى صدور توضيح حول ملابسات هذه المسألة، وكي لا تكون هناك أي عقبة أمام التعاون بين الثورتين. خلال وجودي في الفندق، نظّمت نظاهرة أمامه ضمت 37 شخصاً بقيادة شقيقة الصدر وزوجها وأطلقوا هتافات، لكن عناصر الأمن التابعين للثورة سارعوا إلى إبعادهم وتفريقهم». سألته إن كانت قضية الصدر شكّلت لاحقاً عائقاً في العلاقات مع طهران، فأجاب: «لا، وكما قلت لك سابقاً، أعطينا إيران صواريخ ولعبنا دوراً أساسياً في حصولها على الأسلحة» خلال الحرب مع العراق في ثمانينات القرن الماضي. أضاف: «اجتمعت بالصدر مرة واحدة في لبنان في منتصف السبعينات. ولم أكن أصلاً على علم بزيارته إلى ليبيا. حين عرفت باختفائه، تألّمت كثيراً لسببين؛ الأول يتعلق بشخصه وما يمثله. والثاني لأنني اعتبرت الفعل خسيساً؛ إذ ليس من عادات العربي أن يدعو أحداً إلى بيته أو بلده ثم يوقع به. لا الأخلاق العربية تقبل ولا القيم الإسلامية. كانت القصة غريبة وفُرض عليها تعتيم شديد». سألته إن كان فاتحَ القذافي بموضوع الصدر، فرد: «ألمحت مرة إلى الموضوع فاكتفى بالقول: أتتهمني؟ وتوقف الحديث». وعمّا قيل عن مشادة حصلت بين القذافي والصدر، قال: «لا أعرف التفاصيل. لكنني سمعت قبل سنوات أن ضابط الشرطة الذي انتحل شخصية الصدر وزار إيطاليا بجواز سفره بعد إخفائه وضع له معمّر حراسة مشددة خوفاً من اختطافه بعدما بدأ الحديث عن دوره هذا». ورداً على سؤال عما إذا كان يعتقد أن الصدر قُتل ودُفن، أجاب: «عقلي يقول لي هذا. يستحيل أن يكون مخفياً حتى الآن. طبعاً أنا كنت سمعت من القذافي قبل الحادثة ما يعبّر عن انزعاجه من قيام إيران بإرسال رجال دين لديهم نفوذ لدى الشيعة العرب. الحقيقة لم أكن أتصوَّر أن يصل الأمر إلى هذه الدرجة».

شلقم: جاء إلى ليبيا بتوصية من بومدين

مؤتمر صحافي للإمام موسى الصدر (مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات)

سألت وزير الخارجية الأسبق عبد الرحمن شلقم عن قصة الصدر، فأجاب بأنه قابله مرة واحدة حين جاء إلى القاهرة لإلقاء محاضرة وكان شلقم طالباً فيها. وأوضح أنه كان قيد الإقامة الجبرية حين جاء الصدر إلى ليبيا. وأضاف: «هناك أخبار أنه جاء إلى ليبيا بتوصية من الرئيس (الجزائري) هواري بومدين. وتردد أنه طلب مساعدة من الرئيس الجزائري فنصحه بلقاء القذافي. قيل إن خلافاً حصل بين القذافي والصدر على قضايا دينية. وهذا ممكن، فالقذافي سنّي مالكي والصدر شيعي. أثيرت لاحقاً مسألة أن شخصاً انتحل صفة الصدر وذهب إلى إيطاليا». وتابع: «ذات يوم كنتُ وزيراً للخارجية ونتمشى في باب العزيزية قال لي القذافي: يا عبد الرحمن أنت الطليان أصحابك وبينهم وزيرا الخارجية والداخلية. أريد فقط أن أعلم الحقيقة في موضوع موسى الصدر. بعد سقوط نظام القذافي راجت سيناريوهات كثيرة. ثمّة من تحدث عن دور محتمل في تصفية الصدر لصبري البنا (أبو نضال) زعيم ما كان يسمى (فتح - المجلس الثوري). تساءل كثيرون عما إذا كان حصل على مبلغ من المال وتسبب المبلغ في تعرضه لما تعرض له. سألت فلم يؤكد أحد قصّة المال. عبد المنعم الهوني يقول إن الصدر قُتل في ليبيا».

عبد السلام التريكي (أرشيفية - أ.ف.ب)

التريكي: جريمة غريبة

طرحت السؤال نفسه على وزير الخارجية الليبي الأسبق علي عبد السلام التريكي، فأجاب: «نتحدث هنا بأمانة. أنا لا علم لديّ بالتفاصيل. لم يأت الإمام الصدر إلى ليبيا من طريق (وزارة) الخارجية. الدور الوحيد للوزارة كان مقتصراً على دعوة نقلها القائم بالأعمال الليبي في بيروت إلى الصدر. بعد ذلك تم التنسيق مع جهات أخرى. أنا لم ألتق الصدر. ما كنت أسمعه هو أنه رجل مناضل وصاحب موقف قومي». وأضاف: «نحن في الخارجية لم نعرف كيف وصل ولا متى. لاحقاً وبعد تركي منصب وزير الخارجية، اهتمت الوزارة بإجراء اتصالات مع الإيطاليين، فقالت السلطات يومذاك إنه غادر طرابلس إلى روما. شاع لاحقاً أن نقاشاً حاداً حصل بين القذافي والصدر وأدى إلى ما أدى إليه. والقصة غريبة إذ لم تكن لهذه الحادثة الخطرة والمؤسفة أي فائدة لليبيا أو للعمل القومي، وألحقت الكثير من الأضرار. إنها جريمة غريبة لا أعرف لمصلحة من حصلت وفي أي سياق».

رواية المسماري أمين المراسم و«ظل العقيد»

رئيس الاستخبارات في عهد القذافي عبد الله السنوسي في أثناء محاكمته في ليبيا عام 2014 (أرشيفية - رويترز)

كان نوري المسماري أميناً للمراسم برتبة وزير دولة، وكان بمثابة «ظل العقيد» في إقامته وأسفاره. سألته عن موضوع الصدر وتركته يروي: «حدث شيء لم أقدّر أهميته في حينه. اتصل بي عبد الله السنوسي وكان يومها ضابطاً صغيراً في إدارة الاستخبارات الحربية ومكتبها في شارع الشط، وكانت تعمل برئاسة النقيب عبد الله الحجازي. طبعاً هذه رتبته آنذاك وهو ممن كان معمر القذافي يسميهم (الضباط الأحرار). سألني السنوسي: هل من الضروري أن تختم السلطات الإيطالية جواز سفر من يريد الدخول إلى أراضيها؟ أجبت: طبعاً، لا بد من ختمه. فهذه هي القواعد المعمول بها في أي دولة. أنهى المكالمة. كلَّمني السنوسي لاحقاً وقال لي: سأرسل لك جوازات سفر والمطلوب تأمين تأشيرات لأصحابها إلى إيطاليا. أعتقد أن الجوازات كانت ثلاثة ونحن نتكلم عن واقعة حصلت قبل عقود. أتاني جندي أرسله السنوسي وأعطاني الجوازات. لم يكن لديّ ما يدفع إلى الشكوك، لكنني فتحت الجوازات ووجدت أن واحداً منها هو للإمام موسى الصدر رحمه الله. لم تعلق الأسماء الأخرى بذاكرتي. اتصلت بالسفير الإيطالي وقلت إننا نريد تأشيرات لضيوف عندنا فأبدى ترحيبه. أرسلت الجوازات ولكن سرعان ما اتصل السنوسي مجدداً يسأل: هل انتهت؟ قلت له إن الأمر يحتاج إلى بعض الوقت وسأرسلها لك فور إعادتها إليّ. وهذا ما حصل. لاحقاً سمعت عن اختفاء الإمام الصدر فبقيت الواقعة في ذاكرتي خصوصاً أن السنوسي هو من أرسل الجوازات». أكد المسماري أن الصدر لم يغادر ليبيا، وأن الإيطاليين أبرياء وتعرضوا لخديعة. فقد دخل ثلاثة أشخاص بينهم ضابط طويل القامة ارتدى ثياب الصدر. تعمّد هؤلاء ترك جوازات الصدر ورفيقيه في الفندق ومعها سجادة صلاة الإمام وغادروا لاحقاً إلى إيطاليا بجوازات سفر دبلوماسية ليبية.

حقائق

لغز اختفاء موسى الصدر

الهوني: قتلوا عديلي الطيار بعدما نقل جثته إلى سبها

جلود: فاتحت العقيد بالموضوع فقال: أتتهمني؟ وأوقف الحديث

شلقم: القذافي طلب مني الاستفسار من الطليان عن الحقيقة

التريكي: دور الخارجية اقتصر على دعوته... وهي جريمة غريبة

المسماري: عبد الله السنوسي طلب مني إعداد تأشيرة الإمام إلى إيطاليا وكانت خدعة


مقالات ذات صلة

قلق ليبي من تأثيرات سلبية للمياه الجوفية على مشروعات الإعمار

شمال افريقيا مياه جوفية مرتفعة المنسوب في أحد شوارع مدينة زليتن غرب ليبيا (اللجنة الفنية العليا لمتابعة ظاهرة طفح المياه الجوفية)

قلق ليبي من تأثيرات سلبية للمياه الجوفية على مشروعات الإعمار

يزداد القلق في ليبيا من تأثيرات ارتفاع منسوب المياه الجوفية على مشروعات الإعمار، وسط شكاوى من غرق منازل وشوارع وتضرر أراضٍ زراعية.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا وكيل وزارة الدفاع بـ«الوحدة» عبد السلام الزوبي يتوسط رئيس الأركان العامة صلاح النمروش (إلى اليسار) ورئيس هيئة الرقابة الإدارية عبد الله قادربوه في لقاء سابق (وزارة الدفاع)

ليبيا: مناوئو الدبيبة يلوّحون بإعادة تفعيل «المجالس العسكرية»

عقد المجلس العسكري في مصراتة الليبية اجتماعاً حضره ممثلون عن المجالس العسكرية في 11 مدينة بغرب ليبيا، اتفقوا خلاله على تفعيل المجالس العسكرية وتكوين اتحاد لها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء بين الفريق فرج الصوصاع المدعي العام العسكري بشرق ليبيا وكريم خان المدعي العام لـ«الجنائية الدولية» في نوفمبر 2022 (القيادة العامة)

انتقادات حادة للبعثة الأممية في ليبيا بسبب موقفها من «إعدامات بنغازي»

أثارت إعدامات نُفذت بحق أكثر من 30 شخصاً في بنغازي انتقادات للبعثة الأممية لدى ليبيا بعد دعوتها سلطات شرق البلاد إلى وقف تنفيذ أحكام إعدام جديدة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مهاجرون أفارقة يتلقون الإسعافات من خفر السواحل الليبي (خفر السواحل الليبي)

المهاجرون الإريتريون في سجون ليبيا... تعذيب وتجويع واغتصاب

وجد مهاجرون إريتريون كانوا يأملون في الوصول إلى أوروبا، أنفسهم محتجزين في سجن بشرق ليبيا تحت رحمة سجّانين يطالبون عائلاتهم بدفع مبالغ مالية مقابل إطلاق سراحهم.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
شمال افريقيا كشافة طرابلس يؤدون التحية لصورة شيخ المجاهدين عمر المختار في متحفه بمدينة بنغازي شرق ليبيا (الشرق الأوسط)

في الذكرى 95 لإعدامه... عمر المختار رمز تاريخي يتحدى الانقسام الليبي

بعد 95 عاماً على إعدامه، لا يزال المناضل الليبي عمر المختار يحتفظ بمكانته بوصفه أحد أبرز الرموز التاريخية الجامعة لليبيين، في بلد أنهكه الانقسام السياسي.

علاء حموده (بنغازي (ليبيا))

بعد أزمة الصحراء... العلاقات الجزائرية - الإسبانية أمام اختبار جديد

الوزير الأول الجزائري خلال استقبال رئيس الحكومة الإسبانية في 20 يوليو 2026 (الوزارة الأولى الجزائرية)
الوزير الأول الجزائري خلال استقبال رئيس الحكومة الإسبانية في 20 يوليو 2026 (الوزارة الأولى الجزائرية)
TT

بعد أزمة الصحراء... العلاقات الجزائرية - الإسبانية أمام اختبار جديد

الوزير الأول الجزائري خلال استقبال رئيس الحكومة الإسبانية في 20 يوليو 2026 (الوزارة الأولى الجزائرية)
الوزير الأول الجزائري خلال استقبال رئيس الحكومة الإسبانية في 20 يوليو 2026 (الوزارة الأولى الجزائرية)

تضع قضية تسليم رجل الأعمال أيوب عيسيو العلاقات بين الجزائر وإسبانيا أمام اختبار عسير، بعد أن خرجت منذ فترة قصيرة من أزمة حادة لامست القطيعة بسبب اعتراف مدريد عام 2022 بخطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء.

ويُعد رجل الأعمال والمعارض الجزائري واحداً من أكثر الشخصيات ملاحقة من طرف الجزائر، لارتباطه بوجهاء النظام المتهمين بالفساد خلال فترة حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999-2019).

أما عيسيو فقال، في تصريحات حديثة نقلتها صحيفة «ذي أوبجكتيف» الإخبارية الإسبانية، إنه يخشى أن يؤدي الإفراج عنه في إسبانيا إلى اندلاع أزمة دبلوماسية جديدة مع الجزائر. وكانت هذه المرة الأولى التي يتحدث فيها للصحافة منذ استعاد حريته، بعد أن ظل رهن الحبس الاحتياطي في إسبانيا.

رجل الأعمال الجزائري أيوب عيسيو (ناشطون في مجال محاربة الفساد)

وتنظر المحكمة الوطنية الإسبانية، حالياً، في طلب التسليم الذي تقدمت به الجزائر.

وكانت محاكم جزائرية قد أصدرت بحقه عدة أحكام بالسجن في عدة قضايا، أحدثها عام 2025، بتهم تتعلق بالفساد والتزوير وتبييض الأموال، غير أن عيسيو يؤكد أن الأمر برمته «ذو خلفية سياسية» مرتبطة بنشاطه الإعلامي ومواقفه المعارضة.

الملاحقة القضائية

كان قد تم توقيف رجل الأعمال الأربعيني يوم 25 يوليو (تموز) الماضي في مطار برشلونة عندما كان عائداً من المغرب. وفي 4 سبتمبر (أيلول) الحالي غادر السجن، بعد أن طلبت النيابة الإفراج عنه، وقررت استبدال عدة تدابير احترازية بالحبس الاحتياطي، من بينها سحب جواز السفر، ومنعه من مغادرة إسبانيا، وإلزامه بإبلاغ المحكمة بأي تغيير في محل إقامته، والمثول أمامها كل أسبوعين.

ومنذ أن استعاد حريته، طُرح هذا السؤال في الأوساط السياسية والإعلامية الجزائرية: ماذا سيحدث بين إسبانيا والجزائر لو ثبّتت المحكمة قرار رفض تسليمه؟

ولا يزال يتعيّن على المحكمة الوطنية الإسبانية أن تبت في الطلب الذي قدمته الجزائر. وسيواجه عيسيو هذه المرحلة وهو طليق.

وبعد سنوات من المواجهة مع الحكومة الجزائرية، ومن تهديدات يقول إنه تعرض لها في فرنسا، ومن سجنه في إسبانيا، يرى عيسيو أن الإفراج عنه قد زاد الصراع حدة، ويؤكد أن قضيته تحولت إلى «مسألة سياسية من الدرجة الأولى» في الجزائر.

ويدفع عيسيو عن نفسه صفة «الهارب» التي تنسبها إليه الجزائر، ويقول إنه خلال السنوات الأخيرة سافر عبر بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا والسويد وإسبانيا وبلدان أوروبية أخرى، من دون اختباء أو خوف من توقيفه.

كواليس إمبراطوريته

تعود مشكلات عيسيو مع القضاء الإسباني إلى متابعات في الجزائر تتعلق بـ«التزوير وغسل الأموال»، حيث سارعت النيابة العامة الجزائرية فور توقيفه إلى إرسال ملف تسليم متكامل إلى السلطات الإسبانية المختصة.

وكان عيسيو يتنقل بحرية بين عواصم أوروبية وعربية مستعيناً بجواز سفر ووثائق ثبوتية تعود إلى جمهورية أنتيغوا وبربودا في الكاريبي، اشتراها بمبلغ 150 ألف دولار، «معتقداً أنه بمنأى عن الملاحقة القضائية»، وفقاً لما كتبته صحيفة «الوطن» الجزائرية بعد توقيفه.

وعيسيو هو صهر رجل الأعمال، عضو حزب «التجمع الوطني الديمقراطي»، بشير ولد زميرلي، المسجون في الجزائر بتهم «الفساد المالي»، وهو أيضاً محسوب على فريق الحكم السابق.

سقوط الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة عجّلت بمحاكمة رجال في دائرته بتهم فساد (الشرق الأوسط)

وشقّ عيسيو، الذي انطلق أواخر التسعينات وبداية الألفينات بائعاً للمأكولات السريعة بالعاصمة، طريق صعود لافت توَّجه بتأسيس إمبراطورية مالية وتجارية شملت الاستيراد، والزراعة، والمنتجات الغذائية، ومواد البناء، والمقاولات العقارية، بالإضافة إلى إطلاق قناة «الجزائرية وان» عام 2012، التي أُغلقت، وهي حالياً منصة رقمية يديرها عيسيو بنفسه، تنشر مقالات شديدة اللهجة ضد السلطة في الجزائر.

ومع اندلاع الحراك الشعبي سنة 2019، سارع لتهريب أمواله إلى الخارج، وتحويل أصوله نحو فرنسا وسويسرا وكندا وإسبانيا، تاركاً أشقاءه الخمسة وصهره في الواجهة لإدارة أعماله ومشروعات العقار غير المكتملة.

وأفضت التحقيقات القضائية التي أُعيد فتحها بدءاً من عام 2024 إلى كشف ثروات هائلة تعود إليه وإلى أقاربه تُقدّر بنحو 30 مليار دينار (نحو 225 مليون دولار)، شملت 17 شركة وعشرات العقارات الصناعية والزراعية والمركبات السكنية الفاخرة بالعاصمة وفي وهران.

وشكّل «ملف استعادة الأصول والممتلكات المُهربة إلى إسبانيا» محور مباحثات رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز مع المسؤولين الجزائريين خلال زيارته للجزائر في 20 يوليو (تموز) الماضي، متزامناً مع تعهدات بمضاعفة التعاون، استناداً إلى سابقة استعادة الجزائر فندقاً فاخراً ببرشلونة يعود إلى رجل الأعمال المدان بالفساد علي حداد.

ومنذ عام 2019، سلمت مدريد الجزائر عدداً من الرعايا المطلوبين قضائياً في قضايا فساد واختلاس، طالت على وجه الخصوص مسؤولين في شركات عمومية ومتعاملين اقتصاديين متورطين في تهريب أموال وتحويلات غير مشروعة، إلى جانب ناشطين محسوبين على معارضة الحكومة الجزائرية. كما سُلّم عسكريون معارضون، أشهرهم محمد بن حليمة ومحمد عبد الله.


الأمم المتحدة: عودة أكثر من 5 ملايين نازح سوداني إلى ديارهم

أطفال في حديقة بالعاصمة السودانية الخرطوم (أ.ب)
أطفال في حديقة بالعاصمة السودانية الخرطوم (أ.ب)
TT

الأمم المتحدة: عودة أكثر من 5 ملايين نازح سوداني إلى ديارهم

أطفال في حديقة بالعاصمة السودانية الخرطوم (أ.ب)
أطفال في حديقة بالعاصمة السودانية الخرطوم (أ.ب)

اختار أكثر من خمسة ملايين نازح العودة إلى ديارهم في السودان، رغم الحرب الأهلية المستمرة والصعوبات القصوى، وفق ما كشفت الأمم المتحدة، الاثنين.

وقالت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، في بيان نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»: «يعود كثر إلى بلدٍ ما زال يرزح تحت وطأة النزاع، حيث المنازل والمدارس والعيادات المتضرّرة غير قادرة على تلبية الاحتياجات». وأضافت: «من دون دعم عاجل، تواجه الأسر خطر النزوح مجدداً».

وتستمر الحرب في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، وأسفرت عن مقتل أكثر من 200 ألف شخص بحسب تقديرات عاملين في مجال الإغاثة، وتشريد أكثر من 12 مليون سوداني، في أسوأ أزمة إنسانية في العالم بحسب الأمم المتحدة.

وتشير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن نحو خمسة ملايين فروا إلى دول الجوار. لكن بعد استعادة الجيش السوداني السيطرة على الخرطوم في العام الماضي، بدأ كثر ممن نزحوا يعودون إلى العاصمة ومناطق أخرى يعتقدون أن الوضع الأمني فيها قد تحسّن.

وقالت المنظمة الدولية للهجرة، الاثنين، إن بيانات جديدة تشير إلى أن 5.15 مليون شخص عادوا إلى 76 محلّة في تسع ولايات سودانية، بزيادة قدرها 4 في المائة مقارنة بالشهر الماضي.

وأشارت إلى أن 8.58 مليون شخص ما زالوا نازحين داخلياً، موضحة أن هذا الرقم أقل بنسبة 1 في المائة عن الشهر الماضي، وأدنى بنحو الربع مقارنة بذروة الأزمة. وعلى الرغم من هذا التراجع، لفتت الوكالة إلى أن أعداد النازحين في السودان تُعد من الأكبر في العالم.

واعتبرت أن انعدام الأمن المستمر ما زال يدفع مزيداً من الناس إلى ترك ديارهم في أنحاء من دارفور وكردفان والنيل الأزرق.

مع ذلك، رحّبت المنظمة الدولية للهجرة بتجاوز عتبة خمسة ملايين عائد، معتبرة ذلك «علامة نادرة على إحراز تقدّم في أزمة إنسانية طويلة الأمد».

وقالت المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة إيمي بوب، في بيان: «لكن الوصول إلى الديار هو مجرّد بداية». وأضافت: «إذا لم نساعدهم الآن، سيُجبر كثر على النزوح مجدداً. علينا أن نستثمر في هذه المجتمعات اليوم لكي يتمكن الناس من إعادة بناء حياتهم والبقاء».

وأوضحت المنظمة أن 82 في المائة من العائدين كانوا قد نزحوا داخلياً، في حين عاد نحو 930 ألفاً من الخارج، معظمهم من مصر وجنوب السودان وليبيا. ولفتت إلى أن نصف العائدين هم دون الثامنة عشرة.


«النواب» الليبي يبقي الملف البحري «قيد الدراسة» بسبب الانقسام السياسي

محادثات بين برلمانيين ليبيين ويونانيين في أثينا الخميس الماضي (مجلس النواب الليبي)
محادثات بين برلمانيين ليبيين ويونانيين في أثينا الخميس الماضي (مجلس النواب الليبي)
TT

«النواب» الليبي يبقي الملف البحري «قيد الدراسة» بسبب الانقسام السياسي

محادثات بين برلمانيين ليبيين ويونانيين في أثينا الخميس الماضي (مجلس النواب الليبي)
محادثات بين برلمانيين ليبيين ويونانيين في أثينا الخميس الماضي (مجلس النواب الليبي)

أبقى مجلس النواب الليبي ملف ترسيم حدودها البحرية في شرق البحر المتوسط «قيد الدراسة»، في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي والمرحلة الانتقالية الممتدة منذ عام 2011، ما يؤجل حسم الاتفاقات البحرية ويجعلها رهناً بتوافقات داخلية وحسابات إقليمية تتجاوز الجوانب القانونية والفنية للملف.

وعادت قضية ترسيم الحدود البحرية إلى الواجهة خلال مباحثات لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الليبي مع أعضاء في البرلمان اليوناني نهاية الأسبوع الماضي في أثينا، وسط تأكيد ليبي أن اتفاقات ترسيم الحدود البحرية لا تزال قيد الدراسة داخل البرلمان في بنغازي، مع مراعاة مصالح جميع الدول المعنية بالحدود وفق الأطر القانونية ذات الصلة.

ويعكس هذا الموقف حرصاً برلمانياً على إبقاء ملف الحدود البحرية ضمن مسار مؤسسي، في ظل المرحلة الانتقالية التي تمر بها ليبيا، وتعقيدات القضايا المرتبطة بترسيم الحدود مع دول الجوار والمتوسط.

جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (المركز الصحافي لرئيس المجلس عقيلة صالح)

وعبّر نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية، حسن البرغوثي، عن هذا التوجه في بيان أصدره المجلس، قائلاً: «إن التعامل مع هذه الملفات يتطلب الحوار والهدوء، إلى حين بلوغ البلاد مرحلة أكثر استقراراً تسمح بحسمها».

«تشابك المصالح»

تكتسب المسألة حساسية خاصة بسبب تشابك المصالح الليبية مع تركيا واليونان ومصر، فضلاً عن ارتباطها باحتياطات النفط والغاز ومسارات الاستثمار في شرق المتوسط.

ويزيد الانقسام الداخلي من صعوبة بلورة موقف ليبي موحد، في وقت تتوزع فيه السلطة بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد في الشرق.

وفي هذا السياق، يتبنى عضو مجلس النواب، عبد السلام نصية، وجهة النظر القائلة بأن حسم ملف الحدود البحرية وحماية الموارد الليبية «يبدأ من معالجة الانقسام الداخلي، وتوحيد مؤسسات الدولة والقرار السيادي».

وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن «هشاشة الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية خلال المرحلة الانتقالية الطويلة جعلت ليبيا ساحة لتقاطع مصالح قوى إقليمية».

وذهب نصية إلى التأكيد على أن الموقف الليبي من شرق المتوسط ينبغي أن ينطلق من «المصلحة الوطنية العليا لليبيا»، وليس من الاصطفاف مع تركيا أو اليونان.

وفسّر موقفه بأن «توحيد مؤسسات الدولة وبناء قدرة وطنية على حماية الحدود وإدارة الموارد يتيحان لليبيا الدفاع عن مصالحها البحرية وفق القانون الدولي، والتعامل مع التفاعلات الإقليمية بوصفها دولة صاحبة قرار».

تعقيدات قانونية وسياسية

يعود أصل الخلاف إلى مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين حكومة «الوفاق» السابقة في غرب ليبيا وتركيا عام 2019 إبان حرب العاصمة طرابلس، والتي اعترضت عليها سلطات شرق ليبيا حينذاك، وجوبهت برفض اليونان لما تقول إنه تأثير على حقوق الجزر اليونانية، خصوصاً كريت، بينما تتمسك أنقرة بمفاعيلها القانونية.

وخلال العامين الأخيرين، وتوازياً مع تحسن العلاقات بين شرق ليبيا وتركيا، اتخذت الخلافات مساراً أكثر تعقيداً حول طريقة احتساب الحدود البحرية، خصوصاً في خليج سرت، والأثر القانوني للجزر. وبدا ذلك جلياً مع تصاعد التوتر في يونيو (حزيران) 2025 بعد طرح اليونان مناطق للاستكشاف جنوب كريت؛ مما دفع حكومة حماد للاعتراض والمطالبة بالحوار ومراجعة الاتفاقات.

أما حكومة الدبيبة، فقد سبق وانخرطت في جولات حوار مع الجانب اليوناني بهدف حلحلة النقاط العالقة في ملف الحدود البحرية، وهي الجولات التي واكبتها تقارير إعلامية ليبية ويونانية تشير إلى وجود تعقيدات قانونية وسياسية تعرقل التقدم السريع في المفاوضات.

فقانونياً، يُعد ملف ترسيم الحدود البحرية من القضايا الشائكة التي تتطلب دراسة قانونية وفنية وسياسية متأنية قبل أن يتخذ مجلس النواب موقفاً نهائياً من الاتفاقية الموقعة مع تركيا، وهي الرؤية التي يؤيدها الدبلوماسي وأستاذ القانون الدولي الدكتور محمد الزبيدي.

ويضيف الزبيدي لـ«الشرق الأوسط»، أن المدخل الأساسي لحل هذه التعقيدات يتمثل في فحص مدى اتساق ترتيبات ترسيم المناطق البحرية مع قواعد القانون الدولي للبحار، لا سيما اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، إلى جانب مراجعة الإحداثيات وخطوط الترسيم الواردة في الاتفاق، والاستعانة بخبراء متخصصين في القانون الدولي وقانون البحار.

ويحذر الزبيدي من أن سيناريو تمرير الاتفاقيات البحرية برلمانياً «قد يُدخل البلاد في نزاعات بحرية يمكن أن تصل إلى القضاء أو التحكيم الدولي، وتحديداً محكمة العدل الدولية، في حال تضرر إحدى الدول».

أبعاد جيوسياسية

ولا تبدو الإشكالية قانونية فحسب؛ إذ ترتبط -وفق رأي الزبيدي- بأبعاد سياسية وجيوسياسية بالنظر إلى موقع ليبيا في وسط البحر المتوسط وتشابك مصالحها البحرية مع دول المنطقة، خصوصاً مصر واليونان ومالطا وتركيا، ويقول: «أي ترتيب بحري بين ليبيا وتركيا يمكن أن تكون له انعكاسات على مصالح دول أخرى».

وتطرق الزبيدي إلى وجود ضغوط تركية مستمرة لتمرير المذكرة البحرية بالنظر إلى نفوذها العسكري في غرب ليبيا، لكنه أشار إلى أن تأجيل الحسم لا يعني بالضرورة إغلاق الملف، وإنما إبقاءه في مرحلة الدراسة والمراجعة إلى حين توافر ظروف سياسية أكثر استقراراً تسمح ببلورة موقف ليبي موحد.

ويبدو أن المصلحة الليبية، من منظور الزبيدي ودبلوماسيين ليبيين، «تقتضي عدم اختزال القضية في حسابات سياسية آنية»، بل موازنة الاعتبارات القانونية والفنية مع علاقات ليبيا بدول الجوار والمتوسط.

Your Premium trial has ended