بعد 14 عاماً من الغياب... الدبلوماسية السورية تستعيد حضورها في ليبيا

الدبيبة والشيباني ناقشا رفع مستوى التمثيل وتنشيط «العليا المشتركة»

الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» خلال اجتماعه مع الشيباني وزير الخارجية والمغتربين السوري يوم الأحد (مكتب الدبيبة)
الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» خلال اجتماعه مع الشيباني وزير الخارجية والمغتربين السوري يوم الأحد (مكتب الدبيبة)
TT

بعد 14 عاماً من الغياب... الدبلوماسية السورية تستعيد حضورها في ليبيا

الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» خلال اجتماعه مع الشيباني وزير الخارجية والمغتربين السوري يوم الأحد (مكتب الدبيبة)
الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» خلال اجتماعه مع الشيباني وزير الخارجية والمغتربين السوري يوم الأحد (مكتب الدبيبة)

​طوت الدبلوماسية السورية نحو 14 عاماً من الغياب عن ليبيا إثر مباحثات أجراها وزير الخارجية والمغتربين السوري، أسعد الشيباني، الأحد، في العاصمة طرابلس بهدف تعزيز العلاقات الثنائية وتطوير مجالات التعاون المشترك بين البلدين.

ويفتتح الشيباني خلال الزيارة سفارة بلاده في ليبيا، كما التقى والوفد المرافق له عدداً من المسؤولين الليبيين.

رئيس حكومة «الوحدة» الليبية عبد الحميد الدبيبة مستقبلاً وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد الشيباني يوم الأحد (مكتب الدبيبة)

وكانت السفارة السورية في طرابلس قد أُغلقت عام 2012 بعد شهور من سقوط نظام الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في أغسطس (آب) 2011، وذلك عقب اعتراف «المجلس الوطني الانتقالي» الذي تشكل في ليبيا آنذاك بالثورة السورية. ومنذ ذلك الحين انقطعت العلاقات بين البلدين خلال عهد الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد.

وسعت الإدارة السورية الجديدة، برئاسة أحمد الشرع، إلى فتح قنوات اتصال مع ليبيا عبر زيارة رسمية أجراها مسؤولون سوريون إلى طرابلس، لبحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية وآفاق التعاون المشترك في مختلف المجالات، في خطوة عدّها متابعون تستهدف رسم «علاقات جديدة تفيد البلدين».

«مرحلة جديدة»

وصل الشيباني والوفد المرافق له إلى مطار معيتيقة الدولي في طرابلس، صباح الأحد، في مستهل زيارته الرسمية التي التقى خلالها عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة.

واستبق الشيباني لقاء الدبيبة بمباحثات أجراها مع الطاهر الباعور، المكلف بتسيير شؤون وزارة الخارجية بحكومة «الوحدة»، والذي كان في استقباله بالمطار.

الطاهر الباعور المكلف بتسيير شؤون الخارجية بحكومة «الوحدة» الليبية مستقبلاً وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في طرابلس - الأحد (خارجية «الوحدة»)

وقالت وزارة الخارجية والتعاون الدولي بطرابلس، إن الشيباني والباعور عقدا مباحثات بمقر وزارة الخارجية بالعاصمة «تناولت عدداً من الملفات ذات الاهتمام المشترك، وسبل دفع العلاقات الليبية - السورية، وتعزيز التنسيق والتشاور بين البلدين، بما يخدم المصالح المشتركة للشعبين الشقيقين».

وأشارت «الخارجية» إلى أن الجانبين بحثا «الإجراءات المتعلقة بإعادة افتتاح السفارة السورية في العاصمة طرابلس؛ بما يسهم في تعزيز التواصل الدبلوماسي بين البلدين، وتسهيل متابعة شؤون المواطنين، وتطوير أوجه التعاون الثنائي».

وتناولت محادثات الدبيبة مع الشيباني «إعادة تفعيل أطر التعاون الليبي - السوري، ورفع مستوى التمثيل الدبلوماسي، وتنشيط عمل اللجنة العليا المشتركة، إلى جانب ملفات التعاون الاقتصادي والاستثماري والتجاري، ومعالجة عدد من القضايا المالية والمستحقات القائمة بين مؤسسات البلدين».

وتناول اللقاء أيضاً، بحسب مكتب الدبيبة، التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب، وأوضاع الجاليتين والخدمات القنصلية، وملفات السجناء والموقوفين واللاجئين والنازحين، إضافة إلى إعادة افتتاح القنصلية السورية في بنغازي.

وأكد الدبيبة أهمية «فتح مرحلة جديدة من العلاقات... تقوم على المصالح المشتركة والتعاون العملي، ومعالجة الملفات العالقة بما يخدم مواطني البلدين».

الطاقة والاستثمار

أشارت وزارة الخارجية السورية إلى أن الوزير الشيباني اجتمع أيضاً مع وزير النفط والغاز الليبي، خليفة عبد الصادق، ورئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي للمؤسسة الليبية للاستثمار، علي محمود حسن.

وبحث الجانبان خلال الاجتماع «التعاون الثنائي في مجالات الطاقة والاستثمار، وسبل توسيع الشراكة وتبادل الخبرات في القطاعات ذات الاهتمام المشترك، بما يسهم في تعزيز العلاقات الاقتصادية، وتحقيق المصالح المشتركة للبلدين الشقيقين».

يُذكر أن العلاقات السورية - الليبية خلال الفترة الماضية، شهدت تطوراً ملحوظاً في مجالات التعاون والتنسيق بين البلدين، سواء على صعيد العلاقات الثنائية أو القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك.

ففي أغسطس 2025، أعلن الوفد التقني الدبلوماسي السوري إلى ليبيا رفع علم بلاده على مبنى سفارة دمشق في طرابلس، تمهيداً لإعادة افتتاحها.

وكان الشيباني قد التقى في الرابع من الشهر الحالي، القائم بأعمال سفارة ليبيا في دمشق وليد حسن عمار، حيث بحثا سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتبادل وجهات النظر بشأن عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك.

كما التقى الشرع مع الدبيبة على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي»، في أبريل (نيسان) 2025، وبحثا عدداً من الملفات المشتركة، كما اتفقا على تفعيل اللجنة العليا الليبية - السورية.

خطوة تحمل «أبعاداً عملية»

بحسب وزارتي الخارجية السورية وتلك التابعة لحكومة «الوحدة» الليبية، تأتي زيارة الشيباني في إطار الحرص المشترك على تعزيز العلاقات التاريخية والأخوية التي تجمع البلدين، والارتقاء بمستوى التعاون والتنسيق الثنائي، بما يحقق تطلعات البلدين والشعبين الشقيقين.

ونوهت «الخارجية» في طرابلس بأن مباحثات الباعور والشيباني تطرقت إلى «استكمال الإجراءات المتعلقة بتفعيل اللجنة العليا الليبية - السورية المشتركة، والتوقيع على الاتفاقية المنظمة لأعمالها، بما من شأنه فتح آفاق أوسع للتعاون بين البلدين في المجالات الاقتصادية والتنموية، وغيرها من المجالات ذات الاهتمام المشترك».

ويرى الباحث التركي في العلاقات الدولية، مهند حافظ أوغلو، أن الانفتاح المتبادل بين طرابلس ودمشق «يعكس مساعي الدولتين للخروج من أزماتهما عبر صياغة خريطة علاقات خارجية مغايرة؛ فليبيا تجد في دمشق نافذة لتوسيع شراكاتها الإقليمية، بينما تسعى سوريا لاختراق عمق شمال أفريقيا عبر البوابة الليبية».

وذهب أوغلو في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «هذه الخطوة الدبلوماسية تحمل أبعاداً عملية تتجاوز البروتوكول، لا سيما في معالجة الملفات العالقة المرتبطة بالوجود السوري في ليبيا من لجوء، و(عسكريين) وترتيبات إدارية»، معتقداً أن «هدف الجانبين هو بناء شراكة قائمة على المنافع المتبادلة وتجنب أخطاء الماضي عبر التنسيق المشترك».

ملف المفقودين والمحتجزين

كان وفد ممثل لحكومة «الوحدة الوطنية» في طرابلس، برئاسة وزير الدولة الليبي للاتصال والشؤون السياسية وليد اللافي، قد التقى الشرع بدمشق في 28 ديسمبر (كانون الأول) 2024، حيث ناقش الطرفان العلاقات الدبلوماسية ومسائل الطاقة والهجرة غير النظامية.

الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل وزير الدولة الليبي للاتصال والشؤون السياسية وليد اللافي في دمشق - 28 ديسمبر 2024 (منصة «حكومتنا» التابعة لحكومة «الوحدة»)

وفي منتصف أغسطس الحالي، استقبلت ليبيا وفداً برئاسة القائم بالأعمال السوري سمير الشلبي، استهدف بحث التحديات التي تعيق تطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين، ومن بينها صعوبات منح التأشيرات للسوريين وبعض الإجراءات الجمركية على الصادرات الليبية إلى سوريا.

مقاتلون سوريون يحتجون في طرابلس على تأخر مستحقاتهم المالية - 15 أغسطس (صفحة «حراك ضد التوطين»)

ولا تزال سلطات طرابلس تحتفظ بأعداد من السوريين الذين نُقلوا من قبل تركيا للقتال في ليبيا، في ظل وجود قوات روسية في مناطق تابعة للقيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، تحت اسم «الفيلق الأفريقي».

وفي منتصف أغسطس الحالي، احتشد عدد من المقاتلين السوريين قبالة كلية ضباط الشرطة في طرابلس، لمطالبة حكومة «الوحدة» بتسوية أوضاعهم المالية، الأمر الذي أثار حفيظة ليبيين، وأعاد ملف «المرتزقة» إلى الواجهة بعد تجاهل.

وتحدث الحقوقي الليبي طارق لملوم عن أهمية زيارة الشيباني إلى ليبيا ولقائه رئيس الحكومة، وكتب على صفحته في «فيسبوك»: «من الضروري أن يكون ملف السوريين المفقودين والمحتجزين في ليبيا ضمن أولويات الزيارة، والمطالبة بقوائم السوريين الموجودين في مؤسسات الإصلاح والتأهيل وبقية أماكن الاحتجاز، للمساعدة في حسم مصيرهم، وهل هم محتجزون أم فُقدوا خلال رحلات البحر».


مقالات ذات صلة

رئاسة «النواب» الليبي الجديدة أمام خيار أولويات صعب

شمال افريقيا الصالحين عبد النبي رئيس مجلس النواب الليبي الجديد (المجلس)

رئاسة «النواب» الليبي الجديدة أمام خيار أولويات صعب

تواجه الرئاسة الجديدة لمجلس النواب الليبي تحدياً مزدوجاً بين الدفع نحو تسوية سياسية تنهي الانقسام المستمر، والاستجابة للأزمات المعيشية المتفاقمة.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من ظاهرة حراك معلمي ومعلمات جنزور غرب ليبيا يوم الأحد (النقابة العامة للمعلمين)

«حراك المعلمين» في ليبيا يهدد بمواصلة تعطيل الدراسة

استمر إضراب المعلمين في مناطق ليبية عديدة، مهدداً بمزيد من تعطيل الدراسة، وسط تعثر جهود الحكومة والنقابة لاحتواء الأزمة، وتمسك الحراك بمطالبه المالية والوظيفية.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من أعمال الاجتماع الوزاري الرابع عشر لمجموعة العشرة الأفريقية (C10) في العاصمة الليبية الأحد (وزارة خارجية الوحدة)

من العاصمة الليبية... مساعٍ أفريقية للدفع بملف إصلاح «مجلس الأمن»

جدّدت ليبيا دعمها للموقف الأفريقي المطالب بإصلاح مجلس الأمن مع انطلاق اجتماع مجموعة العشرة بطرابلس وسط مساعٍ لتوحيد تحركات القارة وانتزاع تمثيل دائم بالمجلس

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا صدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي مستقبلاً وزير خارجية سوريا أسعد الشيباني في مقر القيادة ببنغازي الأحد (القيادة العامة)

صدام حفتر يؤكد للشيباني استعداد «القيادة العامة» لدعم الشعب السوري

في أول زيارة له إلى بنغازي، بحث وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، عدداً من الملفات الأمنية.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا أطباء ليبيون يجرون عملية جراحية في ظل نقص المعدات الضرورية (وزارة الصحة في غرب ليبيا)

تصاعد أزمات قطاع الصحة يثير غضب الليبيين

يثير تصاعد الأزمات داخل القطاع الصحي الليبي مخاوف حول استمرار تقديم الخدمات العلاجية، في ظلِّ تواصل اعتصام أطباء بمرافق صحية متعددة في غرب ليبيا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

مخاوف من أزمة جديدة بعد توقيف الجزائر 61 مغربياً

جماهير ترفع العلمين المغربي والجزائري (أ.ف.ب)
جماهير ترفع العلمين المغربي والجزائري (أ.ف.ب)
TT

مخاوف من أزمة جديدة بعد توقيف الجزائر 61 مغربياً

جماهير ترفع العلمين المغربي والجزائري (أ.ف.ب)
جماهير ترفع العلمين المغربي والجزائري (أ.ف.ب)

أعلنت الشرطة الجزائرية، الأحد، توقيف 61 مغربياً في مدينة وهران، بشمال غربي البلاد، بتهمة التخطيط «لارتكاب أعمال تخريبية»، في خطوة تثير مخاوف من تفاقم التوتر القائم بين البلدين في ظل علاقات دبلوماسية مقطوعة.

وذكر بيان للمديرية العامة للأمن الوطني نشرته وسائل الإعلام الرسمية بالجزائر، الأحد، أن الشرطة قامت في بداية أكتوبر (تشرين الأول) الحالي بـ«تفكيك شبكة إجرامية دولية مغربية ينشط أعضاؤها داخل التراب الوطني، مع توقيف 61 شخصاً من جنسية مغربية كانوا بصدد التحضير لارتكاب أعمال تخريبية تمس بالأمن والنظام العام داخل الوطن».

وفي المغرب، أثار الإعلان الجزائري موجة من التشكيك في أوساط إعلامية، وسط غياب رد رسمي من الرباط حتى الآن.

وتركزت الانتقادات على افتقار الرواية الجزائرية إلى أدلة مادية معلنة تسند الاتهامات، إذ لم يكشف البيان الأمني عن طبيعة الأعمال التخريبية المفترضة أو أهدافها أو الوسائل التي كان الموقوفون يعتزمون استخدامها. وأثارت أوساط إعلامية مغربية تساؤلات بشأن اعتبار جوازات السفر والمبالغ المالية المضبوطة قرائن على التخطيط لأعمال تخريبية، وربطت توقيت الإعلان بالتوتر السياسي المستمر بين البلدين منذ قطع العلاقات الدبلوماسية عام 2021. وفي حين شككت بعض التعليقات في دوافع الإعلان الجزائري، ظل التحقق المستقل من صحة الاتهامات متعذراً في ضوء المعلومات المتاحة.

ولم يوضح البيان الجزائري الرسمي طبيعة الأعمال المفترض أن الموقوفين كانوا يستعدون للقيام بها، غير أنه أورد أن من بين الموقوفين عسكرياً سابقاً، وأن المجموعة انتقلت من المغرب إلى تونس جواً، في ظل غياب طيران مباشر مع الجزائر، ثم دخلت البلاد براً حتى وصلت إلى وهران؛ حيث تم توقيف عناصرها ومصادرة جوازات سفرهم ومبالغ مالية.

وأضاف البيان أن الموقوفين «تسللوا إلى التراب الوطني مستغلين المسالك الجبلية الوعرة والممرات الغابية المعزولة بمنطقة القالة بولاية الطارف المتاخمة للحدود التونسية».

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها توقيف مواطنين مغاربة في الجزائر بتهم تتعلق بتهريب المخدرات أو الهجرة غير الشرعية أو حتى الإرهاب، حسبما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية»، لكن من دون أن يصل العدد إلى 61 شخصاً دفعة واحدة.

وأشارت الوكالة الفرنسية إلى أن الجيش الجزائري أعلن في يوليو (تموز) الماضي توقيف ستة أشخاص في منطقة تيزي وزو بوسط البلاد، بينهم أربعة من الجنسية المغربية ينتمون إلى «حركة تقرير مصير منطقة القبائل» المصنفة إرهابية من قبل السلطات الجزائرية.

وتم اتهام المجموعة بالتشويش على الانتخابات التشريعية آنذاك والتحريض على «عدم المشاركة فيها».

وفي 2021، قررت الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الرباط بعد سنوات من التوتر بسبب نزاع الصحراء. ويشار أيضاً إلى أن الحدود البرية بين البلدين مغلقة منذ 1994.


البرهان يأمر بالتحقيق في ملابسات قصف منقّبين عن الذهب

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان أمر بفتح تحقيق في حادث مقتل المنقبين عن الذهب (أرشيفية - رويترز)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان أمر بفتح تحقيق في حادث مقتل المنقبين عن الذهب (أرشيفية - رويترز)
TT

البرهان يأمر بالتحقيق في ملابسات قصف منقّبين عن الذهب

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان أمر بفتح تحقيق في حادث مقتل المنقبين عن الذهب (أرشيفية - رويترز)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان أمر بفتح تحقيق في حادث مقتل المنقبين عن الذهب (أرشيفية - رويترز)

ارتفعت تقديرات أعداد ضحايا القصف الجوي الذي استهدف مواقع لتعدين الذهب قرب الحدود السودانية - المصرية، إلى أكثر من 200 قتيل وعشرات الجرحى والمفقودين. ووسط تضارب في حصيلة عدد الضحايا وازدياد الغموض بشأن أعداد المفقودين، أعلن مجلس السيادة الانتقالي السوداني، الاثنين، تشكيل لجنة للتحقيق في الواقعة.

وقدّر كل من «حزب الأمة القومي» ومنظمة «مناصرة ضحايا دارفور» الخسائر بنحو 200 قتيل و120 جريحاً، فيما أعلنت هيئة «محامو الطوارئ» مقتل 72 منقّباً عن المعادن. أما شبكة أطباء السودان فأشارت إلى مقتل 13 شخصاً وإصابة 28 آخرين، في وقت لم يصدر فيه إحصاء رسمي بالأعداد الفعلية للضحايا.

ووفق روايات الشهود، استهدفت الغارات منطقة شمال الوادي وجبل العقيدات قرب سوق الأنصاري داخل الحدود السودانية، صباح السبت 10 أكتوبر (تشرين الأول). وقال ناجون، في تصريحات إعلامية، إن القصف أصاب مخيمات العمال وآبار التنقيب، وتسبب في انهيار بعضها على العاملين داخلها، بينما فر آخرون إلى الجبال والكهوف المحيطة. ولم يتم التحقق بصورة مستقلة من هوية الطائرات أو الموقع الدقيق للهجوم. ولم تُنشر حصيلة موثوقة للمفقودين، مع انقطاع الاتصال بالمنقبين وتشتت الناجين.

وفي أول موقف رسمي سوداني معلن، أعلن مجلس السيادة الذي يرأسه قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، ترحمه على الضحايا وقدّم تعازيه في «المواطنين السودانيين الذين قضوا في الحادث الأليم الذي تعرّض له عدد من المعدّنين السودانيين بالمنطقة الحدودية بين السودان وجمهورية مصر العربية»، معلناً في بيان، أن رئيسه «أصدر قراراً بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق... للتحقيق في ملابسات الحادث، والوقوف على جميع الظروف والوقائع المرتبطة به، ورفع تقرير بنتائج التحقيق».

وأكد المجلس مسؤولية الدولة عن حماية المواطنين وضرورة كشف الحقائق و«حماية واحترام الحدود»، وقال في بيان، إن قيادتي السودان ومصر ظلتا على تواصل منذ وقوع الحادث، لحماية الأرواح ومعرفة ملابساته وإطلاع الرأي العام، مع الحفاظ على العلاقة بين الشعبين.

وعلى الرغم من الانتقادات السياسية والحقوقية والشعبية للصمت الرسمي الذي وُصف بأنه «طال»، اكتفى البيان بوصف الواقعة بأنها «حادث أليم»، دون ذكر قصف جوي أو تحديد المسؤول عنه، كما لم يعلن حصيلة للضحايا أو موعد إنجاز التحقيق.

وشعبياً، تداول ناشطون سودانيون مقاطع قالوا إنها توثق آثار القصف، وانتقد معدنون غياب الحماية والمساعدة رغم دفع الضرائب والرسوم، فيما أدانت تنظيمات سياسية ونقابية وشعبية الغارات وطالبت بتحقيق مستقل، منتقدةً صمت السلطات السودانية قبل صدور بيان مجلس السيادة.


موريتانيا: وزراء في الحكومة السابقة يوجهون رسائل وداع وولاء

وزير الداخلية الموريتاني السابق (يمين) يوجه رسالة مطولة يعرض فيها حصيلته ويودع موظفي القطاع (وزارة الداخلية)
وزير الداخلية الموريتاني السابق (يمين) يوجه رسالة مطولة يعرض فيها حصيلته ويودع موظفي القطاع (وزارة الداخلية)
TT

موريتانيا: وزراء في الحكومة السابقة يوجهون رسائل وداع وولاء

وزير الداخلية الموريتاني السابق (يمين) يوجه رسالة مطولة يعرض فيها حصيلته ويودع موظفي القطاع (وزارة الداخلية)
وزير الداخلية الموريتاني السابق (يمين) يوجه رسالة مطولة يعرض فيها حصيلته ويودع موظفي القطاع (وزارة الداخلية)

في خطوة غير مألوفة بالحياة السياسية في موريتانيا، خاطب عدد من الوزراء الذين غادروا الحكومة الرأي العام برسائل وداع نُشرت عبر الإعلام المحلي، وجرى تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأثارت ردود فعل واسعة.

وأجمعت رسائل الوزراء الخارجين من الحكومة على تأكيد وتجديد الولاء للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني وبرنامجه الانتخابي «طموحي للوطن»، دونما الإشارة إلى أي أسباب ربما كانت وراء قرار الإقالة.

الرسالة الأطول

كانت رسالة وزير الداخلية السابق محمد أحمد ولد محمد الأمين، الذي تولى الحقيبة منذ أبريل (نيسان) 2022، الأطول والأكثر تفصيلاً، وأثارت نقاشاً واسعاً بعد نشرها مساء الأحد.

وخاطب ولد محمد أحمد، في رسالته التي سمّاها «رسالة شكر وتقدير»، قادة الأجهزة الأمنية والولاة والحكام والعمد، ثم عرض حصيلة قطاعه في الأمن والإدارة الإقليمية والحريات العامة والحالة المدنية واللامركزية.

وذكر من بين ما عدّه إنجازات قانوناً جديداً للأحزاب، وثلاثة حوارات سياسية، وتمكين الجاليات من انتخاب ممثلين في البرلمان للمرة الأولى، وتجاوُز نسبة القيد في السجل السكاني 95 في المائة، واستحداث 19 بلدية، ومضاعفة مخصصات الصندوق الجهوي للتنمية.

وقال إن «تعاقب المسؤولين على المواقع الإدارية لا يعني تغير الأهداف الوطنية الكبرى»، وهنّأ خلفه المختار ولد أحمد بوسيف، وشكر الرئيس على «ثقة كبيرة وعناية كريمة وتوجيهات نيّرة».

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

وبعد رسالته المطوّلة، استقبل ولد محمد الأمين في منزله بالعاصمة نواكشوط العشرات من الشخصيات السياسية والثقافية، حيث عبَّروا له عن تقديرهم للعمل الذي أنجزه خلال فترته في وزارة الداخلية.

ومن أبرز الحاضرين وزيرة التجارة والسياحة زينب بنت أحمدناه، التي ظهرت في مقطع فيديو قالت فيه إن ولد محمد الأمين حقق نتائج كبيرة في ملفات محاربة الهجرة غير النظامية ومواجهة خطاب الكراهية والعنصرية، وإصلاح الحالة المدنية.

تعهدات بالوفاء

أما وزير التنمية الحيوانية سيد أحمد ولد محمد، الذي قال إن مساره الوزاري بدأ عام 2019، فكتب أقصر الرسائل، ووصف النهاية بأنها «مشرِّفة رغم استحالة التمام للبشر»، وتعهد بالوفاء للرئيس ولنهجه.

وجاءت رسالة وزير الصحة، الشيخ التيجاني تيام، الذي تولى حقيبته في مارس (آذار) الماضي، بنبرة شخصية، فبدأها بشكر الرئيس على «الثقة الغالية»، وأكد أن مغادرته «لا تعني أبداً مغادرة مسار الالتزام والوفاء»، وأن «خدمة الوطن لا ترتبط بمنصب»، قبل أن يُحيِّي العاملين في قطاع الصحة.

وكان الوزير الأول، المختار ولد أجاي، قد قال بعد تقديم استقالة حكومته، الجمعة، إنه يتحمّل مسؤولية أي نقص، ثم أُعيد تكليفه خلال ساعات، إذ أعلن أن الحكومة الجديدة ستكون قائمة على «الكفاءة السياسية والفنية».

الحكومة الجديدة

كانت الأمينة العامة للرئاسة، عيساتا با يحيى، قد أعلنت الحكومة الجديدة مساء السبت، بعد أقل من 24 ساعة على تجديد الثقة بولد أجاي، وإعادة تكليفه بتشكيل الحكومة.

الأمينة العامة للرئاسة الموريتانية عيساتا با يحيى (الرئاسة)

وشملت التشكيلة 29 وزيراً، بينهم وزير منتدب، واحتفظ 17 وزيراً بحقائبهم، وانتقل ثلاثة إلى وزارات أخرى، ودخل على التشكيل عشرة وجوه جديدة.

ولكن المفاجأة كانت مغادرة وزير الدفاع اللواء المتقاعد حننه ولد سيدي بعد سبع سنوات في المنصب، ومغادرة ولد محمد الأمين وزارة الداخلية، بالإضافة إلى خروج الوزير الأمين العام لرئاسة الجمهورية مولاي ولد محمد لغظف، وهو وزير أول سابق.

وتشكّلت الحكومة في مناخ يغلب عليه حوار وطني لم تكتمل لجنة إشرافه، وجدل حول المأمورية الثالثة المحتملة للرئيس ولد الغزواني، وغلاء في الأسعار، وأولويات أعلنها الوزير الأول تتمثل في الحماية الاجتماعية، وتشغيل الشباب، والتنمية المحلية.

كما أنها تأتي بعد تسلم ولد الغزواني تقرير لجنة التحقيق المستقلة في حريقي محطتي الكهرباء في نواكشوط يومي 21 و22 أغسطس (آب) الماضي، اللذين قطعا التيار عن أحياء من العاصمة من ثلاثة إلى خمسة أيام. وربط التقرير الحريقين بثلاث وصلات جديدة.