مصر: اكتشاف بقايا طريق «عسيلة» على الدرب السلطاني في شمال سيناء

يرتبط بمسارات التجارة والحج خلال العصور الإسلامية

جانب من الكشف الأثري (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الكشف الأثري (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: اكتشاف بقايا طريق «عسيلة» على الدرب السلطاني في شمال سيناء

جانب من الكشف الأثري (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الكشف الأثري (وزارة السياحة والآثار)

يأتي الكشف عن بقايا خان طريق «عسيلة» بشمال سيناء على الدرب السلطان ليلقي المزيد من الضوء على تاريخ سيناء وطرقها التاريخية، ويرجح الأثريون أنه كان أحد خانات الطريق التي خدمت القوافل التجارية وقوافل الحجاج المصريين والمسافرين على الدرب السلطاني، المعروف باسم «درب الحاج المصري»، الذي كان يربط مصر بشبه الجزيرة العربية وبلاد الشام.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، الكشف، «إضافة مهمة إلى سلسلة الاكتشافات الأثرية التي تسهم في إعادة قراءة تاريخ سيناء وإلقاء الضوء على الحضارات والمجتمعات التي ازدهرت على أرضها»، مشيراً في بيان للوزارة، الثلاثاء، إلى أن «الموقع ظل مطموراً تحت الرمال لقرون، قبل أن تبدأ أعمال الحفائر العام الماضي في الكشف عن ملامحه وإعادة إحياء تاريخه».

ويفتح الاكتشاف نافذة على شبكة الطرق التاريخية التي ربطت مصر بالمشرق العربي، وفقما أوضح الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، مؤكداً أن أعمال الحفائر كشفت عن بقايا جدران مشيدة من الطوب اللبن والطوب الأحمر، ومدعمة في أساساتها بأحجار كلسية كبيرة، وهو أسلوب معماري كان شائعاً في تشييد وتدعيم المنشآت الكبرى خلال العصور الإسلامية.

وأضاف أن «الجدران المكتشفة تمتد في اتجاهات الشمال والشرق والجنوب، وتضم تشكيلات معمارية داخلية تشير إلى وجود عدد من الحجرات، يرجح أن يكون بعضها قد استخدم كحوانيت ملحقة بخان الطريق، ويتشابه التخطيط العام للموقع إلى حد كبير مع تخطيط خان الخوينات، إحدى المحطات التجارية المهمة بشمال سيناء، وإن كان موقع عسيلة أصغر مساحة، بما يدعم فرضية استخدامه كمحطة لاستراحة الحجاج والتجار على الدرب السلطاني».

الخان القديم يرجح أنه كان على طريق الحجاج (وزارة السياحة والآثار)

وأسفرت أعمال الحفائر عن العثور على مجموعة من اللقى الأثرية التي تعكس طبيعة الحياة اليومية بالموقع، من بينها كميات من الفخار كبير الحجم المستخدم في تخزين المياه والمؤن، إلى جانب أوانٍ ذات طلاء أخضر زيتوني، وأخرى باللونين الأحمر والأبيض، فضلاً عن أجزاء من مسارج كانت تستخدم للإضاءة.

ويسهم الكشف، حسب محمد خليل وصدام حسين، رئيسي البعثة الأثرية، «في فهم طبيعة البنية التحتية التي دعمت حركة التجارة والحج والتحركات العسكرية في العصور الإسلامية، كما يساعد على دراسة شبكة المحطات الاستراتيجية التي أقيمت على طرق سيناء لخدمة المسافرين والقوافل، أما عن اللقى الأثرية المكتشفة فترجح تأريخ الموقع إلى العصر المملوكي، ومن بينها أوانٍ ذات طلاء أخضر زيتوني مميزة لهذه الفترة، بالإضافة إلى كسر من الفخار المزجج تحمل عناصر زخرفية يمكن نسبتها إلى فترة السلطان الناصر محمد بن قلاوون في العصر المملوكي البحري».

وتشير الدراسات التاريخية إلى أن الطريق ظل مستخدماً لقرون إلى أن توقف استخدامه وتحول مسار حركة الحج إلى الطريق الجنوبي عبر عيذاب - جدة.

وقال الدكتور محمد حلمي، مدير عام آثار سيناء، إن الاكتشاف يأتي في إطار خطة لإعادة إحياء الحواضر المندثرة، ومكملاً لاكتشافات أخرى تعمل على مشروع إحياء حصون الشرق، ويختص بالمناطق الدفاعية على الحدود المصرية الشرقية. وقال حلمي لـ«الشرق الأوسط»، إن «البعثات الاستكشافية سعت للقيام بمشروع مكمل هدفه إحياء الحواضر وتتمثل في المدن التي كان يقيم بها المصريون في العصور الإسلامية المختلفة، وهذه المدن تتغير تبعاً للظروف الاقتصادية والاجتماعية والبيئة التي تؤثر على محيطها، ما يجعلها تزدهر فترة ثم تختفي وتندثر تماماً، مثل منطقة الفرما وكانت مزدهرة خلال العصر الروماني وبداية العصر الإسلامي، وحتى العصر الفاطمي، بعدها جرت كثير من المتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية هناك أدت لهجرة السكان منها واندثارها، بعد ردم فرع النيل الذي كان يصب في البحر، وهكذا فقدت المدينة أهميتها وبدأت الناس تهجرها، وظهرت حواضر أخرى بديلة محيطة بها».

إحدى اللقى الأثرية بالموقع (وزارة السياحة والآثار)

وأضاف حلمي أن «علماء الأثار عملوا على هذا الخط على منطقة قاطيا، الفلوسيات، وخلال استقصائهم ومسح للمساحة محل البحث اكتشفوا طريقين؛ الأول شمالي والثاني جنوبي، طريق بحري يمر بالبحر مباشرة، وهو طريق حورس الحربي الذي كانت تمر من خلاله الحملات العسكرية، وطريق جنوبي يبعد عنه نحو 5 كيلومترات، وهو معروف بطريق الجفار، أو (الدرب السلطاني) وقد ازدهر خلال الفترة الإسلامية، وعليه تكونت مجموعة من الحواضر».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

قرار «إزالة» مقبرة علي مبارك يعيد جدل هدم المدافن التاريخية في مصر

يوميات الشرق مدفن علي باشا مبارك من الداخل (تصوير الباحث إبراهيم طايع)

قرار «إزالة» مقبرة علي مبارك يعيد جدل هدم المدافن التاريخية في مصر

جدَّد قرار إزالة مدفن «أبو التعليم المصري» وصاحب موسوعة «الخطط التوفيقية»، علي باشا مبارك، الجدلَ حول عمليات هدم المدافن التاريخية في مصر.

حمدي عابدين (القاهرة)
ثقافة وفنون مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

جلساء العرش الأموي

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة

محمود الزيباوي
يوميات الشرق الكتاب الفائز رصد نقوشاً قديمة للكتابة الثمودية (غلاف الكتاب)

«الآثاريين العرب» يُكرِّم عالمَين سعوديين لتوثيق تراث «القلم الثمودي»

كرّم اتحاد الآثاريين العرب باحثَين سعوديين عن كتابهما حول تاريخ القلم الثمودي والنقوش الصخرية في الجزيرة العربية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
ثقافة وفنون تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا

«حاملة الأزهار»... تمثال حجري من قصر هشام بن عبد الملك

ازدهر فن النحت والنقش ازدهاراً كبيراً خلال الحقبة الأموية، حيث ارتبط عضوياً بالعمارة المدنية، وشكّل ركناً أساسياً من أركان حللها الزينية.

محمود الزيباوي
يوميات الشرق منطقة سقارة تضم العديد من المقابر الأثرية (وزارة السياحة والآثار)

مصر: اكتشافات أثرية بسقارة تفسّر ألغازاً بالدولة القديمة

تمكنت الاكتشافات الأثرية المتتالية في منطقة سقارة (غرب القاهرة) من تفسير ألغاز بالحضارة المصرية القديمة.

محمد الكفراوي (القاهرة)

فضل شاكر: حفلات جدة فاقت توقّعاتي

فضل شاكر خلال حفله على مسرح «عبادي الجوهر أرينا» في جدة (بنش مارك)
فضل شاكر خلال حفله على مسرح «عبادي الجوهر أرينا» في جدة (بنش مارك)
TT

فضل شاكر: حفلات جدة فاقت توقّعاتي

فضل شاكر خلال حفله على مسرح «عبادي الجوهر أرينا» في جدة (بنش مارك)
فضل شاكر خلال حفله على مسرح «عبادي الجوهر أرينا» في جدة (بنش مارك)

لم يكن الفنان اللبناني فضل شاكر بحاجة إلى اختبار ذاكرة جمهوره في جدة، فما إنْ بدأ الغناء على مسرح «عبادي الجوهر أرينا»، حتى بدا أنّ سنوات الغياب الطويلة لم تنتزع أغنياته من ذاكرة محبّيه. أصوات تتعالى مع المقاطع المألوفة، وأخرى تسبق المطرب إلى كلمات أغنياته، في أمسية تحوّل فيها الجمهور من متلقٍّ إلى شريك في الغناء، وكأنّ اللقاء تأخَّر سنوات، لكن موعده لم يغب عن الذاكرة.

وجاءت ليلة الخميس امتداداً لرحلة «عودة الغايب»، التي أعادت شاكر إلى المسارح بعد نحو 14 عاماً من الغياب، متنقّلاً بين الرياض والمنطقة الشرقية، قبل أن يصل إلى جدة في حفل رفع شعار «كامل العدد»، واستعاد خلاله جانباً كبيراً من رصيده الغنائي، إلى جانب مفاجآت جمعت الفنانة اللبنانية يارا ونجله محمد شاكر، وموهبة تركية صغيرة أدهشت الحضور بعزفها على آلة القانون.

فضل شاكر يُحيي حفله في جدة (بنش مارك)

ومنذ اللحظات الأولى، بدا أنّ العلاقة بين فضل شاكر وجمهوره تجاوزت حدود الاستماع إلى الأغنيات؛ فمع «أحلى رسمة»، التي يعرفها الجمهور بمقطع «إلا وأنا معاك»، ارتفعت الأصوات مردّدة كلماتها، قبل أن تتوالى الأغنيات التي صنعت حضوره في الذاكرة العاطفية العربية، مثل «لو على قلبي»، و«وافترقنا»، و«فين لياليك»، و«يا حياة الروح»، وغيرها من الأعمال التي ارتبطت بمراحل مختلفة من مسيرته.

ولم يُخفِ فضل شاكر دهشته من حرارة الاستقبال؛ إذ قال مخاطباً الحضور إنه كان يسأل قبل وصوله عن أجواء حفلات جدة، ويسمع أوصافاً جميلة عنها، لكنه وجدها على أرض الواقع أروع مما نُقل إليه. وجاء تعليقه وسط تفاعل جمهور لم يكتفِ بالتصفيق، وإنما رافقه بالغناء في معظم الفقرات.

ولم تقتصر الأمسية على استعادة أغنياته القديمة؛ إذ قدّم شاكر أحدث أعماله «نام الليل»، التي طرحها قبل الحفل بيومين، ضمن ألبومه المُرتقب «حلم جديد»، في إشارة إلى أن عودته إلى المسرح تتزامن مع مرحلة جديدة من الإنتاج الغنائي.

الطفل آيتاش دوغان جونيور يُظهر براعته في العزف على القانون (بنش مارك)

ومن أبرز مفاجآت الحفل ظهور الطفل التركي آيتاش دوغان جونيور (Aytaç Doğan Jr)، حفيد الموسيقار التركي الشهير آيتاش دوغان، أحد أعضاء فرقة «تاكسيم تريو». ورغم أعوامه الثمانية، فإن العازف الصغير استطاع جذب أنظار الحاضرين ببراعته في العزف على آلة القانون، خلال أغنيتَي «معقول» و«صحّاك الشوق»، مقدّماً عزفاً منفرداً كشف عن موهبة لافتة وقدرة على التعامل مع المقامات الشرقية.

وجاءت مشاركته ضمن أمسية قاد فرقتها الموسيقية المايسترو مجد جريدة، بمشاركة مجموعة من الموسيقيين العرب، بينهم عازف القانون العراقي حسن فالح، الذي أضفى حضوره لمسة شرقية على التوزيعات الموسيقية.

وحمل ظهور محمد شاكر إلى جانب والده لحظة خاصّة؛ إذ تشاركا غناء «كذبة وصدّقتها»، قبل أن يغادر فضل المسرح، تاركاً المجال لنجله الذي قدّم مجموعة من الأغنيات، بينها «ضحكة الدنيا»، و«يا غايب ليه ما تسأل»، و«سهران حبيبي»، و«يا حياتي اسأل عليّ».

وبدا اللقاء بين الأب وابنه أحد المَشاهد التي منحت الحفل طابعاً عائلياً، وجمعت على المسرح تجربتين غنائيتين تنتميان إلى جيلَيْن مختلفَيْن.

الفنانة يارا تُشارك فضل شاكر في أداء أغنية «خدني معك» (بنش مارك)

أما المفاجأة الأخرى، فكانت ظهور الفنانة اللبنانية يارا، التي شاركت فضل شاكر أداء أغنيتهما الشهيرة «خدني معك»، بعد نحو عقدين من صدورها عام 2006. وأعاد اللقاء إلى ذاكرة الحاضرين أحد الثنائيات التي ارتبطت بالأغنية الرومانسية العربية، وسط تفاعل كبير مع عودة الصوتَيْن إلى الغناء معاً.

وواصل شاكر تقديم عدد من أعماله، بينها «يا غايب»، و«بيّاع القلوب»، و«فاكر لما تقولي»، و«الله أعلم»، كما اختار أن يغنّي لفيروز «سألوني الناس»، مستحضراً صوتها الذي عبَّر عن اشتياقه إليه، في إحدى اللحظات الهادئة التي تخلّلت الأمسية.

وبين الأغنيات التي رافقت الجمهور لسنوات، ومشاركة ابنه ويارا، وموهبة الطفل التركي، حملت ليلة جدة أكثر من مجرّد استعادة لنجاحات سابقة؛ فقد قدّمت صورة لفنان يعود إلى المسرح بأعمال جديدة، مستنداً إلى رصيد غنائي لا يزال حاضراً لدى محبّيه.

ومع ختام الحفل، بدا أنّ سنوات ابتعاد فضل شاكر عن المسرح لم تُضعف صلته بجمهوره، الذي استقبله بالغناء كما ودّعه به، مؤكّداً أن «الغايب» عاد إلى خشبة المسرح، بينما ظلّت أغنياته حاضرة طوال سنوات غيابه.


أربعة أحرف تفكّ لغزاً بحرياً عمره 443 عاماً

غرقَت السفينة وبقي القفل أميناً على ما أُوصد دونه (أمغيفا كمرو - متحف ويلز)
غرقَت السفينة وبقي القفل أميناً على ما أُوصد دونه (أمغيفا كمرو - متحف ويلز)
TT

أربعة أحرف تفكّ لغزاً بحرياً عمره 443 عاماً

غرقَت السفينة وبقي القفل أميناً على ما أُوصد دونه (أمغيفا كمرو - متحف ويلز)
غرقَت السفينة وبقي القفل أميناً على ما أُوصد دونه (أمغيفا كمرو - متحف ويلز)

استخدم علماء تقنية متطوّرة لفكّ الشيفرة المكوَّنة من 4 أحرف لقفل نحاسي ذي تركيبة سرّية، ظلَّ مدفوناً على أحد شواطئ ويلز أكثر من 4 قرون.

ووفق «الإندبندنت»، ظلَّ القفل العائد إلى القرن السادس عشر، الذي انتُشل من حطام السفينة «آن فرانسيس»، موصداً بإحكام منذ غرقها قبالة ساحل جنوب ويلز عام 1583.

والآن، استعان فريق مشترك من «أمغيفا كمرو - متحف ويلز» وجامعة كارديف بالتقنيات الحديثة للكشف عن التركيبة التاريخية التي كانت تؤمّن الحمولة في ما مضى، وهي: «إيه إن سي إي».

ويعتقد الباحثون أنّ هذا القفل المعقّد كان يحمي صندوق القبطان، الذي ربما احتوى على فضة إسبانية، أو منسوجات عالية القيمة، أو مراسلات بحرية حسّاسة، قبل أن تجنح السفينة في قناة بريستول.

وجاء هذا الاختراق بعدما استعان القائمون على الترميم في المتحف بمهندسين في كلية الهندسة بجامعة كارديف، لاستخدام التصوير المقطعي المحوسب الدقيق «ميكرو سي تي»، وهي تقنية مسح تُستخدم عادة لفحص العظام وغيرها من أنسجة الجسم.

وأنتجت عمليات المسح صوراً ثلاثية البُعد للقفل، استُخدمت لاحقاً في فكّ شيفرته.

وقال الباحث المشارك في مرفق بحوث الميكانيكا الحيوية للجهاز العضلي الهيكلي بجامعة كارديف، الدكتور ديفيد ويليامز: «من خلال إنشاء صورة ثلاثية البُعد مفصّلة للآلية الداخلية، تمكّنتُ من رؤية كيفية محاذاة الشقوق للحروف، وتحديد التركيبة الدقيقة».

وأضاف: «نستخدم هذه التقنية عادة لدراسة العظام وغيرها من التراكيب البيولوجية، ولذلك كان فحص قفل عمره 400 عام تجربة هي الأولى من نوعها بالنسبة إلينا».

وبعدما انتظر الدكتور ويليامز فريق المتحف لاختبار الشيفرة، وصف تلقّيه تأكيداً بنجاحهم في ذلك بأنه أمر «مُرضٍ إلى حدّ لا يُصدَّق».

وقال: «ليس كل يوم تُتاح لك فرصة حلّ لغز عمره 400 عام».

وكانت السفينة «آن فرانسيس» عائدة من رحلة تجارية إلى إسبانيا عندما اجتاحتها عاصفة هوجاء مساء 28 ديسمبر (كانون الأول) 1583.

وبعدما دفعتها الرياح العاتية بعيداً عن مسارها، جنحت السفينة وتحطّمت عند شاطئ مارغام قرب ميناء تالبوت.

ومع أنّ أقفالاً ذات تركيبات سرّية تعود إلى العصر الإليزابيثي سبق العثور عليها في بريطانيا، فإنّ الخبراء وصفوا هذا القفل بأنه بالغ الأهمية وفريد من نوعه؛ لإمكان ربطه مباشرة بحطام سفينة موثّق التاريخ.

وقد عُثِر على القفل قرب مخبأ من العملات الفضية الإسبانية وزوج من الأوزان النحاسية المستخدمة في فحص العملات.

وقال كبير أمناء المقتنيات في علم العملات والاقتصاد الويلزي في «متحف ويلز»، أليستر ويليس: «الأقفال ذات التركيبات السرّية العائدة إلى العصر الإليزابيثي معروفة في بريطانيا، لكن هذا القفل في حالة جيدة استثنائية، ويرتبط بحطام سفينة مؤرّخ، ممّا يجعله اكتشافاً فريداً، وشيفرته لغزاً مغرياً لحلّه».

واستطرد: «وبطبيعة الحال، بعدما حللناه، صرنا نتساءل عمّا إذا كانت الشيفرة تعني شيئاً لصاحبها».

ويشكّل القفل جزءاً من كنز «آن فرانسيس» الأوسع، الذي استخرجه على مدى 21 عاماً، بين عامَي 1996 و2017، بيتر هيوز، وهو هاوٍ للبحث باستخدام كاشف المعادن.

ويُعرض القفل الذي فُكّت شيفرته الآن للجمهور في المتحف الوطني للواجهة البحرية في سوانزي، إلى جانب كنوز أخرى مستخرجة، بينها عملات ذهبية نادرة تعود إلى عهد فرديناند وإيزابيلا، ملكَي إسبانيا، وصفّارة قائد طاقم من العصر الإليزابيثي.


«حجر المذبح» في «ستونهنج»... استبعاد اسكوتلندا يُعمّق اللغز

حجر يُخفي جغرافيا ميلاده منذ آلاف السنوات (بكسلز)
حجر يُخفي جغرافيا ميلاده منذ آلاف السنوات (بكسلز)
TT

«حجر المذبح» في «ستونهنج»... استبعاد اسكوتلندا يُعمّق اللغز

حجر يُخفي جغرافيا ميلاده منذ آلاف السنوات (بكسلز)
حجر يُخفي جغرافيا ميلاده منذ آلاف السنوات (بكسلز)

أمضت مجموعة من الجيولوجيين ساعات لا تُحصى فوق تلال اسكوتلندية تعصف بها الرياح، بحثاً عن أصل إحدى أكثر سمات «ستونهنج» إثارة للاهتمام.

لكن هذا النصب الأثري العائد إلى عصور ما قبل التاريخ لا يبوح بأسراره بسهولة، إذ يكشف تقرير علمي جديد أنّ أصل «حجر المذبح» في «ستونهنج» لا يزال عصياً على التحديد، وأنّ الجيولوجيين الذين لفحتهم الرياح ربما كانوا يبحثون في المكان الخطأ أساساً.

ووصف أحدهم أصل حجر المذبح بأنه «لغز»، فيما وصفه آخر بأنه قصة بوليسية جيولوجية لم تعرف نهاية واضحة حتى الآن.

وقد بدا الأمر مختلفاً تماماً عام 2024، عندما فحص متخصّصون من جامعات في لندن وويلز وأستراليا حبيبات من الحجر الرملي المأخوذ من حجر المذبح، وافترضوا أنه جاء من شمال شرقي اسكوتلندا، على بُعد أكثر من 400 ميل من «ستونهنج».

ووصف أحد أعضاء الفريق هذا الاكتشاف بأنه «مذهل»، وأثار تكهّنات بشأن الطريقة التي نُقل بها الحجر، الذي يزن 6 أطنان: أعلى زلّاجة أم على متن سفينة؟ كما فتح الباب أمام التساؤل عن طبيعة العلاقات بعيدة المدى التي ربما كانت قائمة بين شعوب العصر الحجري الحديث.

واستُعين بمزيد من الخبراء من كندا وإيطاليا والسويد واسكوتلندا، وأُجريت دراسة بعنوان «البحث عن أصل حجر المذبح في ستونهنج»، نقلتها «الغارديان» عن «مجلة الجمعية الجيولوجية»، للتركيب الدقيق للصفيحة الحجرية، شملت فحوصاً غير إتلافية للحجر في موضعه الأصلي، وفحص 8 شظايا منه محفوظة في متاحف.

وبعد التوصّل إلى هذا الوصف التفصيلي، توجّه أعضاء من الفريق إلى شمال شرقي اسكوتلندا لمحاولة إيجاد تطابق دقيق مع الصخور البارزة هناك، ومن ثم تحديد أصل حجر المذبح بدقة.

ووصف أستاذ الكيمياء الجيولوجية الفخري في قسم الجغرافيا وعلوم الأرض بجامعة أبيريستويث، نيك بيرس، البحث عن أصل حجر المذبح بأنه أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش.

وقال: «المشكلة أنّ المساحة شاسعة جداً، وتبلغ آلاف الكيلومترات المربّعة. والسبيل الوحيد هو أن تذهب إلى هناك وتعثر على العيّنات».

وأضاف: «عليك التخطيط بعناية. فقد كان أحد زملائي هناك مؤخراً وعلق في العواصف، وهو ما لا يُعدّ طقساً مثالياً للعمل الميداني في الجيولوجيا. وقد أخذنا نحو 70 عيّنة، وأعدناها إلى المختبرات وأجرينا عليها الاختبارات».

وأشارت الاختبارات إلى أنه من غير المرجّح أن يكون حجر المذبح قد جاء من شمال شرقي اسكوتلندا.

وقال بيرس إنه لم يُصب بخيبة لعدم حلّ اللغز بعد. وأضاف: «نقترب من الحل. ففي قصة بوليسية جيولوجية مثل هذه، يكتسب استبعاد المناطق المحتملة للمصدر أهمية لا تقلّ عن تحديد مناطق جديدة. فكلّ موقع يُستبعد يضيّق نطاق البحث ويقرّبنا من معرفة المكان الذي جاء منه حجر المذبح. لست فاقداً للأمل. هذا جزء من العملية».

وخلص الأستاذ الفخري في جامعة جنوب ويلز الذي قاد الدراسة، دنكان بيري، إلى أنه من «غير المرجّح إطلاقاً» أن يكون حجر المذبح قد جاء من شمال شرقي اسكوتلندا. وقال إن الحجر لم يأتِ بالتأكيد من جنوب بريطانيا أيضاً، وإنه ربما جاء من مكان آخر في اسكوتلندا، أو شمال إنجلترا، أو حتى من آيرلندا.

وقال بيري إنّ أصل الحجر لا يزال لغزاً، لكنه أضاف: «هذا أشمل تحقيق جيولوجي أُجري على حجر المذبح على الإطلاق. فمن خلال الجمع بين طائفة واسعة من التقنيات التحليلية، استطعنا تكوين أوضح صورة حتى الآن لتركيب الحجر، واختبرنا النظريات الرئيسية بشأن أصله».

وتابع: «حتى الآن، لا يتشارك أيّ من المواقع التي فُحصت مع حجر المذبح في المجموعة نفسها من الخصائص، لكن البحث لم ينتهِ بعد».

وقال مايك بيتس، وهو خبير مرموق في موقع «ستونهنج» لم يشارك في الدراسة، إنّ تحديد أصل حجر المذبح احتمال مثير. وأضاف: «من شأن ذلك أن يساعد كثيراً في وضع حجر المذبح في سياق عالم من نقلوه. فسنتمكّن من رؤية المشهد الطبيعي بعيونهم، ومعرفة المكان الذي بدأت منه الرحلة بالضبط».