صرّح رئيس منظمة الصحة العالمية بأن أكبر شركات الأغذية المصنعة في العالم تعرقل الجهود العالمية لمكافحة أزمة السمنة من خلال مقاضاة الحكومات التي تسعى إلى تشجيع الأنظمة الغذائية الصحية.
واتهم رئيس منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، شركات الأغذية العالمية بعرقلة تبنِّي تدابير حيوية للصحة العامة؛ ما يُكبّد الدول مليارات الدولارات في تكاليف الرعاية الصحية والقانونية.
ازدياد عدد حالات السمنة
ويعاني ما يقرب من مليار شخص حول العالم من السمنة، وتُعدّ الأنظمة الغذائية غير الصحية أحد الأسباب الرئيسية لأمراض القلب والسكري من النوع الثاني والسرطان. ويزداد استهلاك الأغذية المصنعة أو الأغذية فائقة المعالجة بشكل كبير، حيث تُشكّل الآن نصف متوسط النظام الغذائي في العديد من البلدان، وفق صحيفة «الغارديان» البريطانية.
وقد بدأت الحكومات في جميع أنحاء العالم، بعد أن أدركت الآثار الصحية والاقتصادية لأزمة السمنة، في تطبيق تدابير تهدف إلى الحد من استهلاك الوجبات السريعة، وتشجيع الأنظمة الغذائية الصحية. وتشمل هذه التدابير وضع ملصقات تحذيرية على واجهة عبوات المنتجات، وفرض قيود على التسويق والإعلان عن المنتجات غير الصحية، وفرض ضرائب على الوجبات السريعة.
وتُصرّ أكبر شركات الأغذية المصنعة في العالم، علناً، على دعمها لهذه السياسات، ورغبتها في مساعدة المستهلكين على اتخاذ خيارات مدروسة، والتزامها بأن تكون جزءاً من الحل. لكن تحقيقاً أجرته صحيفة «الغارديان»، بالتعاون مع أكاديميين، ومؤسسة «لايتهاوس ريبورتس» الإخبارية غير الربحية، وتحالف من شركاء إعلاميين من 4 قارات، كشف أن العديد من هذه الشركات نفسها كانت تُقاضي الحكومات لإلغاء هذه السياسات أو إضعافها أو تأخيرها.

يوثق التحقيق كيف استُخدمت الدعاوى القضائية لمعارضة أو إضعاف تدابير الصحة العامة المتعلقة بالسمنة والأنظمة الغذائية غير الصحية؛ ما أدى إلى ما يقارب 600 عام من المعارك القانونية المكلفة، بمعدل 2.5 عام لكل قضية، معظمها باء بالفشل.
وخلص التحقيق إلى أنه تم رفع 235 دعوى قضائية بشأن سياسات صحية تستهدف منتجات الأغذية المصنعة في المكسيك وكولومبيا والبرازيل والولايات المتحدة والمملكة المتحدة خلال المدة من 2010 إلى 2025.
الشركات تخسر القضايا... ولكن!
قال تيدروس: «لم تكن نتائج التحقيق العالمي الذي أجرته صحيفة (الغارديان) وغيرها من وسائل الإعلام حول الأغذية فائقة المعالجة مفاجئة، لكنها قوبلت باعترافٍ مُقلق. فعندما يرتبط الضرر والربح بالمنتج نفسه، يظهر نمطٌ مألوفٌ لتدخل الصناعة: زرع الشكوك وعرقلة التنظيم».
ومن بين الدعاوى القضائية التي سُوّيت، خسرت شركات الأغذية ثلاثة أرباعها، لكن حتى القضايا الخاسرة أخرت تبنِّي تدابير حيوية للصحة العامة لسنوات، وأغرقت في الوقت نفسه الحكومات ومسؤولي الصحة العامة في دعاوى قضائية معقدة ومكلفة.
وبينما ربحت الحكومات معظم الدعاوى القضائية في نهاية المطاف، فإن التقاضي المُستمر والمكثف من قِبل شركات الأغذية فائقة المعالجة يُشير إلى أهداف أخرى تتجاوز مجرد الفوز، وهو إبطاء تطبيق القوانين الجديدة، وسحق رغبة وقدرة الدول الأخرى والهيئات التنظيمية على تبنِّي سياسات مماثلة، وفقاً لتحقيق الصحيفة البريطانية.
وقال تيدروس إن الأهم من ذلك أن هذه الدعاوى القضائية تسببت في إطالة أمد أزمة السمنة العالمية المميتة والمتفاقمة، مُكلّفةً الدول مليارات الدولارات في التكاليف القانونية والرعاية الصحية. وتابع: «تتسبب هذه التأخيرات في تكبيد الدول مليارات الدولارات في نفقات الرعاية الصحية والقانونية، وتصنع حالة من الجمود التنظيمي الذي يثني الحكومات عن تبني إجراءات الحماية الحيوية».
وتُكلّف هذه التأخيرات الدول مليارات الدولارات في نفقات الرعاية الصحية والقانونية، وتُرسّخ بيئة تنظيمية مُثبّطة تعوق الحكومات عن تبنِّي إجراءات حماية حيوية.
وتعاونت صحيفة «الغارديان» ووسائل إعلام أخرى مع باحثين من مركز روبرت وإيثيل كينيدي لحقوق الإنسان، وجامعة سيدني، وجامعة ساو باولو، وجامعة كالداس، للتحقيق في حجم المقاومة القانونية التي يشنها قطاع الأغذية فائقة المعالجة.
وخلص التحقيق إلى أن سياسة وضع الملصقات على المنتجات الغذائية كانت السياسة التي رفعت الحكومات بسببها أكبر عدد من الدعاوى القضائية، تليها الضرائب على الأطعمة غير الصحية والقيود التسويقية.
هوية سرية
ورفعت شركات الأغذية فائقة المعالجة أو اتحادات تجارية تمثلها ثلاثة أرباع الدعاوى القضائية. ووفقاً لوثائق اطلعت عليها صحيفة «الغارديان»، طلبت بعض الشركات العملاقة المتورطة في القضايا القانونية حول العالم من المحاكم إبقاء هوياتها سرية.
ومن بين الدعاوى القضائية التي رفعتها شركات تم تحديد هوية المدعي فيها، رُفعت 38 في المائة منها من قبل 8 شركات أم: «كوكاكولا»، و«بيبسيكو»، و«موندليز»، و«كيلوجز»، و«دانون»، و«فيريرو»، و«زيغنوكس»، ومجموعة «هارتلاند» لمنتجات الأغذية، وفق الصحيفة.
وقال تيدروس إنه يُقرّ بأن بعض شركات الأغذية الكبرى قد أحرزت تقدماً في جعل منتجاتها صحية أكثر. ومع ذلك، أضاف أنه إذا كانت هذه الشركات جادة في المساعدة على مكافحة السمنة، فعليها التخلي عن الدعاوى القضائية.
وأضاف: «هذه الجهود مُرحّب بها، لكنها غير كافية وحدها لمواجهة حجم هذه الأزمة الصحية العالمية. وللمساهمة بفاعلية في الحل، ينبغي للشركات أيضاً إنهاء التقاضي وغيره من الأساليب التي تُرهق موارد الحكومات المحدودة، وتعوق جهود حماية الصحة العامة».
حملات ضغط
في العام الماضي، كشفت صحيفة «الغارديان» أن الحكومة البريطانية تراجعت عن توجيهات جديدة تحث المتاجر على الترويج للأغذية قليلة المعالجة والغنية بالعناصر الغذائية، وذلك بعد حملة ضغط قامت بها شركات الأغذية فائقة المعالجة.
وأوضح تيدروس أن العديد من الإجراءات التي تُقاضَى الحكومات بسببها «أثبتت فاعليتها في دعم الأنظمة الغذائية الصحية ومكافحة السمنة»، حيث يُظهر عدد متزايد من الدول «نتائج حقيقية وقابلة للقياس».
أكد تيدروس ضرورة التحرك العالمي، قائلاً: «في عام 2024، كان ما يقرب من مليار شخص، أي واحد من كل سبعة أشخاص في العالم، يعانون من السمنة». وحث الحكومات على مواصلة تبني تدابير الصحة العامة التي تُقاضَى بسببها. وأضاف: «يزداد زخم التغيير، ومنظمة الصحة العالمية ملتزمة بدعم هذه الجهود في كل خطوة».
وأضاف: «للأسف، لا تزال هذه السياسات مُركّزة في الدول ذات الدخل المتوسط المرتفع والدول ذات الدخل المرتفع، وهذا يعكس عدم مساواة أوسع نطاقاً، ليس فقط في العبء المتزايد للمرض، ولكن أيضاً في قدرة الحكومات على الاستجابة، وهو عدم مساواة تتفاقم بسبب التقاضي من خلال تأخير اتخاذ الإجراءات حيث تشتد الحاجة إليها».
