من يقود «خزانة» بريطانيا؟... سباق الأسماء يرسم ملامح المرحلة المقبلة

الأسواق تترقب هوية وزير المالية المقبل بوصفها أول اختبار لتوجهات حكومة بيرنهام

أعلام القديس جورج معلقة خارج مقر رئاسة الوزراء البريطانية قبل مباراة نصف نهائي كأس العالم 2026 بين إنجلترا والأرجنتين (د.ب.أ)
أعلام القديس جورج معلقة خارج مقر رئاسة الوزراء البريطانية قبل مباراة نصف نهائي كأس العالم 2026 بين إنجلترا والأرجنتين (د.ب.أ)
TT

من يقود «خزانة» بريطانيا؟... سباق الأسماء يرسم ملامح المرحلة المقبلة

أعلام القديس جورج معلقة خارج مقر رئاسة الوزراء البريطانية قبل مباراة نصف نهائي كأس العالم 2026 بين إنجلترا والأرجنتين (د.ب.أ)
أعلام القديس جورج معلقة خارج مقر رئاسة الوزراء البريطانية قبل مباراة نصف نهائي كأس العالم 2026 بين إنجلترا والأرجنتين (د.ب.أ)

لن يكون اختيار وزير المالية البريطاني الجديد مجرد قرار لتوزيع الحقائب الوزارية، بل سيكون أول اختبار حقيقي لرئيس الوزراء الجديد آندي بيرنهام، الذي يستعد لدخول مقر رئاسة الحكومة في «داونينغ ستريت» يوم الاثنين خلفاً لكير ستارمر.

فمنصب وزير الخزانة يعد ثاني أهم منصب في الحكومة البريطانية، وصاحبه سيكون مسؤولاً عن إدارة اقتصاد يواجه تحديات متشابكة، تشمل تباطؤ النمو، وارتفاع مستويات الدين العام، وضغوط الإنفاق على الرعاية الاجتماعية والدفاع، إضافة إلى تداعيات الحرب في الشرق الأوسط التي رفعت أسعار الطاقة وأعادت المخاوف التضخمية إلى الواجهة، وفق «بي بي سي».

ورغم تأكيد فريق بيرنهام أن القرار النهائي لم يُحسم بعد، وأن التشكيلة الوزارية لن تُعلن قبل توليه المنصب رسمياً، فإن دوائر السياسة والأسواق المالية بدأت بالفعل في ترجيح عدد من الأسماء، وسط تساؤلات لا تتعلق فقط بمن سيتولى وزارة المالية، بل أيضاً بالنهج الاقتصادي الذي ستتبناه الحكومة الجديدة.

لماذا يحظى المنصب بكل هذه الأهمية؟

يأتي هذا الاهتمام لأن وزير المالية المقبل لن يرث اقتصاداً مستقراً، بل ملفات تُعدّ من الأصعب منذ سنوات.

فالاقتصاد البريطاني لا يزال يعاني تباطؤاً مزمناً في الإنتاجية منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، ثم جاءت صدمات متلاحقة تمثلت في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وجائحة كورونا، والحرب في أوكرانيا، وأخيراً تداعيات الحرب في الخليج، التي رفعت أسعار النفط وأثرت في تكاليف النقل والطاقة.

وفي الوقت نفسه، يتعين على الحكومة الحفاظ على انضباط المالية العامة، مع تزايد الضغوط لزيادة الإنفاق على الخدمات العامة والدفاع، في وقت تواصل فيه الأسواق مراقبة مستويات الاقتراض الحكومي.

ولذلك؛ يرى اقتصاديون أن اسم وزير المالية سيحمل رسالة مباشرة للمستثمرين بشأن توجهات الحكومة الاقتصادية، وما إذا كانت ستميل إلى التوسع في الإنفاق أو ستواصل الالتزام بالانضباط المالي.

شابانا محمود... الاسم الأكثر تداولاً

برزت وزيرة الداخلية شابانا محمود خلال الأيام الأخيرة بوصفها المرشحة الأقرب لتولي وزارة الخزانة، بعدما تحدثت تقارير إعلامية عن مناقشات متقدمة داخل فريق بيرنهام بشأن تعيينها. ورغم أنها لا تمتلك خلفية اقتصادية متخصصة، فإنها تعد من الشخصيات البارزة داخل الجناح المعتدل في حزب العمال؛ وهو ما يراه بعض المحللين عاملاً قد يطمئن الأسواق المالية.

وزيرة الداخلية شابانا محمود الاسم الأكثر تداولاً لتولي وزارة الخزانة (إ.ب.أ)

وقالت كاثلين بروكس، مديرة الأبحاث في شركة «إكس تي بي»، إن التقارير التي رجحت تعيين محمود انعكست سريعاً على الأسواق؛إذ ارتفع الجنيه الإسترليني بنحو واحد في المائة أمام الدولار خلال الأسبوع، عادَّةً أن المستثمرين ينظرون إليها بوصفها شخصية قادرة على تبني سياسات اقتصادية متوازنة، خصوصاً في ملفات الإنفاق الحكومي وإصلاح نظام الرعاية الاجتماعية.

وأضافت أن اختيارها سيبعث أيضاً برسالة سياسية مفادها أن بيرنهام مستعد للإبقاء على شخصيات تنتمي إلى الجناح الأكثر اعتدالاً داخل حزب العمال في مواقع اقتصادية رئيسية.

إلا أن تقارير أخرى أشارت إلى أن «محمود» تفضل البقاء في وزارة الداخلية لاستكمال إصلاحات نظام اللجوء والهجرة التي بدأتها خلال الفترة الماضية؛ وهو ما يجعل انتقالها إلى وزارة الخزانة غير محسوم حتى الآن.

إد ميليباند... المرشح الذي انقسمت حوله الأسواق

كان وزير الطاقة إد ميليباند لفترة طويلة أحد أبرز المرشحين لتولي وزارة المالية، مستفيداً من قربه السياسي من بيرنهام وخبرته السابقة في وزارة الخزانة.

لكن هذا الترشيح أثار انقساماً بين المحللين. فبينما يرى مؤيدوه أنه يمتلك رؤية اقتصادية واضحة تتوافق مع توجهات الحكومة الجديدة، يخشى بعض المستثمرين أن تؤدي سياساته المتعلقة بالتحول إلى الطاقة النظيفة إلى استمرار ارتفاع أسعار الطاقة، وبالتالي زيادة الضغوط التضخمية.

ويحذّر بعض الاقتصاديين من أن هذه المخاوف، سواء كانت مبررة أم لا، قد تنعكس على سوق السندات الحكومية البريطانية، التي أصبحت أكثر حساسية تجاه أي إشارات تتعلق بالإنفاق أو التضخم.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن فرص ميليباند تراجعت خلال الأيام الأخيرة، رغم استمرار دعم بعض أعضاء حزب العمال لترشيحه.

وزير الطاقة البريطاني إد ميليباند (رويترز)

إيفيت كوبر... خيار توافقي

تبرز أيضاً وزيرة الخارجية إيفيت كوبر بوصفها خياراً توافقياً يمكن أن يجمع بين الخبرة الاقتصادية والقبول السياسي. فكوبر سبق أن شغلت منصب كبيرة أمناء وزارة الخزانة خلال حكومة غوردون براون؛ ما يمنحها خبرة مباشرة في إدارة السياسة المالية.

ويرى محللون أنها تمثل خياراً وسطاً بين الجناحين الرئيسيين داخل الحزب، وقد تكون قادرة على تحقيق قدر من الاستقرار السياسي والاقتصادي إذا وقع عليها الاختيار.

وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر (د.ب.أ)

ويس ستريتينغ... وجه إصلاحي مؤيد للنمو

أما وزير الصحة ويس ستريتينغ، فكان في وقت سابق من أبرز المرشحين، خصوصاً بعد دعمه المبكر لبيرنهام خلال سباق زعامة الحزب.

ويعدّ ستريتينغ من أكثر الوزراء حديثاً عن ضرورة تسريع النمو الاقتصادي وتحسين بيئة الاستثمار؛ وهو ما جعله يحظى بقبول لدى بعض الأوساط الاقتصادية. لكن محللين يرون أن طموحاته السياسية المستقبلية قد تجعل تعيينه في وزارة المالية خياراً أكثر حساسية بالنسبة لرئيس الوزراء الجديد.

وزير الصحة ويس ستريتينغ (داونينغ ستريت)

بات ماكفادين... الأكثر خبرة

ورغم أن اسمه لا يتصدر الترشيحات، فإن كثيراً من الخبراء يعدّون وزير العمل والمعاشات بات ماكفادين الأكثر تأهيلاً من الناحية الفنية. فقد شغل سابقاً مناصب مرتبطة بوزارة الخزانة، كما يمتلك خبرة واسعة في ملفات الأعمال والضمان الاجتماعي، وهي ملفات ستكون في صدارة أولويات الحكومة الجديدة.

ويرى كبير الاقتصاديين في شركة «بانميور ليبروم» أن ماكفادين قد يكون «الخيار الأكثر أماناً» للأسواق؛ نظراً لخبرته وقدرته على إدارة الملفات المالية الحساسة.

لكن قربه من حكومة كير ستارمر قد يقلل من فرص اختياره إذا أراد بيرنهام إظهار قطيعة سياسية مع المرحلة السابقة.

وزير العمل والمعاشات البريطاني بات مكفادين (إ.ب.أ)

ماذا عن راشيل ريفز؟

تتزايد المؤشرات على أن وزيرة المالية الحالية راشيل ريفز لن تحتفظ بمنصبها، رغم دفاعها عن سياساتها الاقتصادية وتأكيدها أن نتائجها بدأت تظهر على أداء الاقتصاد.

وكانت ريفز قد دعت الحكومة المقبلة إلى مواصلة النهج المالي الحالي، عادّة أن سياسات الانضباط المالي بدأت تؤتي ثمارها، فيما سبق أن أكد بيرنهام التزامه بالقواعد المالية التي وضعتها.

وتشير تقارير إعلامية إلى أنها قد تتولى حقيبة وزارية أخرى داخل الحكومة الجديدة.

وزيرة الخزانة البريطانية راشيل ريفز (د.ب.أ)

الاختيار الذي يراقبه المستثمرون

يرى مراقبون أن الأسواق لا تترقب اسم الوزير المقبل فحسب، بل تحاول استشراف النهج الاقتصادي الذي سيحمله معه. فإذا وقع الاختيار على شخصية تُعرف بتأييدها للانضباط المالي؛ فقد يعزز ذلك ثقة المستثمرين ويحدّ من تقلبات الجنيه الإسترليني والسندات الحكومية. أما إذا مالت الحكومة إلى اختيار شخصية تميل إلى زيادة الإنفاق العام، فقد ترتفع المخاوف بشأن مسار الدين العام وتكلفة الاقتراض.

وفي كل الأحوال، سيكون وزير المالية الجديد أول من سيواجه تحديات إعادة تنشيط الاقتصاد البريطاني، واحتواء الضغوط التضخمية، وتمويل الإنفاق الدفاعي، والتعامل مع التداعيات الاقتصادية للحرب في الشرق الأوسط، وهي ملفات ستحدد إلى حد كبير نجاح حكومة بيرنهام في سنواتها الأولى.


مقالات ذات صلة

اقتراض بريطانيا يتجاوز التوقعات في أغسطس ويضغط على موازنة هيلي

الاقتصاد وزير المالية البريطاني جون هيلي خلال كلمة في مركز تكنولوجيا التصنيع في كوفنتري (رويترز)

اقتراض بريطانيا يتجاوز التوقعات في أغسطس ويضغط على موازنة هيلي

اقترضت الحكومة البريطانية أكثر من المتوقع في أغسطس (آب)، ما أدى إلى تجاوز العجز المتراكم منذ بداية السنة المالية التوقعات الرسمية.

«الشرق الأوسط» (مانشستر)
الاقتصاد الناس يمرّون أمام مبنى «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)

«بنك إنجلترا» يبقي الفائدة عند 3.75 % وسط تحذيرات من رفعها مجدداً

حذّر «بنك إنجلترا» من أنَّ التضخم في المملكة المتحدة قد يتجاوز 4 في المائة مطلع العام المقبل، مع تصاعد مخاطر استمرار ارتفاع أسعار الطاقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رجل يمر أمام بنك إنجلترا في وسط لندن (أ.ف.ب)

بنك إنجلترا يبقي الفائدة دون تغيير ويحذر من تجاوز التضخم 4 %

أبقى بنك إنجلترا أسعار الفائدة دون تغيير يوم الخميس، لكنه شدد لهجته بشأن مخاطر التضخم، متوقعاً أن يتجاوز معدل ارتفاع الأسعار 4 في المائة في مطلع العام المقبل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

«المركزي» البريطاني يترقب تثبيت الفائدة رغم ارتفاع التضخم

يتجه بنك إنجلترا إلى إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير، الخميس، رغم ارتفاع التضخم في المملكة المتحدة إلى أعلى مستوى في 5 أشهر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد متسوقة في سوبر ماركت في لندن (إ.ب.أ)

تضخم بريطانيا يُصعّب مهمة بنك إنجلترا قبل اجتماع الفائدة

تتجه الأسواق إلى ترجيح إبقاء بنك إنجلترا سعر الفائدة الرئيسي عند 3.75 في المائة في اجتماعه الخميس، رغم ارتفاع التضخم في أغسطس إلى أعلى مستوى في 5 أشهر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«ناسداك» يلامس مستوى قياسياً للمرة الأولى منذ أوائل يونيو

متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«ناسداك» يلامس مستوى قياسياً للمرة الأولى منذ أوائل يونيو

متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك (رويترز)

لامس مؤشر «ناسداك» المركب مستوى قياسياً خلال جلسة الثلاثاء للمرة الأولى منذ أوائل يونيو (حزيران)، مع استعادة أسهم التكنولوجيا بعض خسائرها السابقة، بينما عزَّز تراجع أسعار النفط شهية المستثمرين للأصول عالية المخاطر.

وارتفع المؤشر في أحدث تعاملاته بنسبة 0.3 في المائة إلى 27212.68 نقطة، متجاوزاً أعلى مستوى قياسي سابق خلال الجلسة عند 27190.21 نقطة، والذي سجَّله في الأول من يونيو، وفق «رويترز».

وتراجعت أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها في أسبوعين، بعدما أشارت إيران إلى إمكانية إعادة فتح مضيق «هرمز» قريباً، الأمر الذي دعم الأسواق العالمية.

وعادت أسهم التكنولوجيا، التي قادت الأسواق الأميركية إلى مستويات قياسية هذا العام، إلى الواجهة مع استمرار الطلب على تقنيات الذكاء الاصطناعي دون مؤشرات على التراجع، إلى جانب صمود نتائج أعمال الشركات.

وتجاوزت القيمة السوقية لشركة «إيه إم دي» لصناعة الرقائق تريليون دولار يوم الاثنين، مع صعود أسهم شركات الرقائق، ما دفع مؤشر بورصة فيلادلفيا لأشباه الموصلات إلى أعلى مستوى له في أكثر من شهر.

وكان المؤشر قد أغلق في 17 يوليو (تموز) منخفضاً بأكثر من 20 في المائة عن ذروته القياسية، ليدخل بذلك نطاق السوق الهابطة.

وكان ارتفاع أسعار النفط والمخاوف بشأن تضخم الديون الحكومية قد دفعا عوائد سندات الخزانة الأميركية إلى أعلى مستوياتها في سنوات عدة في وقت سابق من هذا الشهر، ما فرض ضغوطاً على الأسهم التي حقَّقت مكاسب قوية، ومنها شركات تصنيع رقائق الذاكرة التي سجَّلت ارتفاعات لافتة منذ بداية العام.

ويمثل تسجيل «ناسداك» هذا المستوى تعافياً قوياً للمؤشر المثقل بأسهم التكنولوجيا، بعدما تراجع لفترة وجيزة بأكثر من 10 في المائة عن أعلى مستوى سجَّله خلال الجلسة في أواخر يوليو، وسط مخاوف من أن تؤثر زيادة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي في ربحية الشركات، مع عدم تحقق العوائد بالسرعة التي كانت تتوقعها الأسواق.

وكان مؤشرا «ستاندرد آند بورز 500» و«داو جونز» قد سجَّلا بالفعل مستويات قياسية في أوائل أغسطس (آب)، ليصبح «ناسداك» آخر المؤشرات الرئيسية التي تستعيد مستوياتها القياسية.

وبحلول الساعة 09:32 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، ارتفع مؤشر «داو جونز الصناعي» 155.42 نقطة، أو 0.30 في المائة، إلى 52204.25 نقطة، وصعد «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 14.39 نقطة، أو 0.19 في المائة، إلى 7779.09 نقطة، بينما زاد «ناسداك» المركب 89.57 نقطة، أو 0.33 في المائة، إلى 27211.66 نقطة.

وفاقت الأسهم المرتفعة تلك المتراجعة بنسبة 1.88 إلى 1 في بورصة «نيويورك»، وبنسبة 1.78 إلى 1 في «ناسداك».

وسجَّل مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» 5 شركات عند أدنى مستوياتها الجديدة خلال 52 أسبوعاً، دون تسجيل أي مستوى مرتفع جديد، بينما سجَّل مؤشر «ناسداك» المركب 12 مستوى مرتفعاً جديداً و26 مستوى منخفضاً جديداً.


مصر تؤكد صمود قطاع السياحة رغم توترات المنطقة

إقبال لافت على السياحة الثقافية بمصر (المتحف المصري)
إقبال لافت على السياحة الثقافية بمصر (المتحف المصري)
TT

مصر تؤكد صمود قطاع السياحة رغم توترات المنطقة

إقبال لافت على السياحة الثقافية بمصر (المتحف المصري)
إقبال لافت على السياحة الثقافية بمصر (المتحف المصري)

يشهد قطاع السياحة في مصر نمواً وصموداً لافتَين على الرغم من التوترات الإقليمية والظروف الجيوسياسية التي تمرُّ بها المنطقة. وقد نشر المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري مؤشرات السياحة الوافدة والإيرادات السياحية، وتوقعات المؤسسات الدولية لأداء القطاع خلال الفترة المقبلة.

وتعكس مؤشرات قطاع السياحة والسفر في مصر قدرته على مواصلة النمو والصمود رغم التوترات الإقليمية، بالتوازي مع التَّوسُّع في الطاقة الفندقية وزيادة أعداد الغرف والفنادق، بما يتزامن مع توقعات بتحسُّن مؤشرات القطاع خلال السنوات المقبلة، حسب إنفوغراف نشره المجلس الإعلامي لمجلس الوزراء المصري على منصات التواصل الاجتماعي.

وشهد العام الحالي زيادة في عدد الفنادق والغرف الجاري إنشاؤها في مصر، حيث ارتفع عدد الفنادق الجاري إنشاؤها إلى 185 فندقاً بإجمالي 46 ألف غرفة، مقابل 143 فندقاً تضم 33.9 ألف غرفة عام 2025.

ويرى الخبير السياحي المصري، أيمن الطرانيسي، أن «البيانات الواردة بالمنشور تظهر طفرةً غير مسبوقة في الاستثمار الفندقي في مصر؛ حيث سجَّلت المؤشرات قفزات متتالية في عدد الفنادق والغرف الجاري إنشاؤها لتواكب التدفقات السياحية المتزايدة»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «تأتي هذه التوسعات اللوجستية الهائلة بالتوازي مع قفزة ملموسة في أعداد السائحين الوافدين إلى البلاد؛ ما أسهم بشكل مباشر في تعظيم الإيرادات السياحية المحققة».

مواقع أثرية بالأقصر تشهد إقبالاً (وزارة السياحة والآثار)

وعلى الرغم من التوترات الإقليمية فإن مصر شهدت زيادةً في السياحة الوافدة، حيث ارتفع عدد السياح إلى 12.7 مليون سائح خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى أغسطس (آب) 2026، مقارنة بـ12.2 مليون سائح خلال الفترة نفسها من عام 2025، كما زادت الإيرادات السياحية إلى 12 مليار دولار خلال الفترة من يناير إلى أغسطس 2026، مقارنة بـ11.8 مليار دولار خلال الفترة ذاتها من عام 2025.

وتراهن مصر على تنوع مقاصدها وأنماطها السياحية، ضمن خطة دعائية أطلقتها وزارة السياحة والآثار من قبل تحت عنوان «مصر... تنوع لا يضاهى»، ما بين السياحة الثقافية، والترفيهية، والبيئية، والعلاجية، والرياضية، والدينية، والسفاري، والمؤتمرات وغيرها، كما تراهن على الترويج للمقاصد السياحية المصرية بالمعارض والفعاليات الدولية.

وتوقَّع «المجلس العالمي للسياحة والسفر» نمو قطاع السياحة والسفر في مصر بنسبة 3 في المائة عام 2026، رغم التوترات الجيوسياسية، مع توقُّع زيادة الناتج المحلي الإجمالي للقطاع إلى 35.4 مليار دولار عام 2026، مقابل 34.4 مليار دولار عام 2025، إلى جانب ارتفاع عدد المشتغلين بالقطاع إلى 3.03 مليون مشتغل عام 2026، مقابل 2.97 مليون مشتغل عام 2025، وذلك، حسب الإنفوغراف.

مؤشرات دولية تشير إلى نمو السياحة بمصر (رئاسة مجلس الوزراء )

ويوضح الطرانيسي أن «المؤشرات لم تقتصر على الأرقام الحالية، بل امتدت لتوقعات متخذي القرار والمؤسسات الدولية؛ حيث أكد المجلس العالمي للسياحة والسفر وصندوق النقد الدولي على صمود القطاع، ومواصلة مساره التصاعدي، مع توقُّعات بزيادة مستمرة في الناتج المحلي، ومعدلات التشغيل، وتوفير فرص العمل، بجانب نمو الإيرادات على المدى الطويل»، لافتاً إلى أن «هذه المؤشرات تثبت أن السياحة المصرية لم تعد مجرد قطاع موسمي، بل ركيزة استراتيجية وصناعة صلبة قادرة على تحويل التحديات الإقليمية إلى فرص استثمارية وتنموية مستدامة»، على حد تعبيره.

وحصلت مصر قبل أيام على جائزة «نقابة منظمي الرحلات» الفرنسية (SETO) لأفضل شراكة مع مقصد سياحي لعام2026، بعد تصدرها التصويت السنوي لأعضاء النقابة وحصولها على العدد الأكبر من الأصوات من بين نحو 140مقصداً سياحياً تتعامل معها شركات تنظيم الرحلات الفرنسية، وتروِّج لها على مدار العام.

بينما جاءت توقعات صندوق النقد الدولي، لتؤكد أن قطاع السياحة في مصر ظلَّ صامداً رغم حالة عدم اليقين المرتبطة بالتوترات الإقليمية، مع توقعات بزيادة الإيرادات السياحية من 19.9 مليار دولار خلال العام الماضي إلى 20.8 مليار دولار خلال العام الحالي، ثم إلى 22.9 مليار دولار عام 2027 - 2028، و25.4 مليار دولار عام 2028 - 2029، و27.9 مليار دولار عام 2029 - 2030، وصولاً إلى 29.8 مليار دولار عام 2030 - 2031.

وتطمح مصر لزيادة عدد السائحين الوافدين ليصل إلى 30 مليون سائح بحلول عام 2030 وفق الخطة والاستراتيجية المعلنة لوزارة السياحة والآثار وتصريحات وزير السياحة والآثار، بعد أن شهدت مصر طفرات في أرقام السائحين الوافدين خلال السنوات الأخيرة على الرغم من التوترات التي تشهدها المنطقة.


تحذيرات إعلامية متكررة... ما «السيناريو الأسوأ» الذي يجب أن تتحسب له مصر؟

مواطن يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
مواطن يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
TT

تحذيرات إعلامية متكررة... ما «السيناريو الأسوأ» الذي يجب أن تتحسب له مصر؟

مواطن يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
مواطن يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

في الوقت الذي تثير فيه التوترات الإقليمية المتصاعدة مخاوف في مصر من ارتفاع جديد للأسعار، على الرغم من التطمينات الحكومية، قوبلت تحذيرات إعلامية متكررة عن الاستعداد لأزمات كبيرة بقلق بالغ، ما أثار تساؤلات بشأن «السيناريو الأسوأ» الذي يجب أن تتحسب له مصر.

مخاوف المصريين من ارتفاع أسعار السلع والخدمات تزامنت مع تقلبات في سعر الصرف خلال الأيام الماضية، فبعد موجة صعود متتالٍ للدولار ليتجاوز حاجز الـ52 جنيهاً، تراجعت العملة الأميركية، أمس (الاثنين) إلى نحو 51.90 جنيه.

كما خلفت أحاديث إعلامية قلقاً في البلاد، حيث قال الإعلامي عمرو أديب، خلال برنامجه المتلفز أخيراً، إن هذه الفترة من الآن وحتى نهاية العام ستشهد «ظروفاً اقتصادية صعبة للغاية» على المستوى العالمي، داعياً المواطنين إلى الانتباه للتطورات الاقتصادية حول العالم وتأثيراتها المحتملة. وتابع: «توجد مطبات اقتصادية مقبلة في الطريق، خصوصاً في ظلِّ ارتفاع أسعار النفط، واضطرابات التجارة والطاقة والتمويل».

في حين أشار الإعلامي أحمد موسى عبر برنامجه المتلفز خلال الأيام الماضية إلى أن «تطورات الساعات الأخيرة في أوروبا تضمَّنت دعوات في بريطانيا وعدد من الدول الأوروبية للمواطنين إلى تخزين كميات من الطعام والمياه والأدوية»، عادّاً هذه التحركات «تثير تساؤلات بشأن ما قد تشهده الفترة المقبلة»، متسائلاً: «إيه اللي قادم؟ هل هناك حرب مع روسيا؟ هل هناك مشكلة هتحدث في العالم؟ لا أحد يعرف القادم».

في حين حذر الإعلامي نشأت الديهي عبر برنامجه أيضاً من «تداعيات رفع أسعار الفائدة عالمياً لمواجهة التضخم، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط والغاز والطاقة». وقال: «إن ارتفاع الفائدة في الاقتصادات الكبرى قد يدفع الأموال الساخنة إلى البحث عن عوائد أعلى في الولايات المتحدة وأوروبا»، مردداً عبارة «ربنا يستر»، على حد تعبيره، وهي التي أثارت كثيراً من التساؤلات والمخاوف.

ولاحقاً أوضح الديهي أنه تم اجتزاء تصريحاته من سياقها، وقال خلال برنامجه، مساء الأحد، إن حديثه كان يتعلق بالاقتصاد العالمي وليس «الاقتصاد المصري»، مؤكداً أن استخدامه عبارة (ربنا يستر) كان المقصود بها «تأثير التطورات الاقتصادية العالمية على مصر» وليس «التعبير عن تشاؤم بشأن الاقتصاد المصري».

التوترات الإقليمية تثير مخاوف من رفع الأسعار رغم التطمينات الحكومية (صفحة وزارة التموين المصرية على «فيسبوك»)

«السيناريو الأسوأ» الذي يجب أن تتحسب له مصر في رأي الخبير الاقتصادي وائل النحاس، هو «تصاعد الحرب، وخروج الأموال الساخنة من البلاد بشكل مفاجئ، وتأثر الموارد الدولارية، ونقص في السيولة النقدية بالبنوك».

لكن النحاس يقول لـ«الشرق الأوسط»: «بالتأكيد لدى الحكومة استراتيجية للتعامل مع هذا السيناريو»، مؤكداً أنه «يوجد سيناريو آخر، وهو أن تهدأ التوترات بالمنطقة بما يجنب مصر وكثيراً من الدول التداعيات الاقتصادية العنيفة».

ومطلع الشهر الحالي تحدث رئيس الوزراء مصطفى مدبولي عن أن الحكومة وضعت سيناريوهات مختلفة للتعامل مع تداعيات الحرب في المنطقة، من بينها «السيناريو الأسوأ» وهو استمرار الحرب لسنوات، مشيراً حينها إلى ضرورة «التحسب لاستمرار الوضع الحالي لسنوات مقبلة».

وتسعى الحكومة إلى احتواء أزمة الغلاء في البلاد عبر مبادرة تمتد 6 أشهر لـ«ضخ السلع الأساسية بأسعار مخفضة» بهدف ضبط الأسواق، بدأت في 10 سبتمبر (أيلول) الحالي وحتى مارس (آذار) 2027.

ويعتقد نائب مدير «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، عمرو هاشم ربيع، أن «السيناريو الأسوأ» لمصر هو تصاعد التوترات الإقليمية وتطورها إلى مواجهات عسكرية مفتوحة بالمنطقة. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «إن تأثر مصر سيكون سريعاً، حيث سيتراجع دخل البلاد من العملة الصعبة، وتنخفض قيمة الجنيه، وسيؤدي ارتباك سلاسل الإمداد وارتفاع الأسعار عالمياً إلى موجة غلاء في مصر».

اجتماع رئيس الوزراء المصري مع محافظ البنك المركزي حسن عبد الله الأحد لبحث تعزيز الاستقرار المالي والنقدي (صفحة مجلس الوزراء المصري على «فيسبوك»)

وفي رأي ربيع فإنه في حال تصاعد المواجهات العسكرية بالمنطقة، ستكون أمام مصر «خيارات اقتصادية محدودة»، منها «اللجوء لصندوق النقد الدولي، أو بيع أصول»، لكنه أكد وجود خيارات سياسية للتعامل مع التأثيرات منها «تعزيز الجهود السياسية للحد من تفاقم الأوضاع بالمنطقة».

وبجانب التخوفات الاقتصادية، أثارت التحذيرات الإعلامية جدلاً واسعاً بشأن ما المقصود منها، وعلقت عضوة مجلس النواب، إيرين سعيد، عبر صفحتها على «فيسبوك»، الاثنين، بقولها: «كمية الأخبار الخاصة بالحقوا تحوطوا، القادم أسوأ، تذكرني ببرنامج الزلزال عندما نبهني قبلها بـ٣٠ ثانية».

في حين دافع الإعلامي محمد مرعي عن التحذيرات التي أطلقها إعلاميون مصريون، قائلاً عبر منصة «إكس» إنها «تستند إلى معطيات ومؤشرات غير مطمئنة في المشهدَين الإقليمي والدولي»، مشيراً إلى أن «مجموع المعطيات الخاصة بالتصعيد المتزايد، تؤكد أن الشهور المقبلة ليست مبشرة على الإطلاق، وأن جميع الدول عليها أن تأخذ حذرها من الآن وتستعد لما هو مقبل».