كشف أثري مصري في «تل الكوع» بالإسماعيلية

يضم مقابر ومنطقة سكنية وصوامع من زمن «الفراعنة»

الاكتشاف تضمن جعارين وتمائم متنوعة (وزارة السياحة والآثار)
الاكتشاف تضمن جعارين وتمائم متنوعة (وزارة السياحة والآثار)
TT

كشف أثري مصري في «تل الكوع» بالإسماعيلية

الاكتشاف تضمن جعارين وتمائم متنوعة (وزارة السياحة والآثار)
الاكتشاف تضمن جعارين وتمائم متنوعة (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت البعثة الأثرية المصرية العاملة في منطقة «تل الكوع» بمحافظة الإسماعيلية عن اكتشاف مجموعة من المقابر ومنطقة سكنية وأفران وصوامع ترجع إلى عصر الانتقال الثاني.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، هذا الكشف يقدم صورة أكثر وضوحاً لطبيعة الاستيطان خلال هذه الفترة بشرق الدلتا، بوصفه مجتمعاً متكاملاً يضم مناطق سكنية ومخازن ومنشآت إنتاجية ومناطق دفن، وأشاد فتحي في بيان لوزارة السياحة والآثار، الاثنين، بجهود البعثات الأثرية المصرية والأجنبية في الكشف عن المزيد من أسرار الحضارة المصرية القديمة.

ويُسلِّط الكشف الأثري الجديد الضوء على أهمية «تل الكوع» كأحد المواقع الرئيسية المرتبطة بمحور وادي الطميلات، الذي مثَّل أحد أهم ممرات الاتصال بين شرق الدلتا والحدود الشرقية لمصر. وفق تصريحات الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، مؤكداً أن الكشف يُسهم في فهم التحول من عصر الانتقال الثاني إلى بدايات الدولة الحديثة من خلال دراسة الاستمرارية السكانية والحركة التجارية والتغيرات الاجتماعية.

وأوضح رئيس قطاع الآثار المصرية في المجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع، أن البعثة كشفت عن 10 مقابر مشيدة بالطوب اللبن بأحجام واتجاهات مختلفة، من بينها مقابر مستطيلة تشبه المصاطب، وأخرى ذات واجهات وزخارف معمارية، وجميعها تعود إلى الأسرة الـ15 من عصر الانتقال الثاني.

الموقع المكتشف تضمن مناطق سسكنية (وزارة السياحة والآثار)

كما كُشف عن منطقة سكنية تبلغ مساحتها نحو 30 × 60 متراً، يحيط بها جدار من الطوب اللبن بعرضٍ يقارب 1.5 متر، وتضم وحدات معمارية منتظمة تشمل صالات وغرفاً متعددة المساحات، بالإضافة إلى مجموعة متنوعة من الأفران والصوامع المخصصة للتخزين شرق المجمع السكني، وفق بيان الوزارة.

وأكد رئيس الإدارة المركزية لآثار الوجه البحري، الدكتور هشام حسين، أن أعمال الحفائر أسفرت عن العثور على عدد من اللقى الأثرية، من بينها جعارين، وأدوات برونزية، وأوانٍ فخارية، ومكاحل من الألباستر، وقنينات تحمل طراز «تل اليهودية» المميز لعصر الانتقال الثاني، بالإضافة إلى هياكل عظمية أظهرت الدراسات الأولية تنوعاً في الأوضاع الجنائزية والمراحل العمرية، حيث تراوحت أعمار أصحابها بين 25 و40 عاماً، بجانب كميات كبيرة من العظام الحيوانية المرتبطة بالاستهلاك اليومي والقرابين الجنائزية.

ويُظهر هذا الكشف لأول مرة بالموقع، وجود دفنات آدمية خارج المقابر المشيدة بالطوب اللبن، بعضها في وضع القرفصاء، وهو نمط غير معتاد، كما أظهرت دراسة الفخار المكتشف كثافة الاستخدام اليومي، مع غلبة أواني المائدة، تليها أواني الطهي.

جانب من المقابر المكتشفة بالموقع (وزارة السياحة والآثار)

وأفاد مدير منطقة آثار الإسماعيلية ومدير البعثة مصطفى حسن، بأن الشواهد الأثرية تشير إلى استمرار استخدام الموقع حتى منتصف الأسرة الـ18، بما يعكس استمرارية الاستيطان خلال مرحلة الانتقال من حكم الهكسوس إلى الدولة الحديثة.

ويقع «تل الكوع» على مساحة 55 فداناً على الحافة الجنوبية لوادي الطميلات الأثري في مركز القصاصين الجديدة بمحافظة الإسماعيلية، ويُعد من أهم مواقع عصر الانتقال الثاني في شرق الدلتا. وقد أسفرت أعمال الحفائر السابقة والحالية عن اكتشاف العديد من الوحدات المعمارية والمقابر التي تعود إلى تلك الفترة المهمة من التاريخ المصري القديم.

و«يمثل الكشف الأثري الجديد في تل الكوع بالإسماعيلية خطوة مهمة لفهم طبيعة الحياة في شرق الدلتا خلال عصر الانتقال الثاني، خصوصاً أنه يكشف عن مجتمع متكامل لم تقتصر ملامحه على المقابر فقط، بل شملت مناطق للسكن والتخزين والإنتاج أيضاً»، وفق تصريحات المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان، التي عدّت هذا التنوع يمنح الباحثين صورة أوضح عن شكل الحياة اليومية والتنظيم العمراني والاقتصادي في تلك الفترة.

دفنات آدمية في أوضاع مختلفة بالموقع (وزارة السياحة والآثار)

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «تبرز أهمية الكشف بسبب موقعه على محور وادي الطميلات، الذي كان أحد أهم طرق الاتصال بين مصر وحدودها الشرقية، وهو ما يُفسِّر وجود دلائل على نشاط تجاري وحركة تبادل واسعة، ظهرت من خلال الأختام والعلامات الموجودة على بعض الأواني الفخارية المكتشفة في الموقع».

وتابعت: «كما أن العثور على مقابر متنوعة في تصميمها، إلى جانب دفنات آدمية خارج المقابر التقليدية وبعضها في وضع القرفصاء، يفتح الباب أمام تفسيرات جديدة تتعلق بالعادات الجنائزية والتركيب الاجتماعي للسكان خلال تلك المرحلة المضطربة من التاريخ المصري القديم، المرتبطة بفترة حكم الهكسوس وبدايات الدولة الحديثة».

وأوضحت أن «اللقى الأثرية المكتشفة، ومنها الجعارين والأدوات البرونزية والأواني الفخارية، تساعد في إعادة بناء تفاصيل الحياة اليومية للسكان، سواء من حيث أنماط الغذاء أو الاستخدامات المنزلية أو الطقوس الجنائزية، وهو ما يجعل الكشف إضافة مهمة لدراسة تاريخ شرق الدلتا».

اكتشاف أوانٍ فخارية بالموقع (وزارة السياحة والآثار)

قال الخبير الآثاري المتخصص في علم المصريات أحمد عامر إن «تل الكوع» يعدُّ من أهم المواقع الأثرية في نطاق منطقة آثار الإسماعيلية نظراً لما يحتويه من آثار لم يتم الكشف عنها بعد، بالإضافة إلى أنه يحمل العديد من الشواهد المعمارية وبقايا إنشائية، تساعد في إعادة معرفة تاريخ هذه المنطقة خلال الفترات التاريخية المتعاقبة عليها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الموقع يرجع إلى عصر الانتقال الثاني في شرق الدلتا، فقد تم العثور سابقاً وحالياً عن وحدات معمارية ومقابر تبرز أهمية الموقع من الناحية التاريخية والحضارية، كما تم الكشف أيضاً عن جعارين وتمائم وفخار وهياكل عظمية، والكشف الحالي سيجعلنا نتعمَّق أكثر في معرفة أسرار هذا التلّ الأثري الهام».


مقالات ذات صلة

مصر تحسّن الصورة البصرية لمحيط قلعة صلاح الدين بجداريات ملوّنة

يوميات الشرق محاولات لتحسين الصورة البصرية بجنوب القاهرة التاريخية (الشرق الأوسط)

مصر تحسّن الصورة البصرية لمحيط قلعة صلاح الدين بجداريات ملوّنة

تعمل محافظة القاهرة على تحسين الصورة البصرية بمحيط قلعة صلاح الدين التاريخية بتدشين عدد من الجداريات واللوحات الفسيفسائية لأشهر معالم القاهرة التاريخية.

حمدي عابدين (القاهرة)
يوميات الشرق عشرون متراً تفتح ألفَي عام من الأسئلة (أ.ف.ب)

سور تحت مستشفى في باريس قد يحسم سرّ نشأة المدينة!

قد يُعيد سور قديم اكتُشف في باريس رسم خريطة البدايات الأولى للعاصمة الفرنسية، بعدما أعلنت السلطات أنّ العثور عليه يمثّل «إنجازاً كبيراً»...

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي من موقع تدمر الأثري في وسط سوريا (أ.ف.ب)

بقيمة 5 ملايين دولار... أميركا تعيد 36 قطعة أثرية إلى سوريا

أعلن مسؤولون أميركيون، الأربعاء، إعادة 36 قطعة أثرية مسروقة إلى سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

كشفت أعمال التنقيب في البادية الفلسطينية عن منشآت عمرانية تعود إلى الحقبة الأموية، أهمها قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم «قصر هشام»

محمود الزيباوي
يوميات الشرق تتميَّز المقبرة برسومها وألوانها الزاهية (فيسبوك)

مصر تدرس إعادة فتح مقبرة نفرتاري... والجمال ينتظر قرار العلماء

تُعد مقبرة الملكة نفرتاري، زوجة الملك رمسيس الثاني، من أبرز مقابر وادي الملكات.

محمد الكفراوي (القاهرة )

«أنغام وأفلام»... أغنيات تتساقط منها الأعوام ويبقى الحبّ

حفل يعرف كيف يجعل الليل أطول من ساعاته (الشرق الأوسط)
حفل يعرف كيف يجعل الليل أطول من ساعاته (الشرق الأوسط)
TT

«أنغام وأفلام»... أغنيات تتساقط منها الأعوام ويبقى الحبّ

حفل يعرف كيف يجعل الليل أطول من ساعاته (الشرق الأوسط)
حفل يعرف كيف يجعل الليل أطول من ساعاته (الشرق الأوسط)

كان الصيف قد غادر التقويم، تاركاً شيئاً من حرارته في هواء بيروت، فيما أخذ الخريف مكانه على مهل. فوق «ميوزيك هول» في الواجهة البحرية، استقرَّ القمر شاهداً على ليلة ستتداخل فيها الفصول والأعمار، وتعود أغنيات من أزمنة بعيدة لتوقظ في النفوس ما ظنَّت أنّ الزمن قد أخذه معه.

ثمّة صيف آخر يختبئ في ذاكرة كلّ مستمع، وحبّ قديم يجد طريقه إلى الحاضر عبر مقدّمة موسيقية، وأشياء تتساقط من العُمر وتحتفظ الأغنيات بأثرها.

أواخر الصيف تُنصت إلى موسيقى لا تعرف الخريف (الشرق الأوسط)

في أمسية «أنغام وأفلام»، أعاد المايسترو هاروت فازليان، بمشاركة الأوركسترا الوطنية للموسيقى الشرق عربية، تشكيل عالم من الألحان التي أسهمت في صناعة الوجدان العربي. 4 أصوات شابة، سيندي لطّي وبيتر جوزيف وعلياء ندا ومحمد علي، تناوبت على أداء أعمال حملت توقيع كبار الملحّنين وأصوات أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ووردة وفايزة أحمد.

اختيارات فازليان تكشف عن ذائقة تعرف قيمة التفاصيل التي صنعت خلود هذه الأعمال. ثمّة مسؤولية فنّية في الاقتراب من ألحان استقرَّت في الذاكرة بصيغها الأصلية، وأصبحت مقدّماتها وجُملها الموسيقية جزءاً من وجدان المُستمع. يتعامل المايسترو معها بمعرفة تحترم بنيتها، وبحساسية تُدرك أنّ إعادة تقديمها تحتاج إلى أذن خبيرة ومعايير دقيقة، خصوصاً أمام جمهور يحفظ انعطافاتها وينتظر لحظات ذروتها.

ما تساقط من أعمارنا أزهر في الألحان (الشرق الأوسط)

أمام 24 موسيقياً، كانت عصاه الصغيرة ترسم مسارات الصوت وتستدعي الآلات إلى الحوار، وتُحقّق التناغم بين قوة الأوركسترا وحرارة الحناجر. ليديه حضور آخر، تتبدَّل حركتهما مع المزاج اللحني، وتتّسعان مع تصاعد الجُملة أو تنحسران لتتركا للصوت فسحته. وفي قيادة فازليان يظهر أثر تكوين موسيقي رصين، يجمع الانضباط الأوركسترالي إلى حساسية الطرب الشرقي، حيث تحتاج العاطفة إلى دقّة تحميها من الإفراط.

أصوات في ربيع العُمر تُغنّي ما لم تُسقطه خريفات الزمن (الشرق الأوسط)

وللأصوات الأربعة امتحانها الخاص أمام هذا الإرث. فالأغنيات تحمل في ذاكرة الجمهور بصمات مَن خلّدوها بأصواتهم، بنبراتهم وأنفاسهم وتلويناتهم التي يصعب فصلها عن الألحان. وقد منح تعاقُب سيندي لطّي وبيتر جوزيف وعلياء ندا ومحمد علي البرنامج حياة صوتية متجدّدة. لكلّ حنجرة خامتها ومزاجها وطريقتها في الاقتراب من الجُملة، ولكلّ أداء فرصة لإزاحة الأغنية قليلاً عن صورتها المحفوظة في الأذن. وبين الطبقات النسائية والرجالية، تنقّلت الأمسية من الرهافة إلى الامتلاء، فيما ظلَّت الأوركسترا النسيج الذي يجمع اختلاف الأصوات ويحفظ للأعمال شخصيتها.

المايسترو هاروت فازليان يقود الأوركسترا بيد تُتقِن أسرار النغم (الشرق الأوسط)

يحمل هذا البرنامج وجوهاً متعدّدة للعاطفة. في «ألف ليلة وليلة»، تبلغ الرغبة في الاحتفاظ باللحظة حدَّ التمنّي أن يطول الليل فوق عُمره، كأنّ العاشق أدرك قِصر السعادة فراح يُفاوض الزمن على بقائها. وتذهب «هوَّ العُمر إيه» إلى الشعور الذي يجعل سنوات الإنسان تبدو ناقصة أمام لحظة حُبّ. أما «في يوم وليلة»، فتلتقط التحوّل الذي يُصيب النفس بعد لقاء استثنائي، حين يستيقظ الإنسان على حياة كانت قائمة من حوله، لكنه لم يعرف كيف يدخل إليها قبل أن يُحبّ.

وفي «أكذب عليك»، يبرز الصراع بين ما يُقرّره العقل وما يستعصي عليه الشعور. تتكرَّر محاولة إقناع النفس بانتهاء الحبّ، وتأتي الجُملة الموسيقية لتكشف مقدار العجز عن تنفيذ القرار. وفي «إمتى حَتعرف»، يترك تأخُّر الآخر في فَهْم المحبّة جرحاً من نوع مختلف، تصنعه الفجوة بين عاطفة مُكتملة في قلب صاحبها وعجزها عن الوصول إلى مَن تتوجَّه إليه.

أغنيات تردّ إلى القلب فصوله الغائبة (الشرق الأوسط)

مع عبد الحليم حافظ، تتبدَّل أحوال القلب بين خفّة «جانا الهوى» وحرارة «الهوى هوايا» ورقَّة «أهواك». وفي «زيّ الهوى»، يكتسب الحبّ شيئاً من قسوته، فيأخذ صاحبه إلى ما وراء إرادته ويتركه مُعلّقاً بين لذّة التعلُّق وألمه. أما «سوّاح»، فتجعل الغياب حركة دائمة، ويصبح الترحال محاولة للعثور على شخص ترك مكانه فارغاً في الداخل. وفي «كلّ ما أقول التوبة»، يتعرّى ضعف الإرادة أمام عاطفة تعرف الطريق إلى صاحبها مهما ابتعد. يضحك المستمع من تكرار العودة، وربما يتذكَّر كم أقنع نفسه بأنّ النهاية هذه المرّة ستكون نهائية.

وتمنح «بتونّس بيك» الحبّ دفئه الحميم، فيصبح صوت الآخر ووجوده ألفةً تُخفّف وحشة الأيام. أما «يَمّا القمر عالباب»، فقد وجدت في سماء الأمسية امتداداً بصرياً لكلماتها، كأنّ القمر الذي طالما استدعته الأغنية العربية، عاد ليتّخذ مكانه فوق المُستمعين.

أصوات شابة تُغامر في المقامات التي صنعت مجد الكبار (الشرق الأوسط)

وكان للسينما المصرية حضورها بين المقاعد أيضاً، مع ليلى علوي وإلهام شاهين والإعلامية بوسي شلبي، وسط وجوه رسمية وفنّية وإعلامية لبنانية. حمل الحفل إنتاج رولا تلج، وفكرته وقيادته الموسيقية لهاروت فازليان، فيما تولَّت جويل حجّار التنسيق الإداري والإبداعي، وسهرت على انسجام تفاصيل الأمسية مع الرؤية الفنّية التي شاركت في صياغتها مع المايسترو. واختارت ثنائية تلج وفازليان أن تمنح المسرح لأصوات شابة في مستهلّ تجاربها، فمنها مَن لم يسبق له الوقوف أمام الجمهور، ومنها مَن تذوَّق الغناء بمرافقة أوركسترا للمرّة الأولى. وفي هذا الخيار رهان على المواهب الناشئة، بعيداً عن توقّعات الأداء التي تُرافق الأسماء المُكرَّسة وتجاربها الطويلة. وجد هؤلاء الشباب أنفسهم أمام إرث موسيقي مهيب، يحملون بأصواتهم أغنيات سبقت ولادتهم بعقود، ويكتشفون على المسرح مسؤولية الاقتراب منها ومتعة منحها حياة جديدة. ومَن يدري أيّ صوت من هذه الحناجر سيعود الجمهور لسماعه بعد أعوام، وقد أصبح له مكانه الخاص في الذاكرة التي استعار منها بداياته الغنائية.

ومع انحسار الأصوات في آخر الليل، بقي شيء من الصيف مُعلَّقاً فوق البحر. للأغنيات قدرة على حفظ ما يتعذَّر الاحتفاظ به في الحياة، من أعمار وأمكنة ووجوه وعواطف. يتساقط الكثير مع تعاقُب الفصول، وتظلّ بعض الألحان قادرةً على إعادة الإنسان إلى نفسه، في عُمر مضى، أو في ليلة يتمنَّى لو أنها تطول ألف ليلة وليلة.


«تمارا» تُعيد صوت حكمت وهبي إلى ذاكرة الأجيال

يؤكّد أنه لن يمتهن الغناء وأن «تمارا» مجرّد تجربة (جاد وهبي)
يؤكّد أنه لن يمتهن الغناء وأن «تمارا» مجرّد تجربة (جاد وهبي)
TT

«تمارا» تُعيد صوت حكمت وهبي إلى ذاكرة الأجيال

يؤكّد أنه لن يمتهن الغناء وأن «تمارا» مجرّد تجربة (جاد وهبي)
يؤكّد أنه لن يمتهن الغناء وأن «تمارا» مجرّد تجربة (جاد وهبي)

مَن واكب الإعلام في سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، فلا بدّ أن المذيع الراحل حكمت وهبي ترك أثراً في ذاكرته. فقد شكّل علامة فارقة في مسيرة الإعلام المسموع عبر أثير راديو «مونتي كارلو» لمدة 17 عاماً. كان محاوراً بارعاً، ومغنياً خفيف الظل، وممثلاً بأداء مختلف. وترك أثراً في ذاكرة جيل بأكمله، لا يزال يشعر بالفرح كلّما شاهد له مقطع فيديو أو استمع إلى إحدى أغنياته.

وفي الذكرى الـ34 لرحيله، يستذكره مَن واكب زمنه من خلال أغنية «تمارا»، التي صدرت حديثاً بصوت نجله جاد. واستعاد معها محبّوه، ولا سيما اللبنانيون منهم، ذكريات جميلة لا تزال أعمال حكمت وهبي تحييها في وجدانهم.

وتُعدّ «تمارا» ثاني عمل غنائي تطلقه شركة «مودزيكا» ضمن مشروعها الهادف إلى إحياء مجموعة من الأغنيات القديمة، إذ سبق أن قدّمت أغنية «بتونّس بيك» للراحلة وردة الجزائرية بصوت أنجي شيا.

ويشير جاد وهبي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنّ إعادة تقديم هذه الأغنية تنبع أساساً من حبّ الناس لها. ويتابع: «الفكرة تترجم هذا الوفاء لحكمت وهبي، والحبّ الذي لا يزال يكنّه كثيرون له رغم مرور 3 عقود على رحيله. فمنذ أن بدأت العمل الإذاعي، يسألني كثيرون عن إمكان إصدار أغنية له بصوتي».

قدَّم «تمارا» بتوليفة موسيقية حديثة (جاد وهبي)

ويضيف: «هذا العمل نتاج تعاون بيني وبين صاحب شركة (مودزيكا) باسم سعيد. فهو من أصدقائي المقرّبين، وموسيقي بارع، يهدف مشروعه الفنّي إلى تجديد أغنيات قديمة لاقت شهرة واسعة. وكان متحمّساً لإعادة تقديم «تمارا» بنسخة محدّثة من دون أن تفقد روحها الأصلية».

ويرى أن الوقت كان مناسباً لإصدار الأغنية في الذكرى الـ34 لرحيل والده. وما فعله بمشاركة باسم سعيد هو تقديمها بتوليفة موسيقية جديدة. ويوضح: «أجرينا تغييرات في الإيقاعات، ومزجنا أنماطاً موسيقية مختلفة، كما أدخلنا مقطع (راب) لتواكب الأغنية زمننا. فهي تندرج ضمن قائمة أغنيات (الأولديز) القديمة التي لا تزال تصدح في المطاعم وأماكن السهر حتى اليوم. لم نُجرِ أي تغيير أساسي فيها، بل لوّنّاها بآلات وأنماط موسيقية تزيد من رونقها».

جاد، الذي يعمل في المجال الإذاعي، هل بات يقترب من دخول عالم الغناء؟ وهل يفكّر في تقديم أغنية أخرى لوالده؟ يردّ: «لا، أبداً. لن أدخل هذا المجال ولن أصبح مطرباً يوماً ما. كلّ ما في الأمر أنني خضت تجربة غنائية في ذكرى رحيل والدي. حتى إنّ حكمت وهبي لم يكن هو أيضاً يُصنّف ضمن المغنّين. صحيح أنه أدّى بعض الأغنيات، ولكن من باب الهواية والتنويع، وليس الاحتراف».

صدرت الأغنية رسمياً بصوت جاد وهبي، وصُوّر لها فيديو كليب أصبح متاحاً عبر المنصات الرقمية وشاشات التلفزيون. يُعلّق: «لقد صُوّرت بعفوية أثناء تسجيلها في استوديوهات (مودزيكا). ولا يمكنني أن أعدّ هذا العمل سوى تحية تكريمية لإعلامي ترك علامة فارقة في مشواره المهني. فقد ابتكر أسلوباً إذاعياً مختلفاً، في حواراته مع ضيوفه أو في خفّة ظلّه خلال تقليد الفنانين. وأرى أنه أحدث نقلة في العمل الإذاعي، فصار هناك زمن حكمت وهبي وما قبله وبعده، تماماً مثل الراحل رياض شرارة الذي ترك بصمته التلفزيونية».

وعمّا إذا تأثّر بأداء والده لدى غنائه «تمارا»، وهي من كلمات الراحل إلياس الرحباني وألحانه، يردّ: «أداء والدي يسكنني منذ الصغر، كما أنّ للجينات الوراثية دوراً. هناك تشابه ملحوظ بين صوتي وصوته لا يمكننا إنكاره. وأردتُ أن نُحدث بعض التغيير في الأداء، وهو ما حقّقناه في التوليفة الموسيقية. فخرجنا بعمل يجمع بيني وبين والدي لجهة التوليفة، وليس الأداء».

يصف والده الإعلامي الراحل حكمت وهبي بأنه كان مختلفاً (جاد وهبي)

ويؤكّد أنّ إعادة تقديم أغنية لوالده صعبة وسهلة في آنٍ واحد. ويستطرد: «المسؤولية هي التي جعلت المهمّة صعبة، من ناحية ضرورة تقديم ما يليق بذكراه. السهل في الموضوع أن الأغنية وجدت طريقها سريعاً إلى قلوب الناس، لأنهم لا يزالون يذكرونها. أمّا مدّ جسر يعرّف الجيل الجديد بأبي، فهو الصعب في هذه المعادلة».

ويوضح: «الجيل الشاب لا يعرفه، وربما لم يسمع عنه. لكن من واجبنا أن نسلّط الضوء مجدداً على اسم حكمت وهبي. وهذا ما فعله أهلنا معنا، حين عرّفونا إلى جيل العمالقة والفنّ الجميل. وإلا لما كنّا سمعنا بسيد درويش وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وغيرهم، لأننا، نحن جيل الثمانينات والتسعينات، لم نواكب إنجازاتهم الفنّية».

ويختم: «يمكن القول إن والدي تميّز بصدقه في العمل وقربه من الناس. لذلك، عندما ألتقي بأشخاص من الجيل القديم، يتعاملون معي وكأنهم كانوا يعرفونه من قرب».


في فيتنام... حفل بيانو لجمهور من 150 دبّاً!

تعزف الأصابع ما تعجز عنه الأقفاص (إ.ب.أ)
تعزف الأصابع ما تعجز عنه الأقفاص (إ.ب.أ)
TT

في فيتنام... حفل بيانو لجمهور من 150 دبّاً!

تعزف الأصابع ما تعجز عنه الأقفاص (إ.ب.أ)
تعزف الأصابع ما تعجز عنه الأقفاص (إ.ب.أ)

عزف الموسيقي البريطاني ريك واكمان أمام جماهير شتى حول العالم، لكنه قدَّم أخيراً حفلاً لجمهور لم يسبق له أن واجهه: 150 دبّاً داخل محمية في فيتنام.

وفق «الغارديان»، جلس عازف البيانو السابق في فرقة «يس»، الذي واصل لاحقاً مسيرة موسيقية منفردة حافلة، أمام آلته ليقدّم حفلاً استثنائياً للدببة التي أُنقذت من الأسر. وقال مازحاً قبل الحفل: «قبل أن تسألوا، لن أعزف مقطوعة (نزهة الدببة الدمى)».

ويُعرف الموسيقي البريطاني بدعمه قضايا الرفق بالحيوان، ويقتني كلاباً وقططاً أُنقذت من ظروف صعبة. ويهدف حفله إلى لفت الأنظار إلى معاناة الدببة القمرية المحتجزة في ظروف قاسية لاستخراج عصارتها الصفراوية.

أنغام تعبر القضبان إلى مَن لم يغادروها بعد (إ.ب.أ)

وأعرب عن قلقه من شدّة الحرارة المتوقَّعة، قائلاً: «هل تذكرون موجة الحرّ التي شهدناها في إنجلترا؟ الحرارة هنا ضعفها. عرضوا عليَّ تركيب مروحة، لكنني فكّرت أن ذلك لن يفعل سوى تحريك مزيد من الهواء الساخن».

وأُقيم الحفل على بيانو كبير من طراز «ياماها»، وُضع في محمية الدببة التابعة لمنظمة «أنيمالز آسيا»، داخل متنزه تام داو الوطني. وكان واكمان قد ألَّف مقطوعات جديدة خصوصاً للدببة التي أُنقذت من الأسر.

وعندما سُئل عمّا إذا كانت الدببة ستستمتع بالموسيقى، أجاب: «ليس أمامها خيار كبير، في الواقع. ومن المعروف أن جميع الحيوانات تتفاعل مع الموسيقى، ولا سيما الموسيقى الهادئة ذات الألحان. لذلك سأعزف مقطوعات لحنية على البيانو، وآمل أن تقترب من أطراف المحمية وتستمع».

ويرعى واكمان دببة أُنقذت منذ عام 2016، وقد تبنّى أخيراً دبّاً جديداً، وقال: «عمره 20 شهراً فقط، وهو دبّ ضخم. ذهبت لرؤيته اليوم، فاقترب من الحافة ووقف على رجليه الخلفيتين وظلَّ يحدّق بي. كان ذلك رائعاً».

وتُستخرج العصارة الصفراوية من الدببة لاستخدامها في الطبّ الصيني التقليدي، عبر إدخال إبرة إلى المرارة وسحب محتواها. وتُحتجز هذه الحيوانات في ظروف سيئة في دول بينها الصين وفيتنام، حيث حُظر استخراج العصارة الصفراوية، لكن دببة لا تزال تعيش في أقفاص ضيقة.

لعلّ الموسيقى تفتح ما أغلقه البشر (إ.ب.أ)

وتُعدّ تجارة صفراء الدببة، وفقاً للتقرير، رابع أكبر أسواق التجارة غير المشروعة بالحياة البرّية في شرق آسيا. وقد أسهمت في تراجع أعداد الدبّ الأسود الآسيوي في فيتنام، فيما تشير التقديرات إلى فقدان نحو ثلث أعداد هذه الدببة حول العالم خلال 30 عاماً.

وقال واكمان، الذي زار المحمية هذا الأسبوع: «رؤية هذه الدببة وهي تخضع لإعادة التأهيل وتعيش حياة لم تعرفها من قبل أمر مؤثّر. بعضها لم تطأ أقدامه العشب من قبل. إنها رائعة إلى حدّ يجعل ما نفعله بالحيوانات من أفعال مروّعة أمراً يفوق التصديق. قبل ذلك، كانت مقيّدة بالسلاسل داخل أقفاص، أحياناً لمدة 10 أو 20 عاماً، في ظروف لم تكن تستطيع معها حتى الاستدارة».

ويأمل أن يسهم الحفل في تسليط الضوء على الدببة التي لا تزال محتجزة في فيتنام، وحضّ السلطات على إطلاقها. وقال: «لدينا 150 دبّاً في المحمية، لكن لا يزال هناك 125 دبّاً عالقاً في أقفاص داخل مزارع استخراج الصفراء القديمة، ويموت 4 منها كل شهر. علينا إخراجها سريعاً ونقلها إلى المحمية».

وفي منزله بمقاطعة سوفولك البريطانية، اعتاد واكمان العزف لكلابه وقططه التي أنقذها. وروى: «كانت لديّ قطة اعتادت القفز فوق البيانو الكبير. وإذا توقّفت عن العزف، كانت تُدخل مخلبها بين الأوتار وتحرّكها حتى أعود إلى العزف. أعرف أنّ كلابي ستنهض وتغادر إذا لم تعجبها الموسيقى، كما أن قططي لا تحبّ موسيقى الميتال أو الغرنج أو الراب. إنها تريد لحناً».

ويقضي واكمان ساعات في مراقبة الدببة، ويقول: «إذا رأيتها، فسيصعب عليك العثور على كلمات تصفها؛ فهي تكاد تكون بشرية في الطريقة التي تنظر بها إليك. لا يمكنك إلا أن تتأثّر. إنها ليست أليفة، لكنها آمنة وسعيدة جداً؛ تلعب وتقفز وتمرح. شاهدت اثنين منها اليوم يقفزان في حوض مليء بالفقاعات ويلعبان. لقد استعادا حياتهما».

موسيقى لمن عرفوا الحديد قبل العشب (إ.ب.أ)

من جهتها، قالت مؤسِّسة منظمة «أنيمالز آسيا» ورئيستها التنفيذية، الدكتورة جيل روبنسون: «محظوظون بدعم ريك للمنظمة وللدببة. حبّه لها لا حدود له، ويمكن سماعه في الموسيقى الآسرة التي ألَّفها من أجلها. نحن جميعاً متحمّسون لسماع أدائه في الهواء الطلق داخل محميتنا، وسط المناظر الطبيعية الخلّابة لمتنزه تام داو الوطني. ولا أستطيع الانتظار لأرى كيف ستتفاعل الدببة».

وختم واكمان: «آمل أن تستلقي وتستمع، فهذا سيجعل يومي رائعاً. سأكون مبتسماً ابتسامة عريضة».