واشنطن لاحتواء مخاوف الليبيين من مبادرتها لحل الأزمة السياسية

بولس نفى بشكل قاطع أن تكون تمهيداً لتقسيم البلاد أو لتأجيل الانتخابات

مسعد بولس مستقبلاً الزوبي في واشنطن (منصة حكومتنا التابعة للوحدة)
مسعد بولس مستقبلاً الزوبي في واشنطن (منصة حكومتنا التابعة للوحدة)
TT

واشنطن لاحتواء مخاوف الليبيين من مبادرتها لحل الأزمة السياسية

مسعد بولس مستقبلاً الزوبي في واشنطن (منصة حكومتنا التابعة للوحدة)
مسعد بولس مستقبلاً الزوبي في واشنطن (منصة حكومتنا التابعة للوحدة)

سعت الولايات المتحدة إلى احتواء الانتقادات والشكوك، التي أحاطت بمبادرتها الخاصة بليبيا، بعدما أثارت تسريبات عن ترتيبات لتقاسم السلطة بين القوى الفاعلة في شرق البلاد وغربها مخاوف كثيرة من إطالة المرحلة الانتقالية وتكريس الانقسام، عبر تأكيدات أميركية رسمية بأن المبادرة المقترحة تستهدف توحيد المؤسسات الليبية، وتحظى بإشراف مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

شكوك ورفض

على وقع شكوك ورفض قطاعات واسعة من الليبيين بشأن مبادرته، أكد مستشار الرئيس الأميركي، مسعد بولس، أن المبادرة التي تقودها واشنطن «هي عكس ما يُشاع عنها»، موضحاً في تصريحات تلفزيونية، مساء الجمعة، أنها تهدف إلى توحيد الليبيين ومؤسساتهم، وأنها «خطة ليبية - ليبية» يقتصر فيها الدور الأميركي على تسهيل الحوار بين الأطراف، نافياً بشكل قاطع أن تكون تمهيداً لتقسيم البلاد، أو لتأجيل الانتخابات إلى عام 2032.

نائب قائد الجيش الوطني الليبي صدام حفتر (إعلام القيادة العامة)

وتقوم المبادرة، وفق تسريبات لمصادر سياسية ليبية ودبلوماسية خلال الأشهر الماضية، على صيغة لتقاسم السلطة بين أبرز مراكز النفوذ في الشرق والغرب، عبر تشكيل مجلس رئاسي جديد برئاسة نائب قائد «الجيش الوطني»، صدام حفتر، مع الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة، في بلد يعيش انقساماً سياسياً وعسكرياً منذ سنوات.

وقد أثارت هذه التصورات اعتراض قوى سياسية، خصوصاً في الغرب الليبي، اعتبرت أنها قد تؤدي إلى تكريس المحاصصة السياسية بين العائلات النافذة في ليبيا، وهو ما دفع واشنطن إلى تقديم مزيد من التوضيحات بشأن أهداف المبادرة.

عبد الحميد الدبيب رئيس حكومة الوحدة الوطنية (الوحدة)

وهنا عمد بولس إلى توضيح أن تفاصيل السلطة التنفيذية المقبلة، والأسماء التي ستقودها «متروكة بالكامل لليبيين والأطراف المتفاوضة من شرق وغرب البلاد»، مشيراً إلى أن المبادرة تتكامل مع خطة الأمم المتحدة؛ إذ تركز على معالجة المرحلة القصيرة والمتوسطة، بينما تتولى خريطة الطريق الأممية معالجة القضايا بعيدة المدى.

كما حرص المسؤول الأميركي على توجيه رسائل طمأنة إلى مختلف القوى الليبية، بالتأكيد على استمرار الدور الدستوري لكل من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وعلى ضرورة تمثيل الجنوب، وعدم اقتصار أي تفاهمات على الشرق والغرب، معتبراً أن المشهد في غرب ليبيا معقد، ويضم أطرافاً مؤسسية وشعبية وميدانية ينبغي أن تكون جزءاً من أي تسوية.

وبعد تسريبات أخرى واكبت الحديث عن مبادرة بولس، وتداولتها وسائل إعلام محلية بشأن احتمال عقد الانتخابات بعد 6 سنوات، جاء نفي بولس القاطع لهذه الأنباء، عاداً إياها «غير صحيحة»، وأكد أنها لن تتعدى سقف ثلاث سنوات.

رسائل طمأنة

بدت هذه الرسائل الأميركية من وجهة نظر سياسيين ومحللين، ومن بينهم القيادي في «حزب ليبيا النماء»، حسام فنيش، بأنها «محاولة واضحة لاحتواء موجة الانتقادات التي صاحبت المبادرة الأميركية، عبر تقديم رسائل طمأنة للقوى السياسية المتحفظة عليها».

مسعد بولس نفى بشكل قاطع أن تكون المبادرة الأميركية تمهيداً لتأجيل الانتخابات (مفوضية الانتخابات)

وقال فنيش لـ«الشرق الأوسط» إن نفي بولس بأن تكون المبادرة مدخلاً لتقسيم ليبيا أو لإطالة المرحلة الانتقالية، يعكس إدراك واشنطن لحجم المخاوف التي أثيرت منذ الكشف عن الخطة، سواء بشأن فرض ترتيبات سياسية من الخارج، أو تجاوز المؤسسات القائمة.

ويعتقد فنيش أن تأكيد بولس استمرار دور مجلسي النواب و«الأعلى للدولة»، والحديث عن ضرورة تمثيل الجنوب، يهدفان إلى توسيع قاعدة القبول بالمبادرة، وتقليل الاعتراضات عليها، لافتاً أيضاً إلى أن «الإشارة إلى إشراف الرئيس ترمب على المبادرة تحمل دلالة سياسية مهمة؛ لأنها تعكس أن الملف الليبي يحظى باهتمام من أعلى مستوى داخل الإدارة الأميركية، وتمنح المبادرة ثقلاً سياسياً ورسالة بأن واشنطن جادة في الدفع نحو تسوية سياسية».

من جلسة مجلس الأمن الأخيرة لبحث الأزمة السياسية الليبية (المجلس)

وتبرز ملامح الجدية في المضي قدماً بهذه المبادرة إلى حيز التنفيذ، ومن وجهة نظر «حزب ليبيا النماء»، بخصوص حديث مستشار ترمب عن تأييد نحو 109 نواب ليبيين لمبادرته، بما يكشف عنه من متابعة دقيقة لما يدور في المشهد الليبي، والسعي إلى تجميع خيوط محلية تدعم مبادرته.

في المقابل، بدا أن بعض الشخصيات الليبية قرأت تصريحات بولس باعتبارها مؤشراً على انفتاح أميركي على إشراك طيف أوسع من القوى الليبية في أي ترتيبات مقبلة. وقال وزير الاقتصاد الليبي الأسبق، سلامة الغويل، إن حديث بولس «فتح نافذة يمكن البناء عليها»، بعدما أظهر استعداداً للاستماع إلى أصوات ليبية تتجاوز طرفي الحوار التقليدي، في اعتراف ضمني بأن ليبيا تضم قوى وطنية وسياسية واجتماعية متعددة، لا يجوز اختزالها في طرفين فقط.

هانا تيتيه الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة (غيتي)

وقال الغويل لـ«الشرق الأوسط» إن المرحلة الحالية تتطلب إطلاق حوار وطني حقيقي يشارك فيه الجميع دون إقصاء، مع مراجعة التجارب السابقة وعدم إعادة إنتاجها، معتبراً أن ليبيا بحاجة إلى تسوية تحقق تمثيلاً سياسياً حقيقياً لكل المكونات السياسية والاجتماعية والأمنية، بعيداً عن الاحتكار والإقصاء.

وجاءت تصريحات بولس بالتزامن مع اهتمام متزايد من إدارة ترمب بالملف الليبي، حيث أكد نائب وزير الخارجية الأميركي، كريستوفر لاندو، الجمعة، الأهمية الاستراتيجية لليبيا بالنسبة للأمن الإقليمي، وشدد على تعزيز التعاون بين البلدين في ملفات مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية، ضمن لقاء نائب وزير الدفاع الليبي، عبد السلام الزوبي، مع مسؤولين أميركيين.

بدوره، رأى عضو المجلس الأعلى للدولة، سعد بن شرادة، أن المبادرة الأميركية تجاوزت مرحلة الطرح إلى مرحلة التنفيذ، بعد انطلاق اتصالاتها مع الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في الملف الليبي. وقال بن شرادة إن «نقطة القوة في هذه المبادرة هو أنها انتقلت من مرحلة الطرح إلى مرحلة التنفيذ بتواصلها مع الأطراف الدولية والإقليمية المتدخلة في الشأن الليبي، والقطار بدأ بالتحرك»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن الأطراف التي ستختار عرقلتها «قد تجد نفسها خارج مسار المرحلة المقبلة؛ لأن المستقبل لا ينتظر المترددين ولا المعرقلين».

ورغم اتساع دائرة الاهتمام بمبادرة مستشار ترمب، بعد أول حديث علني متلفز عنها، فقد استدرك فنيش بأن هذه «التطمينات، ورغم أهميتها، لن تكون كافية وحدها لتبديد المخاوف»، مشيراً إلى أن «الحكم على المبادرة سيظل مرتبطاً بما ستتضمنه من تفاصيل عملية، ومدى توافقها مع الإرادة الليبية، وضمان ألا تتحول إلى إطار جديد لإدارة الأزمة، بدلاً من إنهائها».


مقالات ذات صلة

إضراب المعلمين يتصاعد في ليبيا

شمال افريقيا وقفة احتجاجية داخل مقر وزارة التربية والتعليم بطرابلس الأحد (حراك المعلمين في ليبيا)

إضراب المعلمين يتصاعد في ليبيا

يتواصل تعطل المدارس في ليبيا جراء تمسك النقابات والمعلمين بالحراك الاحتجاجي، على الرغم من التحركات الحكومية والتفاهمات والوساطات لاحتواء الإضراب.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا مصر وتركيا خلال التدريب العسكري «بحر الصداقة 2026» السبت (صفحة المتحدث العسكري المصري على «فيسبوك»)

مصر وتركيا... تفاهمات سياسية ومناورات عسكرية تتجاوز «الخلافات البحرية»

اتصالات مصرية - تركية ومناورات عسكرية تتواصل بين البلدين، وسط خلافات بحرية على خلفية الاتفاق الذي أقره البرلمان الليبي مع أنقرة بشأن ترسيم الحدود البحرية.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا خبراء اقتصاد خلال لقاء في مجلس النواب الليبي الأسبوع الماضي (المجلس)

ليبيا تعيد فتح ملف رفع دعم المحروقات وسط مخاوف

يتصاعد الجدل في ليبيا عقب طرح مقترح برلماني بالتحول من الدعم السلعي للمحروقات إلى الدعم النقدي، وسط مخاوف شعبية واقتصادية من موجات تضخم جديدة وغلاء المعيشة.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي يلتقي وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في طرابلس يوم السبت (مكتب المنفي)

​من الطاقة للصحة... القاهرة وطرابلس تدفعان الشراكة في مجالات استراتيجية

تتجه العلاقات بين القاهرة وطرابلس نحو مرحلة جديدة من تعزيز الشراكة في مجالات الطاقة والصحة والاستثمار إلى جانب إعادة افتتاح السفارة المصرية بالعاصمة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي اجتماع المجلس التنفيذي لـ«دول الساحل والصحراء» بطرابلس (الخارجية المصرية)

«تجمع الساحل والصحراء» يبحث تعزيز حضوره بمواجهة الإرهاب والهجرة غير النظامية

ناقش تجمع دول «الساحل والصحراء» سُبل استعادة فاعلية مؤسساته، وتعزيز دوره في تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية والتكامل الإقليمي، بما في ذلك مكافحة الإرهاب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

استنفار مصري للتحوط من أزمات اقتصادية محتملة

الرئيس السيسي يوجه مساء السبت بدراسة تدبير مخزون استراتيجي للدولة من جميع الاحتياجات لمجابهة المواقف الطارئة (الرئاسة المصرية)
الرئيس السيسي يوجه مساء السبت بدراسة تدبير مخزون استراتيجي للدولة من جميع الاحتياجات لمجابهة المواقف الطارئة (الرئاسة المصرية)
TT

استنفار مصري للتحوط من أزمات اقتصادية محتملة

الرئيس السيسي يوجه مساء السبت بدراسة تدبير مخزون استراتيجي للدولة من جميع الاحتياجات لمجابهة المواقف الطارئة (الرئاسة المصرية)
الرئيس السيسي يوجه مساء السبت بدراسة تدبير مخزون استراتيجي للدولة من جميع الاحتياجات لمجابهة المواقف الطارئة (الرئاسة المصرية)

استنفرت مصر جميع أجهزتها للتحوط من أزمات اقتصادية محتملة، معلنة عن «خطة لترشيد الإنفاق الحكومي»، بموازاة توجيهات رئاسية بـ«تدبير مخزون استراتيجي من السلع» لمواجهة الطوارئ، ما عَدّه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» بمثابة إجراء طبيعي يحد من تداعيات ارتفاعات متوقعة للأسعار حال تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية في المنطقة.

ووجه الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع، مساء السبت، مع رئيس الهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ بـ«دراسة تدبير مخزون استراتيجي للدولة من جميع الاحتياجات لمجابهة المواقف الطارئة، وذلك بالتنسيق مع جميع أجهزة ومؤسسات الدولة»، بحسب إفادة رسمية للمتحدث باسم الرئاسة المصرية محمد الشناوي.

وجاء التوجيه الرئاسي عقب إقرار الحكومة خطة لترشيد الإنفاق لمدة ثلاثة أشهر، تشمل بحسب ما أعلنته الحكومة، «وقف الإنفاق على أي مشروعات جديدة باستثناء ما يصدر من توجيهات رئاسية أو من مجلس الوزراء، ووقف السفر للعاملين في الدولة ما لم تكن الجهة الداعية هي التي تتحمل النفقات، ووقف المؤتمرات والفعاليات المختلفة، وترشيد الطاقة في الجهاز الإداري والأجهزة المحلية بنسبة 20 في المائة، وخفض استهلاك الوقود 30 في المائة للمركبات الحكومية».

وقال المتحدث باسم مجلس الوزراء محمد عادل إن الخطة «تأتي ضمن الجهود الاستباقية والتحوط تحسباً للسيناريوهات المختلفة التي يُمكن أن تَحدث في المنطقة»، موضحاً في تصريحات متلفزة أنها «تستهدف إعادة ترتيب أولويات الإنفاق الحكومي خلال الأشهر الثلاثة القادمة، مع إمكانية مدّها في حال استدعت الظروف». وأكد أن «الاحتياطي الاستراتيجي من السلع والأدوية لا يقل عن 6 أشهر لضمان توافر المنتجات ومواجهة أي أزمات محتملة في سلاسل الإمداد».

جانب من اجتماع الحكومة المصرية برئاسة مصطفى مدبولي الأسبوع الماضي (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

وقال مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي: «هناك مخاوف من اندلاع حرب جديدة ضد إيران وتزايد التصعيد في المنطقة، ما ستكون له تداعيات على المنطقة ككل وعلى سلاسل الإمداد».

وأضاف: «أي تصعيد من شأنه التأثير في حركة التجارة العالمية وبالتبعيّة سلاسل الإمداد، من هنا تأتي الإجراءات الاستباقية المصرية للحد من تأثير تداعيات التصعيد وانعكاساتها على الأسعار».

وكان رئيس الوزراء مصطفى مدبولي قد أكد بحسب إفادة رسمية الأسبوع الماضي أن «خطة الترشيد الحكومي تستهدف تحقيق الاستدامة المالية، واتخاذ إجراءات استباقية للتحوط من الأزمات المختلفة، وضمان توافر المخصصات المالية بصفة دائمة لتوفير السلع الأساسية الاستراتيجية لفترات آمنة ومطَمئنة، وتلبية احتياجات قطاعي البترول والكهرباء، ومواصلة العمل على توفير الاعتمادات المالية اللازمة للحفاظ على استقرار الخدمات الأساسية للمواطنين».

الحكومة المصرية أقرت خطة لترشيد الإنفاق لمدة 3 شهور (صفحة وزارة التموين على "فيسبوك")

ويرى الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة أن العالم كله يتحوط من مخاطر التصعيد وتأثيره على سلاسل الإمداد وأسعار السلع، ويقول إن مصر «تتخذ إجراءات استباقية لزيادة مخزون السلع الاستراتيجية وتأمين البلاد ضد أي ارتفاعات متوقعة في الأسعار أو تراجع في معدلات الإنتاج».

وسبق أن أعلنت الحكومة المصرية في نهاية مارس (آذار) الماضي خطة تقشفية لمدة شهر لترشيد استهلاك الطاقة نتيجة الحرب الإيرانية وتأثيراتها في أسواق الطاقة عالمياً، تضمنت حزمة إجراءات عاجلة لترشيد استهلاك الطاقة، من بينها إيقاف إنارة الإعلانات على الطرق، وخفض الإنارة الداخلية للشوارع لأقل مستوى، وإغلاق الحي الحكومي في السادسة مساءً وإطفاء الأنوار فيه بالكامل، وإغلاق المحال والمراكز التجارية والمطاعم والمقاهي في التاسعة مساءً، قبل أن تُوقف قرار غلق المحال العامة بعد شهر من تطبيقه، وتبعه التراجع عن باقي القرارات المرتبطة بـ«الخطة الاستثنائية».


إضراب المعلمين يتصاعد في ليبيا

وقفة احتجاجية داخل مقر وزارة التربية والتعليم بطرابلس الأحد (حراك المعلمين في ليبيا)
وقفة احتجاجية داخل مقر وزارة التربية والتعليم بطرابلس الأحد (حراك المعلمين في ليبيا)
TT

إضراب المعلمين يتصاعد في ليبيا

وقفة احتجاجية داخل مقر وزارة التربية والتعليم بطرابلس الأحد (حراك المعلمين في ليبيا)
وقفة احتجاجية داخل مقر وزارة التربية والتعليم بطرابلس الأحد (حراك المعلمين في ليبيا)

لم تنجح التَّحرُّكات الحكومية والتفاهمات والوساطات التي أُعلنت خلال الأيام الأخيرة في إنهاء إضراب المعلمين في ليبيا، والمستمر منذ 13 سبتمبر (أيلول) الماضي.

وظلَّ الانقسام قائماً بين مراقبات التربية والتعليم التي أعلنت استئناف الدراسة، والنقابات والحراكات المحلية التي تمسَّكت بمواصلة الإضراب والاعتصام، مع انتقال الاحتجاجات إلى وقفات ميدانية في عدد من المدن ومقر وزارة التربية والتعليم في طرابلس.

صورة لاستئناف الدراسة وزَّعتها وزارة التربية والتعليم بحكومة «الوحدة» يوم الأحد

وأعلنت وزارة المالية بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، الأحد، إحالة مرتبات الشهر الماضي إلى مصرف ليبيا المركزي، إلى جانب إحالة مخصصات علاوة الحصة للعام الدراسي الحالي إلى وزارة التربية والتعليم، بقيمة إجمالية بلغت 719 مليون دينار، لاستكمال الإجراءات اللازمة. (الدولار يساوي 6.40 دينار في السوق الرسمية، و9.92 دينار في السوق الموازية).

وفي تطور موازٍ، أعلن المصرف تسلُّم أذونات صرف المرتبات وبدء استكمال إجراءات تحويلها إلكترونياً عبر منظومة «راتبك لحظي». ومع ذلك، شهدت مدن ليبية عدة، الأحد، تحرُّكات احتجاجية للمعلمين، شملت مصراتة وتاجوراء ورقدالين وقصر الأخيار، إلى جانب احتجاجات داخل مقر وزارة التربية والتعليم في طرابلس.

وفي تاجوراء، أعلنت النقابة المحلية استمرار الإضراب وتنظيم وقفة احتجاجية، بينما رفض «حراك معلمي بني وليد» العودة إلى الدراسة قبل تحقيق المطالب.

وفي مصراتة، أكدت النقابة المحلية استمرار الإضراب، رغم إعلان مراقبة التربية والتعليم استئناف الدراسة. وتمسَّكت نقابات في سوق الجمعة وصبراتة ومناطق أخرى بمواصلة الاعتصام، عادة أن قرار إنهائه يعود إلى المعلمين ونقاباتهم، وليس إلى الجهات الإدارية.

كانت النقابة العامة للمعلمين قد أعلنت، مساء السبت، نتائج اجتماعها مع رئيس مجلس النواب الصالحين عبد النبي، بحضور مدير عام صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا بالقاسم حفتر، وعدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الشرقية، مشيرة إلى أن الاجتماع انتهى إلى الاتفاق على تسييل 719 مليون دينار مخصصة لـ«علاوة الحصة»، مع مرتبات أكتوبر الماضي، وعقد اجتماع آخر لاستكمال مناقشة بقية المطالب. لكنها أكدت استمرار الاعتصام حتى تنفيذها.

وفي تطور أسهم في تعقيد الأزمة، تراجع رئيس حراك المعلمين، أشرف الهادي، عن موقف سابق بشأن استئناف الدراسة الأحد، وأعلن العودة إلى خيار الإضراب الشامل، وفق وسائل إعلام محلية، عاداً أن تصريحات وزير المالية بشأن صعوبة تسوية الفروقات المالية كشفت عن عدم وجود ضمانات كافية لتنفيذ التفاهمات السابقة.

إضراب المعلمين في زليتن شرق طرابلس يوم الأحد (النقابة العامة للمعلمين)

وتتجاوز مطالب المعلمين علاوة الحصة إلى تسوية الفروقات المالية المتراكمة بموجب القانون رقم 4 لسنة 2018، واعتماد جدول موحد للمرتبات، وزيادة الأجور، وتوفير التأمين الصحي، وصرف مستحقات الإداريِّين ومكافآت مديري المدارس ونوابهم.

وكان وزير المالية بحكومة «الوحدة» راشد أبو غفة، قد أشار إلى أن الفروقات المالية المستحقة للمعلمين تصل إلى نحو 24 مليار دينار، وهو مبلغ قال إنه يفوق الإمكانات المالية المتاحة حالياً، موضحاً إحالة مشروع جدول موحد للمرتبات إلى مجلس النواب لاستكمال الإجراءات التشريعية.

وبدأت احتجاجات المعلمين مع انطلاق العام الدراسي في 13 سبتمبر الماضي، قبل أن تتطوَّر إلى إضراب واسع مع نهاية الشهر أدى إلى إغلاق أعداد كبيرة من المدارس الحكومية.

وفي السادس من الشهر الماضي، أعلنت النقابة العامة رفع الاعتصام عقب اجتماع مع رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» عبد الحميد الدبيبة، الذي تعهَّد باتخاذ إجراءات بشأن جدول المرتبات وعلاوة الحصة ومكافآت مديري المدارس والتأمين الصحي. لكن القرار لم يؤدِّ إلى عودة منتظمة وشاملة للدراسة، مع رفض نقابات وحراكات محلية استئناف العمل قبل تنفيذ المطالب.

وبينما تراهن الحكومة على إحالة المستحقات ومشروع جدول المرتبات الموحد إلى مجلس النواب لاحتواء الأزمة، تكشف التطورات الأخيرة عن أن تحويل المخصصات المالية لا يكفي لإنهاء الإضراب، وأن عودة الدراسة تظلُّ مرتبطة بتسوية بقية المطالب، وتجاوز الانقسام بين النقابات والحراكات ومراقبات التعليم.


مصر وتركيا... تفاهمات سياسية ومناورات عسكرية تتجاوز «الخلافات البحرية»

مصر وتركيا خلال التدريب العسكري «بحر الصداقة 2026» السبت (صفحة المتحدث العسكري المصري على «فيسبوك»)
مصر وتركيا خلال التدريب العسكري «بحر الصداقة 2026» السبت (صفحة المتحدث العسكري المصري على «فيسبوك»)
TT

مصر وتركيا... تفاهمات سياسية ومناورات عسكرية تتجاوز «الخلافات البحرية»

مصر وتركيا خلال التدريب العسكري «بحر الصداقة 2026» السبت (صفحة المتحدث العسكري المصري على «فيسبوك»)
مصر وتركيا خلال التدريب العسكري «بحر الصداقة 2026» السبت (صفحة المتحدث العسكري المصري على «فيسبوك»)

تتواصل الاتصالات المصرية - التركية والمناورات العسكرية بين البلدين، على الرغم من خلافات بحرية على خلفية اتفاق أقره البرلمان الليبي مع أنقرة بشأن ترسيم الحدود البحرية.

وتلقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالاً هاتفياً من نظيره التركي هاكان فيدان، الأحد، «تناول الجهود المبذولة لخفض التصعيد في المنطقة في المرحلة الحالية التي تشهد توتراً إقليمياً متصاعداً».

ووفق بيان لوزارة الخارجية المصرية، أكد الوزيران «أهمية مواصلة التنسيق والتشاور المشترك بين مصر وتركيا، في إطار مجموعة الرباعي الإقليمي وبالتعاون مع قطر، لتكثيف الجهود والتحرك بصورة مشتركة مع الجانبين الأميركي والإيراني، بما يسهم في احتواء التوتر الراهن، والحيلولة دون اتساع نطاق المواجهة».

وجاء الاتصال الهاتفي غداة إعلان الجيش المصري انطلاق فعاليات التدريب المصري- التركي المشترك «بحر الصداقة» في مصر، والذي يستمر بضعة أيام بنطاق الأسطول الشمالي بمشاركة عناصر من القوات البحرية للبلدين.

وأفاد بيان للقوات المسلحة المصرية، مساء السبت، بأن هذا التدريب جاء في «إطار تنامى علاقات التعاون بين القوات المسلحة المصرية والتركية في مختلف المجالات العسكرية، ونقل وتبادل الخبرات بين القوات البحرية لكلا البلدين».

ويرى مختصون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن التهديدات الإقليمية الراهنة تُحتم على القوى الكبرى في المنطقة، وفي مقدمتها مصر وتركيا، تجاوز التباينات وبناء تفاهمات سياسية وعسكرية واسعة النطاق لحماية المصالح المشتركة.

كانت طرابلس، ممثلة في رئيس «المجلس الرئاسي» لحكومة «الوفاق الوطني» السابق فائز السراج، قد وقَّعت اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية مع أنقرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، رفضته القاهرة ونيقوسيا وأثينا، وبعد ذلك عارضه الاتحاد الأوروبي لمخالفته القانون الدولي فيما يخص البحار والمحيطات.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، صادق البرلمان الليبي على الاتفاق، وسط رفض مصري يوناني وتحفظات متواصلة. ورغم ذلك فقد استمر مسار التفاهمات المصرية - التركية لخفض التصعيد بالمنطقة.

وزير الخارجية المصري خلال لقاء نظيره التركي على هامش اجتماعات منظمة التعاون الإسلامي في بغداد الشهر الماضي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

ويرى الباحث السياسي التركي المختص في الشؤون السياسية والشرق أوسطية بستان جميل أوغلو أن الظروف الاستثنائية والتهديدات الإقليمية الراهنة تُحتم على القوى الكبرى في المنطقة، وفي مقدمتها مصر وتركيا، تجاوز التباينات البسيطة وبناء تفاهمات سياسية وعسكرية واسعة النطاق لحماية المصالح المشتركة، وتأمين الطاقة والإمدادات عبر المضائق البحرية.

وأضاف: «الملفات البحرية أو التطورات المتعلقة بالشأن الليبي تُعد خلافات شكلية وردود فعل مرحلية لن تعوق مسار التعاون العسكري بين مصر وتركيا»، مؤكداً أن «الخطر والتهديد الإسرائيلي المتصاعد في المنطقة يشكل دافعاً رئيسياً لإبرام اتفاقيات عسكرية وتنسيق أمني عالي المستوى بين القاهرة وأنقرة».

وتابع: «المناورات والتدريبات العسكرية والمحادثات بشأن اللقاءات الرباعية المستمرة تعكس الانتقال الفعلي للعلاقات المصرية - التركية إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية، وعدم تأثير الخلاف البحري في التفاهمات بين البلدين».

نائب رئيس تحرير مجلة «الديمقراطية» بمؤسسة الأهرام الرسمية بمصر والمختص في الشؤون التركية كرم سعيد قال إن التعاون العسكري بين مصر وتركيا يأتي ضمن اتفاقات مبرمة تشمل التدريب المشترك، وتبادل الخبرات، ويعبر عن تعاظم التنسيق بشأن إدارة صراعات المنطقة، بعد تفكيك جانب واسع من القضايا الخلافية السابقة.

غير أنه أكد أن «إشكالية ترسيم الحدود البحرية تعد نقطة عالقة بين الطرفين»، معتقداً أن «هذه المسألة قد تثير توتراً خلال الفترة المقبلة إذا لم يتم الوصول إلى حل بشأنها، لا سيما أن مصر لديها خطوط حمراء في هذا السياق».

جانب من التدريب العسكري «بحر الصداقة 2026» بين مصر وتركيا السبت (صفحة المتحدث العسكري المصري على «فيسبوك»)

وفي نهاية أكتوبر الماضي، أعلن وزير الدفاع التركي يشار غولر استعداد بلاده توقيع اتفاق مع مصر بشأن ترسيم الحدود البحرية ومناطق الولاية في شرق البحر الأبيض المتوسط. ويمنح الاقتراح التركي القاهرة مساحة إضافية تبلغ نحو 15 ألف كيلومتر مربع ضمن نطاق ولايتها البحرية مقارنة بأي اتفاق قد تبرمه مع اليونان، بحسب ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وبالتزامن، أبلغ وزير الخارجية التركي نظيره المصري في لقاء بإسطنبول على هامش اجتماع دولي «تفهمه للشواغل المصرية إزاء تطورات الأوضاع في ليبيا، وأهمية مواصلة التشاور والتنسيق والعمل المشترك للتعامل مع هذه الشواغل، ودعم جهود تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا»، بحسب بيان لوزارة الخارجية المصرية، رداً على تأكيد المسؤول المصري «رفض الاتفاق بين أنقرة وطرابلس».

ويتوقع سعيد أن تستمر العلاقات في الحفاظ على تطورها في مجال التجارة والاقتصاد، وكذلك في التعاون فيما يخص إدارة صراعات الإقليم، لكن «ستبقى مسألة الملف البحري نقطة عالقة وربما تلقي بظلال على مزيد من التطور بشأن العلاقات المصرية - التركية».

بينما يرجح جميل أوغلو «وجود تواصل وقنوات اتصال قائمة بين البلدين على المستويين المعلن وغير المعلن لإيجاد توافقات والوصول لحل بشأن الخلافات البحرية».