مصر تدعم وساطة الكونغو الديمقراطية وتراهن على تفاهمات بين دول حوض النيل

خلال مباحثات بين السيسي وتشيسيكيدي في القاهرة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تدعم وساطة الكونغو الديمقراطية وتراهن على تفاهمات بين دول حوض النيل

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي (الرئاسة المصرية)

تصدر ملف نهر النيل والأوضاع الإنسانية والأمنية في شرق الكونغو الديمقراطية محادثات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي الذي يزور القاهرة، الأربعاء، وتشهد بلاده اضطرابات أمنية كما تعاني من تفشي فيروس «إيبولا».

وهذه هي الزيارة الثانية من نوعها خلال أقل من عام، بعد زيارة أخرى في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

ويرى خبير في الشأن الأفريقي أن الزيارة تحمل في طياتها فرصة لتعزيز التعاون مع الكونغو الديمقراطية التي لم توقّع، مثلها مثل مصر، على «اتفاقية عنتيبي» للمياه وسط خلافات بشأن بنودها، مما يزيد التنسيق في مواجهات التحديات المائية، بالإضافة إلى إمكانية أن تلعب القاهرة دوراً مهماً في مساعي حل أزمة شرق الكونغو المتصاعدة للعام الثاني على التوالي.

ووفقاً لبيان الرئاسة المصرية، ناقش الرئيسان تطورات التعاون بين دول حوض النيل، وشددا على ضرورة احترام القانون الدولي المنظم للأنهار الدولية العابرة للحدود.

مصر تدعم وساطة شرق الكونغو وتؤكد على أهمية التوافق بين دول حوض النيل (الرئاسة المصرية)

وعقب المباحثات، شهد الرئيسان التوقيع على عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، تضمنت مذكرة لإنشاء جناح طبي مصري في مستشفى بالكونغو الديمقراطية، والتعاون في التطوير العمراني، واتفاقية لتعزيز العلاقات الاستثمارية، وفق البيان الرئاسي المصري.

المصالح المائية

ويرى خبير الشؤون الأفريقية بـ«المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط»، حسين البحيري، أن زيارة تشيسيكيدي تكتسب أهمية لعدة اعتبارات، منها «العلاقات المشتركة التي تجمع بين البلدين، وإدراك الكونغو الديمقراطية لمدى الثقل السياسي والاقتصادي والأمني الذي تمثله مصر في ظل التحديات المائية والأمنية بالقارة».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «وبالنسبة لمصر، فإن الكونغو الديمقراطية تمثل أهمية استراتيجية كبرى كونها إحدى الدول المطلة على حوض نهر النيل، وهي من الدول التي لم تصدق حتى الآن على (اتفاقية عنتيبي) التي تقودها إثيوبيا وبعض الدول الأفريقية الأخرى، في مسعى لإعادة تقسيم مياه نهر النيل بما يتوافق مع السياسات الإثيوبية».

وفي عام 1999، جرى الإعلان عن اتفاقية إطارية لدول حوض النيل، عرفت باسم «عنتيبي»، نسبة لمدينة عنتيبي الأوغندية؛ ثم في 2010 وقعت عليها إثيوبيا ورواندا وتنزانيا وأوغندا وبوروندي، وانضم إليها جنوب السودان في يوليو (تموز) 2024، وسط رفض مصري وسوداني، وعدم توقيع من جانب كينيا والكونغو الديمقراطية.

وقال البحيري: «تعزيز العلاقات مع الكونغو الديمقراطية يمثل أهمية بالغة لمصر لضمان ثبات موقف الكونغو الحالي وعدم توقيعها أو تصديقها على هذه الاتفاقية التي من شأنها الإضرار بالمصالح المائية المصرية».

وفيما يتعلق بتفشي «الإيبولا»، أعلنت السلطات الكونغولية، الثلاثاء، وفاة 100 شخص على الأقل من بين 550 حالة إصابة بالفيروس، وذلك بعد أقل من شهر على إعلان تفشي المرض في شرق الكونغو الذي يشهد نزاعات مسلحة للعام الثاني على التوالي وسط مساع أميركية وقطرية وأفريقية لإنهاء الصراع دون جدوى.

شراكة استراتيجية

وفي مؤتمر صحافي عقب اللقاء، أكد السيسي أنه أجرى مع تشيسيكيدي «مباحثات ثنائية مثمرة وبناءة، عكست إرادتنا السياسية المشتركة نحو تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في مختلف المجالات».

كما أكد الرئيس المصري الحرص على الاستمرار في دعم جهود إحلال السلام، واستعادة الأمن والاستقرار في شرق الكونغو، ومساندة المساعي التي يبذلها الوسطاء الأفارقة والدوليون، معرباً عن الاستعداد لدعم إجراءات بناء الثقة، وبناء وتعزيز السلام وجهود إعادة الإعمار والتنمية في المراحل اللاحقة.

وتحاول أكثر من 100 جماعة مسلحة، أبرزها حركة «23 مارس» المدعومة من رواندا المجاورة، السيطرة على شرق الكونغو الغني بالمعادن. ومع وجود سبعة ملايين نازح في البلاد، وصفت الأمم المتحدة الصراع في شرق الكونغو الذي تصاعد منذ بداية 2025، بأنه «إحدى أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً وخطورة على وجه الأرض».

مؤتمر صحافي للرئيس المصري ونظيره الكونغولي في القاهرة الأربعاء (الرئاسة المصرية)

ويعتقد البحيري أنه يمكن لمصر أن تلعب دوراً في مساعدة جمهورية الكونغو الديمقراطية على تسوية أزمة شرق الكونغو، متوقعاً أن يبرز دور لها في قيادة جهود الوساطة من خلال مؤسسات الاتحاد الأفريقي، ومجلس السلم والأمن التابع للاتحاد، لدعم ودفع تسوية الأزمة ووقف تداعياتها في ظل أوضاع إنسانية متردية.

وبالإشارة إلى أن الزيارة تأتي بعد يومين من أخرى قام بها الرئيس الإريتري أسياسي أفورقي، قال البحيري إن توافد رؤساء الدول والحكومات الأفريقية على مصر، والتنسيق والاتصال المستمر معها بشأن الأزمات الداخلية أو القضايا المثارة على مستوى القارة، من شأنه أن يعزز الدور المصري بصورة أكثر إيجابية وفاعلية لمساعدة هذه الدول على تجاوز التحديات وسط مخاطر عديدة بالقارة.


مقالات ذات صلة

تجاهل مصري لأنباء احتجاز 3 إسرائيليين في سيناء

العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (رويترز)

تجاهل مصري لأنباء احتجاز 3 إسرائيليين في سيناء

تجاهلت مصر التعليق على ما تداولته تقارير عبرية منذ أيام حول القبض على 3 إسرائيليين حيث زعمت أن ذلك يرجع «لأسباب تخص الأمن القومي المصري»

هشام المياني (القاهرة)
شمال افريقيا سد النهضة الإثيوبي (رويترز)

تلاسن مصري - إثيوبي متصاعد يفاقم نزاع «سد النهضة»

تلاسن حاد بين مصر وإثيوبيا على خلفية نزاع «سد النهضة» الإثيوبي، مع رد إثيوبي لاذع رفضاً لعدّ القاهرة السد «غير شرعي»

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي محادثات ولي عهد الكويت مع رئيس الوزراء المصري في نيويورك (مجلس الوزراء المصري)

تحركات لحل «أزمة المعلمين»... مصر والكويت تشددان على عمق العلاقات

تبذل الحكومة المصرية جهوداً لحل «أزمة المعلمين» الذين استُغني عنهم في دولة الكويت، ضمن قرار كويتي قضى بإنهاء تعاقد أكثر من 7 آلاف معلم وافد، بينهم مصريون.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
رياضة عربية منتخب مصر لكرة اليد للناشئين توّج بلقب بطولة أمم أفريقيا (الاتحاد المصري لكرة اليد)

«يد مصر»... سيطرة مُطلقة على العرش الأفريقي

نجح منتخب مصر لكرة اليد للناشئين في تأكيد مكانة «الفراعنة» على عرش القارة السمراء بعدما تُوّج بلقب بطولة أمم أفريقيا

محمد عجم (القاهرة)
شمال افريقيا مناورة عملية لمكافحة الحريق بـ«ميناء دمياط» الأربعاء (صفحة هيئة ميناء دمياط - فيسبوك)

مصر تُراجع إجراءات السلامة بميناء دمياط بعد شهرين من «هجوم المسيّرة»

راجعت مصر إجراءات السلامة بميناء دمياط المطل على البحر المتوسط بعد شهرين من الهجوم الذي استهدف سفينتين بطائرة مسيّرة، فيما تم تنفيذ مناورة عملية لمكافحة الحريق

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

الانتخابات المغربية تعيد رسم الخريطة الحزبية في البرلمان

فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
TT

الانتخابات المغربية تعيد رسم الخريطة الحزبية في البرلمان

فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)

أفرزت الانتخابات التشريعية المغربية، التي جرت أمس (الأربعاء)، خريطة حزبية جديدة أعادت ترتيب مراكز القوة داخل مجلس النواب، مع صعود حزب «الأصالة والمعاصرة» إلى المرتبة الأولى، وتراجع «التجمع الوطني للأحرار والاستقلال» مقارنة بنتائج انتخابات 2021، مقابل عودة قوية لحزب «العدالة والتنمية» إلى واجهة المشهد البرلماني.

وجاء الإعلان عن النتائج من قبل عبد الوالي لفتيت وزير الداخلية فجر اليوم (الخميس) بعد ساعات من إغلاق مكاتب التصويت، وبدء عمليات الفرز، في انتخابات تنافس فيها 28 حزباً وتحالفاً سياسياً على 395 مقعداً بمجلس النواب. وكان عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية قد بلغ 15801162 ناخباً، فيما بلغت نسبة المشاركة الوطنية 38.02 في المائة، مقابل 50.35 في المائة في انتخابات 2021.

أعضاء في حزب «العدالة والتنمية» يحتفلون بعد إعلان النتائج الأولية في الرباط أمس (إ.ب.أ)

وأظهرت النتائج حصول «الأصالة والمعاصرة» على 97 مقعداً، متقدماً إلى صدارة مجلس النواب، يليه «التجمع الوطني للأحرار» بـ66 مقعداً، ثم «الاستقلال» بـ65، فيما حل «العدالة والتنمية» رابعاً بـ54 مقعداً. وحصل «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» على 26 مقعداً، و«الحركة الشعبية» على 29، و«التقدم والاشتراكية» على 19، و«الاتحاد الدستوري» على 17، فيما نال «تجمع اليسار» 8 مقاعد، و«جبهة القوى الديمقراطية» 8، و«جبهة الإنصاف» مقعدين، و«الوحدة والديمقراطية» مقعداً واحداً.

وتكشف المقارنة مع انتخابات 2021 عن تحول واضح في ترتيب القوى الأربع الكبرى. فقد كان «الوطني للأحرار» في الصدارة آنذاك بـ102 مقعد، متبوعاً بـ«الأصالة والمعاصرة» بـ87، و«الاستقلال» بـ81، بينما لم يحصل «العدالة والتنمية» إلا على 13 مقعداً.

تغير الصدارة

أبرز التحولات في انتخابات 2026 تتمثل في انتقال «الأصالة والمعاصرة» (البام PAM) من 87 إلى 97 مقعداً، بزيادة عشرة مقاعد، في الوقت الذي فقد فيه «الوطني للأحرار» 36 مقعداً، منتقلاً من 102 إلى 66.

مركز اقتراع في الصويرة خلال الانتخابات التي شهدت إقبالاً متدنياً من الناخبين (د.ب.أ)

أما «الاستقلال» الذي كان ثالث قوة برلمانية في 2021 بـ81 مقعداً، فقد تراجع إلى 65، بخسارة 16 مقعداً، لكنه حافظ على موقعه ضمن القوى الثلاث الأولى.

وبذلك تغير ترتيب الأحزاب الثلاثة التي تصدرت انتخابات 2021 بصورة لافتة، فـ«الأحرار» انتقل من المرتبة الأولى إلى الثانية، و«البام» من الثانية إلى الأولى، بينما بقي «الاستقلال» في المرتبة الثالثة مع انخفاض وزنه البرلماني.

ولا تعني هذه التحولات، في حد ذاتها، انتقال أصوات محددة من حزب إلى آخر، إذ إن عدد المقاعد يتأثر بالمنافسة في الدوائر، وبنسب المشاركة، وبطريقة توزيع المقاعد، ولذلك تعكس الأرقام تغيراً في المخرجات البرلمانية أكثر مما تثبت وحدها مصادر التحول في سلوك الناخبين.

عودة قوية لـ«العدالة والتنمية»

أكثر التحولات حدة مقارنة بنتائج 2021 سجلها «العدالة والتنمية» الذي ارتفع من 13 مقعداً إلى 54، أي بزيادة 41 مقعداً، ليعود بذلك إلى المراكز الأربعة الأولى بعد أن كان قد تراجع إلى المرتبة الثامنة في الانتخابات السابقة.

وتكتسب هذه العودة دلالتها بالنظر إلى المسار الذي قطعه الحزب خلال العقد الأخير. ففي انتخابات 2016 حصل على 125 مقعداً، قبل أن ينهار إلى 13 في انتخابات 2021، التي أفرزت في المقابل صعود «الوطني للأحرار» إلى الصدارة بـ102 مقعد. وتظهر نتيجة 2026 استعادة الحزب جزءاً كبيراً من حضوره البرلماني السابق، وإن بقي رصيده دون مستواه في 2016.

مغربي يدلي بصوته في مركز اقتراع بالرباط الأربعاء (إ.ب.أ)

وتعيد هذه النتيجة «العدالة والتنمية» إلى قلب المنافسة البرلمانية، بعدما كانت المسافة بينه وبين القوى الثلاث الأولى في انتخابات 2021 واسعة للغاية. ففي تلك الانتخابات كان الفارق بين «الاستقلال» صاحب المركز الثالث، والعدالة والتنمية أكثر من ستين مقعداً، بينما تقلص الفارق في 2026 إلى 11 مقعداً بين الحزبين.

خريطة جديدة بالقوى الكبرى نفسها

رغم حجم التحولات في ترتيب الأحزاب، تكشف مقارنة أكثر تجريداً عن مفارقة أخرى، فالقوى الأربع الأولى في انتخابات 2026 هي نفسها التي كانت تتصدر المشهد في 2021، وهي «الأصالة والمعاصرة» و«الوطني للأحرار» و«الاستقلال» و«العدالة والتنمية».

كما أن مجموع مقاعد هذه الأحزاب الأربعة لم يتغير عملياً إلا بمقعد واحد، إذ انتقل من 283 مقعداً في 2021 إلى 282 مقعداً في 2026. لكن توزيع القوة داخل هذه المجموعة تغير جذرياً. فقد خسر «الأحرار» 36 مقعداً، و«الاستقلال» 16، بينما كسب «الأصالة والمعاصرة» 10، و«العدالة والتنمية» 41.

وتقدم هذه الأرقام قراءة مختلفة عن فكرة التحول الكامل في الخريطة الحزبية، فالذي تغير أساساً هو موازين القوة داخل مجموعة الأحزاب الكبرى. وفي الوقت نفسه، حققت بعض القوى الأصغر تقدماً، أبرزها «تجمع اليسار» الذي انتقل من مقعد واحد في 2021 إلى 8 مقاعد، و«جبهة القوى الديمقراطية» التي ارتفعت من 3 إلى 8 مقاعد، بينما تراجعت قوى أخرى مثل «الاتحاد الاشتراكي»، و«التقدم والاشتراكية»، و«الاتحاد الدستوري».

انتخابات بمشاركة قليلة

تأتي إعادة ترتيب موازين القوى في سياق انتخابي اتسم بتراجع المشاركة. فقد بلغت النسبة الوطنية 38.02 في المائة مقارنة بـ50.35 في المائة في انتخابات 2021، أي بانخفاض يتجاوز 12 في المائة. وكانت وزارة الداخلية قد أعلنت أن الاقتراع جرى في ظروف عادية في مختلف جهات المملكة، مع تسجيل بعض الحالات المحدودة والاستثنائية في عدد من مكاتب التصويت.

صحافيون يتابعون الأمين العام لـ«العدالة والتنمية» سعيد بن كيران وهو يعلق على النتائج الأولية للانتخابات في الرباط الأربعاء (إ.ب.أ)

ويمنح انخفاض المشاركة بعداً إضافياً لقراءة النتائج، لكنه لا يسمح وحده باستنتاج أن تراجع الإقبال كان سبباً مباشراً في صعود حزب بعينه، أو تراجع حزب آخر. فالنتيجة الانتخابية تتشكل أيضا من توزيع الأصوات على الدوائر، وعدد المرشحين، وقوة المنافسة المحلية، وآليات احتساب المقاعد.

وهكذا لا تبدو انتخابات 2026 مجرد استمرار مباشر للخريطة التي أفرزتها صناديق 2021. فهي أبقت القوى الحزبية الأربع نفسها في مقدمة المشهد، لكنها غيرت ترتيبها وأوزانها بصورة ملموسة: صعود «البام» إلى الصدارة، وتراجع «الأحرار»، و«الاستقلال»، وعودة «العدالة والتنمية» إلى موقع متقدم.

التحالفات الممكنة

وبينما تبدأ الأحزاب في قراءة نتائجها، وتحديد مواقعها داخل الأغلبية والمعارضة، تظل كل صيغ التحالف مفتوحة نظرياً، في ظل عدم امتلاك أي حزب -منفرداً- الأغلبية المطلقة البالغة 198 مقعداً.

غير أن إعادة إنتاج تحالف ثلاثي يجمع «الأصالة والمعاصرة» و«الوطني للأحرار» و«الاستقلال» تبدو أقل ترجيحاً من الناحية السياسية، بالنظر إلى الانتقادات التي رافقت تجربة الأغلبية السابقة، ولا سيما ما ارتبط بضعف المعارضة، وتشتتها، مقابل تمتع أحزاب الأغلبية بهيمنة عددية وسياسية واسعة داخل البرلمان.

وقد يدفع تغير موازين القوى داخل الأحزاب الكبرى وعودة «العدالة والتنمية» بقوة إلى إعادة صياغة معادلة الأغلبية، سواء عبر تحالفات بين بعض القوى المتصدرة، أو من خلال توسيعها لتشمل أحزاباً أخرى، فيما ستظل طبيعة المعارضة الجديدة مرتبطة بدورها بالتركيبة التي ستستقر عليها الأغلبية المقبلة.

اسمان مطروحان لقيادة الحكومة

ومنذ ما قبل انطلاق الاقتراع وحتى نهاية الحملة الانتخابية، برز اسمان داخل «الأصالة والمعاصرة» في النقاش غير الرسمي حول رئاسة الحكومة المقبلة، هما: فوزي لقجع، وفاطمة الزهراء المنصوري، بما يعكس أيضاً التحول الذي طرأ على موقع الحزب داخل الخريطة السياسية منذ تأسيسه سنة 2008 بمبادرة من فؤاد علي الهمة، الذي كان آنذاك وزيراً منتدباً في الداخلية قبل أن يصبح مستشاراً للملك، والذي ارتبط اسم الحزب في بداياته بمواجهة صعود «العدالة والتنمية».

ويأتي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الاتحاد المغربي لكرة القدم، في مقدمة الأسماء المتداولة، خصوصاً بعد انضمامه رسمياً إلى «الأصالة والمعاصرة» في 25 يوليو (تموز) الماضي، ودخوله مكتبه السياسي، في خطوة أعطت وزناً سياسياً لشخصية ارتبط حضورها العام بإدارة المالية العمومية، وبالنجاحات التي حققها المنتخب المغربي لكرة القدم، كما يرأس لجنة المغرب 2030 المكلفة بالتحضير للمونديال المشترك مع إسبانيا والبرتغال.

أما الاسم الثاني فهو فاطمة الزهراء المنصوري، عمدة مراكش، ووزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة منذ 2021، والتي تتولى منذ 2024 قيادة الأمانة العامة الجماعية لـ«الأصالة والمعاصرة». ويمنح طرح اسمها في هذا السياق بعداً إضافياً للنقاش، إذ ستكون في حال اختيارها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في المغرب.


«الدعم السريع» تُكثف هجماتها بالمسيّرات في ولاية شمال كردفان السودانية

شرطي سوداني أمام محكمة أم روابة بعد استهدافها بمسيّرة نُسبت إلى «الدعم السريع» في شمال كردفان يوم 16 سبتمبر 2026 (رويترز)
شرطي سوداني أمام محكمة أم روابة بعد استهدافها بمسيّرة نُسبت إلى «الدعم السريع» في شمال كردفان يوم 16 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

«الدعم السريع» تُكثف هجماتها بالمسيّرات في ولاية شمال كردفان السودانية

شرطي سوداني أمام محكمة أم روابة بعد استهدافها بمسيّرة نُسبت إلى «الدعم السريع» في شمال كردفان يوم 16 سبتمبر 2026 (رويترز)
شرطي سوداني أمام محكمة أم روابة بعد استهدافها بمسيّرة نُسبت إلى «الدعم السريع» في شمال كردفان يوم 16 سبتمبر 2026 (رويترز)

يقول سكان في ولاية شمال كردفان بالسودان إن «قوات الدعم السريع»، شبه العسكرية، كثّفت هجماتها بطائرات مسيّرة على مدن تُسيطر عليها الحكومة في الولاية، وهي جبهة قتال بين الجانبين، ما أدّى إلى تعطيل الحياة الطبيعية، وتسبب في شعور عميق بانعدام الأمن، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وسجّلت «رويترز» لقطات تصوّر تبعات هجمات كبرى وقعت هذا الشهر على مدينتين على خط المواجهة، ووصفها السكان بأنها جزء من حملة جديدة واضحة من هذه الضربات بعد عدة أسابيع بدا فيها أن «قوات الدعم السريع» قد قلّصت من حدتها تحت ضغط دولي.

ولم ترد «قوات الدعم السريع» على طلب للحصول على تعليق، لكنها صرّحت من قبل بأنها لا تستهدف المدنيين عمداً.

وتزايد استخدام الطائرات المسيّرة في الحرب الأهلية السودانية المستمرة منذ 3 سنوات ونصف السنة، إذ تستخدم «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني أحدث التقنيات المستخدمة في مناطق حرب أخرى، مثل أوكرانيا.

وتقول الأمم المتحدة إن هجمات الطائرات المسيّرة التي شنها الطرفان أسفرت عن مقتل أكثر من 1000 مدني في النصف الأول من هذا العام.

حطام داخل كلية العلوم التنموية والتكنولوجية بعد هجوم نُسب إلى «الدعم السريع» في الأبيض بشمال كردفان يوم 15 سبتمبر 2026 (رويترز)

هجمات على المحكمة والكلية

وفي الثامن من سبتمبر (أيلول)، أصابت طائرة مسيّرة قاعة محكمة مكتظة في بلدة أم روابة التي تسيطر عليها الحكومة في شمال كردفان، وهي ولاية تقع في وسط السودان، وباتت حالياً واحدة من جبهات القتال الرئيسية في الحرب.

وقالت مجموعة «محامو الطوارئ»، التي تصف نفسها بأنها كيان مهني طوعي مستقل معني بالدفاع عن الحقوق، إن نحو 10 قُتلوا وأصيب العشرات في استهداف المحكمة.

وعندما وصلت «رويترز» إلى الموقع، كانت واجهة المبنى بأكملها قد دُمرت، وتناثرت أعمدة واجهة واحد من أبرز مباني المدينة.

وبعد ذلك بيوم واحد، ضربت طائرة مسيّرة كلية في مدينة الأبيض عاصمة الولاية، ما أدّى إلى تدمير سقفها. وقال عميد الكلية عبد العزيز الشيخ وهو يقف وسط الدمار بينما كان عمال يزيلون الحطام، إن حارس أمن قتل ولحقت أضرار بثماني قاعات للمحاضرات.

وقال: «فقدنا خفير الكلية، نسأل الله أن يتقبله، وتم استهداف 8 قاعات حدث فيها دمار كامل» وأشار إلى أجزاء أخرى من الكلية تعرضت لدمار كامل أيضاً.

وعبّرت أمنية أبو القاسم -وهي طالبة أدّت امتحاناً في الكلية بمدينة الأبيض في اليوم السابق للهجوم- عن حزنها مما جرى، وهي تقف بجوار الأنقاض، وقالت: «كما ترون، دُمّرت الكلية بأكملها، ونشعر بأن أحلامنا قد دُمرت، وأن مستقبلنا قد ضاع».

وفي مستشفى في أم روابة، قال صلاح بخيت الذي سحقت ذراعه، وتشوّه جسده بشظايا في الهجوم على المحكمة، إنه جاء إلى تلك المدينة بحثاً عن مأوى، بعد فراره من مدينة الأبيض، التي قصفتها «قوات الدعم السريع» بطائرات مسيّرة لعدة أشهر في وقت سابق من هذا العام، في محاولة لحصارها.

وقال: «لم تكن هذه المسألة غريبة عليّ؛ فما إن سمعت صوت الانفجار حتى أدركت أن الطائرة المسيّرة استراتيجية. فقد كنت موجوداً في الولاية منذ شهرين فقط، وكنت قبل ذلك في الشمال، في مدينة الأبيض. وكنت على دراية بأنواع الطائرات المسيّرة، بما فيها الاستراتيجية والانتحارية، لذلك استطعت تمييز نوعها».


موريتانيا: تأكيد حكم بسجن ناشطة حقوقية 5 سنوات

الناشطة الحقوقية وردة أحمد سليمان (إعلام محلي)
الناشطة الحقوقية وردة أحمد سليمان (إعلام محلي)
TT

موريتانيا: تأكيد حكم بسجن ناشطة حقوقية 5 سنوات

الناشطة الحقوقية وردة أحمد سليمان (إعلام محلي)
الناشطة الحقوقية وردة أحمد سليمان (إعلام محلي)

أكدت محكمة الاستئناف في العاصمة الموريتانية نواكشوط حكماً بالسجن خمس سنواتٍ في حق ناشطة حقوقية بعد إدانتها بتُهم؛ مِن أبرزها التحريض على حمل السلاح ضد الدولة وسبّ رئيس الجمهورية ونشر أخبار كاذبة.

وتُعد الناشطة الحقوقية الشابة وردة أحمد سليمان واحدة من أبرز الوجوه في حركة «إيرا» الحقوقية، التي تسعى للدفاع عن العبيد والعبيد السابقين في موريتانيا، أسّسها النائب البرلماني بيرام الداه أعبيد، الذي حلّ في المرتبة الثانية خلال رئاسيات 2014 و2019 و2024.

وتشتهر الحركة الحقوقية بمواقفها المتطرفة تجاه السلطات الموريتانية، حيث تقول إنها تتستر على جرائم العبودية وترفض تطبيق القانون، لكن الجهات الرسمية ترفض هذه الاتهامات، وتؤكد أن الحركة تسعى، في كثير من الأحيان، للخلط بين نشاطها السياسي والحقوقي، وترتكب أخطاء تُهدد التعايش السلمي في موريتانيا.

وفي آخِر محطات المواجهة بين الطرفين، أيّدت محكمة الاستئناف الحكم الابتدائي الصادر في حق الناشطة الحقوقية 25 أغسطس (آب) الماضي، حين حكمت عليها المحكمة الابتدائية بنواكشوط الغربية بالسجن خمس سنوات؛ ثلاثٌ منها نافذة.

جانب من مظاهرة المعارضة بمدينة نواذيبو بشمال غربي موريتانيا (أرشيفية-إعلام محلي)

وبدأ الملف بسبب منشور للناشطة الحقوقية على «فيسبوك» حُرّكت بسببه الدعوى ضدها بموجب قانون الرموز الذي سنّته الحكومة وصادَقَ عليه البرلمان قبل سنوات من أجل الحد من خطاب الكراهية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

لكن منظمات حقوقية انتقدت توقيف الناشطة ومحاكمتها بسبب منشور على «فيسبوك»، وقالت إن التهم الموجهة إليها «فضفاضة وغير متناسبة». وأضافت أن «التعبير عن الرأي أو انتقاد الحكومة على وسائل التواصل تحوَّل إلى جرائم أمنية».

وهذه ليست المرة الأولى التي يجري فيها توقيف الناشطة الحقوقية بسبب مواقفها وكتاباتها التي توصَف بأنها «متطرفة»، حيث اعتقلت، في أبريل (نيسان) 2025، بعد شكوى تقدَّم بها رجل أعمال قال إنها شهَّرت به على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن الشكوى سُحبت فيما بعدُ عقب وساطة.

كما اعتُقلت الناشطة، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، على خلفية منشورات على «فيسبوك»، ووُجهت إليها تُهم مثل «التحريض على إسقاط النظام» و«الدعوة إلى الانتفاضة» و«نشر أخبار كاذبة»، ثم وُضعت تحت المراقبة القضائية.

وقُيض عليها مجدداً في أبريل الماضي، حين كانت تشارك في مظاهرة حقوقية غير مرخَّصة، وفرّقتها الشرطة بالقوة لتندلع صدامات بين المتظاهرين وعناصر الشرطة، أعلنت الناشطة، خلال بث مباشر على «فيسبوك»، أن الشرطة أطلقت النار على أحد الناشطين وقتلته، ليتبين فيما بعد أن الخبر كاذب.

وعدَّت حركة «إيرا» الحقوقية أن مسطرة الإجراءات التي اتُّخذت في حق الناشطة وردة تضمنت خروقاً إجرائية واستخدام القضاء لتصفية الحسابات السياسية، وهو ما نفته النيابة بشدة مؤكدة أن جميع الإجراءات كانت قانونية.