حائزة «نوبل» توكارتشوك تؤلّف مستعينة بالذكاء الاصطناعي

مطالبات بسحب الجائزة والأديبة البولندية مصابة بأزمة وجودية

أولغا توكارتشوك
أولغا توكارتشوك
TT

حائزة «نوبل» توكارتشوك تؤلّف مستعينة بالذكاء الاصطناعي

أولغا توكارتشوك
أولغا توكارتشوك

أثارت الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك، الحاصلة على «جائزة نوبل» لعام 2018، موجة من الغضب بعد تصريح لها، خلال مشاركتها في «مؤتمر إمباكت 26» في مدينة بوزنان، الشهر الماضي، اعترفت خلاله أنها استخدمت الذكاء الاصطناعي، لإتمام بعض المهمات في كتابة روايتها الأخيرة. وصل السخط في البعض إلى حدّ المطالبة بسحب الجائزة العالمية من الأديبة. قالت توكارتشوك إنها اشتركت في نموذج متقدم للذكاء الاصطناعي، وانبهرت من النتائج التي حصلت عليها، ووصفته بأنه «يوسّع الآفاق ويعمق التفكير الإبداعي».

ومن بين ما قالته إنها بينما كانت تكتب روايتها التي تصدر الخريف المقبل، وتدور أحداثها في القرن التاسع عشر، لجأت إلى برنامجها الأثير وسألته عن الأغاني التي رقصت عليها شخصياتها في تلك الفترة من الزمن لإتمام مشهد تكتبه عن حفل راقص. وحسب الأديبة، فإن أسماء إحدى الأغنيات لم تكن صحيحة، لذلك تحذر من الهلوسة.

اعترافات مثيرة

زادت تورتشوك الطين بلة حين شرحت أنها أحياناً تعود إلى برنامج الدردشة، وتسأله: «كيف يمكنني يا عزيزي أن أطور هذه الفكرة بشكل جميل؟»، وهو ما يعني أنها تطلب المساعدة حتى في بناء الرواية. واعتبرت الأديبة أن هذه التقنية حسب ما اكتشفت «لها نتائج وأبعاد لا تصدق».

انتشر الخبر، وتسبب بنقاشات واسعة، خصوصاً حول أحقية استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة الروايات، وفي العمليات الإبداعية بشكل عام. اضطرت الأديبة النوبيلية لإصدار بيان توضح فيه أنها لا تلجا للذكاء الاصطناعي في الكتابة، إنما في البحث عن المعلومات والأرشفة. وأوضحت أن كتابها الجديد، لم تكتبه باستخدام الذكاء الاصطناعي ولا بمساعدة أي شخص آخر. «لقد كتبتُ بمفردي لعقود عديدة»، وهي تتعامل مع هذه التقنية الحديثة كأداة تسمح لها بتوثيق الحقائق والتحقق منها بشكل أسرع، مستعيضة عما كانت تفعله حين تبحث في الكتب والمراجع.

الذكاء الاصطناعي قدر محتوم

بصرف النظر عن مدى استفادة النوبيلية الشهيرة من إمكانات الذكاء الاصطناعي، وهي أديبة لها رواياتها وتاريخها ونتاجها المتميز، وهو ما يحمي نسبياً سمعتها الإبداعية. إلا أن الخطورة الفعلية هي في صعوبة مقاومة الأدباء لمهارات التطبيقات التوليدية. والسؤال المطروح، هل بقي للكاتب من وظيفة؟ وهل الإبداع عملية بشرية متجددة، أم قضية تقنية يمكن استنساخها وتقليدها؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل الذكاء الآلي سيكون سبباً في موت الإبداع والتجدد الإنسانيين؟

للأسف أياً تكن الإجابة ثمة من يعتقد أن فرملة هذا التطور التقني هو أمر شبه مستحيل، بسبب التنافس التجاري المتوحش بين الشركات الكبرى التي بلغت اسثماراتها مئات مليارات الدولارات، وهي تتنافس كي تتمكن من تعويض ما استثمرته في أسرع ما يمكن، قبل أن تحل بها خسارة فادحة. بالتالي يصعب التمييز في كلام مسؤولي هذه الشركات الكبرى بين الوعود الترويجية المزيفة والواقع الفعلي. لكن علماء كثيرين، بعضهم حاصلون على «نوبل» وجوائز علمية، يعتبرون أن العقل البشري بتمايزه لا يزال إلى الآن العامل الأساسي في الابتكار والتحليل والتفسير العلمي.

جوائز للبشر أم للآلة

لكن في خضم هذه الفوضى، فازت الكاتبة اليابانية ري كودان بجائزة «أكوتاغاوا» المرموقة عام 2024 رغم اعترافها بأن نحو 5 في المائة من روايتها «برج التعاطف في طوكيو» أنشئ بواسطة الذكاء الاصطناعي، وأثارت جدلاً واسعاً. وبين من يريد أن يبيع الكتب ويربح المال بأي ثمن، ومن يود أن يستفيد من الأدوات المتوفرة ليدفع بإبداعه إلى الأمام، تختلف نوايا الكتاب وأهدافهم من استخدام التقنيات المتاحة. فقد خاض الكاتب الكندي المعروف ستيفن مارش مغامرته عام 2023 تحت اسم مستعار هو «أيدان مارشين»، وقام بإصدار رواية سماها «موت المؤلف». وقال إن 95 في المائة من النص تم توليده عبر الذكاء الاصطناعي. الرواية لم تكن بديعة، لكنها محاولة ووصفتها «نيويورك تايمز» بأنها «أول رواية ذكاء اصطناعي قابلة للقراءة إلى حدّ ما».

هناك من يعترف من الأدباء ومن لا يعترف بأن البرامج التوليدية باتت لا غنى عنها أثناء الكتابة، سواء في البحث أو الأرشفة. ومنهم من يبلغ به الحال حدّ المساعدة في تطوير الشخصيات والحبكات، أو البحث عن الاحتمالات الممكنة للأحداث، والاستخدامات تتوسع.

الأديبة أولغا توكارتشوك التي أثارت نقاشاً حساساً حول حدود إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي، هي واحدة من أبرز أدباء جيلها، إضافة إلى «نوبل» حاصلة على جائزة «بوكر مان». وهي ناشطة حقوقية وكتاباتها تعكس اهتمامها بالإنسان والهوية وسؤال الحرية والبيئة، وتحليل النفس البشرية. «عرفت بخصب خيالها السردي الذي يتميز بشغف موسوعي يجسّد عبور الحدود كوسيلة للحياة»، حسب لجنة «نوبل».

لذلك فإن رأيها في التحديات التي يتعرض لها الأدب، بسبب التطورات التقنية يجب أن يؤخذ على محمل الجد. وهو رأي انتشر كالنار في الهشيم لأنه تم تناقله بكثافة على وسائل التواصل عبر تسجيل مصور.

أصالة أم تزييف؟

تابعت توكارتشوك قائلةً: «على عكس ما يتردد، أعتقد أننا نحن الكُتّاب، بحكم خصوصية حرفتنا، سنكون الأكثر انسجاماً مع أدوات مثل الذكاء الاصطناعي». بالطبع لم يعتبر محبو توكارتشوك ما تقوله خبراً ساراً أو مطمئناً. وعلقت صحافية بولندية بالقول: «يجدر التذكير بأن هذه الجائزة تُؤكد على فردية الكتابة وأصالتها. ومن الصعب الحديث عن هذه الأصالة عندما يقوم الذكاء الاصطناعي بإنشاء الحبكات والجمل نيابةً عنا. كما أن نماذج اللغة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي تتعلم من أعمال الكُتّاب، بمن فيهم كُتّاب من بولندا، غالباً دون موافقتهم أو حتى علمهم».

لا روايات بعد اليوم

الأهم من اعتراف الأديبة باللجوء إلى النماذج التوليدية هو قولها إن روايتها التي تستعد لإصدارها ستكون الأخيرة من هذا الصنف الطويل الذي يحتاج جهد سنوات. «لأن العالم، يبدو وكأنه دخل في حالة جمود مدمر، ولم يعد يستحق روايات طويلة وشيقة. كما يتناقص عدد الراغبين في قراءة هذا النوع من الكتب باستمرار»، وتضيف أنه في الماضي، كانت هذه الكتب تحظى بشعبية كبيرة. «أما الآن، فبالنسبة للكثيرين، تُعد قراءة رواية تحدياً شاقاً». وهي تأسف لأن غالبية القراء يسعون لمعرفة نهاية روايتها التي قضت سبع سنوات في تأليفها «كتب يعقوب» وتقع في ألف صفحة باللجوء إلى ملخصات صغيرة، وهو ما يحرم العمل حقه والكاتب أن يرى مردوداً لجهده وصبره.

الخطير في الأمر أن نرى أديبة عالمية الصيت، بلغت 64 من عمرها، قضت عمرها كله في كتابة الروايات، نالت أعظم الجوائز، وتوجت متفوقة على كل أقرانها، تقول إن هذا الصنف من الكتابة لم يعد له من قراء، وتعبر عن يأسها ومرارتها وكأنما كل ما كتبته يفقد قيمته بسرعة. «أتألم حين أفكر في أن أعمالاً أدبية كلاسيكية، كرّس لها أفرادٌ ذوو وعي كامل حياتهم، تتلاشى. أشعر بأسف بالغ على بلزاك، وسيوران، ونابوكوف الفريد، لأنه على الرغم من حماسي، لا أعتقد أن أي غرفة دردشة حديثة قادرة على نقل مثل هذا المعنى الرائع».

الذكاء الاصطناعي في نظر توكارتشوك قد يكون وسيلةً لاختصار الوقت والجهد المبذول في البحث والتوثيق

ووسط يأس بلغ غايته تخبرنا توكارتشوك، وهي الأديبة التي اشتهرت بموسوعيتها، بأنها لن تكتب رواية طويلة بعد اليوم، وذلك «لأسباب مالية»، وتفضل أن تتفرغ لكتابة القصص القصيرة. «لا يستطيع أي ناشر في السوق الحالية تحمل عبء عمل ضخم بسعر معقول، ودفع أجر عادل. من جهة أخرى، بعد كل هذه السنوات، أرهقتني عملية الكتابة والطباعة جسدياً ونفسياً. لذلك، سأركز على القصص القصيرة».

الأدب لا يستحق التضحية

تقول: «إذا قارنا عدد الساعات التي قضيتها في تأليف (كتب يعقوب) بأجر عامل، فلن يشتريها أي ناشر». الذكاء الاصطناعي، في نظرها، قد يكون وسيلة لاختصار الوقت والجهد المبذول في البحث والتوثيق، مما يجعل إنتاج الروايات الطويلة مجدياً اقتصادياً. لكن هل حقاً بات الهدف الوحيد للكتّاب هو الربح المالي، ومن دون ذلك يتوقفون عن الكتابة. وإن كان الأمر كذلك فالأديبة البولندية حصدت من الأدب ما لم يحلم به غيرها. فإضافة إلى ما نالته من الجوائز، ترجمت إلى أكثر من 25 لغة وباعت ملايين النسخ. فهل حقاً لا يزال بمقدورها اعتبار نفسها مظلومة كأديبة وعليها أن تتوقف؟ ثم أليس هناك من عودة وحنين إلى كبار الكتاب الكلاسيكيين؟ وهناك طلب مستجد حتى على الكتب الورقية القديمة؟ فلماذا تستعجل أديبة بمستوى توكارتشوك وبحكمتها لاستخلاص النتائج؟

كتبت صحافية بولندية مرموقة رداً على الأديبة النوبلية تقول لها إن أي مجتمع يسعى باستمرار إلى إيجاد قدوة. وبالنسبة لكثيرين، كانت الحائزة البولندية على جائزة «نوبل» إحدى هذه القدوات. فهل ستظل كذلك بعد تصريحاتها الجريئة والمثيرة التي تستدعي إعادة التفكير في أمور عديدة حساسة ومفصلية؟

كلام توكارتشوك يكشف عن أزمة وجودية عميقة تواجه الأديب مهما بلغت مكانته، ومستواه الإبداعي وهو يعيش مزاحمة الآلة له، وتهميش دوره، ولجوء القراء لقرصنته، وتلخيص أعماله، والاكتفاء منها بما يختصره الذكاء الاصطناعي في جمل قليلة وسريعة.


مقالات ذات صلة

لي سو يون: مهمة الأدب ليست تغيير العالم

ثقافة وفنون لي سو يون: مهمة الأدب ليست تغيير العالم

لي سو يون: مهمة الأدب ليست تغيير العالم

تعرَّف القارئ العربي على عوالم الكاتبة الكورية لي سو يون عبر روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم الأكثر مبيعاً، وصدرت ترجمتها إلى العربية

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً

تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً

تتناول الباحثة الأردنية الدكتورة هبة مرزوق الهباهبة، في كتابها «فصل السلطات بين الفلسفة والقانون»، المنعكسات المعاصرة لنظرية الفصل بين السلطات

«الشرق الأوسط» (عمَّان)
ثقافة وفنون لماذا كان فلاسفة فرنسا مرعوبين؟

لماذا كان فلاسفة فرنسا مرعوبين؟

هذا هو السؤال الذي طرحه ميشيل سير يوماً ما. والمذكور هو أحد أهم فلاسفة فرنسا في القرن العشرين وحتى وفاته عام 2018.

هاشم صالح
ثقافة وفنون جناح السعودية في المعرض (واس)

الجزائر: «سيلا 2026» يحتفي ببريق الورق في زمن الشاشات

يشهد «الصالون الدولي للكتاب بالجزائر»، المقام بالضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية، إقبالاً كبيراً منذ افتتاحه، بمشاركة مميزة للمملكة العربية السعودية ضيفَ شرف.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
ثقافة وفنون تاريخ العالم الحديث في كبسولة

تاريخ العالم الحديث في كبسولة

«تاريخ العالم الحديث من 1950 إلى يومنا هذا» عنوان كبير لكتاب صادر في هذا العام من تأليف جيرمي بلاك (الناشر: أركتوروس، لندن).

د. ماهر شفيق فريد

لي سو يون: مهمة الأدب ليست تغيير العالم

لي سو يون
لي سو يون
TT

لي سو يون: مهمة الأدب ليست تغيير العالم

لي سو يون
لي سو يون

تعرَّف القارئ العربي على عوالم الكاتبة الكورية لي سو يون عبر روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم الأكثر مبيعاً، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة.

في هذا الحوار، تتطرق الكاتبة إلى مؤلفاتها الأخرى التي تنتمي إلى عالم السيرة ذاتية وتتردد عبرها أصداء أزمتها النفسية التي وصلت إلى حد محاولة الانتحار، وتلقّي العلاج بمصحة متخصصة، قبل أن تستعيد إيمانها بالأمل والحياة وتتعافى نهائياً. هنا نص الحوار:

> بعد نجاح روايتك «هاتف الوداعات الأخيرة» وإدراجها ضمن قوائم الأكثر مبيعاً في كوريا الجنوبية، ماذا يعني لك ترجمتها إلى لغات أجنبية؟

- على الصعيد الشخصي، تعد ترجمة أعمالي وتقديمها بلغات أخرى تجربة ثمينة للغاية، لكن الأمر يتجاوز البعد الشخصي، إذ يدفعني إلى التأمل مجدداً في قيمة الأدب. ومن خلال خلق مساحة يمكن أن يسكنها الفقدان والحزن بغضّ النظر عن اللغة، أرى إمكانية أن يوصل الأدب بين الناس وأن يبني مجتمعاً إنسانياً واسعاً.

> ماذا عن ترجمة الرواية إلى العربية؟ هل تتابعين ردود الأفعال؟

- بصراحة، عندما يصدر كتاب في بلد آخر يصعب على الكاتب أن يعرف بدقة كيف انتقلت روحه ومعانيه عبر الترجمة، لكنني أؤمن بأن جوهر ما أريد التعبير عنه يصل إلى القراء رغم ذلك.

تابعت بالفعل ردود الأفعال عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأشعر بأن هناك صلة صادقة تتشكل بيني وبين القراء، وقد أدهشني وأسعدني بشكل خاص الحماس الكبير الذي أبداه القراء المصريون تجاه الرواية.

> هل تعدّين أرقام المبيعات دليلاً على نجاح الكاتب؟ وما مواصفات النجاح الأدبي من وجهة نظرك؟- أرقام المبيعات ليست سوى أحد مؤشرات النجاح التجاري، ولا أعدّها دليلاً أساسياً على النجاح الأدبي، فأنا أؤمن بأن الأدب يتجاوز حدود الزمن، وقد لا يحقق الكتاب مبيعات كبيرة عند صدوره، أو قد لا يحظى صاحبه بالتقدير في حياته، لكن العمل الجيد يبقى. وربما يعاد اكتشافه وقراءته لاحقاً ليصبح من الكلاسيكيات. ومن وجهة نظري، فإن النجاح الأدبي لا يكتمل خلال حياة شخص واحد، بل يتشكل ويترسخ مع مرور الزمن.

> كيف جاءتكِ فكرة الرواية؟

- بدأت هذه الرواية من كتاب قرأته في أثناء وجودي في جناح للأمراض النفسية بالمستشفى، بعنوان «مقابلات التشريح النفسي» للدكتور إدوين شنايدمان، والذي يرصد العوامل النفسية الكامنة وراء الانتحار. وفي أثناء قراءة العمل وجدت نفسي أتخيل حزن الأشخاص الذين سيبقون بعد رحيلي وكيف ستستمر حياتهم، ومن هنا بدأتُ أفكر في كتابة رواية تدور حول هذا الموضوع، ثم أضفت إليه عنصراً تخييلياً، فكانت النتيجة رواية «هاتف الوداعات الأخيرة».

> هل تعتقدين فعلاً أنه يمكن التواصل مع من فقدناهم من الأحبّة وهم في العالم الآخر؟ وهل يمكن أن نعوّضهم بأثر رجعي عن أخطائنا بحقهم، أو على الأقل نعتذر لهم؟- إذا وسَّعنا مفهوم التواصل بحيث لا يقتصر على الحديث المباشر وجهاً لوجه، فأعتقد أننا نتواصل باستمرار مع أشياء وأشخاص عبر الزمن. يحدث ذلك عندما تعود إلينا فجأة ذكرى أو مكان أو غرض تركه من رحلوا عنّا.

وأؤمن بأن كل لحظة تتصل فيها القلوب بعضها ببعض هي لحظة تواصل حقيقية، وعندما نتمكن من فهم أنفسنا وفهم الآخر، ونضع الماضي والحاضر في موضعهما الصحيح، يصبح الغفران والمصالحة ممكنين، حتى لو جاء هذا الإدراك متأخراً.

> مررتِ بتجارب صعبة مع الاكتئاب واضطرابات الطعام والهلع كادت تدفع بكِ إلى حافة الانتحار، لماذا شاركتِ تلك التجارب مع القراء في مؤلفاتك المختلفة مثل «أشعر ببعض الاكتئاب، لكنني شخص عادي»؟- لم يكن اتخاذ قرار نشر قصتي الشخصية أمراً سهلاً. وبينما كنت مترددة، قالت لي أمي إنها عندما كنت في المستشفى بحثت عن كتب تتحدث عن الاكتئاب، لكنها لم تجد قصة تشبه قصتي.

لذلك تمنت أن أكتب كتاباً من أجل أشخاص يمرون بتجارب مماثلة، ومن أجل أولئك الذين يحملون في داخلهم مشاعر يصعب التعبير عنها بالكلمات، قررت هذه المرة أن أكون أنا من يتكلم. ومن هنا بدأت رحلتي ككاتبة.

> ألم يكن من الأفضل أن تظهر تلك التجارب ضمنياً، من خلال أعمالك الروائية، بدلاً من أن تأتي في صورة مباشرة تقترب من عالم السيرة الذاتية أو المذكرات؟- أعتقد أن أكبر فارق بين الرواية والسيرة الذاتية هو «الحضور الإنساني المباشر»، فالتعبير عن حزن عميق من خلال قصة متخيلة يختلف في تأثيره عن التعبير عنه من خلال تجربة حقيقية ومعيشة. وأرى أن مجرد القدرة على الحديث عن المرض النفسي بشكل مباشر، من دون مواربة أو التفاف، يعد رسالة قوية مفادها أن الأشخاص الذين يعانون من هذه الأمراض ليسوا منفصلين عن المجتمع، بل يعيشون بيننا ومعنا.

> تجارب الكاتب الشخصية على صعيد المعاناة النفسية والهشاشة الإنسانية، هل تزيد من جاذبية أعماله في عيون القراء برأيك؟- أؤمن بأن التجربة الحياتية الخاصة بكل كاتب تضفي على أعماله مزيداً من الجاذبية والتميز. وحتى عندما تتضمن تلك التجربة جوانب من الضعف الإنساني، فإنها تمنح صاحبها قدرة أعمق على التعاطف مع الآخرين.

وكثير من الفنانين يحوِّلون هشاشتهم ومعاناتهم إلى أشكال أكثر إبداعاً من التعبير، ويواصلون طرح الأسئلة حول جوهر الحياة والأشياء. وإذا اختار بعض الناس التقليل من قيمة إبداعهم بسبب ذلك، فهذه في النهاية مسألة تخص من يُصدر هذا الحكم.

> هل يندرج كتابك «ربما يكون الحزن مرضاً» هو الآخر ضمن سياق مشاركة المعاناة الشخصية مع القراء، أم ماذا؟- هو كتاب سيرة ذاتية طويل يوثّق الأشهر الستة التي أمضيتها في وحدة مغلقة للطب النفسي. ويتناول ما جرى داخل المستشفى بين أشخاص يعانون من الألم النفسي، كما يتناول مسارات التعافي التي مروا بها.

> ماذا عن كتابك «وصفة القطط»، الذي تلعب فيها الحيوانات الأليفة دور البطولة؟

- هو أيضاً كتاب يندرج ضمن فئة السيرة الذاتية الطويلة، ويتناول رحلة الحب الذي اكتشفتُه من خلال العيش مع قطة، يسجل لحظات شعرت فيها برغبة في التخلي عن كل شيء، قبل أن يعيد إليَّ صوت أنفاس القطة الإحساس بالحياة. إنها قصة شخص لم يكن يجيد الحب، وتعلَّمه تدريجياً من خلال علاقته بحيوان أليف.

> ما الذي يحقق لكِ الإشباع والسعادة ككاتبة؟

- أعظم ما يمنحني الشعور بالرضا هو أن أسمع من القراء أن أعمالي ساعدتهم على إيجاد القوة للاستمرار في الحياة. ويسعدني أن أرى قراء يكتشفون الإمكانات اللامحدودة للكتابة وتأثيرها، وأن تتغير حياتهم بفضل ذلك.

ومن أكثر التجارب التي تركت أثراً في نفسي رسالة وصلت إليّ من أحد السجون، فقد كتب لي سجين كان يفكر في إنهاء حياته، بعدما أهدته زوجته أحد كتبي، ليخبرني أنه قرر أن يمنح الحياة فرصة أخرى. ولا تزال تلك الرسالة حاضرة في ذاكرتي حتى اليوم.

> أخيراً، هل لا تزال الكتابة قادرة على صنع الفارق في عالم يبدو أن الحمقى هم أصحاب القرار الأول في تحديد مصيره؟

- ربما لا يستطيع الكاتب أن يغيِّر العالم بأسره، لكن الكتاب قادر على تغيير إنسان واحد، ولهذا السبب لا أتخلى أبداً عن الأمل، فلو استطعت تغيير واقع شخص واحد فقط إلى الأفضل، فهذا يكفيني.


تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً

تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً
TT

تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً

تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً

تتناول الباحثة الأردنية الدكتورة هبة مرزوق الهباهبة، في كتابها «فصل السلطات بين الفلسفة والقانون»، المنعكسات المعاصرة لنظرية الفصل بين السلطات، مستندة إلى جذورها الفلسفية التي أرساها فلاسفة الحقوق الطبيعية وعصر التنوير، ومقدمة قراءة نقدية تتتبع انتقال النظرية من إطارها الفلسفي إلى مجالها الدستوري والقانوني.

يقدم الكتاب الذي صدر حديثاً عن «الآن ناشرون وموزعون» في عمّان، مقاربة تحليلية للنظرية وإشكالات تطبيقها، ولا سيما ما يتصل بالتداخل بين السلطات، وشرعية التشريع، والعلاقة بين القانون والعدالة، وصولاً إلى اقتراح «كود قانوني تشريعي» يهدف إلى تعزيز الضبط والرقابة الدستورية وتفعيل الفصل بين السلطات.

وينطلق الكتاب الذي صمم غلافه الشاعر والفنان عيد بنات، من تأصيل مفهومَي الحقوق الطبيعية والقانون الطبيعي بوصفهما مرجعية فلسفية لشرعية القانون وتقييد السلطة، قبل أن ينتقل إلى الجدل الفلسفي حول نشأة الدولة والسيادة، وتطور فكرة الفصل بين السلطات بوصفها ضمانة دستورية لمواجهة الاستبداد وتحقيق التوازن بين التشريع والتنفيذ والقضاء.

وتتمثل الإشكالية المركزية التي يطرحها الكتاب في مدى قدرة نظرية الفصل بين السلطات على العمل بفاعلية في الأنظمة السياسية الراهنة، في ظل التداخل بين القانون والسياسة، وما قد يترتب عليه من تأثيرات في العملية التشريعية. ومن هنا تعتمد الهباهبة مقاربة نقدية ومقارنة لتفكيك الأطر النظرية القائمة، وتحليل الهيكليات القانونية والتشريعية المختلفة، وصولاً إلى تصور تشريعي مقترح.

ويعيد الكتاب تتبع جذور فكرة توزيع وظائف الدولة، من الفلسفة اليونانية عند أفلاطون وأرسطو، وصولاً إلى مونتسكيو الذي بلور الصياغة الأشهر لمبدأ الفصل بين السلطات، بحيث تتولى السلطة التشريعية سنّ القوانين، وتتولى السلطة التنفيذية إنفاذها، في حين تضطلع السلطة القضائية بإقامة العدالة. ولا يتوقف البحث عند هذا التأسيس، بل يتابع تطور الفكرة في مدارس فلسفة القانون والمذاهب النفعية والواقعية والوضعية. وترى المؤلفة أن الفصل بين السلطات لا ينبغي أن يُفهم بوصفه مجرد توزيع وظيفي لمهام الدولة، بل بوصفه ضرورة فلسفية وأخلاقية لحماية الحرية وضمان شرعية التشريع. فتركيز السلطة، وفق الطرح الذي يقدمه الكتاب، يهدد الحرية ويفرِغ القانون من مضمونه، في حين يتيح التوازن بين السلطات قيام منظومة أكثر قدرة على حماية الحقوق والحريات.

وتتوسع الدراسة في بحث الفجوة بين النظرية والتطبيق، متوقفة عند احتمالات التحيز السياسي في العملية التشريعية، وتأثير المصالح والاصطفافات في صياغة القوانين، وما يمكن أن ينتج من ذلك من اختلال في البنية القانونية. ومن ثم لا تكتفي بتقييم مبدأ الفصل بين السلطات، وإنما تسعى إلى اختبار قدرته على إنتاج قواعد قانونية ناجعة في الواقع السياسي والمؤسسي.


سيد الأقداح

محمد العلي
محمد العلي
TT

سيد الأقداح

محمد العلي
محمد العلي

(إلى الكبير محمد العلي في أبديته)

هي والقصيدةُ حيث كنْتَا

هي والقصيدةُ عمرُكَ المكتوبُ في أوراق ذاكرةٍ

ملأتَ جرارَها بصداكَ حتَّا

فاضتْ بها أشواطُ أحْرفِكَ التي

أخذتْكَ نحو مدائنِ العشَّاقِ فانْشطرَتْ بها شفتاكَ

بين مرافئِ الكلماتِ والقُبلاتِ

لكن ما برحْتَا

تُملي فتكتُبكَ السنينُ مفازةً

تعبَ الحُداةُ وهم يجُوبونَ القصائدَ

ربما انْتجعوكَ بيتَا

يا سيِّدَ النايات

يا ابنَ نبوءةِ الشجرِ المُحرَّز بالرياحِ

متى تماثلَ سردُه للبوحِ

محْمولًا بأطرافِ الحكاياتِ انْعتَقْتا

يا سيِّدَ الأقداحِ

منذُ سُلالةِ الماء الذي أرْخى أعِنَّتهُ

فغادرَ في شُقوقِ الغيْم

مُنتظرًا لأرضٍ لم تُضاجعْها الخُطى يومًا

فكيف عرفتَ أنَّ الدربَ لم يعرفْ ظلالكَ حين عدتَا

يا أيُّها العَرَّافُ

كم حجرًا لنردِكَ ضلَّ وجهتَه فعادَ

وما رميتَا؟

---------------

* شاعر سعودي.