«شرفة هتلر» في فيينا... جرحٌ مفتوح في الذاكرة النمساوية بعد نحو 90 عاماً على «الأنشلوس»

رمز تاريخي بين الإرث الإمبراطوري والماضي النازي

قصر هوفبورغ الإمبراطوري بفيينا وفي وسط الصورة تظهر «شرفة هتلر» (متداولة)
قصر هوفبورغ الإمبراطوري بفيينا وفي وسط الصورة تظهر «شرفة هتلر» (متداولة)
TT

«شرفة هتلر» في فيينا... جرحٌ مفتوح في الذاكرة النمساوية بعد نحو 90 عاماً على «الأنشلوس»

قصر هوفبورغ الإمبراطوري بفيينا وفي وسط الصورة تظهر «شرفة هتلر» (متداولة)
قصر هوفبورغ الإمبراطوري بفيينا وفي وسط الصورة تظهر «شرفة هتلر» (متداولة)

لا تزال الشرفة الشهيرة المطلة على ساحة الأبطال (هيلدنبلاتس) في العاصمة النمساوية فيينا تثير جدلاً واسعاً حول كيفية التعامل مع أحد أكثر رموز الماضي النازي حساسية في البلاد. فهذه الشرفة، التي تُعرف شعبياً باسم «شرفة هتلر»، هي المكان الذي أعلن منه الزعيم النازي أدولف هتلر في 15 مارس (آذار) 1938 ضمّ النمسا إلى ألمانيا النازية، في حدث عُرف باسم «الأنشلوس»، وفق تقرير لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية.

وتقع الشرفة ضمن جناح «نويه بورغ» من قصر هوفبورغ الإمبراطوري، أحد أبرز معالم فيينا التاريخية. ورغم ارتباطها في الذاكرة العامة بإرث أسرة هابسبورغ التاريخية التي حكمت إمبراطورية النمسا، فإن المؤرخين يرون أن استخدامها لم يكن عرضياً، بل جاء في إطار محاولة النظام النازي تقديم نفسه وريثاً للتقاليد الإمبراطورية الألمانية والأوروبية.

من «الضحية الأولى» إلى الاعتراف بالمسؤولية

طوال عقود بعد الحرب العالمية الثانية، تبنّت النمسا سردية تعدّ نفسها «الضحية الأولى» للنازية. غير أن هذه الرواية تعرّضت لاهتزاز كبير منذ ثمانينات القرن الماضي، خصوصاً بعد الجدل الذي أثير حول ماضي الرئيس النمساوي الأسبق كورت فالدهايم خلال حملته الانتخابية عام 1986.

ومنذ ذلك الحين، ترسخ تدريجياً في الأوساط السياسية والأكاديمية مفهوم «المسؤولية المشتركة»، الذي يقرّ بأن قطاعات واسعة من المجتمع النمساوي رحّبت بالحكم النازي وشاركت في دعمه. ويستشهد المؤرخون بصورة شهيرة التُقطت يوم خطاب هتلر، تظهر مئات الآلاف من النمساويين المحتشدين في الساحة للاستماع إليه، بوصفها دليلاً على حجم التأييد الشعبي الذي حظي به آنذاك.

حشود ضخمة تتجمّع في ساحة «هيلدنبلاتس» في فيينا لتحية هتلر أثناء إلقائه خطابه بشأن ضم النمسا 15 مارس 1938 (متداولة)

موقع مغلق وأسئلة بلا إجابات

بعد الحرب، بقيت الشرفة مهملة إلى حد كبير، رغم استخدامها في مناسبات محدودة، بينها خطاب ألقاه الحائز جائزة نوبل للسلام إيلي فيزيل عام 1992. وفي وقت لاحق أُغلقت رسمياً لأسباب تتعلق بالسلامة والبنية التحتية.

ومنذ افتتاح «بيت التاريخ النمساوي» داخل القصر عام 2018، تحوّلت الشرفة محور نقاش وطني حول كيفية التعامل مع هذا الإرث. وطرحت المؤسسة سؤالاً مباشراً على الزوار: هل ينبغي إبقاء الشرفة مغلقة بسبب تاريخها، أم فتحها تحديداً من أجل مواجهة ذلك التاريخ؟ وأظهرت نتائج التصويت تأييداً كاسحاً للخيار الثاني؛ إذ صوّت أكثر من 220 ألف شخص لصالح فتحها مقابل نحو 30 ألفاً فقط فضّلوا استمرار إغلاقها.

معركة الذاكرة مستمرة

على مدى السنوات الأخيرة، نُظمت معارض ومشاريع فنية ونقاشات عامة لإعادة التفكير في وظيفة هذا الموقع ورمزيته، خصوصاً في ظل صعود تيارات اليمين المتطرف في أوروبا. وبينما يستعد «بيت التاريخ النمساوي» للانتقال إلى مقر جديد، يؤكد القائمون عليه أن الجدل حول مستقبل «شرفة هتلر» سيبقى مطروحاً بصفته جزءاً من مواجهة النمسا لماضيها، وسعياً لتحويل هذا المكان من رمز للنازية إلى مساحة للتأمل والنقاش الديمقراطي حول التاريخ والذاكرة والمسؤولية الجماعية.


مقالات ذات صلة

سيول: كوريا الشمالية زرعت 960 ألف لغم على الحدود منذ 2024

آسيا جنود كوريون جنوبيون يقومون بدورية قرب المنطقة منزوعة السلاح في باجو بكوريا الجنوبية يوم 20 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

سيول: كوريا الشمالية زرعت 960 ألف لغم على الحدود منذ 2024

زرعت كوريا الشمالية نحو 960 ألف لغم أرضي على طول حدودها مع كوريا الجنوبية منذ عام 2024، وفقاً لتقديرات الجيش الكوري الجنوبي.

«الشرق الأوسط» (سيول)
العالم الصحافي الأميركي إيفان غيرشكوفيتش الذي اتهمته روسيا بالتجسس خلال مثوله أمام محكمة بموسكو في أبريل 2024 (رويترز) p-circle

الصحافيون وتهم التجسس... بين المساومات السياسية والعمل الاستخباري

تسلّط قضايا توقيف صحافيين بتهم التجسس الضوء على المساومات السياسية وصفقات تبادل السجناء، وتستدعي سوابق لاتهامات مفبركة وحالات تعاون فعلي مع أجهزة الاستخبارات.

شادي عبد الساتر (بيروت)
يوميات الشرق رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

الأردن يستعيد من أستراليا قطعة أثرية نادرة عمرها 14 ألف عام

استعاد الأردن، الثلاثاء، قطعة أثرية نادرة قررت أستراليا إعادتها إلى المملكة يعود تاريخها إلى نحو 12 ألف عام قبل الميلاد.

«الشرق الأوسط» (عمّان)
الولايات المتحدة​ صورة مركبة للجندي الأميركي جون بينيت (يميناً) والمجند الأميركي إيدي دونالد سلوفيك (يساراً)

تاريخ الإعدام العسكري في أميركا... من سلوفيك وبينيت إلى الرائد نضال حسن

من رصاص سلوفيك ومشنقة بينيت إلى زنزانة نضال حسن، تسلسل تاريخي لقرارات الإعدام العسكري السيادية التي وقعها رؤساء أميركا.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق قرنان يفصلان اليد عن بصمتها (أ.ب)

«رسالة حبّ كبرى» عمرها قرنان تعود إلى روما

المرة الأخيرة التي بيعت فيها اللوحة كانت عام 2014، حين دفع أحد هواة جمع الأعمال الفنية 30.3 مليون جنيه إسترليني لقاءها...

«الشرق الأوسط» (لندن)

جريمة «إرهابية عنصرية» تهز فرنسا وتضع حداً فاصلاً بين اليمين واليسار

الشرطة الفرنسية في موقع الحادث عقب حادث إطلاق النار غرب باريس صباح الجمعة (رويترز)
الشرطة الفرنسية في موقع الحادث عقب حادث إطلاق النار غرب باريس صباح الجمعة (رويترز)
TT

جريمة «إرهابية عنصرية» تهز فرنسا وتضع حداً فاصلاً بين اليمين واليسار

الشرطة الفرنسية في موقع الحادث عقب حادث إطلاق النار غرب باريس صباح الجمعة (رويترز)
الشرطة الفرنسية في موقع الحادث عقب حادث إطلاق النار غرب باريس صباح الجمعة (رويترز)

«تراب» مدينة فرنسية متنوعة سكانياً تقع على بعد 34 كيلومتراً من باريس، وتحتضن جالية مهاجرة تشكل 30 في المائة من سكانها، البالغ عددهم، وفق الإحصائيات المتوفرة، 43689 نسمة، بينهم ما يزيد على 10 آلاف من أصول مهاجرة، غالبيتها من دول المغرب وأفريقيا.

وفي هذه المدينة، وفي أخرى قريبة منها، اختار رجل يبلغ من العمر 38 عاماً، واسمه الأول «كيفين»، صباحاً، أن يطلق النار وهو في سيارته من سلاح أوتوماتيكي 3 مرات فيها، ومرة رابعة في مدينة «لا فيرير» القريبة.

وبحسب وزير الداخلية لوران نونيز، الذي زار «تراب» بعد الظهر ورئيس بلديتها علي رباح، فإن مطلق النار قتل شخصاً واحداً وأصاب 4 آخرين بجروح، بينهم فتاة يافعة تبلغ من العمر 12 عاماً، أصيبت بجروح بالغة لكن حالتها «مستقرة».

الشرطة الفرنسية تنقل جثة الرجل الذي قتل في حادثة إطلاق النار وسط مدينة «تراب» (إ.ب.أ)

وأفاد شهود لقنوات تلفزة ووكالات أنباء، أن الجاني استهدف الأشخاص الأجانب، أي المغاربيين والأفارقة، ما دفع رباح إلى وصف الجريمة بـ«العنصرية».

وأصدرت «النيابة العامة لمكافحة الإرهاب» التي فتحت تحقيقاً بهذه الواقعة، بياناً قالت فيه إن التحقيق يشمل عدة تهم، «من بينها القتل العمد المرتبط بنشاط إرهابي، مع اعتبار أن الأفعال ارتُكبت بسبب الانتماء الحقيقي، أو المفترض إلى عِرق أو إثنية أو أمة أو ديانة محددة»، إضافة إلى تهمة «تشكيل جمعية إجرامية ذات طابع إرهابي بهدف الإعداد لارتكاب جرائم ضد الأشخاص». وبكلام أوضح، فإن النيابة العامة تعتبر أن ما حصل جريمة إرهابية وعنصرية معاً.

كثيرة التساؤلات التي يسعى التحقيق للإجابة عليها، وأولها حيازة الجاني لسلاح حربي رشاش وأوتوماتيكي. والثاني الدوافع التي جعلته يختار المدينتين المذكورتين، حيث ارتكب فعله المميت. ووفق المعلومات المتوفرة، فإن الجاني الذي قبض عليه مباشرة بعد إطلاق النار يعيش في مدينة «بليزير» المجاورة، وبالتالي فإنه يعرف تماماً مدينة «تراب».

وأفادت صحيفة «لومانيتيه»، نقلاً عن مصادر أمنية، بأن رجال الشرطة الذين يتولون التحقيق قاموا بتفتيش شقة الجاني التي كانت تفوح منها رائحة الغاز. وبحسب قناة «بي إف إم»، فإن الشقة كانت «مفخخة». وقال نائب إقليم «إيفيلن»، التي تقع ضمن نطاقها، إن الجاني «لم يخفِ ما قام به»، وإنه «أراد قتل أشخاص من جنسيات أجنبية».

وزير الداخلية لوران نونيز متحدثاً للصحافة بعد زيارته مدينة «تراب» وإلى جانبه أورور بيرجيه وزيرة شؤون المساواة (أ.ف.ب)

وندّد رئيس بلدية المدينة بالخطابات السياسية الصادرة عن اليمين المتطرف والمنددة بالسكان من أصول عربية وأفريقية، وتعتبرهم مسؤولين عن صعوبات فرنسا، وعن تدهور الأمن فيها، معتبراً «أنها تخلق أجواء تساهم في دفع البعض لارتكاب أعمال جرمية عنصرية كالتي حصلت» في مدينته. وبحسب ما قاله، فإن الهجوم «عنصري الطابع، وربما قد يكون مدفوعاً بمعاداة الإسلام». لذا، فقد حثّ علي رابح على «وعي هذه الحقيقة والدفاع عن الوئام المدني».

تأتي هذه الحادثة، فيما السلطات الفرنسية تجتهد لتفادي الغوص مجدداً في أعمال شغب كالتي شهدتها فرنسا نهاية الأسبوع الماضي. ووصف نونيز إطلاق النار المميت بأنه «جريمة إرهابية بالغة الخطورة»، مضيفاً أن «التحقيقات ما زالت جارية، لكن من الواضح أن هذه جريمة إرهابية».

وكان من الطبيعي أن تثير هذه الحادثة ردود فعل فورية ومختلفة. فالرئيس إيمانويل ماكرون اكتفى بالتعبير عن «تأثره»، فيما اجتاز رئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو خطوة إضافية، بالإشارة إلى أن ما حصل يشكل «أعمالاً بالغة الخطورة». أما رئيس مجلس الشيوخ جيرار لارشيه، ورئيسة البرلمان يايل براون ــ بيفيه، فقد دعيا إلى التهدئة والمحافظة على السلم المدني و«الأخوة» التي هي أحد شعارات الجمهورية الفرنسية. وذهبت مارين لوبن إلى وصف ما حصل بأنه «عمل همجي»، داعية إلى الاقتصاص من الفاعل، فيما رأى إدوارد فيليب، رئيس الحكومة الأسبق والمرشح الرئاسي الوسطي، أن العمل «شنيع»، وأن الإرهاب يجب أن يحارب «بعزم مطلق». وقال مرشح اليمين التقليدي، برونو روتايو، إن ما جرى يندرج في إطار «العنف المفزع». وحده غبريال أتال، رئيس الوزراء السابق والمرشح الرئاسي، أشار بحذر إلى «نظرية الجرمية العنصرية»، مؤكداً أنه إذا ثبتت فإنها ستكون من «الهمجية المطلقة».

رجال الشرطة والمحققون في موقع الحادث (أ.ب)

اللافت في الأمر أن التشكيلات اليسارية، بعكس اليمين والوسط والمؤسسات الحكومية، شدّدت على اعتبار الجريمة عنصرية، وهو ما أكد عليه جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا المتمردة» والمرشح الرئاسي، الذي رأى أن ما حصل «جريمة كريهة»، وأن «العنصرية تقتل».

وبالتوازي، ندّد أوليفيه فور، الأمين العام للحزب الاشتراكي بـ«خطورة الخطابات التي تجعل العنصرية أمراً عادياً»، وتروّج لفكرة «الاستبدال الكبير». وهذه الخطابات «تغذّي ظاهرة استهداف فئات معينة تجعل منها كبش فداء، وتسهم في خلق مناخ تسيطر عليه الكراهية».

وفي السياق عينه، جاءت تعليقات مارين توندوليه، عن حزب الخضر، وفابيان روسيل، الأمين العام للحزب الشيوعي. وما يسم هذه المواقف، ويضع خطاً فاصلاً بينها أن اليسار لا يتردد في توصيف الجريمة، ويربطها بالإرهاب والعنصرية، فيما اليمين يتفادى هذا الربط. الأمر الذي لا يمكن فهمه إلا على خلفية المواقف السياسية لهذه الأحزاب ولحساباتها الانتخابية.


ترمب يعيد خدمة ستارلينك لأوكرانيا... ولا يبدد الشكوك في رهانه على بوتين

توفر أقمار «ستارلينك» اتصال إنترنت سريعاً في جميع أنحاء العالم (أ.ف.ب)
توفر أقمار «ستارلينك» اتصال إنترنت سريعاً في جميع أنحاء العالم (أ.ف.ب)
TT

ترمب يعيد خدمة ستارلينك لأوكرانيا... ولا يبدد الشكوك في رهانه على بوتين

توفر أقمار «ستارلينك» اتصال إنترنت سريعاً في جميع أنحاء العالم (أ.ف.ب)
توفر أقمار «ستارلينك» اتصال إنترنت سريعاً في جميع أنحاء العالم (أ.ف.ب)

لم يبدد تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى إيلون ماسك لإعادة خدمة «ستارلينك» المستخدمة عسكرياً في أوكرانيا، الشكوك والمخاوف تجاه سياسته مع موسكو. فالخطوة التي أعادت بعض القدرة إلى المسيرات الأوكرانية، جاءت وسط خلاف أوسع مستمر على شراء الديزل الروسي وتخفيف العقوبات، وعلى ما إذا كانت «الحوافز» الأميركية تدفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نحو التسوية، كما يقول البيت الأبيض، أم تمنحه موارد ووقتاً لمواصلة الحرب.

وبينما يحاول الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نفي الطابع الشخصي في خلافه مع ترمب، يتمسك الأخير بأن التقارب مع موسكو يخدم مفاوضات السلام. لكن تجديد بوتين ادعاءه أن الروس والأوكرانيين «شعب واحد»، وأن الأراضي التي يطالب بها روسية تاريخياً، يعمق الشكوك في وجود مرونة وراء استعداده للتفاوض، بحسب المراقبين. وفي أوروبا وحتى من الديمقراطيين أنفسهم، تتراجع أيضاً الرهانات على أن فوزهم في الانتخابات النصفية سيغير سياسات ترمب من أوكرانيا.

أحد أجهزة «ستارلينك» (رويترز)

اتصالات بلا ضمانات

صحيفة «وول ستريت جورنال» التي كانت أول من أورد طلب ترمب من ماسك رفع القيود التي عطلت استخدام أوكرانيا النسخة العسكرية «ستارشيلد» من خدمات الاتصالات الفضائية المرتبطة بـ«ستارلينك»، أفادت بأن الرئيس أكد، الخميس، عودة الخدمة، من دون تأكيد تفاصيل الاتصال الذي جرى بينهما.

قال الرئيس الأميركي إن مؤسس شركة «سبيس إكس» إيلون ماسك تراجع عن القيود المفروضة على خدمات إنترنت الأقمار الاصطناعية في أوكرانيا، لكنه رفض التعليق على تقرير إعلامي يفيد بأنه طلب من ماسك القيام بذلك. وقال ترمب للصحافيين في واشنطن، الخميس: «لا أريد التعليق على الأمر. تعلمون، سواء اتصلت أنا أو اتصل شخص آخر فلا فرق في ذلك».

إيلون ماسك (رويترز)

وأضاف أن ما يهم هو أن ماسك تراجع عن إبطاء خدمة «ستارلينك»، وهي خدمة إنترنت عبر الأقمار الاصطناعية تشغلها شركته «سبيس إكس». غير أن مسؤولين أوكرانيين تحدثوا عن تحسن متفاوت بين الوحدات، لا عن استعادة مؤكدة وكاملة للقدرات السابقة. فالقيود لم تكن مجرد تباطؤ في الإنترنت، بل سقفاً لسرعة حركة الأجهزة المتصلة يقارب 100 ميل في الساعة، تفقد بعده الاتصال. وأدى ذلك إلى سقوط مسيرات وتعطيل مهمات هجومية واعتراضية، خصوصاً تلك التي تتطلب ملاحقة المسيرات الروسية السريعة.

وتكتسب هذه التفاصيل أهمية سياسية؛ إذ تزامنت القيود مع انتقادات ترمب للهجمات الأوكرانية على مصافي الديزل الروسية، التي يحملها مسؤولية ارتفاع الأسعار. غير أن «نيويورك تايمز» نقلت عن مسؤولين أن التعطيل أصاب عمليات الجبهة والدفاع عن المدن، ولم يؤثر في الضربات داخل روسيا، حيث لا تعمل الخدمة المعنية أصلاً. وبذلك وقع الضرر على الدفاعات الأوكرانية، من دون أن يتحقق بالضرورة وقف الهجمات التي تعترض عليها واشنطن.

ولا تزال مسؤولية القرار محل تضارب؛ إذ إن ماسك أحالها إلى الحكومة الأميركية، فيما نفى وزير الخارجية ماركو روبيو أن تكون الإدارة طلبت التقييد. وأكدت «أسوشييتد برس» استمرار تناقض الرسائل الأميركية بشأن الجهة صاحبة السلطة على الخدمة. لذلك، فإن رفع القيود يعالج ضرراً مباشراً، لكنه لا يوفر لأوكرانيا ضمانة تمنع تكراره، ولا يحسم كيف تتخذ قرارات تمس قدرتها على القتال.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبورغ الأربعاء (أ.ب)

أوكرانيا تعمل لتطوير نظامها الخاص

وافقت وزارة الدفاع الأوكرانية على التعاون مع شركتي «آي سي إي واي إي» و«نوكيا»، من فنلندا، لتطوير نظام اتصالات بالأقمار الاصطناعية. ووقعت الشركتان خطاب نوايا مع وزارة الدفاع خلال زيارة رئيس الوزراء الفنلندي بيتري أوروبو لكييف، الخميس. ولم يتم الإعلان عن تفاصيل أو الخط الزمني. وكتب زيلينسكي عبر منصة «إكس»: «اتفقنا على استخدام أكبر لقدرات الأقمار الاصطناعية الفنلندية وهذا مهم لدفاعنا وصمود أوكرانيا».

وقال الرئيس التنفيذي لشركة «آي سي إي واي إي»، رافال مودرزيفسكي، إن أوكرانيا بحاجة للحصول على نظام اتصالات بالأقمار الاصطناعية تسيطر عليه بنفسها. وتقول الشركة إن أقمارها الاصطناعية تقدم بيانات استطلاعية بغض النظر عن الأحوال الجوية والوقت باليوم.

كما أفادت ​صحيفة «فايننشال تايمز»، الجمعة، بأن أوكرانيا تسعى ‌إلى ‌نقل ​عمليات ‌التفتيش الجمركي ⁠إلى ​داخل الاتحاد ⁠الأوروبي لتفادي ضربات الطائرات المسيرة الروسية. وذكرت ⁠الصحيفة أن ‌كييف ‌تجري ​محادثات ‌مع ‌بولندا وسلوفاكيا حول نقل عمليات التفتيش ‌الجمركي إلى أراضيهما لضمان سلامة ⁠الشاحنات.

تهدئة بلا تراجع

في هذا المناخ، اختار زيلينسكي خفض حرارة المواجهة مع البيت الأبيض، مؤكداً في مقابلة مع «سي إن إن» أن الخلاف «لا يتعلق بالأشخاص»، لكنه لم يتراجع عن اعتراضه الأساسي: تخفيف العقوبات، في تقديره، يقوي بوتين بدلاً من دفعه إلى إنهاء الحرب. وتعكس تصريحاته محاولة للفصل بين العلاقة الضرورية بالرئيس الأميركي، والاعتراض على خياراته؛ فكييف تحتاج إلى استمرار الدعم الاستخباراتي والعسكري الأميركي، ولا تملك ترف تحويل النزاع السياسي إلى قطيعة شخصية مع ترمب. وفي المقابل، تخشى أن يُفهم تخفيف لهجتها قبولاً بمسار يمنح روسيا مكاسب اقتصادية قبل تقديم تنازلات مقابلة.

وعدّ زيلينسكي اجتماعه مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف في أوسلو بأنه مثمر، لكنه اتهم بوتين بالتلاعب بحياة الآخرين. وتزامنت التحركات الدبلوماسية مع هجوم روسي واسع بالمسيرات والصواريخ، ما عزز اعتراض كييف على عدّ قبول المحادثات دليلاً كافياً على الاستعداد للسلام.

أما ترمب، الذي يدافع عن منطق مختلف، فقد قال إن تشديد العقوبات في أثناء مفاوضات حساسة قد يبدد فرصة الاتفاق. كما ربط الانفتاح على موسكو أيضاً بإطلاق سراح الأميركي ستيفن هوبارد، بينما أثار وصف ويتكوف لبوتين بأنه «إنساني» انتقادات. وهنا جوهر الخلاف: هل تمنح الحوافز لفتح التفاوض، أم تحفظ إلى حين ظهور تغير ملموس في السلوك الروسي؟

مبنى مكاتب تضرر من جراء هجوم بطائرة مسيّرة روسية في كييف (رويترز)

كونغرس محدود التأثير

لا يراهن الأوروبيون كثيراً على أن تحسم هذه المسألة عبر الانتخابات الأميركية. ونقلت «بوليتيكو» عن خمسة مسؤولين أوروبيين مشاركين في محادثات أوكرانيا توقعهم مكاسب محدودة إذا استعاد الديمقراطيون السيطرة على الكونغرس، مثل تسريع تسليم صواريخ الدفاع الجوي وحماية خدمات الاتصالات، من دون تحول كبير في أولويات إدارة ترمب.

والتشكيك لا يعني انعدام أثر الانتخابات، بل الاعتراف بالفجوة بين امتلاك أدوات رقابية وتشريعية والقدرة على فرض استراتيجية جديدة على الرئيس. فقد أقر النائب آدم سميث، كبير الديمقراطيين في لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب، بأن الفوز خطوة أولى غير كافية لإحداث انعطاف في السياسة تجاه أوكرانيا.

ومع ذلك، توجد مسارات للتحرك، سواء عبر تحقيقات في تعطيل الاتصالات، أو محاولات لتقييد قدرة الرئيس على إعفاء روسيا من العقوبات، وتشريع يستهدف صفقة الديزل.

وأعلن السيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنثال تحقيقاً في تقليص خدمة «ستارلينك»، وتداعيات اعتماد البنتاغون على شركة «سبايس إكس». لكن تحويل هذه المبادرات إلى قيود نافذة سيواجه مقاومة البيت الأبيض، ويحتاج إلى تعاون من الجمهوريين. كما أن الكونغرس الجديد لن يبدأ عمله قبل مطلع العام المقبل، فيما تتنافس أوكرانيا مع أولويات داخلية كثيرة. وتبقى تجربة العقوبات الأخيرة ماثلة أمام الأوروبيين؛ إذ رغم إقرار تشريع بدعم من الحزبين لم يمنع ترمب من استخدام صلاحيات الإعفاء. لذلك، يأملون في تقليص هامش سياسته، أكثر مما يتوقعون استعادة مستويات الدعم السابقة.

بوتين يثبت شروطه

في المقابل، قدم بوتين مؤشراً إلى استمرار تصلبه، حيث كرر في مقابلة بثت، الخميس، القول إن الروس والأوكرانيين «شعب واحد»، مستنداً إلى دراسات وراثية غير محددة. وعدّ الأراضي الأوكرانية التي تطالب بها موسكو بأنها أراض روسية تاريخية، جامعاً بين هذه الادعاءات وإعلان الاستعداد للتفاوض.

ولا تثبت هذه التصريحات التي نقلتها «واشنطن بوست»، أن التقارب الأميركي هو الذي أنتج التشدد الروسي. فهذه المطالب تسبق التحركات الأخيرة، لكنها لا تقدم دليلاً على أن الحوافز الأميركية غيرتها. بل تجعل التفاوض، وفق هذا التصور الذي يطرحه بوتين، أقرب إلى مناقشة تثبيت مكاسب موسكو منه إلى مراجعتها. لهذا تبدو استعادة الاتصالات اختباراً محدوداً لقدرة واشنطن على تصحيح أثر قرار أضر بأوكرانيا، وليست علامة على تغيير وجهتها.

وكان بوتين، الذي أمر بالغزو الشامل لأوكرانيا في عام 2022، قد اتهم كييف مراراً بالرغبة في مواصلة الحرب، بينما ادعى أن موسكو لا تريد ذلك. كما جدد ادعاءه بأن المناطق التي تحتلها روسيا في شرق أوكرانيا ليست أراضي أوكرانية. وقال بوتين: «موقفي بشأن هذه المسألة هو، أولاً وقبل كل شيء، أن هذه ليست أراضيهم، بل أراضي روسيا التاريخية».

أضرار في محل حلويات جراء هجوم صاروخي روسي على كييف الاثنين (رويترز)

استئناف المحادثات الثلاثية

وأبدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الخميس، استعداده لاستئناف المحادثات الثلاثية بشأن إنهاء الحرب في أوكرانيا، وذلك في أعقاب اجتماع مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف. وقال بوتين لبافيل زاروبين، مراسل التلفزيون الحكومي الروسي المقرب من الكرملين: «لقد اتفقنا على أننا مستعدون لاستئناف اتصالاتنا الثلاثية».

وقال بوتين إن المحادثات ستركز على ضمان الأمن لأوكرانيا وروسيا بعد إبرام اتفاق السلام. وأضاف أن الهدف هو الوصول إلى «حل نهائي»، بدلاً من ترتيب مؤقت في أعقاب وقف الأعمال العدائية، مجدِّداً استبعاده لفكرة وقف إطلاق نار. وقال بوتين إن ويتكوف اقترح أن تتطرق المحادثات بشأن المستقبل الأمني لأوكرانيا وروسيا أيضاً إلى الأمن الأوروبي، وهي فكرة أيدها من حيث المبدأ. وقال بوتين: «سنرى كيف سيتطور الوضع خلال الأيام القليلة المقبلة».

عمال يصلحون سكة حديد تضررت جراء هجوم صاروخي روسي على كييف (رويترز)

النمسا تطرد 4 دبلوماسيين روس

قالت وزارة الخارجية النمساوية، الجمعة، إنها ستطرد أربعة دبلوماسيين روس مقيمين في فيينا ​بسبب «أنشطة تتعارض مع وضعهم الدبلوماسي»، وهي عبارة تستخدم عادة للإشارة إلى التجسس. وقالت الوزارة في بيان: «بناء على النتائج التي توصلت إليها السلطات الأمنية النمساوية، اتخذت وزارة الخارجية إجراءات ضد أربعة دبلوماسيين روس في فيينا»، مضيفة أنها أعلنتهم أشخاصاً ‌غير مرغوب فيهم، ‌وأمرتهم بمغادرة البلاد. ونقلت وكالات أنباء روسية عن ‌مسؤول في وزارة الخارجية، الجمعة، قوله إن روسيا سترد على قرار النمسا.

وبررت النمسا طرد ثلاثة دبلوماسيين روس في مايو (أيار) بوجود «شبكة هوائيات» ⁠على أسطح ⁠مبان دبلوماسية روسية يحتمل استخدامها في التجسس.

وفيينا مركز دبلوماسي رئيسي؛ لأنها تستضيف منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ومنظمات للأمم المتحدة، مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وغالباً ما يكون للدول الكبرى، مثل روسيا والولايات المتحدة، سفراء مستقلون لدى النمسا ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا ومنظمات الأمم المتحدة. ودائماً ما عرفت فيينا بأنها «وكر للجواسيس»؛ إذ ​يتيح الوجود الدبلوماسي الكبير ​فيها فرصة لعملاء المخابرات للعمل تحت غطاء الحصانة الدبلوماسية.


السلطات الفرنسية أمام اختبار السيطرة على المظاهرات لمنع تكرار «السبت الأسود»

مبنى بلدية ليموج يأكله الحريق السبت الماضي (أ.ف.ب)
مبنى بلدية ليموج يأكله الحريق السبت الماضي (أ.ف.ب)
TT

السلطات الفرنسية أمام اختبار السيطرة على المظاهرات لمنع تكرار «السبت الأسود»

مبنى بلدية ليموج يأكله الحريق السبت الماضي (أ.ف.ب)
مبنى بلدية ليموج يأكله الحريق السبت الماضي (أ.ف.ب)

ينظر كثير من الفرنسيين بكثير من القلق لما سيحصل يوم السبت بمناسبة الدعوات للتظاهر مجدداً في العاصمة باريس والمدن الرئيسية والكبرى، وحتى المتوسطة.

ولأن القلق يشكل سمة الأيام المقبلة، ولأن «آخِر الدواء الكي»، فإن السلطات الفرنسية قررت اللجوء إليه لتجنب تكرار التجارب المُرة التي عاشتها باريس ومرسيليا وليون وعدد من المدن الأخرى، يوم «السبت الأسود».

ولم يتردد لوران نونيز، وزير الداخلية، بالقول إن القوى الأمنية «فقدت السيطرة على الوضع». كذلك فإن الانتقادات وُجهت لرئيس الجمهورية لتغيُّبه عن فرنسا بسبب جولة الأيام الأربعة التي قام بها في منطقة الخليج، خلال الأسبوع المنتهي، رغم التوترات التي تعيشها البلاد. لذا، فإنه منذ عودته من الرياض، آخِر محطاتها، يُراكم الاجتماعات الواحد بعد الآخر، وغايته إبراز أن الوضع «ممسوك»، خصوصاً أنه أدلى، الخميس، بعد اجتماع طارئ لـ«المجلس الأمني» في قصر الإليزيه، بتصريحات بالغة الخطورة من خلال اتهامه مجموعات «اليسار الراديكالي» بـ«السعي لإسقاط الجمهورية». وحُجته في ذلك أعمالُ الشغب والنهب والاشتباكات وتحويل الشوارع والساحات العامة إلى ميادين للكرّ والفر مع القوى الأمنية، واستهداف مؤسسات الدولة والممتلكات العامة والخاصة.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يترأس اجتماعاً أمنياً الخميس بقصر الإليزيه (إ.ب.أ)

وذهبت الأمور بمجلة «ماريان» إلى حد تصدير غلاف عددها الأخير، الصادر يوم الخميس الماضي، بعنوان غير مسبوق في إشارتها لـ«الحرب الأهلية» التي تهدد فرنسا. وترجمة «الكيّ» في إطار ما تعرفه البلاد من غليان يُذكّر بحراك «السترات الصفراء» في عاميْ 2018 و2019، ويعني تبنّي الحلول الجذرية؛ أيْ منع المظاهرات.

وقال ماكرون: «إن التوجه العام يقوم على منع المظاهرات في الأيام المقبلة»، وإن «الطلبات المقدَّمة من أشخاص يفتقرون لأي شرعية للقيام بذلك سيقوم مديرو الشرطة بمنعها»، مضيفاً أنها عندما تصدر عن النقابات وحدها، فإن مديري الشرطة «سوف يقترحون مسارات بديلة» للمظاهرات.

منع التظاهر

لم ينتظر محافظو المدن والأقضية ومديرو الشرطة طويلاً لترجمة الكلام الرئاسي إلى قرارات إدارية. ففي باريس، سمحت مديرية الشرطة بمَسيرة واحدة لنقابة «كونفدرالية العمل»، القريبة من الحزب الشيوعي، بشرط أن تحصل بين «ساحة الباستيل» و«ساحة لا ناسيون»، وكلتاهما تقعان شرق العاصمة؛ أيْ بعيداً عن مقارّ السلطات، وقصر الإليزيه ورئاسة الحكومة ومجلسَي الشيوخ والنواب، والجادات التي تستضيف المخازن الراقية.

في المقابل، منعت مظاهرة طلبتْها مجموعات من «السترات الصفراء» والطلاب.

والمنع طالَ المدينتين الرئيسيتين مرسيليا وليون وعدداً من المدن الأخرى، وحُجته أن المظاهرات «تمثل تهديداً للنظام العام». كذلك، ما زالت تسري، كل مساء وحتى الفجر، أوامر بمنع التجول في مراكز المدن والمناطق الحساسة، وفي بعض الأحيان لا تستهدف القاصرين وحدهم، بل الأشخاص عموماً.

وقالت مود بيرجورون، الناطقة باسم الحكومة، الجمعة، إن «الأولوية لعودة الالتزام بالنظام العام... ومِن دونه لا سبيل لحصول مناقشات هادئة وصافية» حول ما تريده منظمات التلامذة والطلاب.

في السياق نفسه، قررت مديرية الشرطة في مقاطعة لواريه بجنوب باريس، حيث تقع مدينة أورليان، منع مظاهرة حاشدة، الأحد، كانت قد دعت إليها عشرات التنظيمات والأحزاب للاحتجاج على استضافة المدينة المؤتمر العام لحزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف الذي تقوده المرشحة الرئاسية مارين لوبن. والتخوف مردُّه إلى احتمال حصول صدامات بين المحازبين والمتظاهرين. وكما في غالبية الحالات، فإن شكوى قُدمت أمام المحكمة الإدارية في حالة أورليان، على غرار ما حصل في المدن التي عرفت القرارات نفسها. واللافت أن مديرية الشرطة سمحت بمظاهرة حاشدة، السبت، ومنعت مظاهرة الأحد.

مقر بلدية مدينة ليموج بوسط فرنسا التي أضرمت النار فيها ليل السبت 17 أكتوبر كما بدا من الداخل (أ.ف.ب)

ولم تمرَّ هذه الإجراءات مرور الكرام، فالتظاهر حق يضمنه الدستور الفرنسي باعتباره جزءاً من التعبير الحر، لذا فإن أصواتاً ارتفعت للتنديد بالقرارات الإدارية.

وقالت صوفي بينيه، أمينة عام نقابة «كونفدرالية العمل»، إن «ما يحصل بالغ الخطورة؛ إذ إن حرية التظاهر تشكل أساس الديمقراطية»، وأن التنظيمات النقابية «لا تمتلك حصرية التظاهر».

وأصدر حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، الذي يقوده المرشح الرئاسي جان لوك ميلونشون، الجمعة، بياناً يصف فيه قرارات السلطات بأنها «هروب إلى الأمام». وجاء في خطابه: «من خلال اتخاذ قرار حظر المظاهرات، واختيار مَن يحقّ له تنظيمها ومن لا يحقّ له ذلك، وفرض حظر التجوّل على مستوى إقليم أو مدينة، وحثّ التجّار على الاستعانة بشركات الأمن الخاصة، تتجاوز السلطة التنفيذية، خطوةً تلو الأخرى، الحدود الفاصلة بين الدولة الديمقراطية والدولة السلطوية البوليسية».

ودعا الحزب المذكور إلى «التظاهر السلمي إلى جانب التنظيمات النقابية والطلابية».

السياسي الفرنسي جان لوك ميلونشون (أ.ف.ب)

تجدر الإشارة إلى أن رئيس الحكومة، واليمين بجناحيه التقليدي والمتطرف، يتهمون حزب ميلونشون بـ«تسييس» المظاهرات و«استغلالها لأغراض انتخابية»، وهو الأمر الذي ينفيه الحزب المذكور بقوة.

وأصدر «الاتحاد الوطني لطلبة فرنسا» بياناً جاء فيه أن ماكرون «يسحق حرية التظاهر في بلادنا، ويبصق على قِيم الجمهورية التي يزعم أنه يدافع عنها».

كذلك فإن «نقابة القضاة» لم تتردد في تقديم شكوى ضده أمام «مجلس شورى الدولة» بسبب ما تعدُّه مقاربة «تمييزية» بخصوص مَن يحق له الدعوة للتظاهر. كذلك فعلت «جمعية الدفاع عن الحريات الدستورية». واتهم جان باتيست سوفران، محاميها، رئيس الدولة بـ«تجاوز سلطاته».

في المقابل، فإن أحزاب اليمين ومرشحيهم وجمعيات رجال الأعمال وفئات أخرى تطالب بمزيد من الشدة في التعامل مع مثيري الفوضى.

يد القضاء الثقيلة

منع التظاهر ليس سوى عنصر من منظومة متكاملة لإعادة السيطرة على الوضع. ويحل في المرتبة الثانية تعاملُ القضاء مع المقبوض عليهم، نهاية الأسبوع الماضي. وللتذكير، فإن وزير العدل جيرالد دارمانان ثم الرئيس ماكرون، دعيا، الخميس، لتعامل صارم مع الموقوفين. وأفاد الأول، الجمعة، بأن أحكاماً بالسجن صدرت بحق 312 موقوفاً، وأن 1144 آخرين سيَمثلون أمام المحاكم.

وقال دارمانان إن القضاء «سيواصل محاكمة الأشخاص الضالعين في أعمال العنف الأكثر خطورة»، مضيفاً أن التعامل المتشدد «ما زال في بدايته».

بَيْد أن أصواتاً كثيرة من المحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان نددت بكيفية تعامل القضاء مع الموقوفين واكتظاظ المحاكم ومراكز التوقيف، وصعوبة التعامل مع المئات منهم في وقت قصير، واستعجال إصدار الأحكام المتشددة، حتى على أشخاص لا يتضمن سِجلهم القضائي أي حكم.

لكن هذه الاعتراضات لا يبدو أنها تثير اهتمام السلطات، إذ إن ماكرون قال، الخميس، إن المطلوب كان «التعامل بأقصى الشدة»، وهو ما أصاب وزير العدل في طلبه من المحاكم.

السلطات عبّأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب بمدينة بوردو 2026 (أ.ف.ب)

الأمن والأمن

في نهاية الأسبوع الماضي، اتهمت وزارة الداخلية، المسؤولةُ بطبيعة الحال عن الأمن الداخلي، بالتقصير في استشراف أعداد المتظاهرين والتقصير في نشر ما يكفي من القوى الأمنية، لهذا السبب، عقدت عدة اجتماعات؛ منها اثنان في الإليزيه، الخميس والجمعة، وأخرى في إطار الوزارة المعنية؛ لتجنب تكرار القصور.

وقال لوران نونيز، الجمعة، إن الخطة الأمنية تقضي بنشر ما لا يقل عن 70 ألف رجل من الشرطة والدرك، وأنه سيضاف إليهم الفِرق المتخصصة من وحدات النخبة لمؤازرتهم، وهي لا تتدخل عادةً بالحفاظ على الأمن في الشوارع ولا التصدي للمتظاهرين. وأكثر من ذلك، ستجري الاستعانة بوحدات من الجيش التي سبق لها أن نشرت زمن الهجمات الإرهابية التي عرفتها فرنسا في عاميْ 2015 و2016. كذلك ستنشر آليات مصفّحة وسيُستعان بالطوافات والمُسيرات لمراقبة التجمعات والمظاهرات.

نيران تشتعل بأحد شوارع باريس (رويترز)

وقال وزير الداخلية إنه «سعى لاعتماد خطة أمنية تتميز بدرجة عالية جداً من الحركة والمرونة والفاعلية». وأضاف: «ستشمل الإجراءات جميع المجموعات التي تُشكّل خطراً، وسيجري منعها من ارتكاب أعمال التخريب والتحرك لتنفيذها، سواء تعلَّق الأمر بأعمال النهب، أم مهاجمة المباني العامة، أو بطبيعة الحال، الاعتداء على قوات الأمن الداخلي، كما يحدث في كثير من الأحيان».

وفي نظره، فإنه من المهم أن توفر هذه العناصر «سرعة كبيرة في الاستجابة، ومرونة في التحرك، وحَزماً في التعامل»، خصوصاً أن هناك دعوات، كما قال، على شبكات التواصل الاجتماعي تدعو لارتكاب أعمال شغب ونهب.

وزير الداخلية لوران نونيز قدم استقالته بسبب القصور الأمني السبت الماضي لكن الرئيس ماكرون رفضها (إ.ب.أ)

وكان نونيز قد قدَّم، الأحد الماضي، استقالته للرئيس ماكرون، وأعلن أنه «يتحمل شخصياً» مسؤولية ما حصل. من هنا، فإن أي تقصير إضافي في التعامل مع المظاهرات وأعمال الشغب، سيدفع قطعاً ثمنها.

وشهدت باريس والمدن الأخرى جهوداً بارزة في حماية المؤسسات التجارية، من خلال تحصين واجهة المحلات وتكليف شركات الحراسة الأمنية بحمايتها، بل إن كثيراً من أصحاب المتاجر يُفضلون إغلاق محلاتهم، حتى لا تعرف المصير الأسود الذي عانى منه الآلاف في «السبت الأسود».

أصحاب متاجر بمدينة ليون يحكمون واجهاتها تخوفاً من أعمال التخريب والنهب (رويترز)

يبقى أن اللجوء إلى قوة القانون وذراعه الضاربة لا يكفي لحل المشاكل الحياتية والاجتماعية والتربوية. من هنا، تتكاثر الاجتماعات على جميع المستويات، وجديدها أن ماكرون التقى، بعد ظُهر الجمعة، ممثلي طلبة التعليم الثانوي الذين بدأ حراكهم منذ شهر. ومن المقرر أن يلتقيهم سيباستيان لو كورنو، رئيس الحكومة، الأسبوع المقبل. وفي حين تُطالب النقابات العمالية بتدابير لمواجهة الغلاء وانهيار القدرات الشرائية ورفع الرواتب، فإن طلاب التعليم الثانوي العام يشكون من نقص الأساتذة البدلاء، ومن أحوال بعض الثانويات المُزرية، ومن آلية اختيار التخصصات الجامعية. وكلها مطالب تحتاج للتمويل، بينما تجد الحكومة صعوبة بالغة في إقرار الميزانية التقشفية للعام المقبل.