«يرتبط البريطانيون بعلاقة معقدة مع التغيير. فبينما تُظهر الاتجاهات الطويلة الأمد أن المجتمع أصبح أكثر تحرراً على الصعيد الاجتماعي وأكثر تقبّلاً لأنماط الحياة المتنوعة، فإن السنوات الأخيرة تركت الجمهور في حالة من الإرهاق الشديد بسبب الفوضى السياسية، والضغوط الاقتصادية، والشعور بأن البلاد تعاني انقساماً حاداً».
هذه خلاصة توصلت إليها دراسات أجرتها منظمة «مور إن كومون» (More in Common)، التي تُعنى بالبحوث وبناء القدرات، وأُسست عام 2016 بهدف فهم العوامل التي تؤدي إلى التفكك الاجتماعي والاستقطاب السياسي ومواجهتها. وقد أُطلقت هذه المبادرة تخليداً لذكرى جو كوكس، عضو البرلمان البريطاني عن حزب العمال التي قُتلت عام 2016، واستذكاراً لخطابها الأول الشهير في البرلمان، حيث قالت: «لدينا ما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرقنا».

والحال أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي شهدتها بريطانيا خلال العقود الماضية أعادت رسم ملامح البلاد بصورة عميقة. فمن اقتصاد تقوده صناعات تقليدية ونفوذ قوي للنقابات، إلى اقتصاد أكثر انفتاحاً واعتماداً على الخدمات والأسواق، ومن مجتمع أكثر تجانساً إلى مجتمع متعدد الأعراق والثقافات، قطعت بريطانيا مسافة طويلة خلال بضعة عقود.
ولا يمكن فهم بريطانيا الحالية من دون العودة إلى بعض المحطات الرئيسية التي ساهمت في تشكيلها.
* «الثورة الثاتشرية»... بداية التحول
لن نعود إلى العهد الفيكتوري بحثاً عن جذور ما نراه راهناً؛ بل سنكتفي ببضعة عقود قبل التوقف عند محطة «بريكست»، وما أعقبها من تخبّط...
شهدت بريطانيا تغيرات اجتماعية وسياسية هائلة في العقود التي سبقت خروجها من الاتحاد الأوروبي (بريكست). وقد أعادت هذه التحولات تشكيل الاقتصاد، ودور الحكومة، والحياة اليومية لملايين الناس في مختلف أنحاء البلاد. وبدأ ذلك كله في عام 1979 مع وصول زعيمة المحافظين مارغريت ثاتشر إلى كرسي رئاسة الحكومة.

فقد عملت ثاتشر، ابنة البقّال ألفريد روبرتس في بلدة غرانثام، على ضرب نفوذ النقابات التي دأبت على تنفيذ الإضراب تلو الآخر، وخصخصت «السيدة الحديدية» عدداً من القطاعات التي تملكها الدولة، وعززت اقتصاد السوق الحر.
وأتاحت سياستها لملايين المستأجرين من الطبقة العاملة شراء المنازل التي كانوا يستأجرونها من السلطات المحلية، عبر برنامج «الحق في الشراء»، الذي منحهم تخفيضات كبيرة على أسعار تلك المنازل.
وقد أثمر هذا البرنامج زيادة في معدلات تملك المساكن بين البريطانيين، لكنه في المقابل أدّى إلى تراجع عدد المساكن الاجتماعية التي تملكها الدولة، وهو ما أصبح لاحقاً أحد العوامل المرتبطة بأزمة الإسكان في المملكة المتحدة.
* حزب «العمّال الجديد»
عندما ضعفت كيمياء السيدة التي حملت شهادة في الكيمياء من جامعة أكسفورد، وخرجت من الحكم عام 1990 نتيجة انشقاقات داخل الحزب، ضعف المحافظون تدريجياً فيما أفلح توني بلير في نقل حزب «العمال» من يساريته القديمة إلى الوسطية وأسبغ عليه صفة «الجديد»، وفاز بانتخابات 1997 بعد 4 هزائم في 4 دورات متتالية.

تولى بلير رئاسة الحكومة 10 سنوات، أجرى فيها تغييرات مهمة؛ أهمها إنشاء برلمان في كل من اسكوتلندا وويلز ضمن سياسة نقل عدد من الصلاحيات من الحكومة المركزية في لندن إلى الأقاليم. كما نجح في إنهاء مسلسل الاضطرابات والعنف بين البروتستانت والكاثوليك في آيرلندا الشمالية، وعقد اتفاق «الجمعة العظيمة» في 1998.
وإضافة إلى ذلك، اعتمدت حكومة بلير أول حد أدنى وطني للأجور في بريطانيا، كما خصصت مستويات قياسية من التمويل لخدمة هيئة الخدمات الصحية الوطنية، بهدف تحسين جودة الرعاية الصحية وتوسيع نطاقها.
وأقرّ مجلس العموم عام 1998 مشروع قانون حقوق الإنسان الذي تقدمت به الحكومة العمّالية لإدراج الحقوق والحريات الأساسية المنصوص عليها في الاتفاق الأوروبي لحقوق الإنسان بالقانون البريطاني، مما أتاح للمحاكم البريطانية تطبيق هذه الحقوق مباشرة دون الحاجة للجوء إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في معظم الحالات.
* الاقتصاد والمجتمع
على الصعيد الاقتصادي - الاجتماعي، سُجلت أيضاً تحولات كبيرة، فقد أدى انحسار الصناعات الثقيلة التقليدية، مثل تعدين الفحم والصناعات التحويلية، إلى أضرار كبيرة في فئات الطبقة العاملة خلال ثمانينات القرن العشرين.
وفي الوقت نفسه، تغيرت طبيعة سوق العمل والاقتصاد البريطاني مع نمو قطاع الخدمات والمال والتكنولوجيا وغيرها من القطاعات الحديثة. وأصبحت لندن بصورة متزايدة مركزاً مالياً عالمياً، في حين واجهت مناطق أخرى صعوبات في التكيف مع تراجع الصناعات التي كانت تشكل العمود الفقري لاقتصاداتها المحلية.
وغيّرت الهجرة الواسعة من منطقة الكاريبي وجنوب آسيا، ثم لاحقاً من أوروبا الشرقية بعد سقوط المعسكر الاشتراكي، طبيعة المجتمع، وجعلت بريطانيا بلداً متعدد الأعراق والثقافات والأديان. ويكفي أن يتجوّل المرء في لندن أو برمنغهام أو مانشستر أو غيرها من المدن الكبرى، ليلمس ذلك، أو أن ينظر إلى التشكيلات الحكومية والمؤسسات العامة في السنوات الأخيرة.

* زلزال «بريكست»
جاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي نتيجة مسار طويل من الجدل حول علاقة المملكة المتحدة بأوروبا. وبعد الاستفتاء الذي أُجري في 23 يونيو (حزيران) 2016، وصوّت فيه 51.9% من الناخبين لمصلحة مغادرة الاتحاد الأوروبي، خرجت المملكة المتحدة رسمياً من التكتل في 31 يناير (كانون الثاني) 2020.
كان «بريكست» نقطة تحول كبيرة في تاريخ بريطانيا الحديث، لأنه لم يغيّر علاقتها بالاتحاد الأوروبي فحسب، بل أعاد طرح أسئلة أساسية حول السيادة والاقتصاد والحدود والهجرة وموقع البلاد في العالم.
وترافقت عملية الانسحاب مع تغيرات واسعة في العلاقات التجارية والاقتصادية مع دول الاتحاد الأوروبي، ومع ترتيبات جديدة تتعلق بحركة الأشخاص والبضائع والخدمات.
كما تغيرت أنماط الهجرة. ففي الوقت الذي انخفضت فيه الهجرة من دول الاتحاد الأوروبي بصورة ملحوظة، شهدت بريطانيا ارتفاعاً في الهجرة من خارج التكتل بفضل نظام جديد للتأشيرات يعتمد على النقاط.
وأدت الحواجز والإجراءات الجمركية الجديدة إلى زيادة البيروقراطية وتعقيد بعض عمليات الاستيراد والتصدير، كما أثرت في سلاسل التوريد والعلاقات التجارية.
وفي الوقت نفسه، ظل الجدل قائماً حول الآثار الاقتصادية البعيدة لـ«بريكست»، وحول ما إذا كانت المملكة المتحدة قد استفادت من الحرية التنظيمية والتجارية التي اكتسبتها مقابل التكاليف الاقتصادية والتجارية التي ترتبت على الخروج من الاتحاد الأوروبي.

* تحوّلات وانقسامات
لم تكن السنوات التي أعقبت «بريكست» سهلة على بريطانيا. فقد تزامنت مرحلة الانسحاب وإعادة بناء العلاقات مع أوروبا مع اضطرابات اقتصادية واجتماعية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتداعيات جائحة «كوفيد-19»، ثم أزمة الطاقة والتضخم.
وأدت هذه التطورات إلى شعور متزايد لدى قطاعات واسعة من البريطانيين بأن البلاد تمر بمرحلة من عدم الاستقرار، وأن النموذج الاقتصادي والاجتماعي الذي ساد خلال العقود الماضية لم يعد قادراً على تقديم الإجابات نفسها التي كان يقدمها في السابق.
كما أصبحت قضايا مثل أزمة الإسكان، وكلفة المعيشة، ومستقبل الخدمات العامة، والهجرة، والعلاقة بين لندن والمناطق الأخرى، من أبرز الملفات التي تشغل المجتمع البريطاني.
وبذلك لم يعد التغيير في بريطانيا مجرد انتقال من حكومة إلى أخرى، بل أصبح تحولاً في علاقة المواطنين بالدولة، وفي توقعاتهم من المؤسسات العامة، وفي نظرتهم إلى الاقتصاد والمجتمع وموقع بلادهم في العالم.

* بريطانيا أمام مرحلة جديدة
قد يكون أهم ما يميز بريطانيا الجديدة أن التحولات التي شهدتها لم تحدث في اتجاه واحد.
ففي الوقت الذي أصبح فيه المجتمع أكثر تنوعاً وانفتاحاً على أنماط حياة مختلفة، ازداد أيضاً الشعور لدى قطاعات أخرى بالقلق من سرعة التغيير وبأن أجزاء من البلاد لم تستفد بالمقدار نفسه من التحولات الاقتصادية.
وفي الوقت الذي أصبحت فيه بريطانيا أكثر اندماجاً في الاقتصاد العالمي، ظهرت أصوات تطالب بمزيد من الحماية للصناعات المحلية والمناطق التي تضررت من التحولات الاقتصادية.
وبينما تعززت مكانة المدن الكبرى، ولا سيما لندن، استمرت الفجوة الاقتصادية والاجتماعية بين بعض المناطق والمراكز الحضرية وبين أجزاء أخرى من البلاد.
لهذا تبدو بريطانيا اليوم كأنها تقف عند تقاطع عدة تحولات في وقت واحد: تحول اقتصادي بدأ منذ عهد ثاتشر، وتحول اجتماعي وثقافي تسارع بفعل الهجرة والعولمة، وتحول مؤسساتي ارتبط بنقل الصلاحيات إلى الأقاليم، وتحول استراتيجي أعاد «بريكست» من خلاله تعريف علاقة المملكة المتحدة بأوروبا.
والسؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت بريطانيا قد تغيرت، فهذا أمر محسوم، بل إلى أين يقودها هذا التغيير.
فالدولة التي عرفت خلال نصف القرن الأخير انتقالاً من الاقتصاد الصناعي إلى اقتصاد الخدمات، ومن مجتمع أكثر تجانساً إلى مجتمع متعدد الثقافات، ومن مركزية قوية إلى مقدار أكبر من توزيع الصلاحيات، ومن العضوية الأوروبية إلى علاقة جديدة مع القارة، تجد نفسها أمام تحدي التوفيق بين هذه التحولات كلها.
وهنا تكمن ملامح «بريطانيا الجديدة»: ليست بريطانيا التي تخلت ببساطة عن ماضيها، ولا بريطانيا التي استقرت على نموذج جديد نهائي، بل بلد لا يزال يعيش عملية تحول مفتوحة، تتداخل فيها الاقتصاديات والمجتمعات والمؤسسات وأنماط الحياة، وتعيد رسم صورته تدريجياً.

