بريطانيا «الجديدة»... زمن التحوّلات

الشمس حارقة قرب «بيغ بن» ومبنى البرلمان في لندن... حتى الطقس تغيّر (رويترز)
الشمس حارقة قرب «بيغ بن» ومبنى البرلمان في لندن... حتى الطقس تغيّر (رويترز)
TT

بريطانيا «الجديدة»... زمن التحوّلات

الشمس حارقة قرب «بيغ بن» ومبنى البرلمان في لندن... حتى الطقس تغيّر (رويترز)
الشمس حارقة قرب «بيغ بن» ومبنى البرلمان في لندن... حتى الطقس تغيّر (رويترز)

«يرتبط البريطانيون بعلاقة معقدة مع التغيير. فبينما تُظهر الاتجاهات الطويلة الأمد أن المجتمع أصبح أكثر تحرراً على الصعيد الاجتماعي وأكثر تقبّلاً لأنماط الحياة المتنوعة، فإن السنوات الأخيرة تركت الجمهور في حالة من الإرهاق الشديد بسبب الفوضى السياسية، والضغوط الاقتصادية، والشعور بأن البلاد تعاني انقساماً حاداً».

هذه خلاصة توصلت إليها دراسات أجرتها منظمة «مور إن كومون» (More in Common)، التي تُعنى بالبحوث وبناء القدرات، وأُسست عام 2016 بهدف فهم العوامل التي تؤدي إلى التفكك الاجتماعي والاستقطاب السياسي ومواجهتها. وقد أُطلقت هذه المبادرة تخليداً لذكرى جو كوكس، عضو البرلمان البريطاني عن حزب العمال التي قُتلت عام 2016، واستذكاراً لخطابها الأول الشهير في البرلمان، حيث قالت: «لدينا ما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرقنا».

رئيس الوزراء العمّالي الجديد آندي بيرنهام (أ.ب)

والحال أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي شهدتها بريطانيا خلال العقود الماضية أعادت رسم ملامح البلاد بصورة عميقة. فمن اقتصاد تقوده صناعات تقليدية ونفوذ قوي للنقابات، إلى اقتصاد أكثر انفتاحاً واعتماداً على الخدمات والأسواق، ومن مجتمع أكثر تجانساً إلى مجتمع متعدد الأعراق والثقافات، قطعت بريطانيا مسافة طويلة خلال بضعة عقود.

ولا يمكن فهم بريطانيا الحالية من دون العودة إلى بعض المحطات الرئيسية التي ساهمت في تشكيلها.

* «الثورة الثاتشرية»... بداية التحول

لن نعود إلى العهد الفيكتوري بحثاً عن جذور ما نراه راهناً؛ بل سنكتفي ببضعة عقود قبل التوقف عند محطة «بريكست»، وما أعقبها من تخبّط...

شهدت بريطانيا تغيرات اجتماعية وسياسية هائلة في العقود التي سبقت خروجها من الاتحاد الأوروبي (بريكست). وقد أعادت هذه التحولات تشكيل الاقتصاد، ودور الحكومة، والحياة اليومية لملايين الناس في مختلف أنحاء البلاد. وبدأ ذلك كله في عام 1979 مع وصول زعيمة المحافظين مارغريت ثاتشر إلى كرسي رئاسة الحكومة.

مارغريت ثاتشر أحدثت تغييراً كبيراً في بريطانيا (أرشيف - رويترز)

فقد عملت ثاتشر، ابنة البقّال ألفريد روبرتس في بلدة غرانثام، على ضرب نفوذ النقابات التي دأبت على تنفيذ الإضراب تلو الآخر، وخصخصت «السيدة الحديدية» عدداً من القطاعات التي تملكها الدولة، وعززت اقتصاد السوق الحر.

وأتاحت سياستها لملايين المستأجرين من الطبقة العاملة شراء المنازل التي كانوا يستأجرونها من السلطات المحلية، عبر برنامج «الحق في الشراء»، الذي منحهم تخفيضات كبيرة على أسعار تلك المنازل.

وقد أثمر هذا البرنامج زيادة في معدلات تملك المساكن بين البريطانيين، لكنه في المقابل أدّى إلى تراجع عدد المساكن الاجتماعية التي تملكها الدولة، وهو ما أصبح لاحقاً أحد العوامل المرتبطة بأزمة الإسكان في المملكة المتحدة.

* حزب «العمّال الجديد»

عندما ضعفت كيمياء السيدة التي حملت شهادة في الكيمياء من جامعة أكسفورد، وخرجت من الحكم عام 1990 نتيجة انشقاقات داخل الحزب، ضعف المحافظون تدريجياً فيما أفلح توني بلير في نقل حزب «العمال» من يساريته القديمة إلى الوسطية وأسبغ عليه صفة «الجديد»، وفاز بانتخابات 1997 بعد 4 هزائم في 4 دورات متتالية.

توني بلير أعاد العمّال إلى الحكم بعد سيطرة طويلة للمحافظين (رويترز)

تولى بلير رئاسة الحكومة 10 سنوات، أجرى فيها تغييرات مهمة؛ أهمها إنشاء برلمان في كل من اسكوتلندا وويلز ضمن سياسة نقل عدد من الصلاحيات من الحكومة المركزية في لندن إلى الأقاليم. كما نجح في إنهاء مسلسل الاضطرابات والعنف بين البروتستانت والكاثوليك في آيرلندا الشمالية، وعقد اتفاق «الجمعة العظيمة» في 1998.

وإضافة إلى ذلك، اعتمدت حكومة بلير أول حد أدنى وطني للأجور في بريطانيا، كما خصصت مستويات قياسية من التمويل لخدمة هيئة الخدمات الصحية الوطنية، بهدف تحسين جودة الرعاية الصحية وتوسيع نطاقها.

وأقرّ مجلس العموم عام 1998 مشروع قانون حقوق الإنسان الذي تقدمت به الحكومة العمّالية لإدراج الحقوق والحريات الأساسية المنصوص عليها في الاتفاق الأوروبي لحقوق الإنسان بالقانون البريطاني، مما أتاح للمحاكم البريطانية تطبيق هذه الحقوق مباشرة دون الحاجة للجوء إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في معظم الحالات.

* الاقتصاد والمجتمع

على الصعيد الاقتصادي - الاجتماعي، سُجلت أيضاً تحولات كبيرة، فقد أدى انحسار الصناعات الثقيلة التقليدية، مثل تعدين الفحم والصناعات التحويلية، إلى أضرار كبيرة في فئات الطبقة العاملة خلال ثمانينات القرن العشرين.

وفي الوقت نفسه، تغيرت طبيعة سوق العمل والاقتصاد البريطاني مع نمو قطاع الخدمات والمال والتكنولوجيا وغيرها من القطاعات الحديثة. وأصبحت لندن بصورة متزايدة مركزاً مالياً عالمياً، في حين واجهت مناطق أخرى صعوبات في التكيف مع تراجع الصناعات التي كانت تشكل العمود الفقري لاقتصاداتها المحلية.

وغيّرت الهجرة الواسعة من منطقة الكاريبي وجنوب آسيا، ثم لاحقاً من أوروبا الشرقية بعد سقوط المعسكر الاشتراكي، طبيعة المجتمع، وجعلت بريطانيا بلداً متعدد الأعراق والثقافات والأديان. ويكفي أن يتجوّل المرء في لندن أو برمنغهام أو مانشستر أو غيرها من المدن الكبرى، ليلمس ذلك، أو أن ينظر إلى التشكيلات الحكومية والمؤسسات العامة في السنوات الأخيرة.

ليس جميع البريطانيين مناهضين للاتحاد الأوروبي (أرشيفية - رويترز)

* زلزال «بريكست»

جاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي نتيجة مسار طويل من الجدل حول علاقة المملكة المتحدة بأوروبا. وبعد الاستفتاء الذي أُجري في 23 يونيو (حزيران) 2016، وصوّت فيه 51.9% من الناخبين لمصلحة مغادرة الاتحاد الأوروبي، خرجت المملكة المتحدة رسمياً من التكتل في 31 يناير (كانون الثاني) 2020.

كان «بريكست» نقطة تحول كبيرة في تاريخ بريطانيا الحديث، لأنه لم يغيّر علاقتها بالاتحاد الأوروبي فحسب، بل أعاد طرح أسئلة أساسية حول السيادة والاقتصاد والحدود والهجرة وموقع البلاد في العالم.

وترافقت عملية الانسحاب مع تغيرات واسعة في العلاقات التجارية والاقتصادية مع دول الاتحاد الأوروبي، ومع ترتيبات جديدة تتعلق بحركة الأشخاص والبضائع والخدمات.

كما تغيرت أنماط الهجرة. ففي الوقت الذي انخفضت فيه الهجرة من دول الاتحاد الأوروبي بصورة ملحوظة، شهدت بريطانيا ارتفاعاً في الهجرة من خارج التكتل بفضل نظام جديد للتأشيرات يعتمد على النقاط.

وأدت الحواجز والإجراءات الجمركية الجديدة إلى زيادة البيروقراطية وتعقيد بعض عمليات الاستيراد والتصدير، كما أثرت في سلاسل التوريد والعلاقات التجارية.

وفي الوقت نفسه، ظل الجدل قائماً حول الآثار الاقتصادية البعيدة لـ«بريكست»، وحول ما إذا كانت المملكة المتحدة قد استفادت من الحرية التنظيمية والتجارية التي اكتسبتها مقابل التكاليف الاقتصادية والتجارية التي ترتبت على الخروج من الاتحاد الأوروبي.

احتفال للهندوس في لندن (أ.ب)

* تحوّلات وانقسامات

لم تكن السنوات التي أعقبت «بريكست» سهلة على بريطانيا. فقد تزامنت مرحلة الانسحاب وإعادة بناء العلاقات مع أوروبا مع اضطرابات اقتصادية واجتماعية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتداعيات جائحة «كوفيد-19»، ثم أزمة الطاقة والتضخم.

وأدت هذه التطورات إلى شعور متزايد لدى قطاعات واسعة من البريطانيين بأن البلاد تمر بمرحلة من عدم الاستقرار، وأن النموذج الاقتصادي والاجتماعي الذي ساد خلال العقود الماضية لم يعد قادراً على تقديم الإجابات نفسها التي كان يقدمها في السابق.

كما أصبحت قضايا مثل أزمة الإسكان، وكلفة المعيشة، ومستقبل الخدمات العامة، والهجرة، والعلاقة بين لندن والمناطق الأخرى، من أبرز الملفات التي تشغل المجتمع البريطاني.

وبذلك لم يعد التغيير في بريطانيا مجرد انتقال من حكومة إلى أخرى، بل أصبح تحولاً في علاقة المواطنين بالدولة، وفي توقعاتهم من المؤسسات العامة، وفي نظرتهم إلى الاقتصاد والمجتمع وموقع بلادهم في العالم.

منطقة سكنية في مدينة ليفربول الواقعة في شمال غرب إنجلترا (رويترز)

* بريطانيا أمام مرحلة جديدة

قد يكون أهم ما يميز بريطانيا الجديدة أن التحولات التي شهدتها لم تحدث في اتجاه واحد.

ففي الوقت الذي أصبح فيه المجتمع أكثر تنوعاً وانفتاحاً على أنماط حياة مختلفة، ازداد أيضاً الشعور لدى قطاعات أخرى بالقلق من سرعة التغيير وبأن أجزاء من البلاد لم تستفد بالمقدار نفسه من التحولات الاقتصادية.

وفي الوقت الذي أصبحت فيه بريطانيا أكثر اندماجاً في الاقتصاد العالمي، ظهرت أصوات تطالب بمزيد من الحماية للصناعات المحلية والمناطق التي تضررت من التحولات الاقتصادية.

وبينما تعززت مكانة المدن الكبرى، ولا سيما لندن، استمرت الفجوة الاقتصادية والاجتماعية بين بعض المناطق والمراكز الحضرية وبين أجزاء أخرى من البلاد.

لهذا تبدو بريطانيا اليوم كأنها تقف عند تقاطع عدة تحولات في وقت واحد: تحول اقتصادي بدأ منذ عهد ثاتشر، وتحول اجتماعي وثقافي تسارع بفعل الهجرة والعولمة، وتحول مؤسساتي ارتبط بنقل الصلاحيات إلى الأقاليم، وتحول استراتيجي أعاد «بريكست» من خلاله تعريف علاقة المملكة المتحدة بأوروبا.

والسؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت بريطانيا قد تغيرت، فهذا أمر محسوم، بل إلى أين يقودها هذا التغيير.

فالدولة التي عرفت خلال نصف القرن الأخير انتقالاً من الاقتصاد الصناعي إلى اقتصاد الخدمات، ومن مجتمع أكثر تجانساً إلى مجتمع متعدد الثقافات، ومن مركزية قوية إلى مقدار أكبر من توزيع الصلاحيات، ومن العضوية الأوروبية إلى علاقة جديدة مع القارة، تجد نفسها أمام تحدي التوفيق بين هذه التحولات كلها.

وهنا تكمن ملامح «بريطانيا الجديدة»: ليست بريطانيا التي تخلت ببساطة عن ماضيها، ولا بريطانيا التي استقرت على نموذج جديد نهائي، بل بلد لا يزال يعيش عملية تحول مفتوحة، تتداخل فيها الاقتصاديات والمجتمعات والمؤسسات وأنماط الحياة، وتعيد رسم صورته تدريجياً.


مقالات ذات صلة

بريطانيا: حزب فاراج يعلق عضوية مسؤولين بارزين بسبب «التمويل الأجنبي»

أوروبا زعيم حزب «إصلاح المملكة المتحدة» نايجل فاراج (أ.ف.ب)

بريطانيا: حزب فاراج يعلق عضوية مسؤولين بارزين بسبب «التمويل الأجنبي»

علّق حزب «إصلاح المملكة المتحدة» اليميني المناهض للهجرة، الجمعة، عضوية اثنين من كبار مسؤوليه بعد تصويرهما وهما يناقشان قبول أموال من متبرع أجنبي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر (أ.ف.ب)

إسرائيل تهدد المملكة المتحدة بالرد في حال فرض عقوبات بريطانية عليها

حذّرت إسرائيل بريطانيا، الثلاثاء، من أنها سترد على أي عقوبات بعد أن تعهّدت لندن بإعادة النظر في سياستها تجاه إسرائيل رداً على أعمال عنف يرتكبها المستوطنون.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
أوروبا أشخاص يعبرون جسر لندن في بريطانيا (إ.ب.أ)

تقرير: تصاعد مقلق للكراهية ضد المسلمين في لندن

تكشف أحدث البيانات عن تصاعد لافت ومقلق لحوادث التحيز والكراهية ضد المسلمين في لندن، في اتجاه يشير إلى تفاقم المشكلة بصورة متسارعة خلال السنوات الأخيرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام (د.ب.أ) p-circle

بيرنهام يدعو إلى وضع دستور مكتوب لبريطانيا

أيَّد رئيس الوزراء البريطاني الجديد أندي بيرنهام تبنِّي دستور مكتوب للمملكة المتحدة، التي على النقيض من غالبية الدول، لا تملك قانوناً أساسياً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا شرطي يسير أمام مقر رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت بلندن (رويترز)

تسهيلات لموظفي الحكومة البريطانية إذا وافقوا على العمل خارج لندن

تتسارع خطوات الحكومة البريطانية نحو إعادة توزيع مراكز صنع القرار خارج العاصمة لندن في إطار مشروع يُعد من أبرز التغييرات الإدارية في السنوات الأخيرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

زيلينسكي: ويتكوف وكوشنر سيزوران كييف غداً الأحد

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أرشيفية)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أرشيفية)
TT

زيلينسكي: ويتكوف وكوشنر سيزوران كييف غداً الأحد

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أرشيفية)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أرشيفية)

أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الجمعة، أن المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، سيزوران كييف يوم غد الأحد.

وقال زيلينسكي في رسالة بالفيديو، إنه تم الاتفاق على أن يقوم ويتكوف وكوشنر بزيارة موسكو أولا قبل السفر إلى كييف يوم الأحد. وأضاف أن أوكرانيا تستعد للزيارة.

ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب وجاريد كوشنر صهر الرئيس في دافوس (أ.ب)

وأكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض أنه أرسل المبعوثين، رغم أنه لم يذكر مواعيد محددة.

وقال ترمب إنهما سيقدمان مقترحا يهدف إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا، دون تقديم المزيد من التفاصيل.

وقال ترمب للصحافيين: «لقد أرسلناهما لنرى ما إذا كان بإمكاننا إنجاز شيء ما أم لا».

وكما هو الحال مع جهود الوساطة الأميركية السابقة، أعرب ترمب عن تفاؤله بإمكانية إحراز تقدم، على الرغم من عدم تحقيق تقدم كبير حتى الآن.

وقال زيلينسكي إن كييف ستضمن العمليات الطبيعية في المجال الجوي الروسي خلال الزيارة، كما فعلت خلال الرحلات الدبلوماسية السابقة التي قام بها ممثلون أميركيون.

وأضاف أن أوكرانيا لن تنفذ غارات جوية خلال تلك الفترة وعلى روسيا أن ترد بالمثل.


كوسوفو تتهم 35 شرطياً صربياً سابقاً بارتكاب مجزرة عام 1998

شرطة كوسوفو تؤمن المنطقة خارج دير في قرية بانييسكا بكوسوفو 27 سبتمبر 2023 (أ.ب)
شرطة كوسوفو تؤمن المنطقة خارج دير في قرية بانييسكا بكوسوفو 27 سبتمبر 2023 (أ.ب)
TT

كوسوفو تتهم 35 شرطياً صربياً سابقاً بارتكاب مجزرة عام 1998

شرطة كوسوفو تؤمن المنطقة خارج دير في قرية بانييسكا بكوسوفو 27 سبتمبر 2023 (أ.ب)
شرطة كوسوفو تؤمن المنطقة خارج دير في قرية بانييسكا بكوسوفو 27 سبتمبر 2023 (أ.ب)

وجهت النيابة العامة في كوسوفو، الجمعة، اتهامات إلى 35 عنصراً سابقاً في الشرطة الصربية، على خلفية مذبحة عام 1998 التي راح ضحيتها العشرات من أقارب قيادي ألباني خلال الحرب التي دارت من أجل استقلال الإقليم.

وقُتل نحو 60 شخصاً، غالبيتهم من عائلة آدم يشاري، إلى جانبه عندما شنّت القوات الصربية هجوماً استهدف هذا القائد المؤسس لجيش تحرير كوسوفو في مارس (آذار) 1998.

وقضى هؤلاء عقب حصار فرضته وحدات من الشرطة الخاصة وقوات عسكرية صربية على مجمع عائلة يشاري في قرية بريكاز بشمال غربي كوسوفو. وحاصرت القوات الصربية الموقع ثلاثة أيام بالمركبات المدرعة والمدفعية، إلى أن تمكنت من اقتحامه.

كان من بين القتلى 20 فرداً من عائلة آدم يشاري المباشرة، وأقارب وجيران آخرون، بينهم عشرات النساء والأطفال.

عند الإعلان عن التهم، صرّح كبير المدعين العامين الخاصين بليريم إيسوفاي بأن هذه هي «أول لائحة اتهام تتعلق بمقتل مدنيين في ممتلكات عائلة يشاري في بريكاز».

ولائحة الاتهام هي نتاج عمل للنيابة العامة استمر سنوات، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وفقاً للأدلة، شغل المتهمون مناصب قيادية رفيعة المستوى ضمن وحدات خاصة تابعة للشرطة الصربية، لكن نظراً لعدم وجودهم في كوسوفو حالياً، ستجرى بقية الإجراءات القضائية غيابياً.

قاد الهجوم ميلوراد أوليميك، وهو قائد سابق لوحدة من القوات الخاصة التابعة للشرطة. ويقضي أوليميك حالياً عقوبتي سجن، مدة كل منهما 40 عاماً، بتهمة تدبير اغتيال رئيس الوزراء الصربي الإصلاحي زوران جينجيتش عام 2003 والرئيس السابق إيفان ستامبوليتش عام 2000.

شكّلت مجزرة بريكاز نقطة تحوّل في الحرب التي دارت رحاها بين عامي 1998 و1999 بين ألبان كوسوفو الذين يشكّلون أغلبية السكان وطالبوا بالاستقلال، وقوات بلغراد.

أودت الحرب بأكثر من 13 ألف شخص، وانتهت بتدخل حلف شمال الأطلسي (ناتو) بقيادة الولايات المتحدة. وأعلن إقليم كوسوفو استقلاله عام 2008 في خطوة لم تعترف بها صربيا.


مبعوثا ترمب إلى موسكو وكييف في مطلع الأسبوع

ويتكوف وكوشنر والمبعوث الرئاسي الروسي كيريل دميترييف وأوشاكوف يلتقون قبل الاجتماع مع بوتين في موسكو يوم 22 يناير 2026 (رويترز)
ويتكوف وكوشنر والمبعوث الرئاسي الروسي كيريل دميترييف وأوشاكوف يلتقون قبل الاجتماع مع بوتين في موسكو يوم 22 يناير 2026 (رويترز)
TT

مبعوثا ترمب إلى موسكو وكييف في مطلع الأسبوع

ويتكوف وكوشنر والمبعوث الرئاسي الروسي كيريل دميترييف وأوشاكوف يلتقون قبل الاجتماع مع بوتين في موسكو يوم 22 يناير 2026 (رويترز)
ويتكوف وكوشنر والمبعوث الرئاسي الروسي كيريل دميترييف وأوشاكوف يلتقون قبل الاجتماع مع بوتين في موسكو يوم 22 يناير 2026 (رويترز)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إنه يأمل استقبال مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير، في كييف خلال الأيام المقبلة، لاستئناف الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا.

وبدورها، قالت وكالة «تاس» الروسية الرسمية للأنباء إن المبعوثين الأميركيين، اللذين يسعيان إلى إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، سيزوران البلدين يومي السبت والأحد. ولم تكشف الوكالة عن مصدرها.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ورئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام أثناء حضورهما مراسم توقيعهما وثائق في المكتب الرئاسي بكييف 24 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)

غير أن عودة الحديث عن جولة أميركية جديدة بين موسكو وكييف تتزامن مع مفارقة لا يمكن تجاهلها. فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث عن «فرصة» للسلام، فيما تواصل قواته توسيع هجماتها الجوية، وتهدد بضرب شبكات الطاقة الأوكرانية في الشتاء.

في المقابل، تعلن واشنطن تمسكها بإنهاء الحرب، لكن وزير الخزانة سكوت بيسنت يحمّل الهجمات الأوكرانية على منشآت النفط الروسية جزءاً من مسؤولية ارتفاع أسعار الطاقة. لذلك، تبدو زيارة ويتكوف وكوشنر، إذا تمت، محاولة لإعادة تحريك قناة متوقفة، لا اختراقاً جاهزاً. فإدارة ترمب تتحرك تحت ضغط حرب إيران، ونقص في بعض مخزوناتها من الصواريخ الدفاعية والهجومية، وأسعار وقود حساسة انتخابياً، في حين أن روسيا وأوكرانيا تسعيان إلى تحسين أوراقهما التفاوضية ميدانياً قبل العودة إلى التفاوض.

لافروف مع بوتين والمستشار الرئاسي يوري يوشاكوف (إ.ب.أ)

زيارة غير محسومة

في خطابه المسائي المصور، تحدث زيلينسكي عن «مواعيد مبدئية حُددت»، وأن فريقه تلقى تأكيداً من مبعوثي ترمب، متوقعاً اجتماعات معهما في موسكو وكييف خلال الأيام المقبلة. ومع ذلك، امتنع الكرملين عن تأكيد الموعد، فيما لم يصدر موقف رسمي أميركي. ونقلت وكالة «رويترز» عن مصدر مطّلع أن زيارة كييف ما زالت قيد البحث، فيما تحاول موسكو عدم إدراجها. وشارك المبعوثان الأميركيان في جهود دبلوماسية مكوكية بين روسيا وأوكرانيا، وزارا موسكو مرات عدة، من دون زيارة كييف.

ويرى مراقبون أنه في ظل هذه الأجواء، لا يمكن اعتبار الوساطة الجاري التحضير لها نهائية، لأنها تُستأنف بعدما فقدت زخمها منذ آخر جولة في فبراير (شباط) الماضي، وانغماس إدارة ترمب في الحرب مع إيران. وزيارتهما لكييف ستكون اختباراً إذا كانا سيستمعان إلى الطرفين، بعدما أثارت زياراتهما المتكررة لموسكو شكوكاً واعتراضات أوروبية وأوكرانية عن حيادية الوساطة الأميركية.

لافروف مع بوتين في المنتدى الاقتصادي الشرقي بمدينة فلاديفوستوك (أ.ب)

ومع ذلك، قد لا يعني استئناف الوساطة أن الفجوة بين الطرفين قد حلّت. فقد جدد المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، التأكيد على تصريحات بوتين، التي قال فيها إن شروطه المعلنة «لا تتزعزع»؛ تنازل أوكرانيا بالكامل عن المقاطعات الأربع التي احتلتها روسيا، بما فيها الأراضي التي لم تتمكن من السيطرة عليها، والتخلي عن جهود الانضمام إلى حلف الناتو، وهو ما تعدّه كييف استسلاماً.

تصعيد لكسب الأوراق

غير أن الحديث عن تجدد الحركة الدبلوماسية يترافق مع توسع القتال على الجبهات وعمق البلدين. فقد أفادت هيئة أركان الجيش الأوكراني حصول 240 اشتباكاً يوم الخميس، تركزت حول بوكروفسك وكوستيانتينيفكا ومحور سلوبوجانشينا الجنوبي. وأفادت القوات الجوية بأن روسيا أطلقت، ليل الخميس – الجمعة، صاروخاً من طراز «كي إتش - 31ب» و121 طائرة مسيرة، من بينها مسيرات نفاثة متطورة، أسقطت الدفاعات أو عطّلت 103 منها. وأفادت وكالة «أسوشييتد برس» بمقتل 3 أشخاص على الأقل في أوديسا ودنيبرو، وإصابة آخرين في مبنى سكني في كييف. كما أعلنت منظمة الصحة العالمية عن إصابة أحد مستودعاتها الرئيسية المخصصة للإمدادات الطبية في كييف، من دون تسجيل إصابات في صفوف موظفيها.

في المقابل، أفادت تقارير عن ضرب مسيرات أوكرانية مستودعات نفط في سوتشي ومنطقة سيريوس على البحر الأسود، ونشوب حريق قرب موقع دفاعي جوي. وتأتي العملية في إطار حملة أوسع لاستهداف مصافي ومخازن الوقود ومستودعات تجارية ومطارات روسية، بهدف خفض إيرادات الحرب ونقل تكلفتها إلى العمق الروسي.

وتستخدم موسكو تفوقها في الصواريخ والمسيرات لضرب المدن والموانئ ومراكز الطاقة الأوكرانية، في ظل نقص في وسائل الدفاع، وخصوصاً صواريخ باتريوت، لإجبار كييف على دخول فصل الشتاء تحت ضغط اقتصادي وإنساني كبير.

ومع ذلك، لا يعدّ هذا التصعيد أن الطرفين لا يسعيان للتفاوض، بل إنهما يحاولان تحسين شروطهما. لكن أثر هذا التصعيد بدأ يصل إلى الأسواق العالمية. وقال وزير الخزانة الأميركية، سكوت بيسنت، لشبكة «فوكس نيوز»، إن العالم يواجه ما سماه صدمة طاقة، بسبب حرب إيران، لكن أيضاً بسبب ضرب أوكرانيا الأصول النفطية الروسية ومنتجات التكرير. وجاء كلامه بعد لقائه وزير المال الروسي، أنطون سيلوانوف، على هامش اجتماع وزراء مال وقادة بنوك مجموعة العشرين، الذي انعقد في ولاية نورث كارولينا أول الأسبوع، في أول اجتماع يحضره مسؤول روسي منذ عام 2022، وسط اعتراضات أوروبية.

وبحسب «رويترز»، فقد حمل موقف بيسنت رسالة مزدوجة، حيث إنه أبلغ سيلوانوف أنه لا تخفيف للعقوبات الاقتصادية، ولا اتفاقات جديدة قبل انتهاء الحرب. وهو ما يوحي بسياسة تجمع بين الانفتاح على الحوار والإبقاء على العقوبات، مع ضغط ضمني على كييف كي تأخذ في الاعتبار أثر ضرباتها على أسواق الطاقة. ورغم أن بيسنت لم يقدم طلباً واضحاً لوقف هذه الهجمات، فإنه يعكس القلق الأميركي من تأثير ارتفاع الأسعار على الانتخابات النصفية.

مسيّرة تضرب مقرّ جهاز الأمن الأوكراني

من جهة أخرى، أعلن زيلينسكي، الجمعة، أن طائرة مسيّرة روسية أصابت مقر جهاز الأمن الأوكراني في كييف.

وأظهرت صورة، نشرها موقع «يوكرينسكا برافدا» الإخباري، ما بدا أنه دخان أسود يتصاعد من نافذتين على الأقل في واجهة المبنى، بينما كانت سيارة إطفاء متوقفة في الخارج.

ردود فعل أشخاص في موقع غارة جوية روسية بطائرة مسيّرة على مبنى سكني في كييف بأوكرانيا في الأول من سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

وكتب زيلينسكي، عبر تطبيق «تلغرام»: «تحدثت مع رئيس جهاز الأمن الأوكراني، أولكسندر بوكلاد. للأسف، أصابت طائرة مسيّرة روسية المبنى الرئيسي للجهاز في شارع فولوديميرسكا في كييف، قبالة كاتدرائية القديسة صوفيا». وأضاف أن الطائرة كانت تستهدف مكتب رئيس الجهاز «بشكل مباشر».

مواجهة مسلحة بين جهازي أمن أوكرانيين

من جهة أخرى، انتقد الرئيس الأوكراني الأجهزة الأمنية في بلاده بعد تبادل لإطلاق النار بين عناصر من جهازين أمنيين في كييف هذا الأسبوع، مهدداً بإقالة مسؤولين كبار. إذ اندلعت الأربعاء في العاصمة مواجهة مسلحة بين عناصر من الاستخبارات العسكرية الأوكرانية (غور) وجهاز الأمن الأوكراني (إس بي أو)، أسفرت عن إصابة عدد منهم. ووقع تبادل إطلاق النار في وضح النهار. وقال زيلينسكي، الخميس: «يجب محاسبة الجهازين. كلاهما تصرفا بطريقة غير مقبولة على الإطلاق».

وأوضح أن مسؤولين أمنيين، أحدهما من كل جهاز، هما في وضع المشتبه بهما، فيما لا يزال التحقيق جارياً. وأضاف: «من المهم كشف الحقيقة وضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث».

سلام بأي شروط!

وفيما يواصل الخطاب الروسي استخدام عبارات أقل تشدداً في الشكل، يرى محللون أنه محاولة لإظهار موسكو كطرف منفتح على الدبلوماسية ومحاولة إشراك الصين وأميركا ودول أخرى، مع مواصلة تحميل ما وصفها بـ«المغامرة الأوكرانية» المسؤولية عن استمرار الحرب. وهي رواية تتجاوز حقيقة أن روسيا هي التي استولت على القرم، وأشعلت الحرب في إقليم دونباس عام 2014، ثم نفّذت غزوها الشامل لأوكرانيا عام 2022. كما أن إعلان بوتين استعداده للتفاوض، لا يعني قبوله بتعديل أهدافه، وما يعرضه الآن لا يعدو كونه تقديم كييف للتنازلات.

ناتاليا وابنتها إيليا البالغة من العمر 6 سنوات تجلسان في موقع مبنى سكني تضرر جراء ضربة صاروخية روسية وسط الهجوم الروسي على أوكرانيا في بلدة بوريسبيل الأوكرانية في الأول من سبتمبر 2026 (رويترز)

لذلك، يرى البعض أن الاختبار الحقيقي لجولة ويتكوف وكوشنير، إذا تمت، هو مضمون ما سيحملانه. فهل سيقترحان وقفاً متبادلاً للهجمات على منشآت الطاقة والبنية التحتية والموانئ، وضمانات أمنية قابلة للتنفيذ، وجدولاً يربط خفض العقوبات بالتزامن مع انسحابات والتزامات روسية، أم سيركزان على خفض الهجمات الأوكرانية فقط التي ترفع أسعار الطاقة؟ وإذا كان ضغطهما متوازناً فقد تؤدي الزيارة إلى وقف التصعيد وفتح مسار تفاوضي، ولو بطيئاً.