غلاء الأضاحي هاجس يؤرق الطبقة الوسطى في ليبيا

معظمهم يضطر إلى الاقتراض المصرفي أو الاستدانة من الأقارب

من شرق ليبيا إلى غربها تتفاوت أسعار الخراف في ظل ارتفاع أسعارها عن العام الماضي (إ.ب.أ)
من شرق ليبيا إلى غربها تتفاوت أسعار الخراف في ظل ارتفاع أسعارها عن العام الماضي (إ.ب.أ)
TT

غلاء الأضاحي هاجس يؤرق الطبقة الوسطى في ليبيا

من شرق ليبيا إلى غربها تتفاوت أسعار الخراف في ظل ارتفاع أسعارها عن العام الماضي (إ.ب.أ)
من شرق ليبيا إلى غربها تتفاوت أسعار الخراف في ظل ارتفاع أسعارها عن العام الماضي (إ.ب.أ)

رغم اقتراب عيد الأضحى، لا يزال تقي محمد يتنقل بين أسواق الخراف في العاصمة الليبية طرابلس متردداً بين إنفاق ما تبقى في جيبه لشراء خروف مناسب، أو الانتظار حتى يوم وقفة عرفات، أملاً في تراجع الأسعار، دون ضمان العثور على أضحية ملائمة.

يقول تقي لـ«الشرق الأوسط» إن رهانه على الانتظار مرده توفير هامش مالي لبقية مستلزمات العيد، رغم يقينه بأنه سيضطر بعد المناسبة إلى الاستدانة من أحد أقاربه لتغطية احتياجات أسرته طوال شهر كامل، لافتاً إلى أن سعر الخروف المتوسط أو (الحولي) بالعامية الليبية، بات يتجاوز راتبه الحكومي الذي يعيل به أربعة أبناء.

ارتفاع أسعار الخرفان يجعل الاحتفال بالعيد حلماً بعيد المنال بالنسبة لعدد كبير من الليبيين (أ.ف.ب)

ومن شرق ليبيا إلى غربها، تتفاوت أسعار الخراف، في ظل ارتفاع أسعارها عن العام الماضي، إذ يصل سعر الخروف بين 2500 و4 آلاف دينار. (الدولار يساوي 6.37 دينار في السوق الرسمية، و8.26 دينار في السوق الموازية). وبين ارتفاع الأسعار ومحدودية الرواتب تجد الطبقة الوسطى نفسها محاصرة بين الاستدانة من الأقارب أو الاقتراض من المصارف، خصوصاً أن غالبيتهم لا تنطبق عليهم شروط المساعدات الحكومية، أو المبادرات الخيرية، لكنهم لا يملكون القدرة المالية المريحة التي يتمتع بها كبار الموظفين، فضلاً عن أنهم لا ينتمون إلى كيانات مسلحة توفر في الغالب الأضحية بالمجان أو بأسعار رمزية.

وفي ظل الرغبة الجامحة في اقتناء خروف العيد، تحولت الأضحية من شعيرة دينية مرتبطة بالاستطاعة إلى طقس اجتماعي راسخ، حتى بات التخلي عنها يُعد لدى كثيرين وصمة اجتماعية لا تُحتمل، ولا يقبل استبدالها بشراء كيلوغرامات من اللحم كما هو شائع في دول مجاورة.

مربي الأغنام فكري الواعر أقر بأن الأسعار قد تمثل عبئاً حقيقياً على الطبقة الوسطى (د.ب.أ)

ويقر الناشط السياسي جعفر الأنصاري بأن غالبية أبناء الطبقة الوسطى، خصوصاً العاملين بمؤسسات الدولة، يخوضون كل موسم «معركة حسابات مرهقة»، مؤكداً أن الأزمة بدت أشد هذا العام مع موجات الغلاء المتلاحقة التي التهمت أي قدرة على الادخار.

ويرجع الأنصاري في تصريحه لـ«الشرق الأوسط» جزءاً من الأزمة إلى تجاوز سعر الدولار في السوق الموازية حاجز عشرة دنانير قبل أشهر، مشيراً إلى مفارقة تتمثل في أن تراجع الدولار مؤخراً لم ينعكس على أسعار السلع.

ووفقاً لتقديرات خبراء اقتصاديين، تتراوح رواتب شريحة واسعة من موظفي الدولة بين 1200 و2800 دينار، ما يشكل عبئاً معيشياً كبيراً، خاصة في ظل اعتماد السوق الليبية على الاستيراد، ودأب التجار على التسعير وفقاً لسعر الدولار في السوق الموازية.

وأشار الأنصاري إلى «حلول اجتماعية بدأت تنتشر للتخفيف من الأزمة، مثل اشتراك الإخوة في شراء أضحية واحدة، أو قبول بعض المربين تقسيط الثمن دون فوائد، إلى جانب استمرار قيم التكافل الاجتماعي بين الأقارب والجيران».

تتراوح أسعار الخراف في ليبيا بين 2500 إلى 4 آلاف دينار (متداولة)

أما الأضاحي المستوردة التي تطرحها الحكومتان المتنافستان بأسعار مخفضة، فيرى الأنصاري أنها «لا تصل غالباً إلى المناطق النائية، فضلاً عن أن كميات الاستيراد تبقى محدودة، مقارنة بحجم الطلب المتزايد لأسر الطبقة الوسطى».

وعبر منصات التواصل الاجتماعي، تكاثرت التعليقات حول عدم توضيح أماكن ونقاط بيع واضحة للخراف المستوردة، فيما تحدث آخرون عن تسرب بعضها إلى القصابين، وبيعها بأسعار مرتفعة، كما عبر البعض عن استيائه من بيع الخروف «الوطني» المدعوم في شرق البلاد بنحو 1500 دينار.

من جهته، استبعد نائب رئيس حزب الأمة الليبي، أحمد دوغة، نجاح المبادرات الحكومية المعلنة في تخفيف العبء عن الطبقة الوسطى ومحدودي الدخل، بالنظر إلى تراجع القدرة الشرائية لهؤلاء بدرجة كبيرة مؤخراً، وعدم تناسب دخولهم مع أسعار كل السلع لا الأضحية فقط، متسائلاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عن «جدوى الألف دينار التي صرفتها حكومة (الوحدة الوطنية) المؤقتة للمتقاعدين، مقارنة بأسعار الأضاحي الحالية».

وأكد دوغة أن جوهر الأزمة «يكمن في ضعف الدينار أمام العملات الأجنبية، وسط تخبط السياسات الاقتصادية، واتساع الفساد الناتج عن الانقسام السياسي والحكومي».

ويتوقع دوغة أن يضطر أرباب الأسر من الطبقة الوسطى إلى الاقتراض مثل العادة، مدفوعين بالرغبة في إسعاد أبنائهم والخوف من الوصم الاجتماعي، وأيضاً التمتع بأطباق لحم تناقص وجودها على موائدهم طيلة العام، رغم أنهم أبناء دولة نفطية. لافتاً إلى أنهم باتوا الفئة الأكثر معاناة، فالمساعدات الخيرية والمجتمعية محددة بشروط محدودية الراتب والوضع الاجتماعي، وهي توجه لشرائح بعينها كالأرامل والنازحين.

بدوره، أقر مربي الأغنام فكري الواعر في منطقة جنزور غرب العاصمة، بأن الأسعار «قد تمثل عبئاً حقيقياً على الطبقة الوسطى»، لكنه توقع «الإقبال على الشراء، خصوصاً مع طرح المصارف قروضاً دون فوائد إلى جانب دور المبادرات المجتمعية».

وأوضح الواعر لـ«الشرق الأوسط» أن أسعار الخراف متفاوتة حسب الحجم، إذ يباع الخروف الذي يزن نحو 25 كيلوغراماً ما بين 1700 و2000 دينار، فيما توجد خراف كبيرة تباع بـ3500 دينار.

ورغم الإشادة بالقروض الحسنة التي طرحتها المصارف الليبية بقيمة تتراوح بين ألفين و3 آلاف دينار تسدد على عدة أشهر، فقد انتقد بعض المواطنين اشتراط صرفها عبر بطاقات أو صكوك مصدقة لا تستخدم إلا في نقاط بيع محددة.

وفي مدينة الزاوية، أكد الناشط مختار الحنيش «تعدد المبادرات المجتمعية، والجهود الحكومية لضمان توزيع الأضاحي بالمجان على عدد كبير من الأسر»، لافتاً إلى تنسيق وزارة الشؤون الاجتماعية مع البلديات في الغرب للقيام بهذه المهمة.


مقالات ذات صلة

هل ينجح الحراك البرلماني في تغيير رئاسة «النواب» الليبي؟

شمال افريقيا صورة من جلسة مجلس النواب الليبي الأخيرة 15 سبتمبر (من مقطع فيديو بثه المجلس على صفحته عبر «فيسبوك»)

هل ينجح الحراك البرلماني في تغيير رئاسة «النواب» الليبي؟

يواجه الحراك النيابي المطالب بإصلاح البرلمان الليبي وإزاحة عقيلة صالح شكوكاً حول قدرته على الصمود وسط رهانات على ارتباطه باتفاق «4+4» والتوازنات الإقليمية.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الدفاع التركي يتوسط الزوبي إلى اليمين وصدام حفتر في مايو الماضي (وزارة الدفاع التركية)

«خلية طرابلس» تفجر «اتهامات وشكوكاً» بين أطراف الأزمة الليبية

فتحت «خلية طرابلس» باباً واسعاً للسجال وتبادل الاتهامات بين أطراف بالأزمة الليبية وسط تكتم رسمي على نتائج التحقيقات وتضارب الروايات بشأن الجهة التي تقف خلفها

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا غرق سيارة تقل أسرة ليبية من 3 أفراد في وادي زقار جنوب سوكنة (صفحات ليبية مقربة من أسرة الضحايا)

أمطار وسيول تضرب مدناً ليبية وتودي بحياة 3 أشخاص

ضربت أمطار وسيول غزيرة مناطق ليبية عديدة، ما أسفر عن وفاة 3 أشخاص من أسرة واحدة، وسط تحذيرات من استمرار التقلبات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مدير «صندوق إعادة إعمار ليبيا» بالقاسم حفتر ووزير الكهرباء المصري محمود عصمت يتوسطان العاملين في مشروعات ليبية 23 سبتمبر (الصندوق)

بالقاسم حفتر يستعين بالخبرات المصرية لإنهاء أزمة الكهرباء في ليبيا

بحث بالقاسم حفتر، مدير «صندوق التنمية وإعادة الإعمار» في ليبيا، مع وزير الكهرباء المصري محمود عصمت، وضع «خطة عاجلة» لإنهاء أزمة الكهرباء.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة خلال لقاء مع قيادات اجتماعية وقبلية في مصراتة بغرب ليبيا (مكتب رئيس حكومة الوحدة)

الانتخابات أولاً أم الدستور؟... فصل جديد للأزمة السياسية في ليبيا

اتسعت مساحة التباين داخل المشهد السياسي في غرب ليبيا بشأن الطريق إلى الانتخابات المؤجلة بعدما أبدى رئيس حكومة «الوحدة» دعماً لمسار «4+4».

خالد محمود (القاهرة)

هل ينجح الحراك البرلماني في تغيير رئاسة «النواب» الليبي؟

صورة من جلسة مجلس النواب الليبي الأخيرة 15 سبتمبر (من مقطع فيديو بثه المجلس على صفحته عبر «فيسبوك»)
صورة من جلسة مجلس النواب الليبي الأخيرة 15 سبتمبر (من مقطع فيديو بثه المجلس على صفحته عبر «فيسبوك»)
TT

هل ينجح الحراك البرلماني في تغيير رئاسة «النواب» الليبي؟

صورة من جلسة مجلس النواب الليبي الأخيرة 15 سبتمبر (من مقطع فيديو بثه المجلس على صفحته عبر «فيسبوك»)
صورة من جلسة مجلس النواب الليبي الأخيرة 15 سبتمبر (من مقطع فيديو بثه المجلس على صفحته عبر «فيسبوك»)

فرض الحراك البرلماني في ليبيا، المُطالب بتعديل اللائحة الداخلية وتفعيل مبدأ تداول السلطة داخل المجلس الذي يتخذ من بنغازي مقراً له، ويترأسه عقيلة صالح منذ نحو 12 عاماً، أسئلةً بشأن مدى استمراره وقدرته على إحداث تغيير.

ولا تقتصر التساؤلات المثارة حول هذا الحراك على توقيت هذه «الاستفاقة المتأخرة» لكتلة مناهضة لـ«تفرد صالح بالقرار»، بل تمتد إلى مدى ارتباط تحركها باتفاق «4+4» وفرص تطبيقه، بوصفه أحد المخارج المحتملة لإنهاء الانقسام، عبر تشكيل سلطة تنفيذية موحدة تقود البلاد نحو الانتخابات خلال عامين.

وتباينت الآراء في مآلات الحراك؛ إذ تؤكد الكتلة المناوئة لصالح استمرارها في السعي «لإصلاح المجلس وتغيير هيئة رئاسته»، رغم منعها من عقد جلسة مخصصة لذلك منتصف الأسبوع الماضي، بإغلاق مقر المجلس ببنغازي بتعليمات من رئاسته، وفق بيانها.

وقال النائب عصام الجهاني، أحد أبرز أصوات تلك الكتلة، إن الأعضاء البالغ عددهم 86 نائباً قد يجتمعون في أي مدينة ليبية يتيسر فيها أداء مهامهم. وشدد على أن الأمر «ليس مؤامرة أو محاولة لوراثة مقعد صالح»، بل رغبة في «الإصلاح ردّاً على تفرده بالقرارات، وتشبثه بموقعه».

في المقابل، تحدّثت أصوات سياسية أخرى عن إمكانية «تشتت هذا الحراك وتراجعه تدريجياً»، مشيرة إلى أن «هدوءه أو ثورانه مرتبط بالتوازنات بين مراكز القوى الفاعلة في المنطقة الشرقية، وأيضاً بالضغوط الإقليمية».

جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (المركز الصحافي لرئيس المجلس عقيلة صالح)

وتوقع عضو مجلس النواب الليبي، علي التكبالي، «تراجع الحراك الراهن بالمجلس»، مستنداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى ما حدث في مارس (آذار) الماضي، حين دعت كتلة من النواب أيضاً إلى جلسة لإصلاح اللائحة الداخلية، ثم اختفى حراكها.

ويرى التكبالي «صعوبة الحفاظ على نصاب لعقد جلسة يضمن إزاحة رئيس المجلس»، وقال إن النواب «قد يجتمعون اعتراضاً على موقف ما، لكن بعودة كل منهم إلى مدينته يصعب تجميعهم مجدداً، خصوصاً مع مراجعة بعضهم لموقفه لتعارضه مع مصالحه الخاصة أو انتمائه القبلي».

فيما حذّر عضو المجلس، منتصر الحاسي، من «انقسام البرلمان بسبب تصرفات بعض الأعضاء»، ورغم تمسكه بحق النواب في تعديل اللائحة، فإنه يُشدد على تحقيق ذلك من خلال «القنوات القانونية».

وتعيش ليبيا منذ سنوات انقساماً بين حكومتين؛ «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وحكومة أسامة حماد التي تدير الشرق وبعض مدن الجنوب، وهي مكلفة من البرلمان، ومدعومة من قائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر.

ووفقاً لاتفاق «4+4»، الذي عُقد نهاية الشهر الماضي بين ممثلين لـ«الوحدة» و«الجيش الوطني» برعاية أممية، ستُشكَّل سلطة جديدة من مجلس رئاسي وحكومة موحدة، تمهد لانتخابات عامة خلال عامين.

ويشير مراقبون وأصوات سياسية إلى أن «دولاً إقليمية ترى في استمرار صالح ضمانة لتفادي تصدع المؤسسة التشريعية»، بوصفها المؤسسة الوحيدة الناجية من الانقسام المؤسسي.

عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي (المكتب الإعلامي لعقيلة)

وربط المحلل، حسام فنيش، ما يحدث بتطورات اتفاق «4+4»، وحذّر من أن «أولوية كتلة الإصلاح بالمجلس لتغيير اللائحة قبل عقد الجلسات تؤجل تضمين الاتفاق بالإعلان الدستوري، ما يعرقل تطبيقه رغم أنه يمهّد لانتخابات وينهي الانقسام».

وأشار إلى أن «البعثة الأممية تفضل تضمين الاتفاق في تعديل دستوري، تمهيداً لإقراره من مجلس الأمن».

ولفت رئيس حزب «صوت الشعب»، فتحي الشبلي، إلى أن «ما يُتداول عن تفرد صالح بالقرار، وعدم اكتمال نصاب بعض الجلسات، مطروح منذ سنوات دون اعتراض النواب»، عادّاً ذلك «يُعزز الشكوك في أن الخلاف الراهن صراع كتل مدعومة من قوى نافذة، ولا يمهد لأي إصلاح حقيقي».

وتوقع الشبلي استمرار عقيلة لفترة ما إلى «حين دعوة البعثة الأممية لتشكيل مجلس تأسيسي بديل عن مجلسه و(الأعلى للدولة) للمضي في تطبيق اتفاق (4+4)، لرفضهما أي تغيير في المشهد السياسي».

ولم يبتعد المحلل السياسي محمد محفوظ عن الآراء السابقة، عادّاً أن ما يحدث في البرلمان «صراع مشروعات بين قوى نافذة، يحاول فيه كل طرف، سواء في شرق ليبيا أو غربها، إثبات جدارته وقدرته على التحكم بالمشهد أمام المجتمع الدولي».

ورهن محفوظ في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، احتفاظ صالح بموقعه بعاملين؛ الأول قدرته مع حلفائه على امتصاص الغضب الراهن، مرجحاً «مساعدة بقية مكتب الرئاسة، خاصة نائبيه، كونهما قد يتعرضان مثله للتغيير». أما العامل الثاني، وفق محفوظ، فهو «دعم بعض الدول الإقليمية والغربية، بما يخفف الضغوط عنه».


من جدة إلى نيويورك... لماذا تفشل هدن السودان؟

أعضاء الآلية الخماسية والرباعية عقب أول اجتماع لهم بشأن السودان (الاتحاد الأفريقي)
أعضاء الآلية الخماسية والرباعية عقب أول اجتماع لهم بشأن السودان (الاتحاد الأفريقي)
TT

من جدة إلى نيويورك... لماذا تفشل هدن السودان؟

أعضاء الآلية الخماسية والرباعية عقب أول اجتماع لهم بشأن السودان (الاتحاد الأفريقي)
أعضاء الآلية الخماسية والرباعية عقب أول اجتماع لهم بشأن السودان (الاتحاد الأفريقي)

احتاجت الطبيبة السودانية «س» إلى هدنة كي تتمكن من الخروج من مركز صحي حُوصرت فيه مع زملائها، خلال الأيام الأولى للحرب. وقطعت طريقاً طويلاً من شارع النيل، عبر جسرَي الفتيحاب والحلفايا، حتى وصلت إلى أسرتها في كوبر. تقول إنها وجدت جدران غرفتها مثقوبة بالرصاص، وإخوتها ينتظرونها ليغادروا معاً. نزحت الأسرة، وما زالت نازحة حتى اليوم.

أتاح توقف القتال لمدة قصيرة في مايو (أيار) 2023، لـ«س» النجاة، لكنه لم يدُم بما يكفي لتبقى أسرتها في منزلها. ومنذ تلك الهدنة القصيرة، توالت المبادرات والاتفاقات، في حين ظل السؤال الأصعب هو: كيف يمكن للوسطاء جمع طرفي الحرب على وقف للقتال يجري تنفيذه ويستمر؟

أعاد الاجتماع الأول لـ«الرباعية والخماسية» بنيويورك، في 23 سبتمبر (أيلول) الحالي، وبرئاسة مشتركة من الاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة، هذا السؤال مجدداً إلى الواجهة. ودعا المشاركون فيه إلى هدنة إنسانية ووقف للأعمال العدائية، واتفقوا على تنسيق الجهود لحماية المدنيين، والتحضير لمراقبة أي اتفاق والتحقق من تنفيذه. لكن بيان الاجتماع لم يعلن التوصل إلى اتفاق مع الجيش أو قوات «الدعم السريع»، ولم يحدد موعداً لمفاوضات تجمعهما.

الحرب تسببت في نزوح الملايين من السودانيين (أ.ب)

وتبدأ العقدة من شروط الهدنة نفسها. فوفق «رويترز»، قبلت الحكومة، التي يقودها الجيش، معظم بنود مقترح أميركي لهدنة مُدتها 90 يوماً، لكنها رفضت أن يقتصر انسحاب قوات «الدعم السريع» على مناطق محددة، وطالبت بانسحابها من جميع المدن التي سيطرت عليها. وأكدت وزارة الخارجية السودانية، هذا الأسبوع، رفضها أي عملية تفاوضية ترى أنها تمنح شرعية لواقع فرضته قوات «الدعم السريع» بالقوة. وفي المقابل، أعلن «الدعم السريع» ترحيبه بمقترح الهدنة، دون أن يفضي ذلك إلى توقف القتال. وحتى عندما وقّع الطرفان اتفاقاً، لم يضمن تنفيذه. ففي جدة بالسعودية، وقّع الجيش و«الدعم السريع» «إعلان الالتزام بحماية المدنيين» في 11 مايو 2023، ثم اتفاقاً لوقف قصير لإطلاق النار وترتيبات إنسانية في العشرين من الشهر نفسه.

لكن وقف القتال لم يصمد، وعلّق الجيش مشاركته في المحادثات خلال يونيو (حزيران)، متهماً قوات «الدعم السريع» بخرق الاتفاق.

آثار الدمار جراء الحرب في الخرطوم (أ.ف.ب)

وواجهت مسارات أخرى عَقبات مختلفة، فقد أعلنت هيئة «إيغاد»، التي ترعى السلام في القرن الأفريقي، في ديسمبر (كانون الأول) 2023، موافقة البرهان وحميدتي على لقاء مباشر برعايتها، ثم جددت، في يناير (كانون الثاني)، دعوتها إلى عقد اللقاء، لكنه لم ينعقد.

وفي المنامة، وُقّعت بالأحرف الأولى، في 20 يناير 2024، «وثيقة مبادئ وأسس الحل الشامل للأزمة السودانية»، باسم شمس الدين كباشي عن الجيش، وعبد الرحيم دقلو عن قوات «الدعم السريع»، وفق نص الوثيقة المنشور. لكن التوقيع الأوليّ لم يتبعه اتفاق نهائي أو مسار تفاوضي مستمر. واتهم دقلو كباشي بالتنصل من الوثيقة، في حين لم يصدر عن كباشي تعليق يوضح أسباب توقف المسار.

وفي أغسطس (آب) 2024، حال غيابُ أحد طرفي الحرب دون إجراء محادثات مباشرة لوقف إطلاق النار في سويسرا، فتحوَّل التركيز إلى تسهيل وصول المساعدات وحماية المدنيين.

وكتبت الباحثة في «تشاتام هاوس» روزاليند مارسدن، في تحليل نشره المعهد في 18 سبتمبر 2024، أن السبب الرئيسي لفشل محادثات وقف إطلاق النار في سويسرا (أغسطس 2024) كان استمرار سعي الجيش وقوات «الدعم السريع» إلى تحقيق نصر عسكري، وأن استمرار رهان الطرفين، آنذاك، على تحقيق مكاسب عسكرية كان سبباً رئيسياً لتعثر التفاوض، رغم إحراز تقدم محدود في إيصال المساعدات إلى دارفور.

ثم طرحت الرباعية، في سبتمبر 2025، خريطة طريق تبدأ بهدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تصل خلالها المساعدات إلى أنحاء السودان، يعقبها وقف دائم لإطلاق النار وانتقال سياسي.

لكن خريطة الرباعية بقيت مقترحاً من الوسطاء، ولم تتحول إلى اتفاق بين المتحاربين. ويُظهر الخلاف على الانسحاب في المقترح الأميركي الأحدث أن الطرفين لم يتوصلا بعدُ إلى شروط يمكن أن يبدأ على أساسها اختبار هدنة جديدة.

مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس (د.ب.أ)

ويرى الباحث أحمد سليمان أن تعدد مجموعات الوساطة وضعف التنسيق بينها يقتضيان ربط جهود وقف إطلاق النار بعملية سياسية سودانية تقودها قوى مدنية.

ويذهب الباحث في «تشاتام هاوس» هوبير كينكوه، في تحليل نشره المعهد في 13 فبراير (شباط) 2026، أن تعدد مسارات الوساطة بشأن السودان، وغياب قيادة واضحة وتنسيق فعّال بينها، أتاحا للجيش وقوات «الدعم السريع» مقاومة تقديم تنازلات جدية.

من هنا، قد يسهم اجتماع نيويورك في معالجة تشتت جهود الوسطاء، لكن قيمته الفعلية ستتضح إذا استطاع جمع المتحاربين على اتفاق واضح، ووضع آلية لمراقبة الالتزام به والتعامل مع خروقه.

وصلت «س» إلى أسرتها بفضل هدنة قصيرة، ثم اضطرت الأسرة لمغادرة منزلها. أما الهدنة التي ينتظرها النازحون واللاجئون، اليوم، فيريدونها فرصة لوصول المساعدات وبداية لوقف دائم للقتال، حتى تصبح العودة إلى البيوت والمناطق ممكنة وآمنة.


ملف الوساطة بين أميركا وإيران يتصدّر لقاءات مصر في الأمم المتحدة

عبد العاطي يبحث في نيويورك مع بدر بن حمد البوسعيدي تطورات المشهد الإقليمي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
عبد العاطي يبحث في نيويورك مع بدر بن حمد البوسعيدي تطورات المشهد الإقليمي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
TT

ملف الوساطة بين أميركا وإيران يتصدّر لقاءات مصر في الأمم المتحدة

عبد العاطي يبحث في نيويورك مع بدر بن حمد البوسعيدي تطورات المشهد الإقليمي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
عبد العاطي يبحث في نيويورك مع بدر بن حمد البوسعيدي تطورات المشهد الإقليمي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

تصدّر ملف الوساطة بين أميركا وإيران لقاءات مصرية على هامش اجتماعات الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وجاء الحديث عن الأزمة الإيرانية والوضع في مضيق هرمز خلال لقاءات لوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظرائه في إيران وتركيا وسلطنة عُمان.

وناقش عبد العاطي مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الجهود المبذولة والمقترحات التي يجري طرحها من أجل التوصل لاتفاق يؤدي إلى احتواء التوتر وخفض التصعيد.

ووفق إفادة للمتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية نادر زكي، الجمعة، شدد الوزير عبد العاطي على «الأهمية البالغة لأن تضطلع كل دولة بمسؤولياتها لضمان حركة وحرية الملاحة الدولية، حتى يمكن احتواء التداعيات السلبية لهذه الأزمة على الاقتصاد العالمي التي أدت إلى اضطراب سلاسل الإمداد للطاقة والأسمدة وحركة التجارة الدولية بشكل كبير».

وأكد «أهمية احترام الأمن والاستقرار لدول الخليج وجميع دول المنطقة»، مشدداً على «ضرورة العودة إلى الحوار واستئناف المسار الدبلوماسي عبر التفاوض والتوصل لتفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران، باعتبار ذلك السبيل الوحيد لإنهاء الأزمة الحالية، ووضع حد لحالة التصعيد التي تُلحق أضراراً بالغة بمصالح جميع دول المنطقة».

من لقاء عبد العاطي وعراقجي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

وبحث عبد العاطي مع وزير خارجية سلطنة عُمان بدر بن حمد البوسعيدي تطورات المشهد الإقليمي والمستجدات في البحر الأحمر و«باب المندب»، إذ أكد «أولوية وقف التصعيد والابتعاد عن أي خطوات من شأنها تأجيج التوتر وتهديد الأمن والاستقرار، وضرورة ضمان حرية حركة الملاحة، وفقاً لقواعد وأحكام القانون الدولي، وبما يُسهم في صون الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي». وشدد على «رفض مصر القاطع المساس بأمن المملكة العربية السعودية الشقيقة، وتضامن مصر الكامل معها لحفظ سيادتها واستقرارها»، مؤكداً «ضرورة إفساح المجال أمام الجهود الدبلوماسية باعتبارها المسار الأمثل لتجاوز أي تحديات».

وحسب المتحدث باسم الخارجية، الجمعة، «تم التطرق إلى الأزمة الإيرانية والوضع في (هرمز)، وجهود عُمان المقدرة بالتنسيق مع مصر والوسطاء، من أجل خفض التصعيد، كما تم التأكيد على ضرورة الحفاظ على أمن وسلامة حركة الملاحة، وضمان انسياب حركة التجارة وإمدادات الطاقة، بما يُسهم في الحد من تداعيات التوترات الراهنة وتعزيز الاستقرار الإقليمي».

كما التقى وزير الخارجية المصري مع نظيره التركي هاكان فيدان، وتبادل معه الرؤى حول الأزمة الإيرانية، إذ تم «التأكيد على أهمية مواصلة دعم جهود الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، للعودة إلى مسار المفاوضات لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، مع التشديد على رفض المساس بأمن دول الخليج الشقيقة أو استخدام المضايق والممرات البحرية بوصفها أداة ضغط في تلك الأزمة».

وزير الخارجية المصري يلتقي نظيره التركي هاكان فيدان في نيويورك (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

ووفق بيان «الخارجية المصرية»، الجمعة، أكد الوزيران عبد العاطي وفيدان «أهمية تنفيذ استحقاقات (خطة الرئيس دونالد ترمب للسلام)، ودخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة دون عوائق، مع بدء تنفيذ إعادة الإعمار والتعافي المبكر». وشدد عبد العاطي على «رفض مصر أي مخططات لتهجير الفلسطينيين وإدانة عمليات التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية».

وناقش الطرفان مستجدات الأوضاع في السودان، إذ أكد عبد العاطي «أهمية الحفاظ على وحدة وسيادة السودان وتعزيز مسار المفاوضات بما يلبي تطلعات الشعب السوداني الشقيق ويصون مؤسساته الوطنية».

كما تطرق اللقاء إلى الأوضاع في ليبيا وسبل تحقيق تقدم في العملية السياسية وإنهاء حالة الانقسام التي تشهدها البلاد. وأكد عبد العاطي أن «تحركات مصر تجاه الملف الليبي تستند إلى أولوية الحفاظ على وحدة ليبيا وسيادتها وسلامة أراضيها، إلى جانب دعم وحدة مؤسساتها الوطنية»، مشدداً على «أهمية تكامل الجهود الإقليمية والدولية الداعمة للمسار السياسي الليبي، بما يُسهم في مساعدة الأطراف الليبية على التوصل إلى تسوية مستدامة تعبّر عن إرادتهم، وتحافظ على وحدة الدولة ومؤسساتها».

أيضاً تناول عبد العاطي خلال لقاء مع نائب وزير خارجية الولايات المتحدة ومندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة مايك والتز، الجمعة، تطورات الأوضاع في إيران وأمن البحر الأحمر، إذ أكد وزير الخارجية المصري رؤية بلاده «القائمة على ضرورة خفض التوترات، وأهمية اللجوء إلى الحوار والوسائل الدبلوماسية لتسوية الخلافات، ‏مع ضمان حرية الملاحة البحرية في المضايق والممرات وكذلك حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد».