حرب إيران تخلط أوراق بوتين وتُحرّك ملف أوكرانيا في اتجاهين متعاكسين

نفوذ يتراجع مع إزاحة 3 شركاء مهمين وحلفاء لا يُنقذهم أحد... لكن مع أرباح محتملة على جبهة «الطاقوية» وفي الميدان

خامنئي لدى استقباله بوتين في طهران خلال يوليو 2022 (أرشيفية)
خامنئي لدى استقباله بوتين في طهران خلال يوليو 2022 (أرشيفية)
TT

حرب إيران تخلط أوراق بوتين وتُحرّك ملف أوكرانيا في اتجاهين متعاكسين

خامنئي لدى استقباله بوتين في طهران خلال يوليو 2022 (أرشيفية)
خامنئي لدى استقباله بوتين في طهران خلال يوليو 2022 (أرشيفية)

لا تبدو الحرب الجارية ضد إيران حدثاً بعيداً بالنسبة للكرملين عن معركة أوكرانيا، بل اختبار مباشر لما تبقّى من قدرة موسكو على التأثير خارج جبهتها الرئيسية. فاغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي لم يُسقط فقط شخصية رئيسية في «محور الشراكات المناهضة للغرب» الذي راهن عليه فلاديمير بوتين، بل كشف أيضاً حدود المظلّة الروسية عندما تُصبح الأولوية «حرباً واحدة» تُقدَّم على ما عداها: أوكرانيا.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يشير بيده في أثناء مخاطبته الجمهور خلال إحاطة إعلامية في العاصمة كييف - 5 مارس 2026 (أ.ف.ب)

هذا التراجع لا يقتصر على إيران، فخلال نحو 15 شهراً، راقبت موسكو سقوط أو إزاحة 3 أصدقاء أو شركاء مهمين لها في سوريا وفنزويلا وإيران، من دون أن تملك أدوات ردع فعّالة أو قدرة إنقاذ حاسمة. وفي أوروبا وكييف، يجري استثمار هذه الصورة سياسياً: «روسيا ليست حليفاً يمكن الاتكال عليه»، لأنها غارقة في استنزاف أوكرانيا، وغير قادرة على حماية شبكاتها الخارجية عندما تُستهدف.

الأمين العام لـ«حلف شمال الأطلسي» مارك روته في بروكسل يوم 5 مارس 2026 (رويترز)

حرب إيران تُحرّك ملف أوكرانيا في اتجاهين متعاكسين: تضعف شبكة نفوذ موسكو، وتكشف محدودية تحالفاتها، لكنها قد تمنحها، إذا طال أمدها، هوامش مالية وعسكرية غير مباشرة عبر النفط وتشتت الموارد الغربية. والنتيجة النهائية ستتوقف على عاملين: مدة الاضطراب «الطاقوي» (هل هو موجة قصيرة أم صدمة ممتدة؟) ومدى قدرة أوروبا والولايات المتحدة على منع «تحويل الدفاعات الجوية» من كييف إلى الشرق الأوسط، لأن السماء في الحربين باتت ساحة الحسم اليومية.

وحسب صحيفة «واشنطن بوست»، فإن الأثر على حرب أوكرانيا هنا مزدوج. من جهة، تآكل النفوذ الروسي يعني تقلّص هامش موسكو لبناء أوراق ضغط إضافية على الغرب عبر الشرق الأوسط، أو عبر «محور» متماسك يربك واشنطن على أكثر من مسرح. ومن جهة أخرى، هذا الانكشاف يفرض على روسيا براغماتية أقسى: الاكتفاء بالدبلوماسية في مجلس الأمن وبالخطاب، وتجنّب أي تورط عسكري مباشر ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، لأن تكلفة المغامرة ستكون أكبر من قدرة الاقتصاد والجيش على تحمّلها، في ظل حرب دخلت عامها الخامس في أوكرانيا.

لكن المفارقة أن ضعف القدرة على «إنقاذ الحليف» لا يعني بالضرورة خسارة صافية، ففي الحساب الروسي البارد قد تتحول إيران، حتى وهي تُستهدف، إلى مصدر «عوائد حرب» تساعد موسكو على الصمود في أوكرانيا، ولو بصورة غير مباشرة.

أرشيفية للطاقم الأميركي: ويتكوف وكوشنر وروبيو

عوائد الحرب على روسيا

أكثر ما يلفت نظر الكرملين الآن هو الطاقة، فمع توسّع الضربات والردود، قفزت أسعار النفط بفعل مخاوف الإمدادات واضطراب الملاحة واحتجاز/تعطّل حركة الناقلات في مضيق هرمز، وهو شريان يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية.

بالنسبة لروسيا، أي ارتفاع مستدام، لا مجرّد «ذروة هلع» قصيرة، يعني إيرادات أكبر لميزانية حرب مثقلة، وقدرة إضافية على تمويل الإنفاق العسكري، وتخفيف الضغط المالي الداخلي.

وتزداد جاذبية هذا السيناريو إذا طال أمد الأزمة حول «هرمز»؛ فبعض التقديرات تتحدث عن أخطار توقّف إمدادات كبيرة إذا استمر الإغلاق أو التعطيل، وهو ما ينعكس فوراً على الأسعار والتضخم العالمي. هنا بالذات يرى بوتين نافذة؛ فالغرب الذي يموّل أوكرانيا سيواجه في الوقت نفسه فاتورة طاقة أعلى، وضغطاً سياسياً داخلياً من التضخم، وربما يواجه مزاجاً عاماً أقل شهية لـ«حروب بعيدة».

قادة «الترويكا الأوروبية» مع الرئيس الأوكراني عند مدخل مقر رئاسة الوزراء البريطانية في لندن الاثنين (أ.ف.ب)

العائد الثاني هو تشتت الأولويات الأميركية؛ فكل يوم تنخرط فيه واشنطن أكثر في حملة شرق أوسطية -عمليات، وقواعد، وحماية قوات، ودفاعات جوية، ومخاطر توسّع- يعني «حيّزاً أقل» لأوكرانيا على مستوى القرار والانتباه وإدارة التحالفات. لا يعني ذلك انسحاباً أميركياً من الملف الأوكراني، لكنه يفرض مقايضات: أيُّ المسارح تنال الذخائر أولاً؟ وأيُّ الطلبات تُقدَّم؟

المفاوض الأوكراني رستم عمروف لدى وصوله إلى جنيف أمس (إ.ب.أ)

أما العائد الثالث فهو تحويل السلاح، خصوصاً الدفاعات الجوية والاعتراضات الصاروخية. فالحرب مع إيران تعني استهلاكاً أعلى لمنظومات الاعتراض وحماية القواعد والحلفاء، وهي فئة سلاح تشكو أوكرانيا أصلاً من ندرتها أمام القصف الروسي المتكرر بالصواريخ والمسيّرات. وفي هذا السياق، يُصبح الخطر على كييف ليس فقط في «تأخير شحنة» بل في تحوّل أوسع تُجبر فيه أوروبا على سدّ فجوة أكبر بسرعة أكبر، وفي وقت تواجه فيه أسواق الطاقة صدمة إضافية.

ويضيف الكرملين إلى ذلك ورقة الغاز، فروسيا تُلمّح كلما ارتفع منسوب القلق «الطاقوي»، إلى إعادة ترتيب إمداداتها أو استخدامها أداةَ ضغط، بما يعقّد النقاش الأوروبي حول الاستمرار في تمويل ودعم أوكرانيا.

فرص أوكرانيا وأخطارها

رغم «عوائد الحرب» المحتملة، ليست الصورة وردية بالكامل لموسكو، فإيران كانت عملياً رافعة تقنية في مرحلة سابقة، خصوصاً في ملف المسيّرات التي أصبحت رمزاً للحرب الجوية الرخيصة ضد المدن الأوكرانية. لكن الحرب الجارية تُضعف قدرة طهران على لعب أدوار نقل التكنولوجيا أو توسيعها، وتزيد صعوبة شبكات الالتفاف على العقوبات، وتفتح احتمال صعود سلطة في إيران أقل حماساً للشراكة الحالية مع روسيا، وهو سيناريو يقلق موسكو؛ لأنه يُهدد أحد خطوط إمدادها غير المباشر، وأحد شركائها في «اقتصاد العقوبات».

ومن زاوية أخرى، يحمل اغتيال خامنئي بُعداً نفسياً وأمنياً داخل الكرملين: إذا أصبحت «تصفية رأس الدولة» جزءاً من قواعد اشتباك جديدة، فإن موسكو حتى وهي قوة نووية، ستقرأ ذلك بوصفه تحولاً يرفع منسوب القلق حول أمن القيادة والردع وحدود «الحصانة» السياسية. وهذا قد يدفعها إلى تشدد أكبر في الداخل، وإلى خطاب أشد حول «فوضى النظام الدولي»، لكنه لا يخلق في حد ذاته مكاسب عسكرية في أوكرانيا.

في المقابل، تمنح الحرب أوكرانيا فرصة سياسية وإعلامية: تذكير الحلفاء بأن روسيا ليست وحدها مَن يُهدد الاستقرار، وأن ترك كييف دون دفاعات كافية سيجعل أوروبا تدفع الثمن لاحقاً. كما أن انشغال الشرق الأوسط بتهديد المسيّرات والصواريخ يفتح شهية بعض الشركاء لتبادل الخبرات مع كييف، التي عرضت ذلك بالفعل في الأيام الأخيرة، في مواجهة نمط الهجمات ذاته، ما يُعيد تثبيت «مركزية التجربة الأوكرانية» بدل أن تُمحى من العناوين.


مقالات ذات صلة

أميركا توافق على بيع صواريخ باتريوت لأوكرانيا مقابل 2.1 مليار دولار

العالم منظومة صواريخ «باتريوت» أميركية الصنع في تايبيه خلال تدريب للجيش التايواني (أ.ف.ب)

أميركا توافق على بيع صواريخ باتريوت لأوكرانيا مقابل 2.1 مليار دولار

أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، الجمعة، أنها وافقت على بيع أوكرانيا 500 صاروخ «باتريوت باك - 3» مقابل 2.1 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث في افتتاح لقاء وزراء خارجية مجموعة العشرين في أتلانتا (إ.ب.أ)

روبيو يستقبل نظراءه في مجموعة الـ20 وسط انقسامات حول أوكرانيا وإيران

افتتح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الجمعة، اجتماعاً مع نظرائه في مجموعة الـ20، بمن فيهم سيرغي لافروف، في ظل انقسامات حول أوكرانيا وإيران.

«الشرق الأوسط» (أتلانتا)
أوروبا من اليمين إلى اليسار: رئيس الوزراء النرويجي والرئيس الأوكراني ونظيره الفنلندي وستيف ويتكوف (أ.ب) p-circle

«الكرملين» يعوّل على جولة «حاسمة» للمفاوضات الثلاثية ولا يستبعد إشراك الأوروبيين لاحقاً

«الكرملين» يعوّل على جولة «حاسمة» للمفاوضات الثلاثية ولا يستبعد إشراك الأوروبيين لاحقاً ولافروف يطرح رؤية بلاده لـ«أمن غير قابل للتجزئة في عالم متعدد الأقطاب»

رائد جبر (موسكو )
الاقتصاد حفارتا نفط وشعار شركة «إكسون موبيل» في صورة توضيحية (رويترز)

أرباح «إكسون» و«شيفرون» تنتعش بفضل طفرة قطاع التكرير وارتفاع الأسعار

تجاوزت شركتا النفط الأميركيتان العملاقتان «إكسون موبيل» و«شيفرون» توقعات المحللين بشأن أرباحهما الفصلية، الجمعة، وذلك جراء تداعيات حربَي إيران وأوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا منشأة لتخزين الوقود في مركز التصدير الروسي الرئيسي للنفط في ميناء نوفوروسيسك المطل على البحر الأسود (رويترز)

«تقرير»: أوكرانيا تعلق هجماتها على مصافي النفط الروسية بعد ضغوط من ترمب

أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال»، الخميس، نقلا ​عن مصادر مطلعة، بأن الجيش الأوكراني أوقف هجماته على مصافي النفط الروسية بعد ضغوط من الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (كييف)

ميركل: حان وقت تولي أول امرأة منصب رئيس ألمانيا

المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل (رويترز)
المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل (رويترز)
TT

ميركل: حان وقت تولي أول امرأة منصب رئيس ألمانيا

المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل (رويترز)
المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل (رويترز)

دعت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل إلى تولي امرأة منصب رئيس ألمانيا لتخلف فرانك فالتر شتاينماير، عند انتهاء ولايته الثانية التي تستمر خمس سنوات في مارس (آذار) المقبل.

وذكرت ميركل، في مقابلة مع قناة «ماجينتا تي في» أُذيعت يوم الجمعة: «يمتد تاريخ جمهورية ألمانيا الاتحادية إلى 77 عاماً، ولم تتولَّ امرأة منصب الرئيس طوال هذه المدة».

وقالت السياسية المنتمية إلى الحزب المسيحي الديمقراطي، خلال البرنامج الحواري «بستبِزِتسونج»، إنه ينبغي للجميع أن يسألوا أنفسهم: «ألم يحن الوقت لذلك الآن؟». وشددت ميركل قائلة: «أعرف نساء موجودات بالفعل، وهن قادرات على تولي هذا المنصب».

لكنها رفضت ذكر أي أسماء، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وفي 30 يناير (كانون الثاني)، ستنتخب الجمعية الاتحادية الرئيس المقبل للدولة، وهي هيئة دستورية خاصة ومؤقتة تُشكَّل حصرياً بغرض انتخاب الرئيس كل خمس سنوات.

ومنذ أشهر، يطالب ماركوس زودر، رئيس الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري، الشريك البافاري للحزب المسيحي الديمقراطي، باختيار إيلزه آيغنر، رئيسة برلمان ولاية بافاريا، خلفاً لفرانك فالتر شتاينماير في منصب رئيس ألمانيا.

وتشمل الأسماء الأخرى المتداولة داخل التكتل المحافظ رئيسة البرلمان الاتحادي جوليا كلوكنر، ووزيرة التعليم كارين براين، والرئيسة السابقة للحزب المسيحي الديمقراطي أنجريت كرامب-كارنباور.


ماذا يعني انضمام كندا إلى الاتحاد الأوروبي ك «عضو منتسب»؟

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال المؤتمر الصحافي في ختام قمة الاتحاد الأوروبي وكندا (30 أكتوبر 2026) لإطلاق «تحالف من أجل المستقبل» وتعميق التعاون التجاري والأمني والدفاعي (إ.ب.أ)
رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال المؤتمر الصحافي في ختام قمة الاتحاد الأوروبي وكندا (30 أكتوبر 2026) لإطلاق «تحالف من أجل المستقبل» وتعميق التعاون التجاري والأمني والدفاعي (إ.ب.أ)
TT

ماذا يعني انضمام كندا إلى الاتحاد الأوروبي ك «عضو منتسب»؟

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال المؤتمر الصحافي في ختام قمة الاتحاد الأوروبي وكندا (30 أكتوبر 2026) لإطلاق «تحالف من أجل المستقبل» وتعميق التعاون التجاري والأمني والدفاعي (إ.ب.أ)
رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال المؤتمر الصحافي في ختام قمة الاتحاد الأوروبي وكندا (30 أكتوبر 2026) لإطلاق «تحالف من أجل المستقبل» وتعميق التعاون التجاري والأمني والدفاعي (إ.ب.أ)

أثار المقترح التاريخي الذي تقدمت به رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، في خطابها السنوي في السادس عشر من سبتمبر (أيلول) الماضي، وأعادت تأكيده في قمة مونتريال المشتركة التي اختتمت الجمعة 30 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، لمنح كندا صفة «عضو منتسب» أو شريك استراتيجي فائق، زلزالاً في أروقة الدبلوماسية الدولية، كونه يعيد تعريف مفهوم الحدود الجغرافية للاتحاد الأوروبي عبر نموذج قانوني مستحدث يقع وسطاً بين العضوية الكاملة والاتفاقيات التجارية التقليدية.

وفي العمق السياسي، لا يعني هذا التقارب انضماماً جغرافياً أو سياسياً كاملاً يمنح أوتاوا حق التصويت أو الفيتو في بروكسل، بل يتأسس بموجبه «مجلس وزاري دائم بين كندا والاتحاد الأوروبي» يتمتع بصلاحيات تنسيقية عليا لتوحيد السياسات الخارجية تجاه الأزمات الدولية قبل صدورها.

وتأتي هذه الخطوة مدفوعة برغبة رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، في تحديد صيغة «شراكة هي الأقرب لصفة العضوية» لبناء مظلة أمان دولية تحمي بلاده من تقلبات السياسة الأميركية، مع الحفاظ الصارم على السيادة الكندية، حيث لن تشهد هذه الشراكة إلغاءً للحدود، أو منحاً لحرية التنقل والإقامة التلقائية للمواطنين، كما لن تلتزم كندا بقوانين المفوضية التشريعية إجبارياً، بل ستظل تدير شؤونها كدولة مستقلة تتناغم مصالحها الهيكلية مع القارة العجوز.

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين لدى وصولهم للمؤتمر الصحافي في ختام قمة الاتحاد الأوروبي وكندا (30 أكتوبر 2026) لإطلاق «تحالف من أجل المستقبل» وتعميق التعاون التجاري والأمني والدفاعي (إ.ب.أ)

المعادلة المالية وموازين القوى وبند التمويل الموجه

في الشق المالي، لا يفرض هذا التحالف على أوتاوا دفع رسوم العضوية التقليدية المنهكة المترتبة على الدول الأعضاء لدعم الدول الأقل نمواً في القارة، كما أنه لا يمس بقرينتها النقدية، إذ ستحتفظ كندا بالدولار الكندي كعملة سيادية بعيداً عن منطقة اليورو ومخاطرها المرتبطة بالتضخم الأوروبي.

وتعتمد الصياغة المالية الدقيقة على آلية «التمويل المشروط بالبرامج»، حيث تدفع كندا مبالغ محددة للاشتراك في صناديق استراتيجية تابعة للاتحاد، مثل صندوق «أفق أوروبا» (Horizon Europe) للبحث العلمي وصناديق الابتكار الدفاعي، مما يمنح علماءها وشركاتها نفس حقوق الملكية الفكرية والدعم المالي المتاح للأوروبيين.

وتسعى هذه الميزانيات المشتركة المستحدثة إلى ضخ استثمارات أوروبية ضخمة في البنية التحتية الكندية وتأمين سلاسل التوريد، مما يخلق بيئة استثمارية محمية من الهزات السياسية تمنح المستثمرين على ضفتي الأطلسي ثقة استراتيجية طويلة الأجل.

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني (أسوشييتد برس)

الاندماج في السوق الرقمية الموحدة وتدفق التكنولوجيا

تكمن دقة هذا الانضمام في قطاعات حيوية معينة تتجاوز حدود التجارة البسيطة، حيث يتيح الاتفاق لكندا الانضمام الكامل إلى «السوق الرقمية الموحدة للاتحاد الأوروبي» (EU's Digital Single Market).

وبموجب هذا البند القانوني، تُعامل شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الكندية كأنها شركات أوروبية داخل الحدود، وتخضع للمعايير التنظيمية الصارمة نفسها مثل قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي وقواعد حماية البيانات (GDPR).

هذا التوافق التنظيمي يسمح بنقل البيانات وتدفق الاستثمارات التكنولوجية بحرية كاملة، وهو امتياز استثنائي لا تمتلكه أي دولة خارج القارة العجوز، مما يعزز ريادة الطرفين في قيادة قطاعات التكنولوجيا الفائقة والابتكار الرقمي على الساحة الدولية.

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين لدى وصولهم إلى قمة الاتحاد الأوروبي وكندا (30 أكتوبر 2026) لإطلاق «تحالف من أجل المستقبل» وتعميق التعاون التجاري والأمني والدفاعي (أ.ف.ب)

بروتوكول المعاملة الوطنية وتأمين المعادن الحيوية

يمثل ملف الطاقة والمعادن الحيوية حجر الزاوية في هذا التقارب الدبلوماسي؛ إذ ينظر الاتحاد الأوروبي إلى كندا باعتبارها طوق النجاة لتأمين احتياجاته من العناصر النادرة اللازمة للصناعات التكنولوجية الثقيلة، بعيداً عن الهيمنة الصينية والروسية.

ويتضمن الاتفاق بنداً قانونياً يُعرف بـ«المعاملة الوطنية المتبادلة»، يمنح الشركات الأوروبية الحق في التقدم للمناقصات الحكومية الكندية الكبرى بالشروط والأفضليات نفسها الممنوحة للشركات المحلية والمثل بالمثل للشركات الكندية في أوروبا. وتضمن هذه الشراكة تفاصيل دقيقة تتعلق بتسهيل تدفق الليثيوم والنيكل والكوبالت الكندي إلى المصانع الأوروبية بأسعار تفضيلية وإجراءات جمركية مبسطة، في مقابل استفادة أوتاوا من التكنولوجيا الأوروبية المتقدمة في مجالات الهيدروجين الأخضر وتقنيات خفض الانبعاثات الكربونية.

اجتماع موسع مع وفدي الاتحاد الأوروبي وكندا في قمة مونتريال الجمعة 30 أكتوبر 2026 (أسوشييتد برس)

اتفاقية «سيتا» المعدلة وآليات التحكيم المرنة

يتجاوز الاتفاق الجديد حدود اتفاقية التجارة الحرة الشاملة والاقتصادية «سيتا» التي عانت لسنوات من تباطؤ التصديق عليها في بعض البرلمانات الأوروبية والتحفظات القانونية في دول مثل ألمانيا.

فالصيغة الدبلوماسية المطروحة اليوم تسعى لتجاوز ثغرات المقاضاة التقليدية بين الشركات والدول، واستبدال آليات تحكيم مرنة وسريعة بها، تضمن تدفق السلع والخدمات بلا عوائق بيروقراطية.

وتهدف هذه المعالجة القانونية إلى توحيد البيئة القانونية للاستثمار وتكامل الأسواق وتوحيد معايير السلامة المهنية والبيئية، مما يسمح للشركات الكندية بالدخول إلى السوق الأوروبية كلاعبين شبه محليين، ويمنح الصادرات الأوروبية ميزة تنافسية كبرى داخل الأسواق الكندية في وقت تتزايد فيه الحمائية التجارية حول العالم.

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين لدى وصولهم لختام قمة الاتحاد الأوروبي وكندا (30 أكتوبر 2026) لإطلاق «تحالف من أجل المستقبل» وتعميق التعاون التجاري والأمني والدفاعي (أسوشييتد برس)

ظلال ترمب ومناورة التنويع الكندية الكبرى

لا يمكن قراءة هذا التحالف بمعزل عن الديناميكيات السياسية في واشنطن، حيث يشكل الصعود المتجدد للرئيس الأميركي وسياساته الحمائية القائمة على فرض رسوم جمركية مشددة، الدافع الأكبر وراء الهروب الكندي نحو أوروبا. وتدرك حكومة كارني أن الاعتماد شبه المطلق على السوق الأميركية بات يمثل تهديداً للاستقرار الاقتصادي، مما جعل من تنويع الشراكات ضرورة قصوى للأمن القومي الكندي.

ويمثل هذا التقارب رسالة دبلوماسية واضحة لواشنطن مفادها أن أوتاوا تمتلك بدائل استراتيجية واقتصادية قوية، وهو ما يمنح المفاوض الكندي أوراق ضغط إضافية في أي مراجعة مستقبلية لاتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA).

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين لدى وصولهم لختام قمة الاتحاد الأوروبي وكندا (30 أكتوبر 2026) لإطلاق «تحالف من أجل المستقبل» وتعميق التعاون التجاري والأمني والدفاعي (إ.ب.أ)

مفهوم الحدود الذكية وحركة العمالة المتخصصة

رغم أن الانضمام لا يلغي تأشيرات السفر أو يمنح حرية التنقل المطلقة لشعوب الطرفين كشأن دول شنغن، فإنه يستحدث نظاماً دقيقاً يُعرف بـ«الممرات المهنية السريعة» لإدارة الهجرة العمالية المتخصصة.

يسهل هذا النظام اعتراف الطرفين بالشهادات الجامعية والاعتمادات المهنية بشكل متبادل وفوري للأطباء والمهندسين وخبراء التكنولوجيا الفائقة.

ويهدف هذا الإجراء إلى خلق سيولة مدروسة في حركة العمالة الماهرة لمواجهة نقص الأيدي العاملة في القطاعات الحيوية، مما يجعله اندماجاً بشرياً منتقى بعيداً عن إحداث أي اختلالات ديموغرافية عشوائية.

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال المؤتمر الصحافي في ختام قمة الاتحاد الأوروبي وكندا (30 أكتوبر 2026) لإطلاق «تحالف من أجل المستقبل» وتعميق التعاون التجاري والأمني والدفاعي (أسوشييتد برس)

مستقبل التنسيق الدفاعي وحماية القطب الشمالي

يمتد البعد الجيوسياسي لهذا الاتفاق إلى التنسيق الدفاعي والأمني المكثف في مناطق التماس الحيوية، وعلى رأسها منطقة القطب الشمالي والممرات البحرية الاستراتيجية التي تشهد تنافساً محموماً مع روسيا والصين.

ويتضمن المحور الأمني تعزيز التعاون في مجال الأمن السيبراني وحماية البنية التحتية الحساسة، مثل كابلات الإنترنت البحرية وشبكات الطاقة المشتركة.

ورغم أن كندا والعديد من دول الاتحاد والتكتل ينضوون تحت لواء حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فإن هذا الإطار الدبلوماسي الجديد يمنحهم مرونة أكبر للتحرك وبناء منظومة دفاعية وتكنولوجية موازية تضمن استمرارية التنسيق العسكري حتى في حال تراجع الالتزام الأميركي بالدفاع عن الحلفاء التقليديين.


إسبانيا تكثّف جهود تحديد هويات ضحايا تصادم القطارين... ووزير النقل يرفض الاستقالة

من موقع حادث تصادم القطارين في إسبانيا (أ.ف.ب)
من موقع حادث تصادم القطارين في إسبانيا (أ.ف.ب)
TT

إسبانيا تكثّف جهود تحديد هويات ضحايا تصادم القطارين... ووزير النقل يرفض الاستقالة

من موقع حادث تصادم القطارين في إسبانيا (أ.ف.ب)
من موقع حادث تصادم القطارين في إسبانيا (أ.ف.ب)

كثّفت إسبانيا جهودها، الجمعة، لتحديد هويات ضحايا حادث تصادم قطارين أودى بـ69 شخصاً على الأقل، الأربعاء، في وسط البلاد، في محاولة لتخفيف معاناة العائلات التي لا تزال تنتظر أي خبر عن أحبائها، وسط رفض وزير النقل الدعوات المطالبة باستقالته.

وقال رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، عقب اجتماع مع فرق الإنقاذ قرب مدينة أوردا حيث وقع الحادث، إن «كل أجهزة الدولة تعمل بلا كلل (...) لمحاولة تزويد عائلات الضحايا بأكبر قدر من المعلومات، في أسرع وقت وبأعلى قدر من الموثوقية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهذا ثاني حادث تصادم قطارين تشهده البلاد في أقل من عام، بعد حادث مماثل في يناير (كانون الثاني) أودى بـ46 شخصاً.

وأكد سانشيز مجدداً «التزام» الدولة بإبقاء العائلات على «اطلاع دائم بمصير ذويهم مع استمرار عملية تحديد هويات ضحايا هذا الحادث المروع» الذي وقع عندما اصطدم قطار تابع لشركة «رينفي» الرسمية بقطار آخر لشركة «إيريو» الخاصة، كان متوقفاً على السكة الحديد على بُعد 150 كيلومتراً جنوب مدريد.

«48 عملية تشريح»

وقال خافيير باريو الذي يبحث عن زوجته التي كانت على متن أحد القطارين: «نحاول التماسك قدر الإمكان، لكننا نبكي. طفلاي إلى جانبي ويقدّمان لي دعماً كبيراً، ومع ذلك نمرّ بأوقات عصيبة جداً».

وأضاف الرجل الموجود في توليدو: «لم أتلقَّ تأكيداً بوفاتها»، لكنه أقرّ بأن «احتمالات العثور عليها على قيد الحياة ضئيلة جداً».

وقال إميليانو غارسيا-باجي، رئيس حكومة إقليم قشتالة لا مانتشا حيث وقع الحادث، إن السلطات تلقت 70 بلاغاً عن أشخاص مفقودين، قد يكونون من بين القتلى.

ولتسهيل عملية تحديد الهويات، قدّمت عائلات المفقودين عينات من الحمض النووي.

وقال غارسيا-باجي: «لا يُستبعد أن يكون عدد القتلى أكبر»، موضحاً أن فرق الإنقاذ انتشلت «جثامين كاملة»، وجمعت «ما يصل إلى 31 كيساً تحوي أشلاء بشرية، وذلك، كما يمكنكم أن تتصوروا، يجعل عملية تحديد الهويات معقدة جداً».

وأعلنت الهيئة القضائية المكلّفة هذه المهمة، مساء الخميس، إجراء «48 عملية تشريح»، وإبلاغ عائلات الضحايا بنتائج تحديد هويات خمسة منهم.

وأضاف غارسيا-باجي أن 39 جريحاً لا يزالون في المستشفيات، لكن حالتهم الصحية «تشهد تحسناً».

وتواصلت، الجمعة، عمليات البحث عن الضحايا بين حطام عربات القطار التي تحوّلت إلى كتل من الحديد، بمساعدة ثلاث رافعات ضخمة بيضاء وكلاب، رغم أنه «لم يعد هناك الكثير مما يمكن العثور عليه»، وفق ما قالت إستر باديّا، الناطقة باسم حكومة إقليم قشتالة لا مانتشا، لتلفزيون «تي في إي» الرسمي.

وزير النقل يرفض دعوات الاستقالة

بالتوازي مع عمليات تحديد هويات الضحايا، يتواصل التحقيق في أسباب الحادث وسط حالة من الذهول تعمّ إسبانيا، حيث يُعدّ القطار من وسائل النقل الأكثر استخداماً.

وأوضح وزير النقل أوسكار بوينتي أن الحادث بدأ بعطل في نظام معلوماتي أجبر عدداً من القطارات على التوقف، مشيراً إلى احتمال وقوع «خطأ بشري» في ظل «ملابسات يكتنفها الغموض».

لكن وفق المعطيات الأولية، صدرت بعد وقت قصير من العطل «تعليمات خاطئة» من مركز المراقبة تقضي باستئناف قطار «رينفي» رحلته.

واصطدم هذا القطار بعد ذلك بالقطار الآخر المتوقف «بسرعة تُقدّر بين 160 و200 كيلومتر في الساعة»، وفق مذكرة أولية صادرة عن الهيئة الإدارية المستقلة المكلّفة التحقيق في حوادث القطارات.

وزير النقل الإسباني أوسكار بوينتي (أ.ف.ب)

ورفض وزير النقل الدعوات المطالبة باستقالته على خلفية ثاني حادث قطارات كبير خلال فترة ​توليه منصبه. وندد نواب من مختلف الأطياف السياسية بالوزير لإرجاعه سبب الحادث إلى ‌إخلال مشغلي ‌مركز التحكم بالبروتوكول بدلاً من ​تحمل ‌المسؤولية، ⁠فيما ​طالبت نقابات ⁠عمال السكك الحديدية بإقالته فوراً.

وقال بوينتي في مؤتمر صحافي، الجمعة: «واجبي الآن ليس التركيز على مناقشة ما إذا كنت ‌سأبقى في منصبي، وإنما على حل المشكلة، وتحديد ما حدث بالضبط، وتقديم تفسيرات ⁠واضحة».

وقال سانشيز، الجمعة، إن «الثقة في نظام القطارات العالية السرعة في بلادنا قد اهتزّت»، في ظل تصاعد انتقادات المعارضة اليمينية قبل أقل من شهر على الانتخابات التشريعية المقررة في 29 نوفمبر (تشرين الثاني)، والتي يسعى فيها الزعيم الاشتراكي إلى الفوز بولاية جديدة، رغم تقدّم منافسيه عليه في استطلاعات الرأي.

وختم سانشيز قائلاً إن «دور الحكومة لا يقتصر على تشخيص الوضع، بل يشمل أيضاً معرفة الأسباب وتقديم حلول تحول دون تكرار مأساة بهذا الحجم».

اقرأ أيضاً