ترمب و«المحكمة العليا» يضعان التجارة العالمية في نفق غامض

ردود فعل تتباين من التلويح بتجميد الاتفاقيات التجارية إلى دراسة معمقة للموقف

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)
TT

ترمب و«المحكمة العليا» يضعان التجارة العالمية في نفق غامض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)

دخلت التجارة العالمية نفقاً جديداً من الغموض، بعد أن أحدث حكم المحكمة العليا الأميركية بطلاناً في هيكلية الرسوم الجمركية، ما فجّر ردود فعل متلاحقة بدأت بتلويح بتجميد أوروبي للمسار التشريعي مع واشنطن، ولم تنتهِ بتهديدات «انتقامية» من الرئيس دونالد ترمب. فبينما أعلن البرلمان الأوروبي رسمياً وضع اتفاق التجارة الرئيسي «على الجليد» بانتظار وضوح الرؤية، شن ترمب هجوماً لاذعاً على القضاء الأميركي، عادّاً أن الحكم منحه «عن غير قصد» أنياباً أقسى لاستخدام سلاح التراخيص ضد الدول التي «تنهب» أميركا، وفي مقدمتها الصين التي سارعت إلى إعلان «تقييم شامل» للمشهد، محذرة من أن «الحمائية طريق مسدود».

وكانت المحكمة العليا الأميركية أعادت خلط أوراق التجارة العالمية، بعد أن أبطلت بأغلبية 6 أصوات مقابل 3 جزءاً كبيراً من الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب استناداً إلى قانون عام 1977. والقرار، الذي صدر يوم الجمعة، لم يكن مجرد انتصار قانوني لخصوم الإدارة، بل محطة فاصلة في مسار السياسات التجارية الأميركية، مع ما يحمله من تداعيات مباشرة على شركاء واشنطن وأسواق المال العالمية.

وبعد ساعات فقط من الحكم، سارع ترمب إلى الإعلان عن تعريفة جمركية عالمية بديلة بنسبة 10 في المائة، قبل أن يرفعها إلى 15 في المائة، مستخدماً أساساً قانونياً مختلفاً، على أن تدخل حيز التنفيذ لمدة 150 يوماً مع استثناءات محدودة.

وشنّ ترمب هجوماً لاذعاً وغير مسبوق على المحكمة العليا الأميركية، واصفاً قرارها بأنه «غبي ومثير للانقسام دولياً». وفي تصريحات حادة عبر منصته للتواصل الاجتماعي «تروث سوشيال»، أشار إلى أن الحكم القضائي يفتح له الباب لاستخدام «نظام التراخيص» بوصفه أداة للقيام بأمور وصفها بـ«الفظيعة» ضد الدول التي اتهمها بـ«نهب» الولايات المتحدة لعقود. وسخر ترمب مما وصفه بتناقض المحكمة، قائلاً: «بموجب القرار، يمكنني استخدام التراخيص لمعاقبة تلك الدول، ولكن لا يمكنني تحصيل رسوم عليها... الجميع يعلم أن الهدف من الترخيص هو الرسوم! المحكمة لم تشرح ذلك، لكني أعرف الإجابة».

وأكد ترمب أن المحكمة، عبر تثبيتها أنواعاً أخرى كثيرة من التعريفات الجمركية، أعطته الضوء الأخضر لاستخدامها بطريقة «أكثر عدوانية وإزعاجاً» وبحماية قانونية كاملة هذه المرة. ولم يكتفِ بالجانب التجاري، بل هاجم المحكمة استباقاً لقرارات محتملة بشأن «حق المواطنة بالولادة» (التعديل الـ14)، متهماً إياها بالتمهيد لقرارات تخدم مصالح الصين ودول أخرى تجني ثروات من هذا القانون.

واختتم ترمب هجومه بمطالبة القضاة بـ«الخجل من أنفسهم» (باستثناء الثلاثة العظماء كما وصفهم)، متهماً إياهم باتخاذ قرارات ضارة بمستقبل الأمة الأميركية، ومؤكداً إصراره على المضي قدماً في مهامه تحت شعار «لنعد أميركا عظيمة مجدداً».

بروكسل تلوح بتعليق خطط المصادقة

في هذا الوقت، اتخذ التصعيد في بروكسل بعداً مؤسسياً حاسماً؛ حيث أعلن نواب البرلمان الأوروبي نيتهم تعليق خطط المصادقة على الاتفاق التجاري الذي تم التوصل إليه العام الماضي. وأكد رئيس لجنة التجارة، بيرند لانغه، مدعوماً من أكبر الكتل البرلمانية، ضرورة وقف العمل التشريعي مؤقتاً، واصفاً مستوى التخبط في السياسة التجارية الأميركية بأنه «غير جاد».

وجاء هذا الموقف ليعكس مخاوف القارة العجوز من الانزلاق إلى دوامة جمركية جديدة بعد تحويل ترمب الرسوم المُلغاة إلى تعريفة موحدة بنسبة 15 في المائة.

وكانت لجنة التجارة في البرلمان تستعد لمنح الضوء الأخضر لإزالة الرسوم على السلع الصناعية الأميركية ضمن الاتفاق، غير أن نواباً من كتل سياسية مختلفة أبدوا دعمهم لتجميد المسار التشريعي إلى حين اتضاح تداعيات الحكم الأميركي على الترتيبات الجمركية مع الاتحاد الأوروبي. ودعا رئيس لجنة التجارة، بيرند لانغه، إلى تعليق العمل التشريعي مؤقتاً، وهو ما حظي بدعم حزب «الشعب» الأوروبي، أكبر الكتل البرلمانية، إلى جانب مجموعات أخرى.

وأكدت النائبة عن حزب «الشعب» الأوروبي، زيليانا زوفكو، ضرورة انتظار توضيحات من المفوضية الأوروبية بعد مشاوراتها مع واشنطن بشأن الشروط الجديدة، وتحديد «الخيار الأفضل لمواصلة المسار». كما شددت النائبة عن حزب «الخضر»، آنا كافازيني، على أن التصويت لا يمكن أن يمضي قدماً قبل توافر رؤية واضحة.

ومن جهتها، قالت النائبة عن مجموعة «رينيو» الليبرالية، كارين كارلسرو، إن البرلمان «لن يتمكن من التصويت على اتفاق تورنبيري قبل الحصول على وضوح كامل بشأن تأثير حكم المحكمة العليا على الترتيبات الجمركية»، مضيفة أن «الولايات المتحدة يجب أن ترتب سياستها التجارية، فهذا المستوى من الفوضى غير جاد».

متابعات أوروبية

وفي ألمانيا، أكبر اقتصاد أوروبي، عبّرت الأوساط الصناعية عن قلق كبير من استمرار حالة الضبابية، عادّة أن تقلب القرارات الجمركية الأميركية يضع الشركات أمام تحديات في التخطيط طويل الأمد، خصوصاً في قطاعات السيارات والآلات والصناعات الكيماوية. ودعت برلين إلى حوار عاجل مع واشنطن يضمن وضوح القواعد ويحافظ على تنافسية الصادرات الألمانية، في وقت تعتمد فيه قطاعات واسعة من الصناعة على السوق الأميركية بوصفها شريكاً استراتيجياً رئيسياً.

أما سويسرا، ورغم بقائها خارج الاتحاد الأوروبي، فإنها تتابع التطورات عن كثب نظراً لارتباط اقتصادها التصديري الوثيق بالأسواق الأميركية والأوروبية. فيما أعلنت الحكومة السويسرية أنها لا تزال تعتزم التوسط في إبرام اتفاقية ملزمة قانوناً من خلال المحادثات الجارية مع الولايات المتحدة، التي تهدف إلى وضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية مبدئية تم التوصل إليها في أواخر عام 2025، والتي خفضت الرسوم الجمركية الأميركية على سويسرا من 39 في المائة إلى 15 في المائة.

وفي باريس وروما ولاهاي، تكررت الدعوات إلى الحفاظ على نظام تجاري قائم على قواعد واضحة يمكن التنبؤ بها، وسط تخوف من أن يؤدي تعدد المسارات القانونية الأميركية إلى إطالة أمد عدم اليقين. ويجمع الموقف الأوروبي، في مجمله، على أن الشراكة عبر الأطلسي تظل ركيزة أساسية للاقتصاد العالمي، غير أن استدامتها تتطلب التزاماً متبادلاً بالاتفاقات، وتجنب الإجراءات الأحادية التي قد تعيد إشعال توترات تجارية في مرحلة لا يزال فيها الاقتصاد العالمي يسعى إلى ترسيخ تعافٍ هش.

الصين تقيّم الوضع

وفي بكين، أعلنت وزارة التجارة أنها تجري «تقييماً شاملاً» للحكم، داعية واشنطن إلى إلغاء جميع الإجراءات الجمركية الأحادية. وأكدت أن «الرسوم الأحادية تنتهك قواعد التجارة الدولية والقانون المحلي الأميركي، ولا تخدم مصالح أي طرف»، محذرة من أن «الحمائية طريق مسدود». كما أبدت قلقها من احتمال لجوء الإدارة الأميركية إلى «وسائل بديلة» مثل التحقيقات التجارية القطاعية للإبقاء على مستويات مرتفعة من الرسوم، متعهدة بحماية مصالحها بحزم.

رابحون وخاسرون

واللافت أن الصين والهند برزتا في طليعة الرابحين من هذا التحول. فالهند، التي كانت تواجه رسوماً بلغت ذروتها عند 50 في المائة قبل أن تنخفض إلى 25 في المائة ثم إلى 18 في المائة بموجب تفاهمات ثنائية، وجدت نفسها بعد قرار المحكمة أمام معدل 10 في المائة، قبل أن يستقر عند 15 في المائة، وهو مستوى يظل أدنى من السيناريوهات السابقة. أما الصين، فقد توقع اقتصاديون انخفاض متوسط الرسوم الفعلية عليها من 32 في المائة إلى 24 في المائة، مع إلغاء بعض الرسوم الإضافية التي كانت قد فُرضت تحت مبررات أمنية وصحية، ما يمنح صادراتها متنفساً مهماً في السوق الأميركية.

وفي المقابل، برزت بريطانيا بوصفها الخاسر الأكبر من توحيد الرسوم عند 15 في المائة. إذ كانت تستفيد من معدل تفضيلي عند 10 في المائة، قبل أن يؤدي النظام الجديد إلى رفع التكلفة على صادراتها بشكل مفاجئ. وتشير تقديرات إلى أن الزيادة قد تكلف قطاع الصادرات البريطاني نحو 4 مليارات دولار، مع تأثر عشرات الآلاف من الشركات. وتسعى لندن حالياً إلى انتزاع استثناء أو معاملة خاصة، في ظل إدراكها لحساسية المرحلة بالنسبة لاقتصادها.

أما أوروبا وأستراليا فلم تكونا بعيدتين عن دائرة التأثير. فقد واجهت دول مثل إيطاليا وسنغافورة زيادات مماثلة، بينما لوّح الاتحاد الأوروبي بإعادة النظر في مسارات تفاوضية قائمة إذا لم تتضح الرؤية القانونية للسياسة الجمركية الأميركية. وفي سيول، حذّر وزير التجارة الكوري الجنوبي من أن استمرار حالة عدم اليقين قد يفاقم الضغوط على قطاعات حيوية مثل السيارات والصلب، داعياً إلى تنسيق وثيق بين القطاعين العام والخاص لتعزيز القدرة التنافسية وتنويع الأسواق.

مساعٍ للطمأنة

ومن الجانب الأميركي، حاولت الإدارة طمأنة الشركاء. فقد أكد الممثل التجاري جيمسون غرير أن الاتفاقيات القائمة لا ترتبط بارتفاع أو انخفاض الرسوم، بل بالتزامات متبادلة ينبغي احترامها. بدوره، شدّد وزير الخزانة سكوت بيسنت على أن عائدات الرسوم ستظل مستقرة، وأن الحكومة ستلتزم بأحكام القضاء فيما يخص أي استردادات محتملة للرسوم التي جُمعت سابقاً، وهو ملف قد يفتح الباب أمام مطالبات ضخمة تُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات.

وعملياً، أعلنت وكالة الجمارك وحماية الحدود الأميركية وقف تحصيل الرسوم التي أُبطلت، وتعطيل الرموز المرتبطة بها، ما يعكس امتثالاً فورياً للحكم. غير أن الأسئلة تبقى مفتوحة حول قدرة الإدارة على الالتفاف عبر أدوات قانونية أخرى، مثل توسيع التحقيقات بموجب قوانين التجارة أو الأمن القومي، وهو ما تراقبه بكين وشركاء واشنطن عن كثب.

الأسواق المالية تعاملت مع التطورات بحذر. فقد تراجعت العقود الآجلة لمؤشري «ستاندرد آند بورز 500» و«داو جونز» بنسب طفيفة، وانخفضت أسعار النفط، بينما ضعف الدولار أمام الين واليورو. وفي المقابل، صعد مؤشر «هانغ سينغ» في هونغ كونغ بنسبة لافتة، في إشارة إلى تفاؤل نسبي في بعض الأسواق الآسيوية بإعادة ضبط قواعد اللعبة التجارية.

وسياسياً، يأتي هذا السجال قبل أسابيع من زيارة مرتقبة لترمب إلى الصين، يُفترض أن تشكل محطة مفصلية في إدارة العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم. ورغم تأكيدات واشنطن أن اللقاء ليس موجهاً للتصعيد، فإن التهديد بفرض رسوم مستقبلية على قطاعات استراتيجية مثل أشباه الموصلات يضفي على المشهد قدراً إضافياً من التوتر.

وفي المحصلة، لم ينهِ حكم المحكمة العليا الحرب التجارية، بل نقلها إلى مرحلة جديدة عنوانها الصراع بين السلطة التنفيذية والقيود القانونية، وبين نزعات الحمائية ومتطلبات الاستقرار الاقتصادي العالمي. وبينما يسعى بعض الشركاء إلى استثمار اللحظة لتحسين شروطهم، يواجه آخرون تكلفة إعادة التموضع في نظام جمركي أكثر توحيداً وأقل تفضيلاً.


مقالات ذات صلة

صندوق النقد: اقتصاد سريلانكا يبدي مرونة أمام الصدمات رغم مخاطر الحرب

الاقتصاد امرأة تمشي داخل مقر البنك المركزي السريلانكي في كولومبو بسريلانكا (رويترز)

صندوق النقد: اقتصاد سريلانكا يبدي مرونة أمام الصدمات رغم مخاطر الحرب

قال صندوق النقد الدولي إن اقتصاد سريلانكا أبدى قدرة على الصمود أمام سلسلة من الصدمات، مع تسجيله نمواً قوياً خلال الربع الثاني من العام.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» وسعر صرف العملات الأجنبية بين الدولار الأميركي والوون، وسعر أسهم شركتي «سامسونغ» و«إس كيه هاينكس» في سيول (أ.ب)

«كوسبي» الكوري يفقد زخمه بعد قفزة مبكرة بنحو 2 %

تخلت الأسهم الكورية الجنوبية عن معظم مكاسبها المبكرة خلال تعاملات الأربعاء، مع اتجاه المستثمرين إلى تقليص المخاطر.

«الشرق الأوسط» (سيول)
شمال افريقيا لقطة عامة لحقل الشرارة النفطي الليبي (أرشيفية - رويترز)

جماعة مسلحة تغلق صمام خط أنابيب رئيسي في ليبيا

أقدمت مجموعة مسلحة في ليبيا على إغلاق صمام خط أنابيب يصل حقل الشرارة النفطي الرئيسي بمرفأ الزاوية؛ ما أدى إلى انخفاض كبير في معدلات الإنتاج.

«الشرق الأوسط» (طرابلس)
الاقتصاد زوار في معرض الذكاء الاصطناعي العالمي الذي أقيم سابقاً بمدينة شنغهاي الصينية (رويترز)

الصين تحقق مع «ديب سيك» و«مونشوت» بشأن تسرب بيانات

فتحت السلطات الصينية تحقيقاً مع شركتي الذكاء الاصطناعي «ديب سيك» و«مونشوت» بشأن احتمال تسرب بيانات صينية حساسة إلى نماذج تابعة لشركة «أنثروبيك» الأميركية.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد عامل على خط إنتاج بمصنع لمعدات السفن في نانتونغ بالصين (رويترز)

«المركزي الأوروبي»: صعود الصناعة الصينية يضغط على شركات المنطقة

قال البنك المركزي الأوروبي، يوم الثلاثاء، إن التحول الصناعي الذي تشهده الصين يضغط على الشركات الأوروبية ويدفعها إلى فقدان مواقعها بالأسواق العالمية.

«الشرق الأوسط» (فرنكفورت)

أسعار النحاس تنخفض مع صعود الدولار وارتفاع تكلفة الشراء

عامل يتفقد أعمال الحفر والتطوير داخل منجم «كوبار» للنحاس تحت الأرض في ولاية نيو ساوث ويلز الأسترالية (أ.ف.ب)
عامل يتفقد أعمال الحفر والتطوير داخل منجم «كوبار» للنحاس تحت الأرض في ولاية نيو ساوث ويلز الأسترالية (أ.ف.ب)
TT

أسعار النحاس تنخفض مع صعود الدولار وارتفاع تكلفة الشراء

عامل يتفقد أعمال الحفر والتطوير داخل منجم «كوبار» للنحاس تحت الأرض في ولاية نيو ساوث ويلز الأسترالية (أ.ف.ب)
عامل يتفقد أعمال الحفر والتطوير داخل منجم «كوبار» للنحاس تحت الأرض في ولاية نيو ساوث ويلز الأسترالية (أ.ف.ب)

تراجعت أسعار النحاس والمعادن الصناعية الأخرى خلال تعاملات يوم الأربعاء، تحت ضغط ارتفاع الدولار الأميركي، الذي زاد من تكلفة شراء السلع المقومة بالعملة الأميركية للمستوردين حول العالم.

وانخفض سعر النحاس القياسي لعقود الثلاثة أشهر في بورصة لندن للمعادن بنسبة 0.66 في المائة، ليصل إلى 14651 دولاراً للطن المتري بحلول الساعة 03:00 بتوقيت غرينيتش. كما تراجع عقد النحاس الأكثر تداولاً في بورصة شنغهاي للعقود الآجلة بنسبة 0.23 في المائة إلى 110960 يواناً (16550.57 دولاراً) للطن، وفق «رويترز».

وجاء هذا التراجع بعد صعود الدولار الأميركي خلال تداولات متقلبة ليل الثلاثاء، وسط تأثيرات متباينة ناجمة عن تقلب أسعار النفط واستمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي.

وعادة ما يؤدي ارتفاع الدولار إلى الضغط على أسعار السلع المقومة به، مثل النحاس؛ إذ تصبح أكثر تكلفة بالنسبة للمشترين الذين يستخدمون عملات أخرى.

ورغم هذا الضغط، لا تزال السوق تحظى بدعم من الطلب القوي في الصين، أكبر مستهلك للنحاس في العالم. فقد انخفض مؤشر «يانغشان بريميوم»، الذي يقيس شهية الصين لاستيراد النحاس، إلى 117 دولاراً للطن يوم الثلاثاء، ولكنه ظل أعلى بنسبة 62.5 في المائة مقارنة ببداية الشهر الجاري.

وكان الطلب الصيني قد تلقى دعماً من عمليات شراء استباقية قبل توقف بعض المصاهر عن العمل خلال العطلات الرسمية المقبلة، المقررة بين 25 و27 سبتمبر (أيلول)، إضافة إلى عطلة الأسبوع الذهبي الممتدة من 1 إلى 7 أكتوبر (تشرين الأول).

كما استفادت أسعار النحاس خلال الأشهر الماضية من زيادة الواردات إلى الولايات المتحدة، تحسباً لفرض رسوم جمركية محتملة على النحاس المكرر. غير أن هذا الدعم تراجع بعد تقرير أشار إلى مخاوف لدى مسؤولين أميركيين من أن تؤدي الرسوم المحتملة إلى زيادة تكاليف الإنتاج على المصنّعين المحليين.

وفي هذا السياق، أوضح محللو شركة «جينروي فيوتشرز» الصينية للوساطة أن «الواردات الأميركية الأسبوعية بدأت في التراجع»، في إشارة إلى انحسار أحد أبرز عوامل الدعم للسوق.

وفي أسواق المعادن الأخرى، ارتفع النيكل في بورصة شنغهاي بنسبة 1.16 في المائة، بعدما صعدت أسعاره في بورصة لندن مساء الثلاثاء، إثر إعلان مجمع «إندونيسيا موروالي الصناعي»، أحد أكبر مراكز إنتاج النيكل في إندونيسيا، أن نقص إمدادات المياه أجبر بعض المصاهر على خفض إنتاج الحديد الخام المحتوي على النيكل.

أما في بورصة لندن للمعادن، فقد تراجع الألمنيوم بنسبة 0.63 في المائة، والزنك 0.68 في المائة، والرصاص 0.52 في المائة، والنيكل 0.43 في المائة، والقصدير 0.38 في المائة.

وفي بورصة شنغهاي، انخفض الألمنيوم بنسبة 0.14 في المائة، والزنك 0.47 في المائة والرصاص 0.4 في المائة، بينما سجل القصدير ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.11 في المائة.


صندوق النقد: اقتصاد سريلانكا يبدي مرونة أمام الصدمات رغم مخاطر الحرب

امرأة تمشي داخل مقر البنك المركزي السريلانكي في كولومبو بسريلانكا (رويترز)
امرأة تمشي داخل مقر البنك المركزي السريلانكي في كولومبو بسريلانكا (رويترز)
TT

صندوق النقد: اقتصاد سريلانكا يبدي مرونة أمام الصدمات رغم مخاطر الحرب

امرأة تمشي داخل مقر البنك المركزي السريلانكي في كولومبو بسريلانكا (رويترز)
امرأة تمشي داخل مقر البنك المركزي السريلانكي في كولومبو بسريلانكا (رويترز)

أبدى اقتصاد سريلانكا قدرة على الصمود أمام سلسلة من الصدمات، مع تسجيله نمواً قوياً خلال الربع الثاني من العام، رغم ارتفاع التضخم إلى 8 في المائة على أساس سنوي في أغسطس (آب) نتيجة صدمة ارتفاع أسعار النفط العالمية، وفق صندوق النقد الدولي، محذراً من أن استمرار الحرب في الشرق الأوسط والسياسات التجارية العالمية وظاهرة «إل نينيو» تبقي المخاطر المحيطة بالاقتصاد مائلة إلى الجانب السلبي.

وقال فريق من خبراء الصندوق، في ختام زيارة إلى سريلانكا استمرت من 10 إلى 23 سبتمبر (أيلول)، إن النشاط الاقتصادي نما 4.2 في المائة في الربع الثاني من 2026، مسجلاً 11 ربعاً متتالياً من النمو القوي، بينما ارتفعت الاحتياطيات الرسمية الإجمالية إلى 6.9 مليار دولار بنهاية أغسطس.

وأشار الصندوق إلى أن توقعات التضخم لا تزال مستقرة على نطاق واسع، بينما تحافظ البنوك على مستويات جيدة من رأس المال والربحية، كما جاءت النتائج المالية خلال النصف الأول من العام قوية، واقتربت عملية إعادة هيكلة الديون من الاكتمال.

الحرب والتجارة تضغطان على التوقعات

ورغم التحسن في المؤشرات الاقتصادية، حذَّر الصندوق من مخاطر مرتبطة بعدم اليقين بشأن مدة الحرب في الشرق الأوسط وشدتها، إلى جانب تطورات السياسة التجارية العالمية وتأثيرات ظاهرة «إل نينيو».

وقال رئيس بعثة الصندوق إلى سريلانكا، إيفان باباجيورجيو، إن الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي في بيئة معرضة للصدمات يتطلب التزاماً ثابتاً بالسياسات والإصلاحات الحذرة، بهدف إعادة بناء الهوامش المالية والخارجية، والحفاظ على استقرار الأسعار، وتعزيز الحوكمة، إلى جانب تقوية شبكات الأمان الاجتماعي لحماية الفئات الأكثر ضعفاً.

ودعا الصندوق إلى وضع وتنفيذ استراتيجية متوسطة الأجل للإيرادات بهدف تعزيز الإيرادات الحكومية، مع تحسين كفاءة وعدالة النظام الضريبي، وتوسيع القاعدة الضريبية، وترشيد الإعفاءات والحوافز، إلى جانب تعزيز إدارة الإيرادات لتحسين الامتثال الضريبي وتحقيق مكاسب مستدامة.

كما شدد على أهمية مواصلة تسعير الطاقة وفق مبدأ استرداد التكلفة، للحد من المخاطر المالية الناجمة عن الشركات المملوكة للدولة، ومعالجة العقبات التي تعوق تنفيذ الإنفاق الرأسمالي.

الإبقاء على هدف التضخم عند 5 %

وفي السياسة النقدية، رأى الصندوق أن على البنك المركزي أن يكون مستعداً للتعامل مع ضغوط التضخم، والحفاظ على استقرار الأسعار ضمن إطار استهداف التضخم المرن.

كما دعا إلى مزيد من المرونة في سعر الصرف، للمساعدة في امتصاص الصدمات ودعم تراكم الاحتياطيات. وقال إنه سيكون من الحكمة، عند إجراء المراجعة القانونية الأولى، الإبقاء على هدف التضخم عند 5 في المائة ونطاق المساءلة الحالي.

وأوضح الصندوق أن الهدف الحالي يوفر لسريلانكا المرونة اللازمة في مواجهة التقلبات الكبيرة في أسعار الغذاء والطاقة؛ مشيراً إلى أنه يمكن النظر في الانتقال إلى هدف أقل في المراجعة المقبلة، بعد بناء سجل من التضخم المنخفض والمستقر.

من الاستقرار إلى التحول

وأكد الصندوق أن الانتقال من مرحلة تثبيت الاقتصاد إلى مرحلة التحول يتطلب استمرار الزخم في الإصلاحات الهيكلية، لتحسين بيئة الأعمال وجذب الاستثمارات، بما في ذلك تحرير التجارة، وتحديث أنظمة الأعمال والعمل، وتوسيع الوصول إلى التمويل، وتسريع التحول الرقمي.

وأشار إلى أن ترسيخ سجل من السياسات السليمة وتنفيذ الإصلاحات سيساعد سريلانكا على تعزيز قدرتها على الصمود واستعادة الثقة بصورة مستدامة، ورفع مستويات المعيشة من خلال نمو قوي وشامل.

وجاءت زيارة فريق الصندوق في إطار مباحثات المراجعة السابعة لبرنامج تسهيل الصندوق الممدد، إلى جانب مشاورات المادة الرابعة لعام 2026.

وقال الصندوق إن المناقشات ستتواصل خلال الفترة القريبة، بهدف التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن السياسات والمعايير اللازمة لاستكمال المراجعة السابعة.


الصكوك والسندات السعودية تفتح مساراً جديداً للوصول إلى السيولة

مستثمر يعبر أمام شعار «تداول» في السوق السعودية (رويترز)
مستثمر يعبر أمام شعار «تداول» في السوق السعودية (رويترز)
TT

الصكوك والسندات السعودية تفتح مساراً جديداً للوصول إلى السيولة

مستثمر يعبر أمام شعار «تداول» في السوق السعودية (رويترز)
مستثمر يعبر أمام شعار «تداول» في السوق السعودية (رويترز)

​تدخل سوق الصكوك والسندات السعودية المقوّمة بالريال مرحلة جديدة في تطوير التداول الثانوي، مع ربط تنفيذ الصفقات إلكترونياً بعمليات المقاصة والتسوية داخل السوق المحلية.

ولا تقتصر دلالة الخطوة على رقمنة تنفيذ الصفقات؛ بل تمتد إلى تسهيل الوصول إلى السيولة وتحسين اكتشاف الأسعار وتقليص الإجراءات اليدوية. وتبرز أهمية هذا الربط أيضاً في تجارب أسواق دولية طوّرت التداول الإلكتروني بالتوازي مع تكامل البنية المحلية لما بعد التداول.

وتأتي الآلية الجديدة مع إتاحة التداول الإلكتروني للمستثمرين والمتعاملين المحليين عبر نظام تداول بديل تديره «تريدويب»، إلى جانب المسار الذي أُتيح للمستثمرين الدوليين منذ إطلاق النظام في السعودية العام الماضي.

وأفادت «تريدويب» (Tradeweb) الأميركية، المشغِّلة في السعودية لنظام تداول بديل مرخص من هيئة السوق المالية لتداول الصكوك وأدوات الدين، بأن «جي آي بي كابيتال» والبنك السعودي الأول نفذا أول صفقة محلية عبر النظام، بينما أُحيلت تفاصيل الصفقة إلى شركة مركز مقاصة الأوراق المالية (مقاصة) لاستكمال إجراءات ما بعد التداول، ثم إلى شركة مركز إيداع الأوراق المالية (إيداع) لإتمام التسوية.

وتختلف الآلية الجديدة عن مجرد إضافة قناة إلكترونية لتنفيذ الصفقات؛ إذ تربط مراحل التنفيذ وما بعد التداول ضمن مسار واحد. ويتيح النظام للمستثمر المحلي طلب عروض أسعار من المتعاملين المؤهلين ومقارنتها إلكترونياً، قبل إرسال تفاصيل الصفقة المنفذة إلى «مقاصة» التي تتولى إصدار تعليمات التسوية إلى «إيداع». وتقتصر المشاركة على المستثمرين المحترفين والمتعاملين المحليين المستوفين متطلبات التسجيل والحسابات لدى الجهات المعنية.

وقبل إطلاق الآلية الجديدة، كانت عملية تنفيذ الصفقات والتسوية المحلية تتم عبر مسارات منفصلة، ما قد يتطلب نقل تفاصيل الصفقة أو إدخالها بين أنظمة مختلفة. أما النموذج الجديد، فيوفر سجلاً إلكترونياً متصلاً من تنفيذ الصفقة إلى مراحل ما بعد التداول، بما يقلل تكرار إدخال البيانات والتدخل اليدوي، ويحسّن قابلية تتبع العملية وتدقيقها، من دون تغيير طبيعة الصفقات الثنائية أو ترتيبات التسوية المحلية المعمول بها.

وقال المدير العام والرئيس المشارك للأسواق العالمية في «تريدويب»، إنريكو بروني، لـ«الشرق الأوسط»، إن التداول الإلكتروني لا يخلق السيولة بحد ذاته، ولكنه يجعل السيولة القائمة أسهل في الوصول والعثور عليها.

وأوضح أن آلية طلب عروض الأسعار تتيح للمستثمرين مقارنة الأسعار المقدمة من المتعاملين المؤهلين من خلال عملية موحدة وقابلة للتتبع، مضيفاً أن زيادة عدد العملاء والمتعاملين المستخدمين للآلية يمكن أن تدعم -بمرور الوقت- كفاءة اكتشاف الأسعار وتعميق السوق الثانوية.

المدير العام والرئيس المشارك للأسواق العالمية في «تريدويب» إنريكو بروني (تريدويب)

من السوق الدولية إلى التداول المحلي

وتأتي الخطوة بعد إطلاق نظام التداول البديل في السعودية في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، والذي أتاح في مرحلته الأولى للمستثمرين الدوليين التداول الإلكتروني في الصكوك وأدوات الدين المقوّمة بالريال. وشهدت المرحلة الأولى صفقات بين مؤسسات دولية، من بينها «بلاك روك» و«بي إن بي باريبا» و«غولدمان ساكس».

ومع إضافة المسار المحلي، أصبح النظام يتيح قناة إلكترونية للمؤسسات والمتعاملين داخل السعودية، مع إبقاء عمليات ما بعد التداول والتسوية ضمن البنية التحتية المحلية. ويعني ذلك أن عملية تنفيذ الصفقة يمكن أن تبدأ إلكترونياً من طلب عروض الأسعار، وتنتهي ضمن مسار محلي للمقاصة والتسوية.

ولا تزال المنصة في مرحلة مبكرة من تطورها، ولم يقدم بروني بيانات محددة عن أحجام التداول منذ إطلاقها. وقال إن النشاط بدأ في التركيز على إتاحة أدوات الدين المقوّمة بالريال للمستثمرين الدوليين، قبل إضافة مسار للتداول بين المشاركين المحليين.

السيولة واكتشاف الأسعار

ولا يرى بروني أن التحول إلى التداول الإلكتروني يخلق السيولة من تلقاء نفسه، وإنما يمكن أن يجعل السيولة المتاحة أصلاً أسهل في الوصول إليها. ومع اتساع قاعدة المشاركين، يمكن لتوحيد آلية طلب عروض الأسعار ومقارنة عروض المتعاملين أن يساعد في تحسين اكتشاف الأسعار.

وتكتسب هذه المسألة أهمية مع اتساع سوق الدين بالريال السعودي وزيادة مشاركة المستثمرين الدوليين. ومن المنتظر أن تدخل أدوات الدين الحكومية السعودية في مؤشر «جي بي مورغان» للسندات الحكومية للأسواق الناشئة على مراحل، بدءاً من يناير (كانون الثاني) 2027، وهو ما يوسّع قاعدة المستثمرين الذين يتتبعون المؤشر أو يستثمرون في أدواته.

وقد يمثل اتساع قاعدة المستثمرين الدوليين، إلى جانب نمو المشاركة المحلية، عاملاً في زيادة الحاجة إلى آليات أكثر كفاءة للوصول إلى سيولة المتعاملين واكتشاف الأسعار؛ خصوصاً مع تطور السوق الثانوية.

رجلان يتحدثان أمام إحدى شاشات الأسهم في السوق السعودية (رويترز)

مجالات للتوسع

ولا تقتصر فرص زيادة التداول الإلكتروني مستقبلاً على الصكوك الحكومية وأدوات الدين المقوّمة بالريال؛ إذ تشمل المجالات المحتملة السندات المؤسسية واتفاقيات إعادة الشراء والمشتقات، وفق ما ذكره بروني، على أن يرتبط إدخال هذه الأدوات بطلب العملاء وتوفر السيولة والموافقات التنظيمية اللازمة. وكانت هيئة السوق المالية قد رخصت «تريدويب» لمزاولة نشاط السوق في شكل نظام تداول بديل للصكوك وأدوات الدين.

وتتيح البنية الحالية إضافة منتجات وآليات تداول أخرى، مع الحفاظ على هياكل الحسابات وترتيبات التسوية وممارسات التداول المعمول بها في السوق السعودية، وفق الشركة.

ويقول بروني إن نجاح الآلية خلال العامين أو الثلاثة المقبلة لن يقاس بحجم تداول محدد، وإنما باتساع قاعدة المستثمرين المحليين والدوليين المستخدمين لها بصورة منتظمة، ونمو شبكة مزودي السيولة، واتساع نطاق الأدوات المتداولة.

وبذلك يتركز أثر المسار الجديد على الجانب التشغيلي من السوق الثانوية، عبر تقليص الفاصل بين تنفيذ الصفقة وتسويتها، وتسهيل الوصول إلى السيولة المحلية، بما قد يدعم تطور تداول الصكوك والسندات المقوّمة بالريال السعودي مع اتساع قاعدة المشاركين.