العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

محمد سعيد محفوظ يوثق له في «الخروج من البوابة الحمراء»

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر
TT

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات، لكنها جاءت مشحونة بتأملات فلسفية وخواطر إنسانية تمزج الشجن بالسخرية على هامش تجربة حقيقية يستند إليها العمل وهو إقامة المؤلف لمدة عشرة أيام كاملة في فندق بمدينة لندن كإجراء احترازي وهو «العزل» عند سفره إلى بريطانيا في أثناء جائحة كورونا التي ضربت العالم قبل سنوات.

في الطبعة الجديدة من العمل الصادرة عن دار«ميدياتوبيا»، يروي المؤلف مذكراته في ردهات أغرب معتقل وسمه باسم «زنزانة العزل»، حيث ينسج تفاصيل وحدته القاسية، يوماً بيوم، ودقيقة بدقيقة، لتتفجر من بين سطوره مفارقات المشاعر الإنسانية وأكثرها شجناً.

تتصاعد سطوة العزلة في وجدانه حتى تضيق بها الروح، فيتساءل بمرارة عما إذا كان من الممكن أن يخرج من هذا الحصار معافىً، أم أن جراح النفس سترافقه إلى عيادات الأطباء بعد العناق الأول للحرية، ومن ذا الذي سيرمم وهن جسده، ويداوي عضلاته التي تيبست، وأقدامه التي أثقلها التورم من فرط المكوث خلف قضبان الصمت.

يكتسب النص قيمته من الحكي الحميم عبر لغة بسيطة تتخفف من الجماليات والزخارف البلاغية، فما تستهدفه هو نقل ضغط اللحظة وأشواق الروح عبر عين بارعة في التقاط التفاصيل الصغيرة والمفارقات الدرامية، وكأن «العزل» رغم قسوته فتح نوافذ للتأمل في الذات والحياة والواقع الإنساني برمته.

في تقديمها للكتاب، ترى الكاتبة سكينة فؤاد أن التعبير عن تلك التجربة بلغ ذروة الصدق، حتى كادت أن تتوحد مع آلام كاتبها وهو يدير تفاصيل حياته الرتيبة داخل زنزانة ضيقة؛ حجرة هي العالم بأسره، يمارس فيها طقوس بقائه، ولا ينقصه فيها شيء سوى الحرية، أثمن ما يهبه الوجود.

وتضيف: «هي سطور مست أعماقي، وأثق أنها ستوقظ الصدى ذاته في نفوس كل الذين كبلتهم قضبان فُرضت عليهم قسراً، ليصرخوا مع المؤلف في تساؤل وجودي حارق: كيف قهرتُ نفسي كل هذه السنوات ثم أشكو من هذا السجن الرمزي؟ أنا خبير في تضييع الحرية، وما العزل إلا عينة مما أكابد!».

ويروي محفوظ كيف أنه لم يكن يبالي مطلقاً حين طرقت أصابعه لوحة المفاتيح لتدوين هذه اليوميات وأن يسعى لنشرها في كتاب؛ فقد كان كل ما يشغله حينها هو التنفيس عن الضيق الذي يشعر به، وتفريغ ما يعانيه من كبت، فمنذ الطفولة، لم يجد لي صديقاً يتفهمه كالقلم، وظلت هذه العلاقة وطيدة حتى بعد أن استبدل بريشته أزرار الكمبيوتر. بدأ بنشر اليومية الأولى مقتضبةً على «فيسبوك»، فحظيت باهتمام بعض الأصدقاء، ما دفعه لإتباعها بالثانية ثم الثالثة والرابعة، مع إضافة مزيد من التفاصيل المادية والحسية، ومع ازدياد التفاعل، وجد في هذا التدوين الأنيس والسلوى لروحه.

في اليوميات يتذكر أنه عند هبوط الركاب من الطائرة وتوجههم إلى فندق قريب، وُجّه كل راكب إلى طاولة مستقلة لملء بيانات نظامه الصحي والغذائي، حيث استمعوا إلى شرح أحد الموظفين، من خلف قناعه، حول طبيعة وسير الحياة في هذا «السجن الفندقي». أوضح الموظف أن خروجه للتريض مشروط بالحصول على تصريح مسبق من أقرب حارس لغرفته أو من إدارة الأمن، كما أكد أن موظف أمن سيرافقه لضمان التزامه بقيود التباعد، مع ضرورة ارتداء الكمامة باستمرار خارج الغرفة، ومنع التدخين نهائياً بداخلها، مع توفير بدائل النيكوتين لمن يحتاج إليها.

شملت التحذيرات منع استقبال أي ضيوف داخل الغرفة، أو الدخول لغرف نزلاء آخرين من خارج دائرته المقربة، وبدلاً من ذلك، يمكنه التواصل مع عائلته وأصدقائه عبر تطبيقي «زووم» أو «سكايب»، مستفيداً من شبكة الإنترنت المجانية المتاحة في الغرف.

أشار الموظف في ختام حديثه إلى أن فنادق العزل تحظى باهتمام الرأي العام، ما قد يدفع وسائل الإعلام للتواصل معه، وأكد أن له كامل الحرية في التحدث إليهم أو الرفض، مشدداً على ضرورة احترام خصوصية النزلاء والموظفين، وعدم التقاط أي صور لهم دون إذن مسبق.

ويحق للفندق الاحتفاظ بأي بريد يصل إلى النزيل في حال الاشتباه بوجود خطر على الصحة أو الأمن، على أن يتم تسليمه له عند المغادرة ما لم تتم إعادته للمرسل، كما أن المشروبات الكحولية متاحة عبر خدمة الغرف، مع التأكيد على عدم الإفراط في تناولها لضمان قدرة النزلاء على الاستجابة لتعليمات الحراس.

أوضح الموظف كذلك أن عمال النظافة ممنوعون من دخول الغرف، لذا تقع مسؤولية التنظيف على عاتق النزيل باستخدام الأدوات والمساحيق المتوفرة بالغرفة، كما تشمل تكلفة العزل غسل سبع قطع ملابس صغيرة فقط بمغسلة الفندق طوال فترة الإقامة.

وبالأخير، نجح النص في تحويل العزلة إلى فضاء للتأملات والتداعي الحر في لحظة نفسية مشحونة بالخوف والقلق، مع التطرق بطريقة غير مباشرة إلى أزمات تعاني منها الأجيال الجديدة مثل الانطوائية، والرهاب الاجتماعي، فضلاً عن أثر غياب دور الأهل، ما جعل العمل يلامس واقع الشباب العربي.


مقالات ذات صلة

طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني

ثقافة وفنون طارق الطيب

طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني

تكتسب التجربة الأدبية للكاتب الروائي طارق الطيب خصوصية لافتة بسبب تعدد روافدها الإنسانية والثقافية، فقد وُلد في القاهرة لأب سوداني،

ثقافة وفنون الجميلات يواجهن غزاة البحر

الجميلات يواجهن غزاة البحر

مدينة مصرية قديمة تحتشد بالجميلات القويات البارعات في الحفاظ على الحضارة، لكنهن يجدن أنفسهن فجأة في قلب مشهد كابوسي يبدو فيه كل ما شيدته أياديهن من أسباب للخلود

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الـ12 لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالدوحة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
كتب «عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون هناء العمير

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة.

د. مبارك الخالدي

«الأنشوطة الباريسية» لأحمد المديني... مراجعة أدبية لأحلام النضال والاغتراب

الروائي المغربي أحمد المديني يوقع روايته الأنشوطة الباريسية في موسم أصيلة (الشرق الأوسط)
الروائي المغربي أحمد المديني يوقع روايته الأنشوطة الباريسية في موسم أصيلة (الشرق الأوسط)
TT

«الأنشوطة الباريسية» لأحمد المديني... مراجعة أدبية لأحلام النضال والاغتراب

الروائي المغربي أحمد المديني يوقع روايته الأنشوطة الباريسية في موسم أصيلة (الشرق الأوسط)
الروائي المغربي أحمد المديني يوقع روايته الأنشوطة الباريسية في موسم أصيلة (الشرق الأوسط)

من أحلام التغيير إلى مرارة المنفى، ومن جاذبية باريس بوصفها عاصمة للحرية والثقافة إلى ثقل الحنين إلى الوطن، يعود الروائي المغربي أحمد المديني في روايته «الأنشوطة الباريسية.. مغاربة وعرب آخرون» إلى مرحلة من التاريخ المغربي والعربي، حين كانت العاصمة الفرنسية ملتقى للمثقفين والكتاب والمناضلين السياسيين، وملاذاً لمن دفعتهم ظروف بلادهم إلى البحث عن حياة أخرى.

لكن باريس التي استقبلت أحلامهم لم تمنحهم بالضرورة ما كانوا يبحثون عنه. فبين مقاهيها وشوارعها وأحيائها، عاش هؤلاء تجارب متباينة، جمعت الأمل بالخيبة، والحرية بالعزلة، والانتماء إلى ثقافة جديدة باستمرار الارتباط بالوطن.

هذه التجربة، بما تنطوي عليه من تناقضات إنسانية وسياسية، تشكل مادة الرواية التي احتفى بها موسم أصيلة الثقافي الدولي في دورته السابعة والأربعين، خلال حفل توقيع احتضنه رواق محمد بن عيسى للفنون الجميلة بمركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية، الخميس، بحضور مثقفين ونقاد وإعلاميين وفنانين.

ولم يكن اللقاء مجرد مناسبة لتقديم إصدار روائي، بل تحول إلى قراءة في ذاكرة جيل مغربي وعربي ارتبطت تجربته بباريس خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وفي قدرة الأدب على استعادة سير شخصيات حقيقية، وإعادة تركيبها داخل عالم تخييلي يتجاوز حدود السيرة والتوثيق.

باريس في ذاكرة المديني

في تقديمه للقاء، توقف الناقد شرف الدين ماجدولين، أستاذ التعليم العالي بالمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، عند العلاقة الممتدة بين أحمد المديني وباريس، وهي علاقة تجاوزت الإقامة والعبور إلى الحضور المتكرر في تجربته الأدبية.

ورأى ماجدولين أن «الأنشوطة الباريسية» تجمع شتات ما راكمه الكاتب من نصوص وتجارب عن المدينة الفرنسية، التي شغلت جانباً من حياته ووجدانه وفكره، وأثمرت كتابات متعددة على امتداد سنوات.

ومن هنا، وصف الرواية بأنها «نص متحفي»، بالنظر إلى قدرتها على جمع الأزمنة والأمكنة والشخصيات داخل بناء سردي واحد، يستعيد ما تفرق في الذاكرة والكتابة، ويمنحه حياة أخرى في الرواية.

غلاف رواية «الأنشوطة الباريسية» (الشرق الأوسط)

وتبدو باريس، وفق هذه القراءة، أكثر من مجرد مكان تجري فيه الأحداث. إنها فضاء تتقاطع داخله حكايات المثقفين والمهاجرين والمنفيين، وتنعكس فيه تحولات المغرب والعالم العربي، بما حملته من صراعات سياسية وأسئلة الهوية والانتماء.

«أنشوطة» الاغتراب

واعتبر حاتم البطيوي، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، أن الرواية تعيد القارئ إلى مرحلة شهدت تحولات سياسية وفكرية، عاش خلالها مغاربة وعرب في باريس، واتخذوا منها مكاناً للإقامة والعمل والنضال السياسي والثقافي.

وقال إن المديني يعيد بناء تلك التجارب عبر سرد يمزج التوثيق بالتخييل، مستحضراً تفاصيل الحياة اليومية في المقاهي والشوارع والأحياء الباريسية، وما ارتبط بها من علاقات وصداقات وصراعات.

وأشار البطيوي إلى التحول الذي طرأ على صورة باريس في وجدان بعض المهاجرين. فالمدينة التي بدت لهم في البداية فضاءً للضوء والأمل والحرية، تحولت مع مرور السنوات إلى «أنشوطة» تشدهم إلى منفى اختياري أو قسري، وتضاعف شعورهم بالغربة والخيبة والحنين إلى الوطن.

ورأى أن قيمة الرواية لا تقف عند حدود بنائها الفني، بل تمتد إلى حفظ ذاكرة جيل عاش التوتر بين تطلعاته إلى التغيير في بلاده وواقع حياته في الخارج.

ونوّه البطيوي بلغة المديني في استعادة الشخصيات والأماكن والوقائع، وقدرته على إعادة تشكيل نماذج بشرية أدت أدواراً في مرحلة من تاريخ المغرب، قبل أن تتوارى تجارب بعضها خلف تحولات السياسة والزمن.

وأكد أن احتفاء أصيلة بهذا العمل يأتي تقديراً للمسار الأدبي الذي يواصل المديني بناءه، ولإسهام أعماله في استعادة محطات من تاريخ المغرب الحديث، ولا سيما التحولات التي عرفها منذ النصف الثاني من القرن الماضي.

باريس... وشخصياتها

من جانبه، رأى الناقد نور الدين درموش أن حضور باريس في «الأنشوطة الباريسية» يمثل امتداداً لعلاقة قديمة بين المدينة وعالم أحمد المديني السردي، إذ حضرت في كتاباته السابقة بوصفها فضاءً لتجارب إنسانية وثقافية متراكمة.

وأوضح أن الكاتب بدا، من خلال هذا العمل، وكأنه يسعى إلى جمع شتات علاقته بباريس في رواية واحدة، تستوعب ما اختزنته ذاكرته من مشاهد وأسماء وتجارب على امتداد عقود.

وبحسب درموش، فإن المدينة لا تكتفي بدور الخلفية المكانية، بل تتحول إلى شخصية روائية تؤثر في مصائر المقيمين فيها، وتشارك في تشكيل علاقاتهم ومواقفهم من الحياة.

فالرواية ترصد تناقضات باريس بين نهارها وليلها، وبين ما تضج به مطاعمها وحاناتها وساحاتها من ألفة ومرح، وما يعتمل في نفوس شخصياتها من قلق ووحدة واغتراب.

واعتبر درموش أن العمل يمثل شهادة وفاء لمغاربة عاشوا بعيداً عن بلادهم، وظل الحنين إلى الوطن حاضراً في حياتهم، مهما طالت إقامتهم في فرنسا.

وتوقف عند شخصية محمد باهي، التي تحتل موقعاً محورياً في الرواية، باعتبارها إحدى الشخصيات التي تتكثف من خلالها تجربة ذلك الجيل، وما عرفه من ارتباط بالصحافة والسياسة والمنفى.

سيرة صحافي

أما أحمد المديني، فقد كشف خلال اللقاء عن جانب من البناء الحكائي لروايته، موضحاً أنها تنطلق من سيرة صحافي مغربي يقرر مغادرة بلاده بعدما أمضى سنوات في العمل بوكالة رسمية، وعاش أزمات مهنية وشخصية دفعته إلى الهجرة نحو فرنسا.

وهناك، يجد الصحافي نفسه أمام حياة جديدة، لكنه لا يستطيع الانفصال عن ماضيه، الذي يظل يلاحقه بأشخاصه وذكرياته وتجربته المهنية وما رافقها من أعباء.

ويتحول منير سرحان، الشخصية المحورية في الرواية، إلى مهاجر يعيش بين زمنين. ماضٍ مغربي لم ينتهِ، وحاضر باريسي يحاول من خلاله إعادة تشكيل حياته.

غير أن هذه المحاولة تتشابك مع علاقات والتزامات تربطه بالمغاربة المقيمين في باريس، وبعرب آخرين جمعهم المكان واختلفت ظروف هجرتهم ومواقفهم من أوطانهم.

وأوضح المديني أن منير سرحان ليس وحده في هذه التجربة، إذ تتقاطع حكايته مع شخصيات حقيقية وأخرى متخيلة، من بينها محمد باهي ومحمد خير الدين ومحمد البصري.

وأشار إلى أن حضور هذه الأسماء لا يحول الرواية إلى سجل تاريخي أو مجموعة سير، لأن الكاتب يعيد تشكيل الشخصيات والوقائع وفق مقتضيات البناء الروائي، وإن استند إلى أسماء وتواريخ ومسارات واقعية.

وتحتل شخصية محمد باهي موقعاً محورياً في هذا البناء، إذ تمتد حكايته من بداية الرواية إلى نهايتها، في مسار موازٍ لمنير سرحان، البطل والسارد، بما يمنح العمل بطولة مزدوجة تتفرع منها حكايات الشخصيات الأخرى.

ومن خلال هذه العلاقات، يبني المديني عالماً تتجاور فيه التجارب الفردية والجماعية، وتنعكس داخله أسئلة السياسة والثقافة والهجرة والهوية.

وتتحرك الأحداث أساساً في باريس، عبر وصف دقيق لجغرافيتها وأحيائها، قبل أن تمتد إلى الرباط والمغرب، في حركة سردية تعيد الشخصيات إلى جذورها، وتكشف ما تنطوي عليه تجربة الهجرة من تناقضات ومآلات.

من الطهطاوي إلى الطيب صالح..

ولم يفصل المديني روايته عن التراث الأدبي العربي الذي تناول العلاقة بين العرب والغرب، مستحضراً أعمالاً شكلت محطات في تطور هذا السؤال داخل الكتابة العربية الحديثة.

فمن «تخليص الإبريز في تلخيص باريس» لرفاعة رافع الطهطاوي، إلى «أديب» لطه حسين، و«الحي اللاتيني» لسهيل إدريس، وصولاً إلى «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، تتعدد صور الغرب في المخيلة العربية، وتتغير الأسئلة التي يطرحها الاحتكاك به.

وأوضح المديني أن هذه الأعمال جعلت العلاقة بين الأنا والآخر موضوعاً للتفكير في النهضة وتجديد الهوية، من خلال الفكر والأدب والفن.

لكن الرواية، كما يرى، لا تتولى تقديم إجابات جاهزة عن هذه الأسئلة، بل تعيد تمثيل المعضلات الإنسانية والحضارية بأدوات السرد، انطلاقاً من التجربة الحياتية والابتكار الفني.

وفي هذا السياق، تقدم «الأنشوطة الباريسية» تجربة تتداخل فيها الذاكرة الفردية بالتاريخ الجماعي، وتتحول فيها حكاية صحافي مهاجر إلى مدخل لقراءة مرحلة من تاريخ المغرب وعلاقته بفرنسا، وما رافقها من صراعات وأحلام وانكسارات.

وخلص المديني إلى أن الرواية تحمل رؤية ثقافية وحضارية تتصل بأسئلة الهوية والانتماء، وتجمع بين استيعاب الماضي وقراءة الحاضر، عبر سرد يمزج الواقعي بالتخييلي، ويستحضر قلق الإنسان العربي في عالم تتزايد فيه صعوبة الاختيارات والمصائر.

أحمد المديني... سيرة أدبية

وتكتسب هذه العودة الروائية إلى باريس دلالة إضافية بالنظر إلى سيرة صاحبها. فأحمد المديني، المولود في مدينة برشيد المغربية عام 1949، ينتمي إلى جيل من الكتاب الذين ساهموا في تطوير القصة والرواية المغربية، وجمعوا بين الإبداع الأدبي والبحث النقدي والعمل الأكاديمي.

بدأ النشر عام 1967، وأصدر مجموعته القصصية الأولى «العنف في الدماغ» عام 1971، قبل أن تتوالى أعماله في القصة والرواية والنقد وأدب الرحلة. وحصل على دكتوراه الدولة في الآداب من جامعة السوربون بباريس عام 1990، وهو ما يمنح علاقته بالعاصمة الفرنسية بعداً يتجاوز المشاهدة العابرة إلى تجربة معيشة ومعرفة بالمكان وثقافته.

وحضرت باريس في عدد من مؤلفاته السابقة، من بينها «باريس أبداً» و«نصيبي من باريس»، كما أصدر روايات منها «رجال الدار البيضاء» و«ممر الصفصاف» و«الطريق إلى المنافي». وصدرت أعماله الروائية الكاملة في خمسة أجزاء عام 2014.

وحاز المديني جائزة المغرب للكتاب مرتين، وجائزة محمد زفزاف للرواية العربية عام 2018، وجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة عام 2020 عن كتابه «مغربي في فلسطين».

أما روايته «الأنشوطة الباريسية.. مغاربة وعرب آخرون»، فقد صدرت في طبعتها الأولى عن المركز الثقافي للكتاب في فبراير (شباط) 2026، لتضيف عملاً إلى مشروعه السردي الذي تتكرر فيه أسئلة الذاكرة والهوية والمكان.

ويمكن قراءة الرواية أيضاً في سياق الأدب المغربي الذي تناول الهجرة والمنفى والعلاقة بفرنسا، لكن خصوصيتها، كما تكشف مناقشات أصيلة، تكمن في استعادة شخصيات من التاريخ الثقافي والسياسي المغربي وإدخالها في نسيج روائي تتداخل فيه الوقائع بالتخييل.

فباريس التي كانت لدى أجيال من المثقفين العرب مكاناً لاكتشاف العالم والتعرف إلى أفكار الحرية والتغيير، تتحول في رواية المديني إلى موضع لمراجعة الأحلام نفسها. ومن خلال مصائر منير سرحان ومحمد باهي وشخصيات أخرى، تطرح الرواية سؤالاً يتجاوز تجربة الهجرة: ماذا يبقى من أحلام التغيير عندما يطول المنفى، ويتحول الوطن إلى ذاكرة، وتصبح العودة إليه أكثر تعقيداً من الرحيل عنه؟

ذلك هو السؤال الذي تتركه «الأنشوطة الباريسية» مفتوحاً، في رواية تستعيد جانباً من تاريخ المثقفين المغاربة والعرب في باريس، وتعيد النظر في علاقتهم بمدينة منحتهم فرصاً للحياة والكتابة والنضال، لكنها لم تستطع أن تحررهم من قلق الانتماء والحنين إلى الوطن.


طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني

طارق الطيب
طارق الطيب
TT

طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني

طارق الطيب
طارق الطيب

تكتسب التجربة الأدبية للكاتب الروائي طارق الطيب خصوصية لافتة بسبب تعدد روافدها الإنسانية والثقافية، فقد وُلد في القاهرة لأب سوداني، وفي سن 25 عاماً يمَّم شطر الغرب، وتحديداً النمسا التي يقيم بها منذ 42 عاماً.

في عام 1992، صدرت روايته الأولى «مدن بلا نخيل» ثم تعددت مؤلفاته، ومن أبرزها «الرحلة 797 المتجهة إلى فيينا»، و«أطُوف عارياً»، و«نهارات فيينا»، و«الجمل لا يقف خلف إشارة حمراء»، و«بيت النخيل»... هنا حوار معه حول روايته الجديدة وعالمه الأدبي.

* في روايتك الجديدة «رأيت ما لا يجوز لك»، يبدو أن البطل على استعداد لتحويل الشعار الثقافي القديم «قتل الأب» من حالة مجازية تشير إلى رغبة كل جيل أدبي في تجاوز من سبقوه، إلى حالة فعلية من خلال هاجس إنهاء حياة والده فعلاً... ألم تكن قاسياً في تجسيد السلطة الأبوية؟

- فكرة قتل الأب أدبياً وفلسفياً ترمز في مضمونها إلى فكرة تمرّد نابع من سلطة الأب أو جبروته، وهي أيضاً تعبير عن عِصيان للتقاليد ومخالفة للأصول والجذور المتوارثة. الأب في روايتي تلك هو رجل واهن لا حول له ولا قوة ومصاب بألزهايمر.

من يقرأ العمل بلا اجتزاء، سيتبيّن له أن العلاقة بين الابن بلال والأب تتبع مبدأ (وبالوالدين إحساناً)؛ علاقة في مُنتهى اللطف واللين والمحبّة من الابن، يُحضّر للأب ألبومات الصور القديمة ليسحبه نحو الذكريات المبهجة، ويتذكر دوماً المعاملة الحنون من أبيه له وهو طفل صغير.

فكرة ضيق الابن بـ«حالة» أبيه وبعجزه هو عن التصرف لا جحود فيها، بل هو يتمنّى أن يأتي أبوه إلى هذا البرزخ الذي يستعيد فيه كلّ شخص عافيته وشبابه.

* بدا لبعض القراء أنك تنحاز لموقف الابن وتمنحه كل المبررات في مشاعر الجحود ضد والده؟

- الجحود هو إنكار المعروف وعدم الاعتراف بالفضل، والعكس في الرواية هو الموجود.

الابن يبوح لنا بحقيقة مشاعره تجاه حالة أبيه، بلال لا يتمنّى أن يكون أبوه في هذا الوضع المُحزن، يعترف بضعف طاقته كابن. لم يَظهر منه خلال الرواية بالكامل أي لفظ يدلّ على جحوده بأبيه، بل إنّه حين يحكي نتعاطف معه بالقدر نفسه الذي نتعاطف فيه مع الأب.

* هل يمكن القول إن السلطة الأبوية هنا تشير إلى سلطة الاستبداد السياسي أو المجتمعي عموماً؟

- لا توجد سلطة أبوية في الرواية ولا صراع أجيال. الرواية تدور ببساطة حول أب مريض بمرض مُرهِق والابن يحاول التخفيف عنه بكل الطرق الممكنة، فكأنّ الأدوار تبدّلت وصار هو الأب، حيث يحاول أن يعوّضه عن تلاشي عالمه القديم من ذاكرته.

حين أصبح بلال في البرزخ مع الموتى - الأحياء، ورأى بنفسه هناك بهاء الحياة ونعيمها وأدرك أن كلّ مريض قد برأ من مرضه؛ تمنى أن يأتي أبوه إلى هذا المكان.

مَن سيتجاوز هذه النقطة المهمة ويتسرّع في القراءة سيخِلَ بفكرة النص؛ فكرة أمنية بلال في استحضار أبيه إلى مكان يبرأ فيه من ألزهايمر ويتعافى.

* لك العديد من التصريحات التي تنتقد فيها «تقديس» البعض للطيب صالح وتحويله «صنماً» وفق تعبيرك... هل يمثل لك هذا الكاتب السوداني الشهير نوعاً من «السلطة الأبوية» التي أردت أن تتمرد عليها مبكراً؟

- الكاتب الكبير الطيب صالح أكتب عنه دوماً كلّ ما يليق به كقامة عظيمة شامخة. ويبدو أيضاً أن قراءة تصريحاتي مبتورة من الأصل، فانتقادي يتعلّق بمحاولة البعض اعتبار الطيب صالح نبياً أو قديساً لن يأتي من بعده من يمكن أن يكون جديراً بالتفرّد والإبداع الجديد والمميّز.

فكرتي بوضوح التي عبَّرت عنها مراراً أن الطيّب صالح سيبقى دوماً مصدرَ إلهامٍ لكثيرٍ من الأدباء في كلّ مكان، وهذا أمر جيّد وطبيعيّ لكاتب فريد من طراز الطيّب صالح، أمّا مسألة كونه سقف الرواية السودانية؛ فهذا شأنٌ ضارٌّ تَسبّب فيه الناقد المتساهل أولاً ثمّ القارئ المتسرّع ثانياً بتحويل الأديب الكبير إلى «صنم».

هذا الأمر للأسف ليس في صالح الأدب السودانيّ برُمّته ويغلق الباب من البداية بفرضيّة: «لا أدبَ سودانياً بعد الطيّب صالح»، ولا أعرف من أين يأتون بهذا اليقين؟!

* هل تشعر أن البعض لا يزال يختصر الأدب السوداني في شخص الطيب صالح، على نحو يبخس التجارب والأجيال التالية حقها؟

- سبق أن أكدت كذلك على أنه يكاد لا يخلو أيّ نقد عن كاتب سودانيّ من الوقوف عند ناصية الطيّب صالح والبدء منها أو الانتهاء بها، وهذا يدلّ على إجْحاف في براعة وتميُّز الكتابات السودانيّة التي تسبَح في عالم آخر بعيد تماماً عن سِكَة الطيّب صالح.

معظم النقاد يتساهلون في قراءة الأدب السودانيّ الجديد ويراوغون باستيعاب كتابات الطيّب صالح ويصوغونها بإفراط كمرجعيّة لكلّ أدب سودانيّ بَعده.

* أديب سوداني مولود في القاهرة ويعيش في فيينا... هل تتكامل أم تتصارع عناصر الهوية في تكوينك؟

- الهويّة تتبدّل كل لحظة باستيعاب المزيد من اللّغات أو المعارف أو القناعات، فهي لا تمحو قديماً لتنسخ جديداً، هي حاملة متغيّرات على أصل ثابت لا يتغيّر. الهويّة كائن حيّ يعيش ويتزوّد ويتلاقح ويتجدّد ليضيف ويُثبت وجوده الأصليّ وجذره الذي لا يفنى.

هويتي مكونة من عناصر متعدّدة لا تتعارض على الإطلاق، بل تضيف إلى جذر هوّيتي الثابت. الهوية الصماء المغلقة على نفسها التي لا تقبل التلاقح والانفتاح تتجه نحو العدم وإلى عدم القدرة على الإنتاج ولا حتى التفرد.

ميلادي في القاهرة ونشأتي منحاني نِعماً كثيرة. وجود الأب السوداني منحني بلداً كاملاً يمتزج بهوّيتي. فيينا درَستُ فيها وتخرّجتُ وعملتُ بجامعاتها الكبرى وعشت فيها لاثنتين وأربعين سنة وتزوجتُ من أهلها. أضاف كلّ ذلك لي ولهوُيتي التي أعتزّ بها.

إنها نِعمة كبيرة أن يكون للإنسان كلّ هذه الروافد الثقافيّة والإنسانيّة المؤتلفة، ثم يبحث فيها عن التناقض ويعزّزه فيشقى!

* كيف انعكست تجربتك الشخصية ما بين شمال وادي النيل وجنوبه، إلى جانب الحياة في الغرب، على تجربتك الإبداعية، فيما يتراءى لك؟

- بعد ربع قرن من الحياة في مصر انتقلتُ إلى النمسا وأقمتُ فيها حتى الآن (42 سنة)، حملتُ معي كلّ هذا الخزين الحياتي بحُلوه ومُرّه.

معرفتي العميقة بالحياة في النمسا سواء في فيينا أو في الريف كانت ضروريّة للحياة قبل الكتابة. كتبتُ عن النمسا من خلال معرفتي الوطيدة باللغة الألمانيّة وبالعادات والتقاليد وتحديداً النَّسَق الاجتماعي الوسط أوروبي، هذه المعرفة مكّنتني من الكتابة من كثب من الداخل عن الداخل.

كتبتُ بتفاصيل دقيقة عن أبطال وبطلات من عالمنا في الجنوب، عن أحوالهم هناك وعن انتقالهم إلى فيينا. ظهرت هذه الأصداء في رواياتي: في قصة حب في «بيت النخيل»، أيضاً في قصة علاقة مستحيلة، لكنها نجت ونجحت في «الرحلة 797 المتجهة إلى فيينا»، كتبت عن الفنان المضطهد في كلّ مكان عاش فيه في «وأطوف عارياً».

كذلك، كتبت عن غرائبيّة تحقق الأمنيات حين تأتي بالخطر والرعب في «لهو الإله الصغير»، في كلّ هذه الروايات ضَفّرتُ أفريقيا بأوروبا من خلال خبرة شخصيّة وتجربة فنيّة ضروريّة لكتابة الرواية، باختصار لا يمكن تجاوز تاريخ حياة الكاتب وتأثُّره بالبيئة عندما يكتب.

* أصداء العلاقة بين الشرق والغرب... كيف تسللت إلى نصوصك، وماذا كان عنوانها العريض برأيك؟

- تسلّلتْ العلاقة في نصوصي ببساطة «في» الشرق والغرب، وليس «بين» الشرق والغرب؛ فالعيش في النمسا لأكثر من أربعة عقود لا بد أن يأتي بحصيلته الفنيّة: عشتُ في وسط البلاد، حيث درَستُ بجامعة فيينا العريقة ثم درّستُ فيها.

كما عشتُ في شمالها، في مدينة كريمس وأقمتُ في بيتنا في الريف في أقصى الشمال، وكذلك أقمت في جنوبها. وبما أنهم يعدّونني كاتباً نمساويّاً نشطاً بينهم، منحوني وسام الجمهوريّة النمساويّة وعيّنوني سفيراً ثقافيّاً.(النص كاملاً على الموقع الإلكتروني)

ومنحوني منحة «إلياس كانتّي» الكبرى وجعلوني أمثّل النمسا في العديد من بلدان العالم وقدّموا لي الكثير غير ذلك.* تحاضر في ثلاث جامعات غربية في مجال شديد الجفاف هو الاقتصاد، وفق الانطباع السائد على الأقل، هل يتكامل التدريس الجامعي أم يتنافر مع تجربتك الإبداعية عموماً؟

- يظنّ أغلب الناس أن الاقتصاد مادّة جافّة لا علاقة لها بالأدب، في حين يرون أن مِهناً أخرى أكثر قرباً من الأدب أو أكثر جدارة أو قدرة على الكتابة فيه. أرى، على العكس، أن العلوم الاقتصادية من أقرب العلوم إلى الأدب، فهي قمّة التعامل العقلانيّ مع الموارد المحدودة أو السلع النادرة والقدرة على اتخاذ القرارات بعد تحليل دقيق من أجل إيجاد حلول لمشكلاتنا الاقتصادية. والاقتصاد يتضمّن مواضيع عديدة: من حروب واحتلال واحتكار وتسليح وفساد وأزمات بيئيّة وديكتاتوريّات ومصالح عالميّة شريرة... وغيرها، كلّ هذا يدخل بيسر من بوّابة الاقتصاد إلى ميدان الأدب.

الإلهام عبر الاقتصاد يتسلّل أيضاً بكل بساطة إلى حياتي كأديب، وإلى روحي كإنسان يحاول أن يفهم العالم ويكتبه. دراستي للاقتصاد في جامعة فيينا كانت في قسم فلسفة الاقتصاد، مع دراسة إلزاميّة موازية للعلوم الاجتماعية من أجل دراسة تعايش البشر وعلاقاتهم الاجتماعية والتغيّر الاجتماعي والقوانين والأنماط التي تحكم الحياة المجتمعية ودراسة المعايير والقيم والأدوار والتفاعلات والتوقّعات التي تشكّل سلوكهم.

تخصّصتُ فيما بعد بموضوع «أخلاق الاقتصاد» وكتبتُ أطروحتي عن «نقل الأخلاق»، أظنُّ أنه ليس هناك ما هو أقرب من ذلك إلى الأدب.


الجميلات يواجهن غزاة البحر

الجميلات يواجهن غزاة البحر
TT

الجميلات يواجهن غزاة البحر

الجميلات يواجهن غزاة البحر

مدينة مصرية قديمة تحتشد بالجميلات القويات البارعات في الحفاظ على الحضارة، لكنهن يجدن أنفسهن فجأة في قلب مشهد كابوسي يبدو فيه كل ما شيدته أياديهن من أسباب للخلود مهدَّداً بسبب غزو قادم من البحر يهدد جميع فئات المجتمع بعواقب كارثية.

يفتتح الكاتب المصري مصطفى الشيمي أحداث روايته «آرو... تراتيل النار»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة، والذي يخالف النقوش الموجودة على نقوش معبد هابو، حيث خلّد النساخ كلمات رمسيس الثالث «وصلوا إلى الشاطئ لكن ذريتهم لم تفعل»، معلناً نهاية الغزاة من شعوب البحر، لكن على خلاف إرادة الفرعون تنجو امرأة غازية في بيت كاهن وتترك ذريتها على هذه الأرض.

يولد الطفل ميري بعينين مغلقتين وحواس خامدة فلا يدرك الحياة إلا حين تفتح أمه جفنيه بقطرتين من زيت التمساح ليجد نفسه المنوط به إحياء ديانة إخناتون ومجابهة فرعون وجنوده، ولا يملك في يده سوى معجزة واحدة هي صبغة الألوان.

من مستنقعات مدينة ثونيوس إلى معابد طيبة، تشق الرواية جسد مصر القديمة بتاريخها الممزوج بالأسطورة، وتتبع رحلة عائلة استثنائية على حافة زمن يتداعى وعالم توشك قواعده القديمة على السقوط، عبر لغة جزلة تتدفق بسلاسة وقدرة على التخييل لجعل القارئ يرى تفاصيل الأزمنة البعيدة بأنهارها ومعابدها وشخصياتها التي تجمع بين الصلابة والهشاشة في آن واحد.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«كان كل شيء يبدو مثالياً في مدينة (ثونيوس)، الضوء ينساب كالشلال على الوجوه وفي أول النهار، البيوت طينية مطلية بالأبيض ومسقوفة بالنخيل أو القصب من طابق أو عدة طوابق، مزينة بجداريات من حياة الفلاحين ومواسم الحصاد وصيد الأسماك.

فجأة دوّى صوت البوق من أحد أبراج المراقبة، وظل الجندي ينفخ فيه بلا توقف، مشيراً إلى البحر بجنون. لم يطل الغموض فعندما اقترب الجنود من مواقعهم على حافة الميناء رأوا ما رأى في قلب البحر: أسطول هائل من السفن لا تُرى ألوانها ولا تميّز أعلامها من بعيد، لكنها لم تكن سفناً تجارية لم يحتج أحد إلى تفسير إنه الغزو...

صاح قائد الجند:

- إنهم أبناء البحر!

ليست أول مرة يغزون مدن وادي النهر العظيم أو ممالك البحر الأخضر، سفنهم مصنوعة بهيئة ضيقة تساعدها على شق البحر بسرعة بالغة، إضافة إلى مجاديفها وأشرعتها القوية.(النص كاملاً على الموقع الإلكتروني)

داخل كل سفينة مجموعة من رماة الأسهم والرماح حتى السفن البيضاوية التي احتوت غالباً على النساء والأطفال والبضائع والحيوانات كانت قادرة على اصطياد السفن التجارية أيضاً. بداخلها نساء شرسات في القتال. التجار الذين فضَّلوا البقاء آمنين على الأرض راقبوا الجنود وهم يُغرقون سفنهم التجارية أمام أعينهم لاستعمالها متاريس حربية، دون أن يستطيعوا الاعتراض. الأمان والبقاء على قيد الحياة هو كل ما أرادوه، هل الأمان بالبقاء على هذه الأرض المنذرة بالفناء؟ أليس الهاربون المغامرون أكثر حكمة؟».