من تأسيسها إلى رؤيتها... الدولة السعودية وذاكرتها الشفهية

سردية الاستمرار القابلة للتحول إلى رأسمال رمزي مؤسسي

الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن (إكس)
الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن (إكس)
TT

من تأسيسها إلى رؤيتها... الدولة السعودية وذاكرتها الشفهية

الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن (إكس)
الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن (إكس)

يُعَدُ العربُ، في تكوينهم الأساس وهويتهم الثقافية وبنيتهم التراثية، أمةً «شفاهيةً» لا «كتابيةً»، مفتونون بالشعر، يسحرهم الكلام، وتحركهم العبارة، يحتفون بالكلمة ويجسدون بها صوراً حية عن حياتهم وبيئتهم وقيمهم وأخلاقهم، وظلت أشعارهم وأمثالهم وحكاياتهم؛ بل وحتى أنسابهم وتواريخ أيامهم تترجمها منطوقاتهم، تناقلها الألسن وتصغي لها الآذان، وما زالت «العنعنات»، وسلسلة «الأسانيد» في أمهات كتب المغازي والسير والتاريخ، علاوة على الإجازات في التلاوات القرآنية وفي روايات الأحاديث النبوية، شاهداً حياً على محورية «الشفهية» في الثقافة العربية؛ كل ذلك مستمر رغم اتساع آفاق ثقافة العرب وتطور طرائق التدوين والكتابة العربية في شتى الفنون والعلوم والآداب.

الذاكرة الوطنية بوصفها عنصر شرعية

الدول لا تستند إلى الأرض والسلطة فحسب، بل إلى سردية مشتركة تمنحها المعنى والاستمرار. والذاكرة الشفهية السعودية أسهمت في تكوين سردية وطنية، إذ رسخت صورة دولة القانون والعدل بعد الفوضى، وأكدت رمزية التأسيس ونقلت قيم الولاء والتكاتف بين الأجيال.

غير أن الدولة الحديثة لا يكفيها أن تبقي هذه الروايات في نطاقها الاجتماعي التقليدي؛ بل تستطيع أن تُحوّلها إلى رأسمال رمزي مؤسسي، يُدار ويُوظف ضمن مشروع وطني. وهنا يبدأ الانتقال من الحفظ إلى الرؤية.

ففي أزمنة التحولات، تتعرض الهوية الوطنية لتحديات متجددة، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة. والرؤى الوطنية لا تبني اقتصاداً فقط بل تعيد تعريف المواطنة والانتماء، ومن ثم فإن التحدي ليس في صون الرواية الشفهية بل في تفعيلها، والانتقال من مجرد حفظ القصص إلى إعادة قراءتها وتأويلها وإدماجها في التعليم وتحويلها إلى محتوى رقمي تفاعلي، وربط الذاكرات المحلية بسردية وطنية جامعة. بذلك تصبح الذاكرة طاقةً مُحركةً للهوية لا مجرد حنين إلى الماضي.

تحرير المصطلحات

قبل الإكمال، لا بد من تحرير ثلاثة مصطلحات تتعلق بالتاريخية «الشفهية» أو «الشفوية»، وكلاهما صحيحٌ لغةً، لكننا سنقتصر على استخدام «الشفهي» في هذا البحث:

1-التراث الشفهي: وهو ما ينقل شفهياً بالكلام أو الرواية أو الأداء من جيل إلى جيل ويشمل: القصص، والأمثال، والشعر، والحكايات، والأغاني، والأهازيج، والأساطير.

2-الرواية الشفهية: تعد مصدراً من مصادر التاريخ، وهي التي تروى عن طريق المشافهة والنقل من شهود العيان والمعاصرين إلى من بعدهم.

3- التاريخ الشفهي: مصطلح حديث ويعد علماً، وفرعاً من فروع التأريخ، وتعريفه: طريقة علمية تقوم بها جهات متخصصة لتوثيق الروايات الشفهية لأشخاص عاصروا حوادث تاريخية وفق معايير علمية وعبر مقابلات مسجلة ومصورة، مع إخضاعها للمراجعة والتدقيق والتمحيص.

لذا نرى أن التراث الشفهي يشمل كل أشكال التعبير الشفهي، كما لا يمكن عد كل رواية تاريخية تاريخاً شفهياً.

وكثيراً ما يخلط الباحثون والمؤرخون بين مصطلحات «التراث الشفهي»، و«الرواية الشفهية»، و«التاريخ الشفهي»، مما يوقع المتلقين في اللبس.

الرواية الشفهية والتدوين

لعلنا نبدأ بالرواية الشفهية التي تعد أساس التدوين التاريخي، ومع تطور علم التاريخ غدت مكملة للوثيقة التاريخية، وهي دائماً ما توضح بعض الجوانب المرتبطة بتاريخ معين وتضيف إليها. وتفسر بعض الحوادث، وتجلي الغموض عن بعضها، كما تعكس سلوك المجتمع وقيمه وسماته، وتشمل الذكريات الشخصية والروايات والقصص المجتمعية التي تتناول جوانب من الحياة اليومية ونمط العيش وأساليب الحياة، وتمتد إلى توصيف العلاقات الاجتماعية والمهن والحرف، والأنماط والممارسات في شتى المناحي كالزراعة والتجارة والرعي والتعليم، وغيرها.

بينما تركز التواريخ الرسمية والمدونات المكتوبة على التاريخ السياسي والعسكري، نجد أن الرواية الشفهية تَبرزُ كتاريخ منطوق وتركز على العادات والتقاليد والقضايا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وتبحر في تفاصيل الأطعمة والأشربة والأزياء والعلاجات، والفنون والألعاب، وأحاديث السمر وروايات السفر وحكايات الحب والحياة؛ بل وحتى قصص المعاناة والأمراض والموت، وتعبر عن الأحاسيس والعواطف، وتترجم المشاعر والأفكار، التي قد نجد شيئاً منها في بعض السجلات، والمذكرات الشخصية والوثائق العائلية والأوراق الخاصة.

وحتى لا يُظن أن العناية بالتراث الشفهي عموماً، والرواية الشفهية خصوصاً، وتدوينها عند العرب، أمر طارئ أو حديث؛ لا بد من التأكيد أنهم سبقوا غيرهم من الأمم في وضع أسس لجمع التراث الشفهي ومنهجية لتدوينه عبر جمع السنة النبوية وتدوينها في مصنفات وفق أسس وضوابط محددة، يقول الدكتور عبد الله العسكر: «ويرجع الفضل إلى العلماء المسلمين الذين قننوا قواعد علمية للاستفادة من الروايات الشفهية. أصبحت تلك القواعد فيما بعد علوماً مستقلة مثل: علم الإسناد، وعلم الرجال، وعلم الجرح والتعديل، ومصطلح الحديث، وغير ذلك كثير».

التراث الشفهي

أما ما يتعلق بالتراث الشفهي الأدبي من شعر وأخبار وغيرها، فيقول الدكتور عمر السيف: «حين بدأ استشعار خطر اندراس التراث الشعري الشفهي، جُمع التراث الشفهي، وتأسست أنظمة للفرز والتوثيق، ومن ثم الدراسة والتحليل. والرواة حينما أرادوا جمع المادة اللغوية وضعوا ضوابط ومحدِّدات أساسية رغبة في تحقيق الغاية المنهجية لجمع المادة وضعوا محددات صارمة للأخذ، فالغاية التي يريدون تحقيقها جمع اللغة الصافية من العرب الخُلص الذين لم يختلطوا بالأعاجم، كما حددوا ضوابط زمنية بتحديد عصر للاحتجاج، على اعتبار أن السليقة اللغوية تغيرت بعد اختلاط العرب بغيرهم مع اتساع الدولة الإسلامية. وبعد جمع المادة بدأت حركة تأليف غزيرة في اللغة والأدب والتاريخ والحديث لنقل الشفهي إلى الكتابة، وصدرت الكثير من المدونات التي كانت حصيلة مهمة، أعقبتها مراحل لا تزال باقية لدراسة تلك النصوص المجموعة وتحليلها واستنباط الدلالات المخبوءة ولذا، لا يمكن أن نزعم أن جمع التراث الشفهي وتدوينه أمور جديدة على العرب، بيد أن تحول ذلك التراث من الشفهي إلى الكتابي وهبه الاحترام والتقدير الذي يفتقر إليه التراث الشفهي الحالي».

ولو توقفنا عند الحالة السعودية تحديداً نجد أن كثيراً من التراث الشفهي لم يدون مما يجعله منجماً تاريخياً لم ينقب في مواده، وحقلاً معرفياً لم يستخرج إلا القليل من كنوزه.

منهج المؤرخين السعوديين

حيث إن التاريخ السعودي هو الامتداد للتاريخ العربي الإسلامي بمكوناته المتعددة وقنواته الكثيرة وتراثه الضخم، وتنوع عناصره ومحتوياته وأبعاده، سنتناول الرواية الشفهية، التي اعتمد المؤرخون السعوديون عليها منذ نشأة الدولة السعودية قبل ثلاثة قرون وتلقوها بطرق متعددة، وأفادوا منها في تدوينهم للتاريخ السعودي وفق مناهج متباينة لكل مؤرخ. يقول الدكتور عبد اللطيف الحميد في بحثه الذي استقصى فيه منهج 18 مؤرخاً منذ تأسيس الدولة السعودية وحتى عهد الملك عبد العزيز، وتتبع منهج أولئك المؤرخين في توثيق الرواية الشفهية، أنه يمكن تصنيفهم إلى ثلاث مدارس؛ الأولى: ابن بشر، محمد العبيّد، عبد الرحمن بن ناصر، الزركلي، محمد العقيلي: «مؤرخون أفادوا من الرواية الشفهية وطبقوا منهجاً علمياً دقيقاً في توثيقها، تجلى في تلقي صفة الوقائع من شهود العيان أو ممن نقل عنهم وتحري الصدق والحق من أفواه الثقات من الرواة، وذكر اسم الراوي والمكان وصفة الخبر ومكانه».

المدرسة الثانية وهم الأكثر : ابن غنام، البسام، ابن عيسى، الريحاني، مقبل الذكير، خالد الفرج، حافظ وهبة، سعود بن هذلول، أحمد عطار، محمد آل عبدالقادر: «مؤرخون لم يطبقوا منهجاً في توثيق الرواية الشفهية، واكتفوا بالتنويه عنها بوصفها مصدراً من المصادر في مقدمات مؤلفاتهم». أما المدرسة الثالثة، وهم الأقل: ابن عباد، الفاخري، ابن ضويان: «مؤرخون لم يذكروا مصادرهم الشفهية أو منهجهم في توثيقها».

أوعية التراث الشفهي

حين ننظر إلى مرحلة تأسيس الدولة السعودية، نجد في الذاكرة الجمعية للمجتمعات المحلية عديداً من القصص المتناقلة عن الفوضى وغياب العدل قبل تأسيس الدولة والتحول الذي حصل بعد التأسيس، يماثل ذلك قصص متداولة عن الأمر ذاته قبل عهد الملك عبد العزيز واستتبابه بعد ذلك. كما نجد توصيفاً لجوانب من معيشة الناس وحياتهم اليومية. إضافة إلى الروايات التي تتناقلها الأسر والقبائل عن تاريخهم وأدوار بعض رموزهم وشخصياتهم.

أما عن «المجالس»، فيمكن وصفها بمنصات التاريخ، تتداول فيها الأخبار، وتروى القصص، وتلقى الأشعار، ولها ضوابطها وأعرافها وتقاليدها التي لا يمكن تجاوزها.

الجانب الآخر الذي لم يحظ بكثير من الاهتمام هو دور المرأة ليس فقط حافظةً للرواية الشفهية؛ بل وراوية للقصص المتعلقة بالتفاصيل الدقيقة للحياة الاجتماعية للأسر وعلاقاتهم وحكاياتهم التاريخية، ترويها «الجدات» عبر الأجيال وهذا مستمر حتى اليوم.

أما الأشعار والحكم والأمثال فتعد من خزائن التاريخ التي حفظت لنا تاريخ حوادث ووقائع واختزلتها في قصيدة أو بيت من الشعر أو حكمة أو مثل.

هذه كلها مع غيرها يمكن عدها من أوعية التراث الشفهي، التي حفظت لنا تاريخاً لم يرد له ذكر في المدونات الرسمية.

تاريخ عزوة آل سعود (أخو نورة)

ولعلي أدلل بمثال واحد فقط، يتعلق بعزوة آل سعود (أخو نورة)، إذ يظن كثيرون أنها خاصة بالملك عبد العزيز، وأن نورة المقصودة هي شقيقته الأميرة نورة بنت عبد الرحمن، والحقيقة أنها عزوة قديمة لآل سعود وردت في القصيدة الطويلة (39 بيتاً)، التي أرسلها الأمير عمر بن سعود بن عبد العزيز بن الإمام محمد بن سعود لأخيه الإمام مشاري (تُوفي 1820)، ويقول فيها:

(عند أخو نوره عشير الغانمين

مثل عد ما يغور من الشراب)

كما جاءت في قصيدة ناصر الهزاني وعدد أبياتها تسعة عشر، التي يمدح فيها الإمام عبد الله بن فيصل (توفي 1889)، بقوله:

(وإن قيل من هو قلت غش السلاطين

عباد مرجام الحريب أخو نوره)

إذ لولا مثل هذه الشواهد الشعرية لصعب إيجاد الدليل العلمي على قِدم هذه العزوة.

إشكالية الموثوقية والانحياز والذاكرة الانتقائية

الرواية الشفهية لا تنقل الحدث كما وقع حرفياً، بل تعيد صياغته وفق الزمن ووعي الراوي وهوية الجماعة. لذلك لا تُؤخذ بوصفها حقيقة جاهزة، بل يفترض أن تُقرأ بعين نقدية عبر ثلاث نقاط.

الموثوقية: الذاكرة تتغير مع الوقت وتتأثر بتكرار الحكاية والسياق الذي تُروى فيه. الحل ليس استبعادها، بل اختبارها بمقارنتها بروايات أخرى، ومراجعتها على الوثائق إن وجدت، وفهم زمن وظروف ظهورها.

الانحياز: الراوي يتكلم من موقع اجتماعي/فئوي/سياسي، وقد يُجمّل دور جماعته أو يبرّر أو يضخّم الرمزية. لذلك تُقرأ الرواية باعتبارها تكشف عن منظور الراوي بقدر ما تكشف عن الحدث.

الانتقائية: المجتمعات تحفظ ما يخدم سرديتها وقد تسكت عما يربكها، والصمت هنا قد يكون دلالة. لذا يلزم التنبه للفجوات وما لم يُذكر، وتفكيك رموز الرواية لا الاكتفاء بسردها. بهذه القراءة تتحول الرواية الشفهية من مجرد حكاية إلى مادة تحليل يمكن الاستفادة منها علمياً.

وحول ذلك يقول الدكتور عبد الله العسكر: «من هنا تتضح أهمية أن يقوم المؤرخ بفحص الروايات الشفهية وتقويمها ومعرفة الدوافع من ورائها وكذلك طريقة تناقلها، ولعل هذا العمل يقود إلى فحص آخر لا يقل أهمية عن الأول، وهو فحص الحبكة الأسلوبية والهدف والخلفية للراوي، كما على المؤرخ أن يفحص كذلك البناء الداخلي والخارجي للرواية الشفهية من خلال المنهج المعروف لدى المؤرخين، فإذا تم كل ذلك بنجاح يمكن عندئذ تدوين الرواية الشفهية، ومن ثم تصبح وثيقة تاريخية مثلها مثل الوثائق المعروفة».

جهود توثيق التراث والروايات الشفهية

مع كل ذلك يمكننا القول إنه منذ تأسيس الدولة السعودية كانت هناك جهود لتوثيق الرواية الشفهية تحديداً، كجهود بعض المؤرخين التي وردت معنا، وهناك جهود فردية ومؤسسية أسهمت في توثيق التراث الشفهي عموماً والرواية الشفهية، أبرزها دور وسائل الإعلام من صحف ومجلات وإذاعة وتليفزيون من خلال المقابلات التي أجريت مع العديد من أصحاب الشأن في كثير من المجالات. ويأتي كذلك دور الرئاسة العامة لرعاية الشباب من خلال إشرافها على قطاع الثقافة والفنون آنذاك، إذ وثقت خلال ثمانينات القرن المنصرم جوانب من التراث الشفهي.

أما الجهود الفردية التي قام بها كتاب وباحثون ومؤرخون وغيرهم فيصعب حصرها، لكننا سنتوقف عند الدور البارز للدكتور سعد الصويان في هذا المجال، الذي وثق بين عامي 1983 و1990 مئات الساعات المسجلة من الروايات الشفهية عن حياة البادية شملت التاريخ والأشعار والأنساب والقصص والوسوم والديار والموارد وغيرها، وأنتج منها مشروع جمع الشعر النبطي من مصادره الشفهية.

وكذلك دور الأديب والمثقف السعودي عبد المقصود خوجة من خلال صالونه الأدبي (الإثنينية 1982 - 2015) التي أعُدها إضافة لدورها الأدبي، منصة تاريخية من خلال تكريمها لأكثر من خمسمائة شخصية من العلماء والمفكرين والأدباء والمثقفين، وتوثيق سيرهم وتجاربهم من خلال روايات المكرمين أنفسهم أو عن طريق مداخلات وتعليقات الضيوف الدائمين أمثال الأساتذة محمد حسين زيدان وعزيز ضياء وعبد الله بلخير وهاشم زواوي ومحمد عبده يماني وعبد الله مناع وغيرهم، والتي وردت فيها معلومات تاريخية نادرة. ومثلت إثنينية عبد المقصود خوجة ذاكرة تاريخية وثقافية، لكن الأهم في تقديري أن خوجة اضطلع بدور مهم في تدوين الرواية الشفهية حينما فرّغ تلك الروايات بكل ما حوته من معلومات ومداخلات ودونها في إصدارات أحسبها تجاوزت الثلاثين مجلداً، علاوة على أنه جمع مداخلات وتعليقات كل من الأستاذ محمد حسين زيدان والدكتور محمد عبده يماني في إصدارين مستقلين. وبهذا الجهد الكبير قدم خوجة ألوف الصفحات من الشهادات والروايات الشفهية إلى ذاكرتنا الوطنية.

التاريخ الشفهي

التاريخ الشفهي، مصطلح حديث كما أسلفنا له منهجه وقواعده وأصوله، ويركز على التاريخ المعاصر. وفي هذا المجال تبرز جهود المؤسسات مثل:

  • مركز أبحاث الحج: إبان تبعيته لجامعة الملك عبد العزيز قام بتسجيل مقابلات، خلال السبعينات الميلادية من القرن المنصرم، مع أرباب المهن والطوائف الذين يقدمون الخدمات للحجاج والمعتمرين، وهم: المطوفون والأدلاء والزمازمة والوكلاء، وحوت تلك التسجيلات معلومات مهمة عن تاريخ تلك المهن والخدمات التي كانت تقدم للحجاج وغيرها من المعلومات التاريخية المتعلقة بالحج والحجيج.
  • الحرس الوطني: إبان إشرافه على المهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية)، قام بتسجيل عشرات المقابلات خلال عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن المنصرم مع مجموعة من رجالات الملك عبد العزيز الذين صحبوه وعملوا معه أو مع أبنائهم، وثقت تلك المقابلات جوانب من حياة الملك المؤسس، ومراحل تأسيس وبناء الدولة. فُرغّت تلك المقابلات ونشر بعضها في عدد من الإصدارات. وآلت تلك التسجيلات مؤخراً إلى دارة الملك عبد العزيز.
  • مكتبة الملك فهد الوطنية: قامت المكتبة بتدشين مشروعها للتوثيق الشفهي في عام 1994، وسجلت أكثر من 350 مقابلة مع عدد من المثقفين والأدباء ووجوه المجتمع في مختلف مناطق المملكة، لكنها لم تنشر أياً من تلك المقابلات.
  • المئوية: أثناء الاستعداد لاحتفالات المملكة العربية السعودية بالمئوية عام 1999، قامت عدد من الجهات الحكومية، منها وزارة التعليم ووزارة المواصلات، إذ قامت كل وزارة بالتسجيل مع عدد من منسوبيها وأصحاب العلاقة لتوثيق مسيرة التعليم ومسيرة المواصلات والاتصالات في المملكة العربية السعودية، واستفادت كلتا الوزارتين من المعلومات التي سجلتها في إصداراتها بمناسبة المئوية. وقد تكون وزارات أخرى قامت بأعمال مشابهة.
  • مؤسسة الملك خالد الخيرية: سعت المؤسسة إلى توثيق جوانب سيرة الملك خالد من خلال توثيق شهادات حوالي مائة شخصية من الأمراء والوزراء ورؤساء الدول والحكومات وغيرهم من المسؤولين السعوديين، ومستشاري وأطباء الملك وموظفي القصر ومرافقي وسائقي الملك، وغيرهم. ونشرت نصوص تلك المقابلات في قاعدة معلومات الملك خالد بن عبد العزيز.
  • دارة الملك عبد العزيز: بتوجيه من الملك سلمان إبان رئاسته لمجلس إدارتها، أنشأت الدارة أول مركز متخصص في التاريخ الشفهي عام 1995، وإن كان للدارة جهود سابقة في هذا المجال. كما استفادت من تجربة جامعة كاليفورنيا لوس أنجليس الرائدة في مجال توثيق التاريخ الشفهي، ووضعت منهجية علمية ومعايير وقواعد وآليات دقيقة لعمل المركز وسجلت حوالي 8000 مقابلة غطت جوانب متعددة من سير الملوك والأمراء، ورجالات الدولة ومسؤوليها، ونشأة وتطور مؤسساتها، كما شملت جوانب متعددة من التاريخ السعودي. كل ذلك أسهم في ترسيخ الرواية الشفهية بوصفها مصدراً أصيلاً ومكمّلاً للوثائق المكتوبة، ورافداً مهماً لفهم التحولات السياسية والاجتماعية في تاريخ المملكة العربية السعودية.

الأرشيف الوطني الرقمي

إذا كانت الذاكرة الشفهية قد حفظت وقائع التأسيس ونقلت قيمه، كما حفظت جوانب متعددة من التاريخ السعودي عبر قرون، فإن التحدي اليوم لم يعد في جمع الروايات فقط؛ بل في إدارتها بوعي مؤسسي يعزز توثيق الذاكرة الوطنية بوصفها ركيزةً من ركائز السردية التاريخية للدولة السعودية، وينقلها من أرشيف محفوظ في أكثر من جهة إلى أرشيف وطني رقمي يُدار وفق معايير وطنية موحدة للتسجيل والتصنيف، وربطه ببيانات وصفية دقيقة وإتاحته رقمياً بضوابط تحمي الخصوصية والحقوق، مع توظيف أدوات التحليل الرقمي والذكاء الاصطناعي لاستخراج الأنماط والدلالات.

ومما يحفز على مثل هذه الخطوة تدشين مشروع «رجالات الملك عبد العزيز»، بالتعاون بين دارة الملك عبد العزيز ووزارة الحرس الوطني، وذلك ضمن فعاليات النسخة الأولى من «ملتقى التاريخ الشفوي» في شهر ديسمبر (كانون الأول) 2025.

كما يمكن حوكمة الأرشيف الشفهي؛ ما يعني تحويل الذاكرة من تراكم معلومات إلى منظومة معرفة تخدم الهوية الوطنية، وتدعم البحث العلمي، وتبني سردية متوازنة تعكس التعدد. وبذلك لا تبقى الذاكرة مجرد حفظ للماضي بل تصبح ركيزة استراتيجية لإدارة المعرفة الوطنية في العصر الرقمي، وأرى أن دارة الملك عبد العزيز هي الأقرب والأقدر على تبني مثل هذه المبادرة امتداداً لدورها مؤسسةً مرجعيةً للإرث السعودي ونافذةً للتاريخ الوطني وحافظةً لذاكرة الأمة وخزانةً للوثائق التاريخية للمملكة العربية السعودية.


مقالات ذات صلة

تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

ثقافة وفنون الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)

تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

تزامناً مع الاحتفاء بيوم «التأسيس» السعودي، دشنّ الدكتور إبراهيم المطرف كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (الشرق الأوسط)

الملك سلمان: تأسيس دولتنا قام على التوحيد والعدل وجمع الشتات

أكد خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز، أن الدولة السعودية قامت على كلمة التوحيد، وتحقيق العدل، وجمع الشتات تحت راية واحدة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
رياضة سعودية الأمير عبد العزيز بن تركي الفيصل (وزارة الرياضة)

الفيصل مهنئاً بيوم التأسيس: السعودية ستواصل مسيرة التمكين

رفع الأمير عبد العزيز بن تركي الفيصل وزير الرياضة رئيس اللجنة الأولمبية والبارالمبية السعودية، خالص التهنئة والتبريكات للقيادة في البلاد بمناسبة يوم التأسيس.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج مئات الوثائق في وسط الجزيرة العربية تؤكد تمسك وتشدد السكان بالدين (صور من الباحث)

فقدان التاريخ السياسي لم يغيب المظاهر الدينية في المنطقة

عدَّ الباحث الدكتور راشد بن عساكر، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن فقدان التاريخ السياسي وسط الجزيرة العربية لم يغيّر المظاهر الدينية

بدر الخريف (الرياض)
رياضة سعودية رونالدو محتفلا مع لاعبي النصر بعد الفوز على الحزم (موقع النادي)

«بشت التأسيس» يزين احتفالات رونالدو بصدارة النصر

قاد الأسطورة البرتغالي كريستيانو رونالدو احتفالات النصر باستعادة صدارة الدوري السعودي للمحترفين، مرتديا البشت السعودي بطرازه القديم والتاريخي.

«الشرق الأوسط» (الرياض )

محافظ تعز عن الحصار: المجتمع الدولي اكتفى ببيانات الإدانة

حي سكني وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
حي سكني وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
TT

محافظ تعز عن الحصار: المجتمع الدولي اكتفى ببيانات الإدانة

حي سكني وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
حي سكني وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)

أكد نبيل شمسان، محافظ تعز اليمنية، أن المدينة لم تحظَ بإسناد كامل من المنظمات الدولية التي اكتفت بإصدار البيانات والتعبير عن القلق، دون ترجمة ذلك إلى خطوات عملية تسهم في تخفيف معاناة السكان، مشدداً على أن الحل لفك الحصار إما بالتراجع إلى ما قبل الحرب وإما بالمواجهة والحسم العسكري.

وكشفت بيانات صحية حديثة عن ارتفاع حاد في معدلات الوفيات والنزوح في المدينة؛ إذ أظهرت إحصاءات حصلت عليها «الشرق الأوسط»، ومؤرخة في 29 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، ارتفاعاً كبيراً في وفيات الأمهات بنسبة 450 في المائة، وتصاعد عدد الأسر النازحة من 4721 إلى أكثر من 28 ألف أسرة؛ في مؤشرات مأساوية تعكس حجم التداعيات الكارثية التي خلَّفها الحصار على السكان والقطاع الصحي.

وقال محافظ تعز لـ«الشرق الأوسط» إن الميليشيات الحوثية انتقلت من محاصرة المدينة عبر ثلاثة اتجاهات لتطويقها من الجهات الأربع، مؤكداً أن المواجهات تتواصل على مختلف الجبهات، وأن السلطة المحلية تتحرك عبر أربعة مسارات للتواصل مع الجهات والمنظمات الدولية لتأمين الاحتياجات الإنسانية، في وقت لا يزال فيه وصول المساعدات الطبية مرهوناً بتحديد الطرق الآمنة لدخول المدينة.

وبيّن أن المسار الأول تمثل في التواصل والاتفاق مع إحدى المجموعات المدنية لإدخال كميات من المواد الغذائية، إلى جانب استئناف دخول إمدادات البترول والديزل القادمة من عدن ولحج، والتي توقفت منذ شهر، فيما تواصلت السلطة المحلية مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي لديها أربعة أطقم محملة بالعلاجات في الطريق إلى المدينة، إلا أن الطريق الذي ستسلكه للوصول إلى تعز لم يتحدد حتى الآن.

نقص واسع في الوقود والأدوية تواجهه مدينة تعز المحاصرة (أ.ف.ب)

وأشار شمسان إلى التواصل مع برنامج الأغذية العالمي بشأن تقديم السلال الغذائية أو تحويل قيمتها إلى مبالغ نقدية، إلى جانب الحصول على دعم لمادة الديزل من بعض المنظمات، مؤكداً أن الإسناد الأساسي في هذا الجانب يأتي من «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية»، الذي يعمل على تغطية خروج المنظمات، سواء الدولية أو منظمات المجتمع المدني التي توقف تمويلها، لافتاً إلى التواصل الدائم مع القيادة السياسية في الحكومة الشرعية.

المواجهات تتسع

وعن التطورات العسكرية، أشار محافظ تعز إلى أن أشد المواجهات تتركز في مديرية صَبِر، ومشرعة وحدنان، والمشراق، وباتجاه المطار القديم، مشدداً على أن أبناء المدينة أخذوا على عاتقهم مسؤولية الدفاع عنها حتى آخر لحظة، وأن هذا الدفاع من قاطني المدينة لا يقتصر على رقعة جغرافية فحسب، وإنما عن الثورة والجمهورية والمكتسبات الوطنية كافة، في مواجهة ميليشيات قال إنها قَدِمت لتغيير الهوية الوطنية والدينية، وهو ما لا يقبله أبناء تعز بأي شكل من الأشكال.

الحل والإدانات

وشدد شمسان على أن الحسم العسكري مع الميليشيات الحوثية هو الحل للتعامل معها، مشيراً إلى ضرورة خروجها أولاً من المناطق التي سيطرت عليها قبل الحرب الأخيرة، بما يفتح الباب أمام أي تفاهمات ممكنة.

وقال إن الميليشيات لا تزال مصرَّة على مواصلة عدوانها، من خلال الحشد المكثف للقوات، واستمرار استهداف الداخل والخارج، بما في ذلك المملكة العربية السعودية والمنشآت المدنية والمقدسات فيها.

وفيما يتعلق باستجابة المجتمع الدولي، قال محافظ تعز إن المجتمع الدولي اكتفى بإصدار بيانات التنديد والاستنكار، دون اتخاذ أي حراك على الأرض لوقف ما وصفه بالعبث، وما تقوم به الميليشيات من جرائم.

وبالعودة إلى البيانات الصحية التي حصلت عليها «الشرق الأوسط» والصادرة عن مكتب الصحة العامة والسكان في محافظة تعز اليمنية، فإنها تفيد بتراجع الخدمات الطبية وارتفاع الوفيات والنزوح في المناطق المحاصرة؛ إذ ارتفعت وفيات الأمهات بنسبة 450 في المائة، وزاد عدد الأسر النازحة إلى مناطق الحصار من 4721 إلى 28100 أسرة، فيما زاد عدد الأفراد من 31406 إلى 196700 شخص، بزيادة بلغت 84 في المائة.

وأظهر التقرير أن إجمالي مرضى الفشل الكلوي انخفض من 1110 مرضى قبل الحصار إلى 516 مريضاً بعده، بالتزامن مع تراجع جلسات الغسيل الكلوي الشهرية من 8880 إلى 4128 جلسة، في مؤشر على اتساع الفجوة في تقديم الرعاية الطبية للمرضى المزمنين والحالات الطارئة.

2.5 مليون يمني تحت حصار الحوثيين في مدينة تعز (أ.ب)

حديثو الولادة

وفي خدمات رعاية الأطفال حديثي الولادة، انخفض عدد الحاضنات العاملة من 160 إلى 78 حاضنة، بتراجع نسبته 51.3 في المائة، كما تراجع عدد الأطفال المستفيدين من الخدمة شهرياً من 592 إلى 288 طفلاً، بانخفاض نسبته 51.4 في المائة، فيما سجلت وفيات حديثي الولادة ارتفاعاً من 95 إلى 132 حالة شهرياً، بزيادة 38.9 في المائة، كما ارتفعت وفيات الأمهات من حالتين إلى 11 حالة، ووفيات الأطفال دون الخامسة من 3 إلى 5 حالات شهرياً. وعزا التقرير تفاقم وفيات حديثي الولادة إلى نفاد مخزون المحروقات والأكسجين والأدوية، إلى جانب نقص النفقات التشغيلية.

في المقابل، ارتفعت الحالات الإجمالية التي تستقبلها المستشفيات في تعز بشكل قياسي وفق البيانات الواردة في التقرير، الذي ربط تدهور الأوضاع الصحية والبيئية بتكدس القمامة ومياه الشرب غير النظيفة، فيما أشار إلى تأثير الحرب والقصف المتواصل على الأحياء السكنية في ارتفاع الإصابات الجراحية.

سوء التغذية

وفي ملف سوء التغذية، ارتفع عدد الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد الوخيم والمنقطعين عن خدمات التغذية من 455 إلى 528 طفلاً شهرياً، بزيادة 16 في المائة، كما ارتفعت أعداد الأطفال الذين يتلقون العلاج في مراكز التغذية العلاجية للحالات الوخيمة المصحوبة بمضاعفات من 36 إلى 45 طفلاً.


التحالف يستهدف مصادر الدعم البحري للحوثيين في عملية عسكرية نوعية

المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف لدعم الشرعية في اليمن_ اللواء الركن تركي المالكي (الشرق الأوسط)
المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف لدعم الشرعية في اليمن_ اللواء الركن تركي المالكي (الشرق الأوسط)
TT

التحالف يستهدف مصادر الدعم البحري للحوثيين في عملية عسكرية نوعية

المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف لدعم الشرعية في اليمن_ اللواء الركن تركي المالكي (الشرق الأوسط)
المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف لدعم الشرعية في اليمن_ اللواء الركن تركي المالكي (الشرق الأوسط)

نفَّذت قيادة القوات المشتركة للتحالف، الأحد، عملية عسكرية نوعية لتحييد المصادر البحرية التي تستخدمها الميليشيا الحوثية الإرهابية لدعم مجهودها الحربي، في خطوة تستهدف الحد من قدراتها على مواصلة اعتداءاتها المتكررة والوحشية.

وأوضح اللواء الركن تركي المالكي، المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف، أن العملية تأتي في أعقاب استمرار الميليشيا الحوثية الإرهابية في اعتداءاتها المتعمدة والممنهجة على المدنيين والأعيان المدنية في اليمن والسعودية، ومحاولاتها توظيف المصادر البحرية لتعزيز قدراتها العسكرية، ومواصلة عملياتها العدائية والوحشية.

وأشار المالكي إلى أن هذه الاعتداءات تمثل تهديداً مباشراً لأرواح المدنيين وسلامة الأعيان المدنية، فضلاً عن تهديدها أمن المملكة واليمن وخطوط الملاحة البحرية جنوب البحر الأحمر.

وأكد استمرار قيادة القوات المشتركة للتحالف في اتخاذ وتنفيذ الإجراءات العملياتية اللازمة لردع سلوك الميليشيا الحوثية الإرهابية، ووقف استخدامها المصادر البحرية لدعم مجهودها الحربي، مشدداً على ضرورة وقف جميع العمليات العدائية والوحشية تجاه المدنيين والأعيان المدنية، ما لم يكن فعلى الميليشيا الحوثية الإرهابية تحمّل نتائج سلوكها العدائي.


البحرين تدعو إلى إطار أمني إقليمي مفتوح لإيران... والإمارات تأمل اختراقاً دبلوماسياً

وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني خلال جلسة «حوكمة الأمن العالمي: الشمول والفاعلية» بمنتدى «حوار المنامة 2026» التي يشارك فيها أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات (الخارجية البحرينية)
وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني خلال جلسة «حوكمة الأمن العالمي: الشمول والفاعلية» بمنتدى «حوار المنامة 2026» التي يشارك فيها أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات (الخارجية البحرينية)
TT

البحرين تدعو إلى إطار أمني إقليمي مفتوح لإيران... والإمارات تأمل اختراقاً دبلوماسياً

وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني خلال جلسة «حوكمة الأمن العالمي: الشمول والفاعلية» بمنتدى «حوار المنامة 2026» التي يشارك فيها أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات (الخارجية البحرينية)
وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني خلال جلسة «حوكمة الأمن العالمي: الشمول والفاعلية» بمنتدى «حوار المنامة 2026» التي يشارك فيها أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات (الخارجية البحرينية)

دعت البحرين، الأحد، إلى إنشاء إطار أمني إقليمي يقوم على احترام السيادة وحرية الملاحة وعدم استخدام القوة، ويظل مفتوحاً أمام إيران إذا التزمت هذه المبادئ، فيما أعربت الإمارات عن أملها تحقيق اختراق دبلوماسي يمنع تجدد المواجهة العسكرية في المنطقة، مؤكدة استعدادها للتعامل مع أسوأ السيناريوهات.

وجاء الموقفان خلال الجلسة الختامية لمنتدى «حوار المنامة 2026»، في وقت تتواصل فيه المساعي الدبلوماسية لاحتواء التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، وسط تحذيرات من تداعيات أي مواجهة جديدة على أمن الخليج والممرات البحرية والاقتصاد العالمي.

وقال وزير الخارجية البحريني، عبد اللطيف الزياني، خلال جلسة «حوكمة الأمن العالمي: الشمول والفاعلية»، إن التطورات الإقليمية خلال العام الحالي كشفت عن حجم التحديات الأمنية التي واجهتها دول «مجلس التعاون» والأردن، مشيراً إلى تعرضها لنحو 7 آلاف هجوم بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وصواريخ «كروز»، استهدفت منشآت مدنية واقتصادية، بينها المطارات والموانئ ومراكز البيانات.

وأكد الزياني أن أمن الخليج «ينبغي أن يتشكل بمشاركة دول المنطقة نفسها، من خلال شراكات تقوم على احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية»، مشدداً على تقدير البحرين كل مبادرة تسهم في خفض التوتر وفتح الطريق أمام الحوار.

ودعا إلى إنشاء إطار إقليمي للأمن يقوم على الترابط والتعاون، ويكون مفتوحاً أمام جميع دول الجوار المستعدة لاحترام السيادة وحرية الملاحة ونبذ التهديد بالقوة أو استخدامها.

وقال إن الباب «يبقى مفتوحاً، لإيران كما لغيرها، لكنه يفضي إلى القواعد لا إلى الاستثناءات، وإلى الأفعال لا إلى النوايا».

«هرمز» وأمن الملاحة

وفي ملف الملاحة البحرية، كشف وزير الخارجية البحريني عن أن نحو 1600 سفينة تعطلت في مضيق هرمز منذ اندلاع الأزمة، وأن أكثر من 23 ألف بحار حُرموا من حرية الحركة، «فيما لا تزال مئات السفن وآلاف البحارة عالقين؛ الأمر الذي انعكس على أسواق الطاقة والتجارة الدولية وإمدادات الغذاء والدواء».

وحذر بأن اضطراب الملاحة «يهدد الأمن الغذائي لمن يصلون إلى 45 مليون شخص، معظمهم في دول الجنوب»، مؤكداً أنه «لا يحق لأي دولة إخضاع المرور في مضيق دولي لإذنها، أو استخدامه وسيلة للضغط السياسي والاقتصادي».

وأشار الزياني إلى قرار «مجلس الأمن» الدولي رقم «2817»، الذي قدمته البحرين نيابة عن دول «مجلس التعاون» والأردن، وحظي بدعم 136 دولة، عادّاً أن هذا التأييد يعكس اتساع القلق الدولي من تهديد الممرات البحرية.

لكنه رأى أن «المشكلة لا تكمن في غياب القواعد القانونية، بل في ضعف القدرة على تنفيذها»، داعياً إلى إنشاء «إطار جماعي لحماية الملاحة البحرية والجوية، يستند إلى القانون الدولي، مع تمكين الجمعية العامة للأمم المتحدة من التحرك عندما يتعذر على (مجلس الأمن) اتخاذ الإجراءات اللازمة». كما اقترح الاتفاقَ على مبادئ دولية تمنع استخدام الممرات المائية والكابلات البحرية أدوات للضغط أو التهديد، على أن تتبناها الجمعية العامة للأمم المتحدة.

تحذير من تهديد البنية الرقمية

واتهم الزياني إيران بمواصلة استهداف المطارات والأعيان المدنية في عدد من دول المنطقة، حتى بعد التفاهمات التي كان يُفترض أن تحد من التصعيد، مشيراً إلى هجمات نفذتها جماعات مسلحة مرتبطة بطهران انطلاقاً من العراق، واستهدفت دولاً خليجية والأردن.

وأدان تصاعد الهجمات الحوثية على السعودية، بما فيها استهداف مطارات الرياض وأبها وجازان ونجران والدمام ومنشآت الطاقة، مؤكداً تضامن البحرين الكامل مع المملكة.

وأشار إلى إدانة «مجلس الأمن» الدولي، في 15 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تصعيد الهجمات الحوثية على السعودية، وتأكيد حقها في الدفاع عن النفس، والدعوة إلى منع وصول الأسلحة إلى الحوثيين.

وفي جانب آخر، حذر وزير الخارجية البحريني من امتداد التهديدات إلى البنية التحتية الرقمية، مشيراً إلى تلويح «الحرس الثوري» الإيراني باستهداف الكابلات البحرية العابرة مضيق هرمز، وتهديدات طالت مراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي.

وعدّ أن أمن المنطقة بات يرتبط بـ3 مجالات رئيسية؛ هي: الملاحة البحرية، والطيران، وتدفق البيانات، داعياً إلى تطوير قواعد دولية لحمايتها، وإلى إبرام معاهدة لحوكمة الذكاء الاصطناعي، وفق المبادرة التي طرحها الأمير سلمان بن حمد آل خليفة؛ ولي عهد البحرين رئيس مجلس الوزراء.

وأكد الزياني أن البحرين ستواصل العمل عبر «مجلس الأمن» وشراكاتها الإقليمية والدولية لتعزيز الأمن والاستقرار، مشدداً على أن «فاعلية النظام الدولي تتطلب تطبيق قراراته دون انتقائية، بما يشمل القرارات المتعلقة بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة».

قرقاش: مستعدون للأسوأ

من جانبه، أعرب أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، عن أمله في نجاح الجهود الدبلوماسية الجارية لاحتواء المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، محذراً من مخاطر اندلاع جولة جديدة من الحرب.

وقال قرقاش خلال الجلسة: «نأمل حدوث اختراق دبلوماسي... لا نرغب رؤية جولة أخرى من المواجهة»، مضيفاً: «مع ذلك، وكما أظهرنا في مناسبات سابقة، فإننا على استعداد للأسوأ».

وتأتي تصريحاته في ظل مشاورات تجريها قطر مع إيران والولايات المتحدة سعياً إلى التوصل لتفاهم ينهي التصعيد، وسط استمرار الخلافات بشأن البرنامج النووي الإيراني والقيود المفروضة على الملاحة في مضيق هرمز والحصار الأميركي للموانئ الإيرانية.

وكان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، قد جدد، السبت، التلويح بضربات عسكرية جديدة ضد إيران، فيما أكد وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، أن واشنطن لا تزال منفتحة على الحلول الدبلوماسية، وأن قراراً بشأن شن هجمات جديدة لم يُتخذ بعد.

وشدد قرقاش على ضرورة تعزيز «الشراكات الإقليمية» و«الاندماج الاقتصادي» بوصفهما مسارَين لتجاوز الخلافات، داعياً إلى «احترام سيادة الدول وإنهاء دور الميليشيات التي تقوض أمنها واستقرارها».

وأكد أن المنطقة يجب ألا تتحول ساحةً لتصفية الصراعات الدولية، مشيراً إلى «أهمية تبني نهج يقوم على الحوار والتعاون، والابتعاد عن الخطابات المتطرفة التي تعرقل فرص السلام».

كما دعا إلى تكثيف الجهود لإيجاد تسوية للقضية الفلسطينية تفضي إلى إقامة دولة مستقلة، مؤكداً «استمرار الإمارات في العمل مع شركائها الإقليميين والدوليين لدعم الأمن والاستقرار والتنمية في الشرق الأوسط».