«ابن الأصول»... كوميديا استعراضية تبرز الصراع بين الحب والمال

العرض يُعيد المخرج مراد منير للمسرح بعد غياب 11 عاماً

ميرنا وليد والمطرب مصطفى شوقي في أحد مشاهد المسرحية (وزارة الثقافة المصرية)
ميرنا وليد والمطرب مصطفى شوقي في أحد مشاهد المسرحية (وزارة الثقافة المصرية)
TT

«ابن الأصول»... كوميديا استعراضية تبرز الصراع بين الحب والمال

ميرنا وليد والمطرب مصطفى شوقي في أحد مشاهد المسرحية (وزارة الثقافة المصرية)
ميرنا وليد والمطرب مصطفى شوقي في أحد مشاهد المسرحية (وزارة الثقافة المصرية)

تضع مسرحية «ابن الأصول» أبطالها في لحظة اختيار فاصلة، لتكشف ماذا يفعل الإنسان الفقير حين تهبط عليه ثروة مفاجئة، هل يتخلّى عمن أحبهم وارتبط بهم، ويسير في ركب الأثرياء، ماحياً ماضياً لم يعد يليق به، أم يتنازل عن هذه الثروة؟

لا يلجأ العرض المسرحي «ابن الأصول» إلى أي تعقيد أو تنظير، متعمداً بساطة الفكرة التي كتبها المؤلف والمخرج مراد منير، الذي تُعيده المسرحية بعد غياب 11 عاماً.

وافتُتحت مسرحية «ابن الأصول» يوم الخميس الماضي على مسرح ميامي بوسط القاهرة، وهي من إنتاج فرقة المسرح الكوميدي بإدارة الفنان ياسر الطوبجي، ضمن عروض البيت الفني للمسرح بوزارة الثقافة، وقد شهد العرض الافتتاحي حضوراً لافتاً من الأسر المصرية.

يشارك في بطولة المسرحية ميرنا وليد، ومصطفى شوقي، ومحمود عامر، وحسان العربي، وليلى مراد، ويوسف مراد، وحامد سعيد، ورشا فؤاد، وعبير مكاوي.

الملصق الترويجي للمسرحية (وزارة الثقافة المصرية)

ويقدّم المخرج العرض في إطار موسيقي غنائي استعراضي، ويستهلّه داخل ديكور لعزبة فقيرة على خلفية قصة الحب بين «شادية وشريف» (ميرنا وليد، ومصطفى شوقي)، قبل أن يظهر العم (محمود عامر) لتتبدل مجريات الأحداث فجأة؛ إذ يكشف لشريف أن والده الذي تخلّى عنه منذ طفولته ولم يعرف عنه شيئاً قد توفي، وأنه أوصى له بكامل ثروته البالغة 14 مليار دولار، مشترطاً أن يكون ابن أصول، ويقيم في قصر العائلة. ويدفع أهل العزبة شريف إلى الذهاب للقصر، في حين ترفض شادية مرافقته، ويغمرها إحساس بالخيبة والحزن، فتصف غيابه بقولها: «راح زي النفس ما بيروح»، وتغني في فراقه «على بالي حبيبي».

ويسعى عمه وعمته إلى تزويجه من العائلة ودفعه إلى نسيان ماضيه، تمهيداً للاستحواذ على ثروته، في الوقت الذي يواجه فيه أهل العزبة قراراً بهدمها. غير أن شريف يتصدى لهذا القرار، ويقرر تغيير حياة أهلها والعمل على تطوير العزبة بدلاً من هدمها.

ويتضمن العرض لوحات غنائية مبهجة يؤديها أبطال المسرحية مثل استعراضي «الإتيكيت» و«الكاوبوي» مع سفر البطل لأميركا، فيغني «أنا مصري وعمري ما هتأمرك»، في حين يغني أكثر من 50 ممثلاً وممثلة والمجاميع في النهاية «سالمة يا سلامة».

ويؤكد مراد منير أن رسالة العرض الرئيسية هي «هيا بنا نستمتع»؛ لافتاً إلى أن هذا دور مهم في المسرح وبشكل خاص في مسرح الدولة، مشدداً على أنه أراد تقديم عرض مبهج للجمهور. مشيراً إلى أن العروض «الميوزيك كوميدي» يشترط أن تكون «ثيمتها» بسيطة على غرار «سيدتي الجميلة».

الممثلة ليلى مراد في أحد مشاهد مسرحية «ابن الأصول» (وزارة الثقافة المصرية)

ولفت إلى أن هذه «الثيمة» تشغله منذ 10 سنوات، وتطرقه لفكرة الصراع بين الحب والمال في زمن طغت فيه الماديات حتى كتبها خلال أسبوع واحد، وساعده أن معه مطرباً قوياً هو مصطفى شوقي، الذي حمل عبء العرض بشكل كبير، وفريق عمل متناغماً ومحباً للمسرح.

وحول مفهوم «ابن الأصول» يقول: «كنت مشغولاً بمفهوم ابن الأصول الذي لا ينهار أمام أي متغيرات في حياته، ويتمسك بجذوره في مواجهة ثروة طائلة تطيح بالعقل، وقد أردت تقديم المسرحية في قالب موسيقي غنائي استعراضي لأصدر للناس البهجة، فهذا أقل شيء أقدمه لهم».

ويكشف مراد عن أن هذا التوجه الذي اختاره مَثّل مجهوداً كبيراً لمخرج مثله في عمره الثمانيني، حسبما يقول: «عملت على مدى 8 أشهر في جو مشحون، عانيت بشدة في المسرحية لظروف الإنتاج الصعبة وعدم وجود بند للدعاية في الميزانية، حتى إننا ننفق عليها من جيوبنا في محبة المسرح، مثلما عانيت كذلك في رحلة بحثي عن شاعر جيد وملحن متميز لأعطي نموذجاً للمسرح الغنائي، مثلما قدمت قبل سنوات مسرحية (لولي) وحققت نجاحاً كبيراً».

وتماهت ديكورات العرض لحمدي عطية لتعكس المضمون الذي تطرحه المسرحية مع الأغنيات التي كتبها أحمد الشريف وموسيقى أحمد الناصر والاستعراضات لضياء شفيق وملابس نورهان طرابية التي اتسمت بالألوان الزاهية.

مصطفى شوقي ويوسف مراد خلال العرض الافتتاحي للمسرحية (وزارة الثقافة المصرية)

ويشارك بالتمثيل في العرض المخرج يوسف مراد، والممثلة الشابة ليلى مراد، وهما نجلا المخرج. وبرع يوسف في مواقف كوميدية أثارت ضحك الجمهور، فيما أدت ليلى شخصية صديقة البطلة التي تساندها في قصة حبها، ويشير مراد إلى أن ليلى قدمت 5 أعمال مسرحية قبل ذلك، وأن يوسف داخله ممثل كوميدي رغم توجهه للإخراج.

ويلفت مراد منير إلى أنه لم يتعمد الغياب عن المسرح طوال السنوات الإحدى عشرة الماضية، موضحاً أنه كان يقدّم مشروعاً كل عام يضم كبار النجوم، إلا أن هذه المشروعات كانت تتوقف قبل انطلاقها لأسباب لا يعرفها. ويؤكد أن وزير الثقافة د. أحمد فؤاد هنو دعاه للقاء وكرّمه في مهرجان المسرح العربي، مطالباً إياه بالعودة إلى المسرح، وهو ما شكّل له دفعة قوية للعودة. كما يشير إلى أن المخرج هشام عطوة، رئيس البيت الفني للمسرح، اتصل به طالباً عودته وسانده بقوة في تقديم هذه المسرحية.

وقدم مراد منير عروضاً مسرحية ناجحة ظلّت تعرض لشهور على مسارح الدولة خلال عقدي الثمانينات والتسعينات، ومن بينها «الملك هو الملك» لسعد الله ونوس وبطولة صلاح السعدني ومحمد منير وفايزة كمال، و«منين أجيب ناس» و«ملك الشحاتين» لنجيب سرور.


مقالات ذات صلة

«على كيفك ميل»... مسرحية كوميدية تحتفي بـ«نوستالجيا» التسعينات في مصر

يوميات الشرق العرض المسرح «على كيفك ميل» بمسرح نهاد صليحة (أكاديمية الفنون)

«على كيفك ميل»... مسرحية كوميدية تحتفي بـ«نوستالجيا» التسعينات في مصر

في حالة تستدعي نوستالجيا فترة التسعينات في مصر، جاء العرض المسرحي «على كيفك ميل» ليقدم لنا حالة فنية تمزج بين الكوميديا وتراجيديا الحياة اليومية للأسر المصرية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق مذكرات عبد المنعم مدبولي في معرض القاهرة للكتاب (الشرق الأوسط)

فصول لم تُرو... مذكرات عبد المنعم مدبولي تكشف الوجه الآخر لـ«أسطورة الكوميديا»

عبر جولة في محطات حياته الفنية المكتوبة بخط يد «ناظر مدرسة المدبوليزم» الفنان الراحل عبد المنعم مدبولي «1921- 2006» دار الحديث عن مذكراته.

حمدي عابدين (القاهرة )
يوميات الشرق فريق العمل يقدم تحية الختام للحضور في مسرح «مونو» (الشرق الأوسط)

«البيت بيتك»... العائلة أولاً والوطن أبقى من الرحيل

يتمحور عنوان العمل حول الغربة وشوق العودة إلى الوطن، فيما يقدّم بطلا العرض شخصيتين تجسّدان اللبناني العالق بين قسوة الهجرة والحنين إلى الأرض.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق العرض المسرحي للعرائس تناول جوانب إنسانية في حياة أم كلثوم (أكاديمية الفنون)

«أمل حياتي»… عرض مسرحي جديد يستعيد «أيقونة كوكب الشرق»

تتواصل الأعمال الفنية التي تستعيد جانباً من سيرة «كوكب الشرق» أم كلثوم، حيث استضاف مسرح نهاد صليحة بأكاديمية الفنون المصرية، العرض المسرحي للعرائس «أمل حياتي».

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق أنجيلا في أحد عروضها المسرحية (أنجيلا الحداد)

في عرض «مشارف» بريق السينما يتألّق على الخشبة

على مدى عرضين متتاليين في يوم واحد، تُقدِّم أنجيلا الحداد عرضها «مشارف (outskirts)» على خشبة مسرح «زقاق» في بيروت، وذلك في 29 يناير (كانون الثاني) الحالي…

فيفيان حداد (بيروت)

مصر: إحالة هاني مهنا للتحقيق بداعي «الإساءة» لشادية وفاتن حمامة

حديث مهنا عن شادية وفاتن حمامة أثار غضباً (حسابه على فيسبوك)
حديث مهنا عن شادية وفاتن حمامة أثار غضباً (حسابه على فيسبوك)
TT

مصر: إحالة هاني مهنا للتحقيق بداعي «الإساءة» لشادية وفاتن حمامة

حديث مهنا عن شادية وفاتن حمامة أثار غضباً (حسابه على فيسبوك)
حديث مهنا عن شادية وفاتن حمامة أثار غضباً (حسابه على فيسبوك)

أعلن اتحاد «النقابات الفنية» بمصر إحالة الموسيقار هاني مهنا للتحقيق، واتخاذ الإجراءات القانونية ضده بما يتفق مع «حفظ سمعة وكرامة رموز الفن المصري». وجاء بيان الاتحاد على خلفية تصريحات هاني مهنا، خلال ظهوره بأحد البرامج التلفزيونية، وحديثه عن توتر العلاقة بين الفنانتين الراحلتين فاتن حمامة وشادية، على خلفية تنافسهما على حب أحد الرجال، وهو ما اعتبره كثيرون «إساءة وتشويهاً للرموز الفنية»، معبرين عن استيائهم لما بدر منه عبر مشاركات وتعليقات «سوشيالية» كثيفة، تم تداولها خلال الساعات القليلة الماضية، طالبت بـ«عدم التهاون معه، واعتذاره عما بدر منه».

وكان «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام»، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد أصدر قراراً بإحالة الموسيقار هاني مهنا إلى اتحاد النقابات الفنية، برئاسة المخرج عمر عبد العزيز، بعد تصريحاته التي تضمنت «إساءة وهجوماً على عدد من رموز الفن المصري»، خلال استضافته في أحد البرامج، مع إلزام جميع الوسائل الإعلامية الخاضعة لأحكام القانون رقم 180 لسنة 2018، بمنع ظهوره لحين انتهاء الاتحاد من إجراءاته.

هاني مهنا (حسابه على فيسبوك)

وأكد المجلس، في بيانه، أن القرار جاء استناداً لما رصدته الإدارة العامة للرصد بالمجلس، وما انتهت إليه توصيات لجنة الشكاوى، برئاسة الإعلامي عصام الأمير، وكيل المجلس.

وأكد الاتحاد في بيانه الصحافي، الأحد، إدانته لما ورد على لسان مهنا من «إساءة لرموز الفن المصري والعربي، معرباً عن أسفه الشديد لما حدث من تجاوزات في حق الفن وأبنائه».

وعبر رؤساء النقابات الفنية (الممثلين، والموسيقيين، والسينمائيين) عن غضبهم الشديد مما تم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي من عبارات خادشة للحياء «يندى لها الجبين»؛ إذ قرر الاتحاد الوقوف بحزم ضد تلك التجاوزات، معلناً دعمه الكامل لكل الرموز الفنية، وأن من يتجاوز في حقهم سيتم تحويله إلى مجلس تأديب، وبخاصة من ينتمون إلى النقابات.

وأشار الاتحاد، في بيانه، إلى أن أي تجاوز يصدر من أي شخص خارج النقابات سيتم التعامل معه بطرق عدة، وبالشكل القانوني الذي يحمي أبناء المهنة ويصون كرامتهم.

من جانبها، كتبت السيدة ناهد شاكر، ابنة شقيق الفنانة الراحلة شادية، عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، ساخرة: «أتمنى أن أعرف اسم الشخص الذي من الممكن أن تتصارع عليه فاتن حمامة الراقية الأنيقة مع شادية (القطقوطة)»، لافتة في منشور آخر، إلى أن «الموضوع كوميدي ولا يستحق العصبية».

وفي تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، أكدت ناهد شاكر، أن عمتها الراحلة شادية كانت على علاقة راقية بالفنانة فاتن حمامة، لافتة إلى أن الأخيرة «سيدة راقية ولا يمكن أن يكون بينهما مثل هذا الخلاف الذي تحدث عنه هاني مهنا».

وأشارت ناهد شاكر إلى أن «فترة السبعينات التي تحدث عنها الموسيقار المصري والتي شهدت خلافهما على أحد الأشخاص، على حد قوله، كانت الفنانة شادية متزوجة من الفنان الراحل صلاح ذو الفقار، كما أن الفنانة الراحلة فاتن حمامة كانت متزوجة من الفنان الراحل عمر الشريف، وتم طلاقهما في عام 1974».

وفي سياق آخر، أعلن «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام»، حجب لعبة «روبلوكس» في مصر رسمياً، جاء ذلك في كلمة عصام الأمير، نائب رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، خلال كلمته بالجلسة العامة لمجلس الشيوخ المصري، الأحد، مؤكداً على التنسيق مع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لتنفيذ القرار.


«إرث»... حين يتحوَّل النسيج إلى لغة بصرية معاصرة

جانب من المعرض (إدارة الغاليري)
جانب من المعرض (إدارة الغاليري)
TT

«إرث»... حين يتحوَّل النسيج إلى لغة بصرية معاصرة

جانب من المعرض (إدارة الغاليري)
جانب من المعرض (إدارة الغاليري)

تواصل الفنانة المصرية نعمة السنهوري مشروعها الفني الذي يركز على إعادة قراءة التراث المصري والشرقي عموماً، حيث تحوَّل النسيج على مسطح اللوحات من مجرد خامة تقليدية إلى وسيط تشكيلي معاصر يفتح أبواب التأمل والحوار مع الزمن.

في معرضها الجديد «إرث»، يستضيفه غاليري «سفر خان» بالزمالك، تعرض نعمة السنهوري 25 لوحة تمثل امتداداً لتجربتها في المزج بين التراث والحس المعاصر، حيث يصبح القماش لغة بصرية قائمة بذاتها، قادرة على سرد الحكايات وإيصال المشاعر مباشرة إلى المتلقي من دون الاعتماد على الفرشاة أو الألوان التقليدية.

يعتمد المعرض، المستمر حتى 11 فبراير (شباط) الحالي، على تقنية الأقمشة المطعمة (الأبليكيه)، حيث تُبنى التكوينات الفنية عبر تجميع المنسوجات ومعالجتها بلغة تشكيلية لتصبح أشبه بـ«الرسم بالقماش».

القماش لغة بصرية قائمة بذاتها في لوحات المعرض (إدارة الغاليري)

هنا تتجلى مفارقة جمالية تجمع بين حداثة الرؤية والحنين العميق إلى الماضي، في تجربة تجعل النسيج لا يكتفي بدوره التقليدي، بل يتحول إلى وسيط إبداعي حي يعزز أهمية استدعاء الإرث الثقافي والاجتماعي على السواء.

تقول نعمة السنهوري لـ«الشرق الأوسط»: «أتعامل مع القماش كما لو كان لوناً حياً، له وزنه وملمسه وذاكرته. لا أرسم عليه، بل أرسم به، وأترك للخامة أن تقودني إلى فضاء الصورة، فكل قطعة تنبض بالحياة من خلال لمسة الخامة نفسها، كأن القماش يحتضن الفكرة ويشكلها معي في الوقت نفسه».

وتضيف أن اللوحات بالنسبة لها أكثر من مجرد جمال بصري؛ فهي انعكاس لقيم ومعانٍ إنسانية أصيلة جاءت بها من تراثها. وتؤكد أن «التراث الشرقي أو العربي خصوصاً قادر على الاستمرار، وفتح مساحات للتأمل والحوار والمناقشة. ومن هنا، حين أقدمه في أعمالي، أراه من خلال هذه الرؤية، وليس مجرد زخرفة أو قطع فنية لتزيين المنازل».

ومن هذا المنطلق، يستشعر المتلقي كيف تتحول الأعمال الفنية إلى فعل واعٍ يثير التساؤل حول مسؤولية الأجيال الجديدة في حمل الموروث الثقافي إلى المستقبل.

وتتابع: «الفن قادر على أن يكون جسراً بين الأزمنة، وما يشغلني هو هذا التوازن بين سحر العالم القديم والحس المعاصر. وأنا أؤمن بأن ماضينا يجب أن يكرم ويصان إذا أردنا مستقبلاً مزدهراً، والفن أكثر الوسائط قدرة على تحقيق هذا الربط».

عند تأمل اللوحات تبدو العمارة كأرشيف ينبض بالحياة (إدارة الغاليري)

لا يقتصر المعرض على البعد الجمالي فقط؛ فكل لوحة تتجاوز ذلك إلى رموز ثقافية عميقة، إذ تنسج نعمة السنهوري عناصر من الحضارات المصرية المختلفة في نسيج واحد تتقاطع فيه الأزمنة، ويتجاور من خلاله الحضور القوي للذاكرة مع الحاضر.

عند تأمل اللوحات تبدو العمارة كما لو كانت أرشيفاً حياً، تتحول عبرها الأقواس والمداخل والأبواب والشبكات الزخرفية والفسيفساء إلى وثائق سردية تحكي التاريخ، بينما تتحول الحركة حول هذه العناصر إلى طقس يومي.

الفنانة المصرية نعمة السنهوري (إدارة الغاليري)

وفي حين تتنقل العين بين الطبقات المختلفة، تمتزج أنماط النسيج التقليدية مع مشاهد الحياة الحضرية الحديثة لتشكل في النهاية سرداً متداخلاً يأسر المتلقي ويغذي فكره ووجدانه.

تحمل الأعمال أيضاً دفئاً إنسانياً؛ إذ يشعر المتأمل بأن القماش نابض بالحياة، وكأنه يحتضنه، وينبع هذا الإحساس من تنوع الرموز وحميمية الحكايات والطقوس المتوارثة التي تسعى نعمة السنهوري إلى صونها وحمايتها من النسيان.

وتؤمن الفنانة بأن «الثقافة لا تصان فقط عبر الصروح الكبرى، بل من خلال الأفعال اليومية، مثل ترميم الأشياء وحفظها وإعادة استخدامها بمواد أكثر دفئاً». وتضيف: «تستطيع المنسوجات التي أقدمها أن تعكس الهوية والانتماء، وتفتح المجال لتبادل الأفكار بين الثقافات والمجتمعات».

تستخدم الفنانة تقنية الأقمشة المطعمة «الأبليكيه» (إدارة الغاليري)

اختارت نعمة السنهوري أن تنأى بفنها عن قيود التجارب السابقة في عالم النسيج، مبتعدة عن التقليد الأعمى للرموز الشعبية أو الانغماس في الطابع الأوروبي، رغم معرفتها بالثقافة والفنون الغربية جيداً: «أهم ما يُميز عملي أنني لا أكرر ما فعله الآخرون، لا في الألوان ولا في الموضوعات. ومع تقديري للفلكلور الشعبي، أرى أن النسيج يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، إنه لغة للتجديد والتأمل في التراث. ورغم دراستي في فرنسا واطلاعي على الفنون الأوروبية، لم أسمح لنفسي بأن أستنسخ الغرب، فعملي محاولة لإعادة تشكيل تراثنا بلغة معاصرة تجعل المشاهد يرى الماضي والحاضر في اللحظة نفسها، وهو شيء غير مستحيل كما يعتقد البعض».

وهكذا تعيد السنهوري، من خلال 25 لوحة يتضمنها المعرض، تعريف مفهوم «الإرث»، محوِّلة إياه إلى تجربة حية تتنفس، وتثري مكونات الذاكرة، وتجعلها أشبه بالفسيفساء الفنية.

الأكثر من ذلك أن كل قطعة داخل هذه الفسيفساء تُرمم بمحبة وعناية ودقة، لتمنح حياة جديدة داخل فضاء جديد، انطلاقاً من أن «الفن ليس مجرد صورة جميلة، بل فعل يصون الذاكرة ويحفظها».


«متران مربعان»... رحلة إنسانية بين الموت والانتماء في أوروبا

استغرق المخرج 4 سنوات من العمل على الفيلم (الشركة المنتجة)
استغرق المخرج 4 سنوات من العمل على الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«متران مربعان»... رحلة إنسانية بين الموت والانتماء في أوروبا

استغرق المخرج 4 سنوات من العمل على الفيلم (الشركة المنتجة)
استغرق المخرج 4 سنوات من العمل على الفيلم (الشركة المنتجة)

يعرض الفيلم الوثائقي «متران مربعان» للمخرج البلجيكي من أصول تركية فولكان أوجه، للمرة الأولى عالمياً ضمن فعاليات مهرجان «روتردام السينمائي الدولي»، ويتناول مقاربة إنسانية شديدة الخصوصية لسؤال الموت والانتماء في سياق تجارب الهجرة في أوروبا. يتتبَّع الفيلم مسارات الجسد بعد الوفاة، ورحلته الأخيرة التي تكشف ما أخفته سنوات الحياة.

ينطلق الفيلم من عالم متعهدي دفن الموتى، حيث يتقاطع عمل رجل تركي في بلجيكا مع نظيره في تركيا، ليقدّم صورة مركَّبة عن طقوس الوداع واختلاف التعامل مع الموت بين المجتمعات الأوروبية والجاليات المهاجرة. ففي حين تحظى الوفاة في السياق الأوروبي بالهدوء والزمن الكافي للحزن والتأمل، تتحوَّل وفاة أحد أبناء الجاليات التركية أو المغاربية إلى سباق مع الوقت، نتيجة الرغبة في التسريع بعملية الدفن، وما يفرضه ذلك من إجراءات عاجلة لنقل الجثمان إلى بلد الأصل.

يُركز الفيلم على شخصية «طيفون»، الذي يعمل في مجال نقل الموتى، ويقضي أيامه متنقلاً بين بيوت العزاء والمطارات وأقسام الشحن، حيث تنتهي غالبية الرحلات عند الطائرة، لا عند المقبرة. ومن خلال مراقبة تفاصيل عمله اليومي، تتكشف الأسئلة الكبرى التي يطرحها الفيلم عن سبب استمرار دفن الأجيال الجديدة خارج البلدان التي وُلدت وعاشت فيها.

ويُعيد الفيلم فتح ملف تاريخ الهجرة العمَّالية إلى أوروبا. الجيل الأول من العمال القادمين من تركيا والمغرب في ستينات القرن الماضي كان يرى أن الإقامة مؤقتة، والعودة حتمية حتى بعد الوفاة. غير أن مرور أكثر من 6 عقود وولادة أجيال كاملة في أوروبا لم يغيّرا هذه المعادلة؛ إذ لا تزال النسبة الكبرى من أبناء هذه الجاليات تُدفن في بلدان الأصول، وهو ما يطرحه الفيلم بوصفه مؤشراً عميقاً على أزمة الانتماء والاندماج.

يعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)

يقول المخرج فولكان أوجه لـ«الشرق الأوسط» إن الفيلم نابع من تجربة شخصية؛ كونه ابن ثقافتين، حيث نشأ في بلجيكا وسط أصدقاء بلجيكيين وأتراك، ولاحظ مبكراً التناقض الحاد في طقوس الموت بين المجتمعين. ويضيف أن هذا التناقض ظل يلاحقه لسنوات، قبل أن يتحوّل إلى سؤال وجودي خلال فترة «جائحة كورونا»، حين بدأ يتساءل عن المكان الذي يرغب في أن يُدفن فيه، وما إذا كان يشعر فعلاً بأن أوروبا وطن نهائي أم مجرد محطة حياة.

ويشير أوجه إلى أن الحديث عن الموت ظل من المحرّمات داخل عائلته، إذ رفض والداه الخوض في الموضوع، وهو ما دفعه للبحث عنه سينمائياً، معداً الصمت الجماعي حول الموت يعكس أزمة أوسع يعيشها كثيرون ممن يحملون هويتين وينتمون إلى مكانين في آن واحد.

ويؤكد المخرج أن لقاءه بشخصية «طيفون» كان اللحظة الحاسمة التي حولت الفكرة من تساؤل نظري إلى مشروع سينمائي؛ نظراً لما تمتلكه الشخصية من دفء إنساني وخفة ظل سمحت بتناول موضوع ثقيل مثل الموت بروح قريبة من المتلقي. كما حرص على تتبع التحول الداخلي الذي يمر به «طيفون»، من التركيز على العمل والنجاح المادي، إلى طرح أسئلة أعمق عن العدالة والحق في الدفن داخل البلد الذي يُعدُّ موطن الحياة.

يتتبع الفيلم لحظات وداع مؤثرة (الشركة المنتجة)

ويتوقف أوجه عند الصعوبات الكبيرة التي واجهها أثناء التصوير، خصوصاً عند التعامل مع عائلات فقدت أحباءها للتو، مشيراً إلى أن سرعة إجراءات الدفن كثيراً ما حالت دون التصوير، مما اضطره في مرات عدَّة إلى التراجع احتراماً لمشاعر الحزن، مع تفهمه أن الغضب الذي واجهه أحياناً كان تعبيراً طبيعياً عن الفقد، إذ حاول الفيلم الاقتراب من هذه اللحظات بأقصى درجات الحساسية الأخلاقية.

على المستوى الشخصي، يعترف المخرج بأن العمل على الفيلم واجهه بمخاوفه العميقة من الموت، وأن التعامل اليومي مع الجثامين وأماكن الغسل والعزاء كان تحدياً قاسياً، لكنه شكَّل في الوقت نفسه رحلة ذاتية لمواجهة هذا الخوف، حتى وإن لم يتمكن من تجاوزه بالكامل.

ويشير أوجه إلى أن العمل على الفيلم استغرق قرابة 4 سنوات، منذ اللقاء الأول مع «طيفون» وحتى العرض الأول. ويضيف أن التمويل داخل بلجيكا لم يكن عائقاً، في حين استغرق إيجاد شركاء إنتاج في دول أخرى وقتاً أطول، حتى اكتمل المشروع عملاً أوروبياً مشتركاً، وسيُعرض لاحقاً على شاشات واسعة داخل ألمانيا وفرنسا وبلجيكا بعد جولة من العرض في المهرجانات السينمائية.