«القاهرة للمسرح التجريبي» يراهن على الحرية في تناول القضايا الإنسانية

دورته الجديدة بمشاركة 14 دولة

العرض الألماني «Children of today» (إدارة المهرجان)
العرض الألماني «Children of today» (إدارة المهرجان)
TT

«القاهرة للمسرح التجريبي» يراهن على الحرية في تناول القضايا الإنسانية

العرض الألماني «Children of today» (إدارة المهرجان)
العرض الألماني «Children of today» (إدارة المهرجان)

يراهن مهرجان «القاهرة الدولي للمسرح التجريبي»، في دورته الـ33، التي تنطلق خلال الفترة من 1 إلى 8 سبتمبر (أيلول)، على تقديم تجارب لا تكتفي بكسر القوالب التقليدية في صناعة العرض المسرحي، بل تستخدم التجريب بوصفه وسيلة للاقتراب من أسئلة الإنسان ومخاوفه وأحلامه وصراعاته. ويشارك في الدورة الجديدة 16 عرضاً تمثل 14 دولة، ضمن برنامج يجمع بين المسرح الدرامي، والرقص المعاصر، والمسرح الحركي والبصري، ومسرح الدمى، والعروض متعددة الوسائط، بما يعكس اتساع مفهوم التجريب الذي يتبناه المهرجان.

وتبدو القضايا الإنسانية أكثر حضوراً من التقنيات المسرحية وحدها؛ إذ تذهب العروض إلى مناطق تتصل بالحرية، والحلم، والسلطة، والعلاقات الإنسانية، والبحث عن الذات، وتمنحها اختلافات الثقافات والمدارس المسرحية طرائق متباينة في التعبير.

وتتضح هذه الرؤية في العرض السويسري «إيكارو» (Icaro)، الذي يأتي إلى القاهرة بعد مسيرة دولية طويلة، ويقدم تجربة تقوم على العلاقة المباشرة بين المؤدي والمتلقي. ولا يتعامل العرض مع الحرية بوصفها فكرة مجردة، بل يضعها في إطار تجربة شخصية تطرح أسئلة الأمل والحلم والهروب، من خلال شخصية إنسانية بعيدة عن صورة البطل التقليدي. ويجمع العمل بين المسرح والسيرك والحركة والصورة وفنون الأداء.

وفي المقابل، يذهب العرض المصري «سابع سما» إلى منطقة مختلفة، لكنه يلتقي مع «إيكارو» في جعل الإنسان محور الصراع. فالعرض يتابع «آدم»، الموظف الذي يشعر بالتهميش وعدم التقدير في عمله، قبل أن تأتي الترقية التي طالما حلم بها لتغيّر مسار حياته. ومع انتقاله إلى موقع أعلى، يبدأ في اكتشاف وجه آخر للسلطة، فيتحول تدريجياً إلى شخص أكثر قسوة واستبداداً، ويبتعد عن زوجته، ويقسو على من يعملون معه، وصولاً إلى فقدان كل ما كان يملكه.

سامح مهران خلال المؤتمر الصحافي (إدارة المهرجان)

ولا يقتصر حضور هذه الأسئلة على العروض المصرية أو السويسرية؛ إذ تضم المسابقة تجارب دولية عديدة تتقاطع مع الإنسان وعلاقاته وموقعه في العالم، مثل «أطفال اليوم» (Children of Today) من ألمانيا، و«حديقة الهسبيريدس» (The Garden of the Hespérides) و«تريبتكو – كلاسيكيات إسبانية» (TRÍPTICO – Spanish Classics) من إسبانيا، و«المذبحة الروحية» (The Spiritual Massacre) من جنوب أفريقيا، و«ليزا المسكينة» (Poor Liza) من روسيا، و«الذيل الأرجواني» (Purple Tail) من الصين، و«لعبة ليلية» (A Night's Game) من المملكة المتحدة، و«منذ البداية» (In the Beginning) من المجر، و«زهنيا + تانيا = حب» (Zhenya + Tanya = Love) من بيلاروسيا.

وتكشف عناوين هذه الأعمال وحدها عن اتساع المساحات التي تتحرك فيها الدورة، من العلاقات والحب إلى إعادة قراءة الأساطير والكلاسيكيات، ومن التجارب المرتبطة بالأجيال الجديدة إلى الأسئلة الأكثر قتامة حول الروح والإنسان.

ففي «تريبتكو – كلاسيكيات إسبانية»، على سبيل المثال، يصبح الاشتغال على الكلاسيكيات مدخلاً لإعادة النظر في علاقة المسرح المعاصر بتراثه النصي، في حين يحمل «زهنيا + تانيا = حب» العلاقة العاطفية إلى واجهة التجربة المسرحية، في تأكيد أن اختلاف اللغات والثقافات لا يلغي الأسئلة المشتركة بين البشر.

ويمتد هذا التنوع إلى القسم العربي، الذي يضم «غياهب الروح» من الإمارات، و«الناعشون» من السعودية، و«أنت منذ الأمس» من الأردن، إضافة إلى «لا موضي» من تونس، ضمن عروض الـ«Off Show»، في حين يمثل مصر عرضا «كتاب الموتى... الاسم المفقود» و«بماذا يحلم الناجون؟».

وخلال المؤتمر الصحافي الذي استضافته القاهرة مساء السبت، أُعلن تكريم كل من الفنان حمزة العيلي، والمخرج طارق الدويري، والفنان والسينوغراف محمد الغرباوي، والفنان حمدي حسين، والأكاديمي والباحث الدكتور عصام عبد العزيز، والفنانة عايدة فهمي، من مصر، إلى جانب المخرجة والمنتجة الأميركية الإيطالية باتريشيا لومباردي أكيرا، والمخرج البريطاني سكوت غراهام، والمخرج ومصمم الرقصات النيوزيلندي ليمي بونيفاسيو، والمخرجة اللبنانية لينا أبيض، والكاتب والناقد السوداني الدكتور يوسف عايدابي، والكاتب والمخرج الكويتي سليمان البسام، والفنان العراقي جواد الشكرجي، ضمن فعاليات المهرجان.

وقال رئيس المهرجان سامح مهران إن اختيار قائمة المكرمين جرى بعد مناقشات موسعة ومفاضلة بين مئات الأسماء التي تستحق التكريم، كلٌّ في مجاله، مشيراً خلال المؤتمر الصحافي إلى أنهم حرصوا على الإعداد المبكر للدورة الحالية من المهرجان، بما أسهم في إنجاز العديد من الفعاليات المصاحبة التي بدأت قبل انطلاق فعالياته.

كُشفت تفاصيل الدورة الجديدة من المهرجان في مؤتمر صحافي بالقاهرة (إدارة المهرجان)

ويترأس لجنة تحكيم المهرجان الممثل المصري رياض الخولي، وتضم في عضويتها مهندس الديكور المصري محمد الغرباوي، والمخرج والباحث التونسي محمد منير العرقي، والمسرحي والكاتب البحريني خالد الرويعي، والمخرجة والمنتجة الأميركية باتريشيا لومباردي أكيرا، والفنان والمخرج الفرنسي - البوركيني حسان كاسي كوياتي، والمخرج والكاتب المقدوني ساشو أوغنانوفسكي.

ويصاحب عروض المهرجان برنامج فكري يمتد 6 أيام، بمشاركة باحثين وأكاديميين ونقاد ومسرحيين من مصر والعالم العربي وعدد من الدول، ويناقش قضايا عدّّة تتصل بالتجريب المسرحي وتحولاته وعلاقته بالجمهور والمكان والسياقات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية.

وقال الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن إن الدورة الجديدة من المهرجان تحمل رؤية مبشرة، خصوصاً في ظل التنوع الواضح في العروض والفعاليات والأسماء المشاركة، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا التنوع يمنح الدورة مساحة واسعة لعرض تجارب مختلفة في الشكل والرؤية، ويفتح المجال أمام حوار حقيقي بين أجيال ومدارس مسرحية متعددة»، لافتاً إلى أن المهرجان «من خلال اختياراته، يثبت قدرته على استعادة دوره بوصفه منصة تجمع التجارب المصرية والعربية والدولية، بدلاً من أن يظل مجرد مناسبة لعرض عدد من الأعمال المسرحية».


مقالات ذات صلة

مسرحية «بعدك»... لماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح؟

يوميات الشرق في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)

مسرحية «بعدك»... لماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح؟

بأسلوب مباشر، يأخذنا معتوق إلى موضوع أساسي هو الصحة النفسية، ويطرح تساؤلات عن قدرتنا على مواجهة ما يؤلمنا...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق من أبطال المسرحية ميشيل وهبة ولودي الخوري وفادي أبو شعيا (الشرق الأوسط)

«آخرتا شو؟» تجمع الكوميديا والتكنولوجيا لمواكبة جيل الشباب

المسرحية موجّهة إلى جيل الشباب، وتخاطب خصوصاً أبناء جيل «زد» المهتمّين بمتابعة أخبار مواقع التواصل.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق التناغم في الأداء كان حاضراً بين دكاش وشبلي (الشرق الأوسط)

«زينا لبست خلخالها»... حين تتحوّل الذكريات إلى علاج يشفي

اختارت للانطلاق في هذا الطريق حكاية ترتكز على ذكريات شخصية ممزوجة بالخيال...

فيفيان حداد (بيروت)
منحنيات أصولية كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)

«قلبي مليان بحكايات» تستعيد اليوم الأخير في حياة داليدا

تستعيد مسرحية «داليدا... قلبي مليان بحكايات» اليوم الأخير في حياة المطربة العالمية، وتقدِّم قراءة درامية لمشاعر الوحدة والخذلان التي سبقت وفاتها.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق سمر صالح في دور الديفا المجروحة من الماضي (مسرح مونو)

سمر صالح... من ابتسامة «مونو» إلى خشبته في «درجة تانية»

من خلال مسرحية «درجة تانية»، تروي سمر صالح قصتها الحقيقية ضمن رسالة إنسانية مؤثِّرة، وتضفي على أدائها شيئاً من روحها وشخصيتها الطريفة.

فيفيان حداد (بيروت)

ترمب ينشر فيديو بالذكاء الاصطناعي وهو يصارع نمراً تسبب في مقتل رجل بريطاني

الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو
الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو
TT

ترمب ينشر فيديو بالذكاء الاصطناعي وهو يصارع نمراً تسبب في مقتل رجل بريطاني

الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو
الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو

شارك الرئيس الأميركي دونالد ترمب مقطع فيديو مُنشأً بواسطة الذكاء الاصطناعي، يظهر فيه وهو يصارع النمر الذي تسبب في مقتل رجل بريطاني في حديقة حيوان بجنوب يوركشاير.

وفي المقطع، يظهر الرئيس الأميركي مرتدياً بدلة وربطة عنق وهو يطارد النمر ويطرحه أرضاً، قبل أن يبدأ الاثنان في التعانق. وتحاكي بداية مقطع الفيديو -الذي تبلغ مدته 23 ثانية- لقطات حقيقية للحظات الأخيرة في حياة ويليام تشابمان، قبل أن يلقى حتفه إثر هجوم النمر عليه يوم السبت.

وفي مقطع الذكاء الاصطناعي الذي نُشر أمس (الثلاثاء) على منصة «تروث سوشيال» (Truth Social) التابعة للرئيس، يظهر ترمب جالساً على الأرض محاولاً صدّ «ألتاي»، وهو نمر سيبيري يزن 440 رطلاً (نحو 200 كيلوغرام)، بينما يقوم الحيوان بتوجيه ضربات بمخلبه.

ويظهر ترمب في الفيديو المُعدّل وهو يقفز ويركض خلف السنور الكبير، وقد أُرفق الفيديو بأغنية «The Lion Sleeps Tonight» لفرقة «The Tokens».

وشارك الرئيس الأميركي اللقطات الحقيقية للهجوم عبر منصته «Truth Social»، حيث أظهرت اللقطات اللحظات التي سبقت مقتل «تشابمان» إثر تعرضه لهجوم وحشي من النمر في حديقة «يوركشاير» للحياة البرية خلال عطلة نهاية الأسبوع.

بعد دقيقة واحدة من نشر لقطات الهجوم الحقيقية، نشر ترمب مقطع فيديو مُجمّعاً لحيوانات مفترسة كبيرة تهاجم البشر. وتضمن الفيديو مقطعاً مُولّداً بالذكاء الاصطناعي لأسد يحطم زجاج قفصه لمهاجمة حارس حديقة حيوانات.

وطلبت شرطة جنوب يوركشاير من الجمهور عدم مشاركة «لقطات مؤلمة» لوفاة تشابمان.

تم استدعاء خدمات الطوارئ بعد الساعة 1:30 ظهراً بقليل يوم 10 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد أن تسلق تشابمان إلى قفص النمر وتعرض للهجوم. وأُعلن عن وفاته في مكان الحادث بعد ذلك بوقت قصير.

نعت عائلة تشابمان فقيدها مساء أمس (الثلاثاء)، واصفةً إياه بأنه «ذكي، وودود، وجذاب». وفي بيانٍ لها، قالت العائلة إنه كان يعاني من «مرض نفسي حاد» لسنوات عديدة، وكان يتناول «أدوية قوية». وتابع البيان: «إن العائلة مفجوعة تماماً بفقدانه، وتكافح لاستيعاب ما حدث». وأعرب والدا تشابمان عن أملهما في أن «تبذل السلطات المختصة قصارى جهدها لكشف ملابسات ما فعله ابننا الرائع».

كان تشابمان قد نشر مقطع فيديو على صفحته في «إنستغرام» من داخل حظيرة الحيوان قبل لحظات من الهجوم، حيث صوّر نفسه وهو يقترب ببطء من السنور الضخم، وكان يُسمع صوت تنفسه الثقيل بوضوح.

وتشير المعلومات التي حصلت عليها صحيفة «التلغراف» إلى أن تشابمان كان ممثلاً طفلاً سابقاً، وقد درس في «مدرسة جاكي بالمر للمسرح» (Jackie Palmer Stage School) في منطقة «هاي ويكومب» بمقاطعة باكينغهامشير.


مسرحية «بعدك»... لماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح؟

في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)
في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)
TT

مسرحية «بعدك»... لماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح؟

في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)
في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)

الحبّ في مسرحية «بعدك» لرالف معتوق ليس مجرّد قصة رومانسية عابرة. فالمخرج يذهب إلى ما هو أعمق من معنى الحبّ، ويؤكد أنّ الحبّ وحده لا يكفي، وأنّ العلاقة السليمة بين الشريكين ترتكز على المصارحة. من هذا المنطلق، ينسج معتوق، كاتب العمل ومنتجه وبطله أيضاً، نصّاً إنسانياً مؤثّراً يضيء على موضوعات تشكّل الظلّ الذي يرافق أيّ علاقة بين اثنين. فكما تنطبق تعقيدات الحبّ على العلاقات بين الأم والأب والابن والأخ، تنسحب على العلاقة بين الشريكين والحبيبين أيضاً. ومن خلال معالجة هذه الموضوعات، يفتح العمل نافذة على علاقات تتصدّع لأسباب مختلفة، وعلى تجارب انفصال تتعدّد وجوهها، ويبقى الموت أقساها.

تتقلّب أحداث المسرحية بين تفاصيل صغيرة ومحطّات أساسية في حياة زوجين، اختار أحدهما الرحيل بقرار ذاتي. فنحن أمام قصة يُغلّفها الحبّ، بينما تختبئ تحت طبقاتها مشاعر الألم والصراع والهواجس والعُقَد. وبأسلوب مباشر، يأخذنا معتوق إلى موضوع أساسي هو الصحة النفسية، ويطرح تساؤلات عن قدرتنا على مواجهة ما يؤلمنا والتعبير عمّا يدور في داخلنا. فلماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح ونعترف ونضع النقاط على الحروف، في محاولة لإنقاذ علاقة ما؟ أليس الأجدى أن نلجأ إلى المصارحة والحوار والاعتراف، لنرتقي بمشاعرنا إلى فضاء أكثر وعياً ونضجاً؟

«بعدك»... تجربة مسرحية مختلفة (رالف معتوق)

تستضيف خشبة مسرح «ديستريكت 7» في بيروت هذا العمل، من بطولة رالف معتوق ويمنى بو حنّا. ويجسّد الاثنان، بأداء متناغم ونبض شبابي، قصة حبّ رومانسية تحمل في طيّاتها خلفيات وأبعاداً طالما غضضنا النظر عنها.

وتدور أحداث العمل حول يمنى التي تعاني فقدان زوجها عاصي. فقد عاشا معاً 7 سنوات قبل أن يقرّر وضع حدّ لحياته بين عشية وضحاها. وبعد مرور 3 سنوات على رحيله، تقرّر العودة إلى الغناء، وهي هواية رغبت في ممارستها إلى جانب مهنتها الأساسية مهندسةً داخلية. لكنّ التوتر والقلق يسكنانها؛ فهي لم تعتلِ الخشبة منذ غيابه، وكانت تحتاج إلى دعمه الدائم. فتستحضره في حوار يميل إلى البوح والفضفضة، ويستعيدان معاً شريط حياتهما، طارحين أسئلة لطالما شغلت تفكيرهما، لكنّ أياً منهما لم يتجرّأ على تناولها، لاعتقادهما أنّ كلاً منهما يعرف الآخر. ومع تقدّم الأحداث، نكتشف معهما عُقَداً رافقت زواجهما، وأسراراً كبتاها في أعماقهما، ولو تمكّنا معاً من فتح صفحاتها، لربما استطاعا إنقاذ علاقتهما من الفقدان.

يقول المخرج وكاتب العمل رالف معتوق إنّ فكرة المسرحية وُلدت من أسئلة كان يطرحها على نفسه كلّما سمع بخبر فقدان أحد الشريكين للآخر. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتخيّل لقاءهما، وعمّا يمكن أن يتحدّثا، وما الذي قد يعترف به كلّ منهما للآخر. فالناس عادةً ما تتناول هذه المواضيع من باب النميمة وتأليف الأخبار، لكنها لا تغوص في العمق، ولا تبحث عمّا وراء كلّ قصة فقدان ووحدة».

تخيّل معتوق الموقف برمّته انطلاقاً من تصوّره الشخصي له، وكتبه بقلم تسيل منه المشاعر قبل الحبر. وكان هدفه أن يلامس الناس بصدق، ويدفعهم إلى الاهتمام بالحبّ قولاً وفعلاً. واختار أن يعالج العلاقة الثنائية، مشدّداً على أهمية الصحة النفسية، وفاتحاً الباب أمام تفاصيل صغيرة قد لا يعيرها المرء اهتماماً.

ويطلّ على موضوعات اجتماعية وعائلية، متوقّفاً بصورة رئيسية عند الطفولة، إذ إنّ ما نحمله من تعقيدات ومخاوف وصراعات يبدأ في تلك المرحلة. فالزوج الراحل في المسرحية كان يعاني ترسّبات نفسية، وخضع لجلسات علاج نفسي، لكنه توقّف عنها، ممّا أعاده إلى حالة من الصراع مع الذات.

وانطلق معتوق في قصته من واقع يعيشه اللبنانيون، إذ إنّ 65 في المائة منهم يعانون اضطراباً نفسياً، وإنّ شخصاً واحداً يُقدم على الانتحار كلّ يومين. وهي أرقام موثّقة، وفق النص، من جمعية «إمبرايس» (Embrace)، التي تهدف إلى تقديم الدعم النفسي والوقاية من الانتحار. وقد استند إليها معتوق في كتابة نصّ العمل.

يضيف مسرح «ديستريكت 7» بُعداً حميمياً إلى القصة. فمساحته التي لا تتجاوز 4 أمتار تولّد تفاعلاً لا شعورياً بين الممثلين والحضور، وهو ما شجّع معتوق على اختياره، لأنه يناسب قصة من هذا النوع، وكذلك تفادياً لتشتّت انتباه المشاهد. ويوضح: «اختياري (ديستريكت 7) لم يأتِ مصادفة. فالقرب من الجمهور، ومن مسافة مختصرة جداً، يزيد من متابعة العمل بدقّة».

تحضر يمنى بو حنّا في المسرحية بمواهب متعدّدة من بينها الغناء (رالف معتوق)

وتترك المسرحية أثرها في مشاهديها، إذ توقظ لديهم وعياً بأهمية العلاقات الإنسانية عموماً. وهو ما يؤكده معتوق، قائلاً: «سعدتُ بهذه النتيجة، إذ تلقّيت ردود فعل مباشرة من الحضور. فقد أكّدت لي إحدى السيدات أنها، ما إن تصل إلى بيتها بعد العرض، حتى تذهب لتقبيل أطفالها النائمين، كي لا يفوتها التعبير عن حبّها لهم. واعترفت سيدة أخرى بأنّها لن تؤجّل بعد اليوم احتضان أخيها وشقيقتها ومعانقتهما. فالحبّ يكون بالقول والفعل، ويأتي قبل الخبز أحياناً». أمّا عن أهمية المسرحية من الناحية المهنية في مشوار رالف معتوق، فيوجزها: «لا تشبه أيّ عمل آخر سبق أن كتبته أو أخرجته. انطلقتُ من موضوع حميم ودافئ، ليشكّل العمل تجربة خاصة لكلّ مَن يشاهده».


لوحة لفان غوخ تطلّ بعد 60 عاماً... و180 مليون دولار في انتظارها

شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)
شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)
TT

لوحة لفان غوخ تطلّ بعد 60 عاماً... و180 مليون دولار في انتظارها

شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)
شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)

تزاحم المئات في هونغ كونغ، الثلاثاء، لمشاهدة لوحة لفنسنت فان غوخ لم تُعرض على الجمهور منذ أكثر من 6 عقود، وذلك قبيل بيعها في مزاد تنظّمه دار «سوذبيز» في نيويورك، إذ يُتوقّع أن تُحقّق نحو 180 مليون دولار.

ووفق «رويترز»، من المقرّر أن يختبر المزاد، الذي سيُنظّم في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، متانة سوق الفنّ الراقية، التي ظلّ فيها هواة الاقتناء يتنافسون على الأعمال النادرة المرموقة، من دون أن تثنيهم حالة عدم اليقين الاقتصادي السائدة.

وتُعدّ لوحة «شاتينييه إن فلور» أو «أشجار الكستناء المزهرة»، التي رُسمت في مايو (أيار) 1890، من أبرز أعمال الفنان الهولندي في أيامه الأخيرة في قرية أوفير سور واز الفرنسية، التي لفظ فيها أنفاسه بعد نحو شهرين، وهو في الـ37 من عمره.

واللوحة على وشك تسجيل رقم قياسي جديد في المزادات لأعمال فان غوخ، وفق سكوت نيشيل من قسم الفنّ الحديث والمعاصر في دار «سوذبيز» بنيويورك.

في اللوحة ربيعٌ لا يشبه خريف صاحبها (رويترز)

وقال: «هذا عمل يتجلّى فيه تفاؤل استثنائي وطاقة محمومة وحماسة وشغف وألوان زاخرة في مسيرة الفنان الإبداعية».

واللوحات التي أنجزها فان غوخ في مرحلة «أوفير سور واز» الأخيرة، بُعيد خروجه من مصحّة للأمراض النفسية في «سان ريمي دو بروفانس»، نادراً ما تُطرح في المزادات، وسيستقطب هذا الحدث اهتمام هواة الاقتناء والمتاحف والمستثمرين.

وقالت عاشقة الفن البالغة من العمر 50 عاماً، لي شانشان، التي قطعت نحو ساعتين ونصف الساعة قادمةً من مدينة شنتشن الجنوبية لمشاهدة اللوحة: «لم أسمع بهذه اللوحة من قبل، فأردت أن أراها بعيني».

وستُباع اللوحة، التي تُصوّر شجرة كستناء ضخمة مزهرة بتاجٍ من الأزهار يهيمن على التكوين بأسره، ضمن مجموعة من 12 لوحة طال غيابها عن الأنظار، تضمّ أعمالاً لبول سيزان وكلود مونيه.

وشملت الأعمال الخمسة التي كُشف عنها في دار «سوذبيز» بلندن أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي لوحة «هارلكين» للفنان سيزان، ولوحة «حديقة التويلري» للفنان مونيه.

وبعد رحيل فان غوخ في يوليو (تموز) 1890، انتقلت لوحة «شاتينييه إن فلور» إلى شقيقه ثيو، ثم إلى أرملة الأخير يوهانا فان غوخ بونغر وابنهما فنسنت ويليم.

ثم آلت ملكيتها إلى الناشر الألماني صامويل فيشر، مؤسّس دار «إس فيشر فيرلاغ»، قبل أن تنتقل إلى مجموعة جورج «بادي» ديسيلفا، كاتب الأغنيات الأميركي ومنتج الأفلام والمؤسِّس المشارك لشركة «كابيتول ريكوردز».

وعام 1953، اقتنت اللوحة جامعة الأعمال الفنية هارييت هاريس جوناس، التي كانت مجموعتها تحظى بأهمية دفعت متحف متروبوليتان للفنون في نيويورك إلى تنظيم زيارات لرعاته لمشاهدة أعمالها في شقتها على جادة فيفث أفينيو.

وعام 1975، انتقلت اللوحة إلى عائلة بلاكييه، التي اقتنتها من تاجر الفن وايلدنشتاين.